عرض مشاركة واحدة
قديم 06-13-2026, 09:07 PM   #295

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 491 الى صـــ 510
الحلقة (295)






وما لا فلا يكلف البحث عنه. وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم يستحق. وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذَلِكَ قوم، وأجازه آخرون. فممن كرهه: عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصرَ فنزك ميراثها أيضًا، وقال مالك: قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إني لأعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير الحرام فيفسد المال كله. وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام. وممن أجازه ابن مسعود. روي عنه أن رجلًا سأله فقال: لي جار لا يتورع مِن أكل الربا، ولا مِن أخذ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه، ويكون لنا الحاجة فنستقرضه. فقال: أجبه إلى طعامه، واستقرضه فلك المهنأ وعليه المأثم (١). وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا، فأجازه (٢).
وسئل النخعي عن الرجل يرث المال منه الحلال والحرام. قال: لا يحرم عليه إلا حرام بعينه. وعن سعيد بن جبير أنه مرَّ بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ، فقال: ناولنيها من سحتكم هذا، إنه عليكم حرام، وعلينا حلال. وأجاز البصري طعام العشار، والصراف، والعامل. وعن مكحول والزهري: إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس

------------
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ١٥٠ (١٤٦٧٥ - ١٤٦٧٦) كتاب: البيوع، باب: طعام الأمراء وأكل الربا، وابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٥٦.
(٢) رواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٣٣٥ كتاب: البيوع، باب: كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم.



به، وإنما يكره من ذَلِكَ الشيء يعرف بعينه. وأجازه ابن أبي ذئب.
قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقد رهن الشارع درعه عند يهودي على طعام أخذه (١).
وقال الطبري: في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدلالة على من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أُعطِيَه، وإن كان ممن لا يبالي اكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلم أنه حرام بعينه، وبنحو ذَلِكَ قالت الأئمة من الصحابة والتابعين. ومن كرهه فإنما ركب في ذَلِكَ طريق الورع وتجنب الشبهات، والاستبراء لدينه؛ لأن الحرام لا يكون إلا بَيِّنًا غير مشكل.
وفي الحديث: من الفقه:
أن للإمام أن يعطي الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهًا لسابقة، أو خير، أو غنًى عن المسلمين، وأن ما جاء من المال الحلال الطيب من غير مسألة فإنَّ أَخْذَه خير من تركه، إذا كان ممن يُجْمُل الأخذ منه. وأنَّ رد عطاء الإمام ليس من الأدب؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر.

------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٨)، ورواه مسلم (٢٥٠٨).


باب في قوله تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]
المحروم: المحارف، قال ابن عمر: الحق هنا سوى الصدقة المفروضة (١). وقاله مجاهد (٢). وهذا الباب في بعض النسخ، ونبه عليه ابن التين. وقال: إنه ليس في رواية أبي ذر (٣)، فلذا حذفه ابن بطال وشيخنا. والمحروم من حرم الرزق، وكذلك المحارف.
واختلف أهل اللغة من أين أخذ هذا للمحارف، فقيل له: حورف كسبه: ميل به عنه، كتحريف الكلام يعدل عن جهته.
وزعم ناس أنه أخذ من المحراف وهو حديدة يعالج بها الجراحة، أي: قدر رزقه كما تعقل الجراحة بالمنشار. وقال الحسن بن محمد: المحروم من لا سهم له في الغنيمة. وقال زيد بن أسلم: إنه الذي لحقته الجائحة فأذهبت زرعه وماشيته.
وقال الشعبي: أنا منذ احتلمت أسأل عن المحروم، وما أنا الساعة بأعلم به مني ذَلِكَ الوقت ولي سبعون سنة.
وقال محمد بن الحنفية: بعث الشارع سرية فغنمت، فجاء قوم لم يشهدوا الحرب فأنزل الله الآية المذكورة (٤).

------------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ - ٤١٢ (١٠٥٢٤) كتاب: الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) كذا ذكر المصنف نقلًا عن ابن التين وفي حاشية السلطانية ٢/ ١٢٣ أنها من رواية أبي ذر والمستملي.
(٤) انظر: هذِه الآثار في «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٣٨ - ٣٩.



٥٢ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكثُّرًا
١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». [١٤٧٥ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨]

١٤٧٥ - وَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -». وَزَادَ عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ». [٤٧١٨]
وَقَالَ مُعَلّى: حدثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الَمسْأَلةِ. [انظر: ١٤٧٤ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨]
حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأْتيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ..» الحديث.
وَزَادَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ ..» الحديث.
وَقَالَ مُعَلًّى: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعمانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي المَسْألَةِ.


الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله «مزعة لحم» ولم يذكره في رواية أخرى: أعني: «مزعة» (١).
وقوله: (قال: مُعَلَّى) أسنده البيهقي، عن أبي الحسين القطان، ثنا (ابن أبي درستويه) (٢)، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا مُعَلَّى به: «ما تزال المسألة بالرجل حتَّى يلقى الله وما في وجهه مزعة لحم» (٣).
وقوله: (وزاد عبد الله) يعني: ابن صالح كاتب الليث بن سعد. قاله أبو نعيم وخلف في «أطرافه». ووقع أيضًا في بعض الأصول منسوبًا، وتابع يحيى عبدُ الله بن عبد الحكم، وشعيبُ بن الليث فروياه عن الليث. ورواية عبد الله أسندها البزار، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن حمزة، ورأيته في موضع آخر عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: حَدَّثَني حمزة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -. فذكره مطولًا.
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالمُزعة -بضم الميم- القطعة من اللحم، ويقال بكسرها، قاله ابن فارس (٤).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس.
(٢) في الأصل: ابن درستويه، ولعل الصواب ما أثبتناه كما في «سنن البيهقي» ٣/ ١٩٦ (٧٨٧٠).
(٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٩٦ كتاب: الزكاة، باب: كراهية السؤال والترغيب في تركه.
(٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٩.



واقتصر عليه القزاز في «جامعه»، وابن سيده (١): الضم فقط، وكذا الجوهري، قال: وبالكسر من الريش والقطن (٢).
سوَّى ابنُ سيده بين الكل بالضم. قال ابن التين: وضبطه أبو الحسن بفتح الميم والزاي، وقال: الذي أحفظ عن المحدثين ضمها. ومزعت اللحم: قطعته قطعة قطعة، ويقال: أطعمه مزعة من لحم أي: قطعة وثيقة منه.
قال الخطابي: هذا يحتمل وجوهًا: منها أنه يأتي يوم القيامة ساقطًا لا جاه له ولا قدر، ومنها أن يكون وجهه عَظْمًا لا لحم عليه، بأن يكون قد عذب في وجهه حتَّى سقط لحمه، على معنى مشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء (٣).
كما روي من قرض شفاه الخطباء (٤)، وتخبط آكلة الربا (٥)، ويكون ذَلِكَ شعاره يعرف به. وقد جاء في رواية أنه يأتي يوم القيامة ووجهه عظم كله. قال المهلب: وفيه ذم السؤال وتقبيحه.
وفهم البخاري أن الذي يأتي يوم القيامة ولا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرًا لغير ضرورة إلى السؤال. ومن سأل تكثرًا فهو غني لا تحل له الصدقة، فعوقب في الآخرة، فإذا جاء لا لحم في وجهه فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث:

--------------
(١) «المحكم» ١/ ٣٣٧.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١٢٨٤.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٠٢.
(٤) رواه أحمد ٣/ ١٢٠ و١٨٠ و٢٣١ و٢٣٩ من حديث أنس.
وله عنه طرق عدة جمعها الألباني مصححًا للحديث في «الصحيحة» (٢٩١).
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥].



«إن الشمس تدنو من رءوسهم يوم القيامة حتَّى يبلغ العرق نصف الأذن» وفي رواية: «يبلغ عرق الكافر» فحذر - ﷺ - من الإلحاف لغير حاجة في المسألة.
وأما من سأل مضطرًا فقيرًا فمباح له المسألة، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد عنها بدًّا، ورضي بما قسم الله له، ولم يسخط قدره.
وفي حديث سمرة مرفوعًا: «المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، وما شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا» (١).
قُلْتُ: ولا يحل للفقير أن يظهر من المسألة أكثر مما به.

--------------
(١) رواه أبو داود (١٦٣٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجوز فيه المسألة، والترمذي (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة، والنسائي ٥/ ١٠٠ كتاب: الزكاة، مسألة الرجل في أمر لا بد له منه، وأحمد ٥/ ١٠، ٥/ ١٩، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٧)، وفي «صحيح الجامع» (٦٦٩٥)، و«صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٨٦ (٧٩٢).


٥٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
وَكَمِ الغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ». [لقول الله تعالى:] ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ إِلَى قَوُلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].

١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». [١٤٧٩، ٤٥٣٩ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤٠]

١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ سيأتي بعد الحديث ١٧١٥ - فتح: ٣/ ٣٤٠]

١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَى، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أو قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. يَعْنِي: فَقَالَ: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ


ابْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ». [انظر: ٢٧ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ٣/ ٣٤٠] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤] قُلِبُوا ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢] أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.

١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». [انظر: ١٤٧٦ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤١]

١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ: إِلَى الجَبَلِ- فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٤١]
ذكر خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكلَةُ وَالأُكلَتَانِ، ولكنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْألُ النَّاسَ إِلْحَافًا».
ثانيها: حديث ابن أشوع -وهو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله- عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَى بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ


- ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلًاثا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».
ثالثها: حديث محمد بن غُرَيْرٍ عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابن شِهَابٍ عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله - ﷺ - رَهْطًا .. الحديث.
وفي آخره: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغيرُهُ أَحَبُّ إِلَى مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ عن أبيه، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.
رابعها: حديث أبي هريرة: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ..» الحديث.
خامسها: حديث أبي هريرة أيضًا: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ»
الشرح:
أما قوله: «لا يجد غنًى يغنيه» فقد أسنده في الباب من حديث أبي هريرة، وهو الحديث الرابع.
وأما الحديثان الأولان فأخرجهما مسلم أيضًا (١)، وسلف قطعة من

------------
(١) حديث أبي هريرة الأول رواه مسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنًى، ولا يفطن له فيتصدق عليه.
والحديث الثاني رواه برقم (٥٩٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته.



أول الحديث الثاني في باب: الذكر بعد الصلاة (١).
وكاتب المغيرة: هو ورَّاد كما سلف هناك (٢).
وأما الثالث: فالسند الأخير أخرجه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد قال: سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري المذكور فقال في حديثه: فضرب رسول الله - ﷺ - بيده بين عنقي وكتفي ثم قال: «أَقِتَالًا أي سعد؟ إني لأعطي الرجل» (٣)
وفي «الجمع» للحميدي في أفراد مسلم عن إسماعيل بن محمد بن سعد (٤)، عن أبيه، عن جده بنحو حديث الزهري عن عامر بن سعد.
وزعم خلف أن طريق إسماعيل بن محمد هذا في البخاري في كتاب الزكاة عن محمد بن غرير كما سقناه، لكن زاد بعد: صالح عن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن سعد.
وقال أبو نعيم: وساقه من حديث الدوري، عن يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، حَدَّثَني أبي، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد، سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري عن عامر .. الحديث
ثم قال: رواه يعني: البخاري، عن محمد بن غُرَير، عن يعقوب. وقد سلف الحديث في كتاب الإيمان.

------------
(١) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان.
(٢) راجع شرح حديث (٨٤٤).
(٣) «صحيح مسلم» (١٥٠) كتاب: الإيمان، باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ١٨٨.



وأما حديث أبي هريرة الرابع: فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وأما حديثه الأخير فسلف في باب: الاستعفاف عن المسألة (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ: فالآية الأولى اختلف المفسرون في تأويلها فقيل: يسألون ولا يلحفون في المسألة، وقيل: إنهم لا يسألون الناس أصلًا أي: لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف؛ وألحف وأحفى وألح بمعنًى، والدليل على أنهم لا يسألون وصف الرب ﷻ بالتعفف، ولو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. ويشهد له حديثا أبي هريرة في الباب الأول والرابع.
واحتج بالحديث الأول، قالوا: والمسألة بغير إلحاف مباحة للمضطر إليها، يدل على ذَلِكَ ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد له صحبة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» (٣)
فدل ذَلِكَ أن من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم في المسألة. ومن لم يكن ملومًا في مسألته، فهو ممن يليق به اسم التعفف.
وليس قول من قال: لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. بصحيح؛ لأن السؤال المذموم إنما هو لمن كان غنيًّا عنه بوجود أوقية أو عدلها، فالحديثان مختلفان في المعنى لاختلاف ظاهر ألفاظهما.
والأول نفي الإلحاف ودل على السؤال، والثاني نفي فيه السؤال أصلًا، وانتفي فيه الإلحاف بنفي السؤال، وإنما اختلفا لاختلاف أحوال السائل؛ لأن الناس يختلفون في هذا المعنى، فمنهم من يصبر عن السؤال

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٣٩).
(٢) سلف برقم (١٤٧٠).
(٣) «الموطأ» ٢/ ١٧٩ (٢١١١) باب: التعفف عن المسألة، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٢٩٦ (١٧١٩).



عند الحاجة ويتعفف، ويدافع حاله، وينتظر الفرج من خالقه، ومنهم من لا يصبر ويسأل بحسب حاجته، وكفايته، ومنهم من يسأل وهو يحب الاستكثار، وهذا هو الملحف الذي لا تنبغي له المسألة.
ويحتمل أن يكون معناهما واحدًا في نفي السؤال أصلًا. ويحتمل أن يكونا متفقي المعنى في إثبات السؤال، ونفي الإلحاف. فإن قُلْتَ: فكيف قال: «ولا يقوم فيسأل الناس» قيل: في أكثر أمره وغالب حاله يلزم نفسه التعفف عن المسألة، حتىَّ تغلبه الحاجة والفقر ويقع سؤاله نادرًا، كما قال - ﷺ -: «لا يضع عصاه عن عاتقه» (١) أي غالبًا، وكما قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سَوي» (٢).
وقد تحل لهم في بعض الأوقات. ومن كان سؤاله عند الضرورة وفي النادر فليس بملحف، واسم التعفف أولى به، بدليل حديث عطاء بن يسار السالف. وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يبغض الغني الفاحش البذيء والسائل الملحف» (٣) وقال أبو هريرة:

-------------
(١) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، من حديث فاطمة بنت قيس.
(٢) روي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فحديث أبي هريرة رواة النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنًى، وأحمد ٢/ ٣٧٧ - ٣٨٩، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة. وحديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (١٦٣٤) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٢) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٢، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٤). وصحح الحديثين معًا في «الإرواء» (٨٧٧).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ١٠٠ (٦٢٢٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٤ وعزاه إلى ابن جرير وابن المنذر.



المسكين: هو المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا حتَّى تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١).
وأما قول البخاري: وكم الغنى؟ أي: كم حده؟ وقد سلف فيه حديث عطاء. وروى ابن مسعود: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: «خمسون درهمًا» (٢) وفي حديث أبي سعيد: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» (٣).
وفي حديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود: يا رسول الله، ما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه» وفي لفظ: «أن يكون له شبع يوم وليلة» (٤).
وحديث عليًّ: ما ظهر غنًى يا رسول الله؟ قال: «عشاء ليلة» (٥).
وسيأتي في الباب أيضًا إيضاح الخلاف فيه. وأما الآية الثانية وهي

---------
(١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٧٩ وعزاه إلى ابن جرير.
(٢) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهية المسألة، أحمد ١/ ٣٨٨، ١/ ٤٤١، ١/ ٤٦٦، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٨) وفي «الصحيحة» (٤٩٩).
(٣) رواه أبو داود (١٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والنسائي ٥/ ٩٨ كتاب: الزكاة، من الملحف؟، وأحمد ٣/ ٧، ٩ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٠)، و«الصحيحة» (١٧١٩).
(٤) سنن أبي داود (١٦٢٩) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤١).
(٥) رواه أحمد ١/ ١٤٧، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ١/ ٢٢٤، والطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٣٢ (٧٠٧٨)، و٨/ ١٣٨ (٨٢٠٥)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢٢٠، والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢١ كتاب: الزكاة، باب: الغنى التي يحرم السؤال، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٤): صحيح لغيره.



قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، هم فقراء المهاجرين خاصة، قاله مجاهد (١)، وابن أبي جعفر عن أبيه، والسدي (٢).
ومعنى ﴿أُحْصِرُوا﴾: منعهم فرض الجهاد عن التصرف، وقيل: أحصرهم عدوهم؛ لأن الله شغلهم بجهادهم، وقيل: شغلهم عدوهم بالقتال عن التصرف، واللغة توجب أن أحصر من المرض إلا أن يكون المعنى صودفوا في هذا الحال.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ أي: تصرفًا عن المدنية. وقيل: ألزموا أنفسهم الجهاد، كما يقال: لا أستطيع أن أعصيك أي: قد ألزمت نفسي طاعتك.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ ليس الجهل هنا ضد العلم، وإنما هو ضد الخبرة. أي الجاهل بحالهم بما يرى بهم من التعفف؛ لأنهم لا يسألون.
وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني: ما بهم من الخصاصة، كان أحدهم يلبس البردة إلى نصف الساق والآخر يتزرها. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي يعلمه ويجازي على ما أريد به وجهه.
وأما حديث أبي هريرة الأول: فقوله - ﷺ -: «ليس المسكين» أي ليس الشديد المسكنة. قاله ابن التين.

------------
(١) «تفسير مجاهد» ١/ ١١٧، ورواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١٠)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٥)، وذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٣٢٧، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٣ وعزاه إلى سفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١١ - ٦٢١٢).



وقال ابن بطال: يريد ليس المسكين المتكامل أسباب المسكنة؛ لأنه بمسألته يأتيه الكفاف والزيادة عليه فيزول عنه اسم المبالغة في المسكنة.
«وإنما المسكين» المتكامل أسباب المسكنة من لا يجد غِنًى ولا يتصدق كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: ليس ذَلِكَ غاية البر لأنه لا يبلغ بر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ البقرة: ١٧٧. الآية (١).
وقوله: «الأُكله والأُكلتان» قال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة بمعنى اللقمة، فإذا فتحها كانت المرة الواحدة. قال الكسائي: يقال في كل شيء: فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة ورأيت رؤية.
ذكره الهروي. وفي «الفصيح»: الأكلة: اللقمة، والأكلة بالفتح: الغداء والعشاء.
وقال صاحب «المطالع» أيضًا: هما في الحديث بالضم؛ لأنه بمعنى اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح، إلا أن يكون فيها فاء فيكون مضمومًا بمعنى المأكول.
واختلف أهل اللغة في الفقير والمسكين، من هو أسوأ منهما؟
فقال ابن السكيت، وابن قتيبة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير؛ لأنه مشتق من السكون. وهو عدم الحركة، فكأنه كالميت، فالمسكين: الذي سكن وخشع، والفقير له بعض ما يقيمه، واحتجوا بقول الراعي:
أَمَّا الفَقِيُر الذي كانَتْ حَلُوبَتُه … وَفْق العِيالِ فلم يُتْرَك له سَبَدُ (٢)

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥١٦ - ٥١٧.
(٢) «غريب ابن قتيبة» ١/ ١٩١.



فجعل له حلوبة، وجعلها وفق عياله أي: قدر قوتهم. وقال ابن سيده: المِسْكين والمَسْكين، الأخيرة نادرة؛ لأنه ليس في الكلام مَفْعيل: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله.
وقال أبو إسحاق: هو الذي أسكنه الفقر فخرجه إلى معنى مفعول (١)، والفقر ضد الغنى. وقدر ذَلِكَ أن يكون له ما يكفي عياله. وقد فقر فهو فقير والجمع: فقراء. والأنثى: فقيرة من نسوة فقائر.
وحكى اللحياني نسوة فقراء، ولا أدري كيف هذا. وقال القزاز: أصل الفقر في اللغة: من فقار الظهر، كأن الفقر كسر فقار ظهره، فبقي له من جسمه بقية يدل عليه الشعر السالف. والفَقر والفُقر، والفتح أكثر. وأما ابن عديس فسوى بينهما.
قال القزاز: والناس يجعلون المِسْكِين هو الذي معه شيء، وليس كذلك، ذاك الفقير. وأما المسكين: فالذي لا شيء معه، والفرق في الاشتقاق، لأن المْسِكين مِفْعِيل من السكون، وإذا انقطعت حركة الإنسان لم يبق له شيء. واحتج من جعل المسكين من له شيء بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة، ومعنى هذا عند قوم أنه لم يرد فقرهم، ولكن جرى الخطاب على معنى الترحم كما تقول: ما تصنع ها هنا يا مسكين؟ على معنى الترحم. وكما قال - ﷺ - لقيلة: «يا مسكينة عليك بالسكينة» (٢).

---------------
(١) «المحكم» ٦/ ٤٤٩.
(٢) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ٣١٧ - ٣٢٠ مطولًا، والطبراني في «الكبير» ٢٥/ ٧ - ١١ (١)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٥٢ - ١٥٣ مختصرًا، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٦/ ١٠ - ١٢ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.



وقال قوم: لم تكن السفينة لهم وإنما كانوا فيها على سبيل الأجرة للعمل، وقال الجوهري: المسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى: الذلة والضعف، يقال: سكن الرجل وتمسكن وهو شاذ، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالًا من الفقير قال: وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل مسكين. والمرأة مسكينة، وقوم مساكين، ومسكينون، والإناث مسكينات (١).
وقال الأخفش: الفقير مشتق من قولهم: فقرت له فقرة من مالي.
وقال نفطويه: الفقير عند العرب: المحتاج، والمسكين: الذي قد أذله الفقر.
إذا عرفت ذَلِكَ: فقد اختلف العلماء فيهما بناءً على ذَلِكَ:
فقال مالك وأبو حنيفة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير (٢). وعكس الأصمعي وابن الأنباري والشافعي (٣)، احتج الأولون بهذا الحديث، واحتج الآخرون بالآية السالفة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وبالآية السالفة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] قالوا: والفقر هو استئصال الشيء يقال: فقرتهم الفاقرة إذا أصابتهم داهية أهلكتهم، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره كما سلف، ومن صار هكذا فقد حل به الموت. وقد يقال: مسكين لغير الفقير، ولكن لمن نقصت حاله عن الكمال في بعض الأمور كما قال - ﷺ -: «مسكين مسكين من لا زوجة

-------------
(١)»الصحاح«٥/ ٢١٣٧.
(٢) انظر:»الهداية«١/ ١٢٠،»المعونة«١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٣) انظر:»الاستذكار«٩/ ٢٠٩ - ٢١٠،»روضة الطالبين" ٢/ ٣٠٨.



له، ومسكينة مسكينة من لا زوج لها» (١) قالوا: وقد قال الشارع: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: صحيح الإسناد (٢). وتعوذ بالله من الفقر، فعُلم أنه أسوأ حالًا وأشد من المسكنة. قال ابن التين: وأهل اللغة جميعًا على هذا القول.
وقالت طائفة من السلف: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، والزهري، وروي عن علي بن زياد، عن مالك أن الفقير الذي لا عيال له ويتعفف عن المسألة، والمسكين: الذي لا عيال له ويسأل (٣).
واختلفوا أيضًا كم الغنى الذي لا يجوز لصاحبه أخذ الصدقة، وتحرم عليه المسألة فقال بعضهم: هو بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه. وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ادخار شيء لغد. وهو مردود بما ثبت عن الشارع وأصحابه أنهم كانوا يدخرون.
وقال آخرون: لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة وأحلوا ذَلِكَ بحل الميتة للمضطر.

------------
(١) حديث مرسل، رواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٨ (٦٥٨٩)، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٣٨٢ (٥٤٨٣)، وذكره الديلمي في «الفردوس» ٤/ ١٦٥ (٦٥١٥)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٥٢ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات إلا أن أبا نجيح لا صحبة له، وذكره الهندي في «كنز العمال» ١٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (٤٤٤٥٥)، وعزاه للبيهقي في «الشعب» عن أبي نجيح مرسلًا، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥١٧٧): منكر.
(٢) «المستدرك» ٤/ ٣٢٢ كتاب: الرقائق، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٢٦١)، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٥٨ (٨٦١).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.



وقال آخرون: لا تحل المسألة بكل حال. واحتجوا بما روي عنه - ﷺ - أنه قال أبي ذر: «لا تسأل الناس شيئًا» (١) وجعلوا ذَلِكَ نهيًا عامًّا عن كل مسألة. وبما رواه ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن معاوية، عن ثوبان مرفوعًا: «من تكفل لي بواحدة تكفلت له بالجنة» قال ثوبان: أنا. قال: «لا تسأل الناس شيئًا» وكان سوطه يقع فما يقول لأحدٍ: ناولنيه، فينزل فيأخذه (٢). وقال قيس بن عاصم لبنيه: إياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، فإن أحدًا لن يسأل إلا ترك كسبه (٣).
وقالت طائفة: لا يأخذ الصدقة من له أربعون درهمًا، لقوله - ﷺ -: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» وقد سلف (٤). وممن قال بذلك أبو عبيد.
وقالت طائفة: لا تحل لمن له خمسون درهمًا. وهو قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق (٥). واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود

-------------
(١) رواه أحمد ٥/ ١٧٢، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٤٠ (٣٤٣٠)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨١٠) و«صحيح الجامع» (٧٣٠٧).
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٣٧) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة، وأحمد ٥/ ٢٧٥، ٢٧٧، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٨١، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٣٥٢٠ - ٣٥٢١) ورواه أبو داود (١٦٤٣) من طريق آخر. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٠).
(٣) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٥٣)، وابن سعد في «طبقاته» ٧/ ٣٦ - ٣٧ مختصرًا، والطبراني في «الكبير» ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٠ (٨٦٩ - ٨٧٠)، والحاكم. في «المستدرك» ٣/ ٦١٢ كتاب: معرفة الصحابة، وحسنه الألباني في «الأدب المفرد» (٩٥٣).
(٤) سلف تخريجه.
(٥) انظر: «المغني» ٤/ ١١٨ - ١١٩، «المبدع» ٢/ ٤١٧.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* السلبية عند بعضهم!!
* الشباب المؤمن عماد الأمة
* منهج البحث وحدوده
* كيف نواجه الكسل الدعوي؟
* الأربعون الفلسطينية
* ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان
* العملُ الخيريّ بين التّشريع والتّطبيق

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس