عرض مشاركة واحدة
قديم 06-13-2026, 08:37 PM   #283

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 251 الى صـــ 270
الحلقة (283)






فإذا كان ذلك فرض الله على لسان رسوله - ﷺ - فمعلوم أن الكنز من المال -وإن بلغ الوفاء- إذا أديت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم على صاحبه اكتنازه؛ لأنه لم يتوعد الله تعالى عليه بالعقاب، وإنما توعد على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جامعه الوعيد. فكان معلومًا أن بيان ذلك إنما يؤخذ من وقف رسول الله - ﷺ -، وهو ما بيناه أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من المال.
وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، فوقع في جيشه تشتيت من ميل بعضهم إلى قول أبي ذر فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه؛ لأنه كان رجلًا شديدًا لا يخاف في الله لومة لائم. وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبي ذر. كتب إلى عثمان لا على أن يستجليه، وصانه معاوية من أن يخرجه فيكون عليه وصمة، وذكر الطبري أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام، فقال له: تنح قريبًا. قَالَ له: إني والله لن أدع ما كنت أقوله (١).
ففيه من الفقه: أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه.
وفيه: أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه فتنة بين الناس.
وفيه: ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم.

--------------
(١) «تاريخ الطبري» ٢/ ٦١٥.


وفيه: جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يرد أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله - ﷺ - واستشهد به، وذلك قوله - ﷺ -: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ». وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - ﷺ -: «مَنْ ترَكَ صفراءَ أو بَيْضاءَ كوِيَ بِها» (١).
وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث الأحنف بن قيس قَالَ: كنت جالسًا في مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه حَلْقَةٌ إلا فروا منه، حَتَّى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها فثبت وفروا، فقلت: علام يفر الناس منك؟ قَالَ: إني أنهاهم عن الكنوز قلتُ: إن أُعطياتنا قد ارتفعت وكثرت فتخاف علينا منها؟ قَالَ: أما اليوم فلا، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم، فدعوهم وإياها (٢).
والربذة: على ثلاث مراحل من المدينة، حمى عمر كما ستعلمه، والربذة أيضًا: موضع بين بغداد ومكة (٣)، قاله (الرشاطي) (٤).
وأما حديث أبي سعيد فلنقدم الكلام فيه هنا استباقًا للخيرات وإن قلنا فيما مضى: إنه يأتي. فنقول: الأواق جمع أوقية، وهي ما كان

----------------
(١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥).
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٧ (١٠٦٩٥) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال، و٧/ ١٤١ (٣٤٦٨٠) كتاب: الزهد، كلام أبي ذر - رضي الله عنه -، و٧/ ٤٦٩ (٣٧٢٨٩) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها.
(٣) «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤، و«معجم البلدان» ٣/ ٢٤ - ٢٥.
(٤) في (م): الدمياطي.



يوزن بها الفضة، وزنتها أربعون درهمًا، ومن ادَّعى أنها لم تكن معلومة إلى أيام عبد الملك فهو غلط، فكيف يوجب الشارع الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة، وجمعها: أواقي. بتشديد الياء وتخفيفها، وقال ابن التين: بدون الياء مع التخفيف، كما يقال: أضحية وأضاح.
ورواه البخاري في باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، بلفظ: «ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ من الورقِ صَدَقَةٌ» (١)، والورق -بفتح الواو وكسرها مع إسكان الراء، وفتح الواو وكسر الراء-: الدراهم. وربما سميت: ورقة. والرقة: الفضة والمال، عن ابن الأعرابي، وقيل: الفضة والذهب عن ثعلب، حكاه ابن سيده (٢). وإنكار (النووي) (٣) على صاحب «البيان» في قوله: الرقة: الذهب والفضة. ليس بجيد. وفي «الذخيرة» للقرافي أن الدرهم المصري أربعة وستون حبة، وهو أكثر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزيادة كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين (٤). وفي «فتاوى الفضل»: دراهم كل بلد ودنانيرهم. قلتُ: وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، هذا هو المستقر عليه، ولا شيء في المغشوش عندنا حَتَّى يبلغ خالصه نصابًا (٥).
وعند أبي حنيفة: إذا كان الغالب الغش فهي كالعروض والقيمة، وفيما زاد على النصاب بحسابه، وفاقًا للشافعي وأحمد ومالك

---------
(١) سيأتي برقم (١٤٥٩).
(٢) «المحكم» ٦/ ٣٤٤.
(٣) في (م): الثوري، وهو خطأ بين.
(٤) «الذخيرة» ٣/ ١٠.
(٥) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٧٩.



والصاحبين وجماعات (١)، وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة، حَتَّى تبلغ أربعين، فربع العشر، وهو درهم (٢)، وهو قول الأوزاعي وجماعات. وسيأتي الكلام واضحًا عليه في بابه.
وقوله: («ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ») المشهور إضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس؛ وتكون ذود بدلًا منها؛ والمعروف الأول، والذود من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه على الأصح، والواحد: بعير. وقال أبو عبيد: هو ما بين ثلاث إلى تسع. قَالَ: وهو مختص بالإناث. وقال شمر فيما حكاه ابن الجوزي في «غريبه»: ما بين ثنتين إلى التسع. وقدمه ابن الأثير على الثلاث إلى العشر. قَالَ: والحديث عام في المذكور والإناث (٣).
وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. حكاهما ابن سيده (٤)، وأنكر ابن قتيبة أنه لا يقال: خمس ذود. كما لا يقال: خمس ثوب. وغلطوه فيه، وليس جمعًا لمفرد، وروي: خمسة ذودٍ. في «صحيح مسلم» (٥)، وهو صحيح؛ لانطلاقه على المذكر والمؤنث.
و«دُونَ» معناه: أقل. وأبعد من قَالَ: إنها بمعنى: غير.

--------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧، «الذخيرة» ٣/ ١٣، «حلية العلماء» ٣/ ٧٩، «المغني» ٤/ ٢١٣.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧.
(٣) «النهاية» ٢/ ١٧١.
(٤) «المحكم» ١٠/ ١١٩.
(٥) قال النووي: قد ضبطه الجمهور خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة كتاب مسلم والأول أشهر. «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٥١.



والأوسق: جمع وسق، بفتح الواو وكسرها، أشهرهما الفتح، ولم يذكر الجوهري سوى (الفتح) (١) (٢). قَالَ شمر: كل شيء وسقته إذا حملته. وقال غيره: الضم، وهو ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، وهو مائة وثلاثون على ما صححه الرافعي، وذكر ابن المنذر أن علماء الأمصار زعموا أن الزكاة ليست واجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أبا حنيفة وحده قَالَ: تجب في كل ما أخرجته الأرض من قليل أو كثير إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر.
والحديث دال على عدم وجوب الزكاة فيما كان دون هذا المقدار، ووجوبها في هذا المقدار فما فوقه.
والمراد بالصدقة: الزكاة. وقد سمى الله تعالى الزكاة صدقة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقام الإجماع على أن ما دون خمس ذود من الإبل لا صدقة فيه كما ستعلمه في بابه.
والأحنف لقب، واسمه فيما ذكره المرزباني: صخر. قال: وهو المثبت. ويقال: الضحاك. ويقال: الحارث بن قيس بن معاوية. ووقع لابن دحية في «مستوفاه» أن اسمه: قيس. وإنما قيس والده كان أحنف برجليه جميعًا، قاله الجاحظ في «العرجان»، والهيثم وغيره في «العوران». قَالَ الجاحظ: ولم يكن له إلا بيضة واحدة. قَالَ: وقال أبو الحسن: ولد مرتتق خثار الاست حَتَّى شق وعولج. وقال أبو يوسف في «لطائف المعارف»: كان أصلع، متراكب الأسنان، مائل

-------------
(١) في الأصل: (الكسر) وهو خطأ.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٤٧١.



الذقن. وقال المنتجالي في «تاريخه»: كان دميمًا قصيرًا كوسجًا.
وقوله فيه: (ملأ مِنْ قُرَيْشٍ) يعني: الأشراف منهم. وحسن الشعر بالحاء المهملة، وروي بالخاء المعجمة من الخشونة، وهو اللائق بزي أبي ذر وطريقته وتواضعه. ولمسلم: أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه (١). بخاء وستين معجمتين، وهي رواية الأكثرين.
ولابن الحذاء في الآخر خاصة بالحاء المهملة من الحسن، ولا شك أن من تأهب للمقام بين يدي الرب فليحسن حاله من غير إسراف.
وقوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) أي: اجعل لهم -يعني: الجماعين- مكان البشارة.
والرضف -بالضاد المعجمة- وهي: الحجارة المحماة بالنار. قَالَ الهروي: وفي حديث أبي ذر: (بشر الكنازين برضفة من الناغض).
أي: بحجر يحمى فيوضع على ناغضه. وفي الأصل هنا: الكانزين.
وللطبري وغيره بالثاء المثلثة، وراء مهملة من الكثرة، والمعروف خلافه.
والصحيح كما قَالَ القاضي: أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه (٢). وأبطله النووي بأن السلاطين في زمنه لم تكن هذِه صفتهم (٣).
والحلمة: ما نشز من الثدي وطال، ويقال لها: قراد الصدر.
وفيه: استعمال الثدي للرجل، وإن كان الفصيح خلافه، وأنه لا يقال: ثدي إلا للمرأة، ويقال للرجل: ثندوة (٤).

--------
(١) «صحيح مسلم» (٩٩٢) كتاب: الزكاة، باب: في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٧.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٧٧.
(٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: بفتح الثاء بلا همز وبضمها مع الهمز، أما =



والنُغض -بضم النون، وحكى ابن التين عن عبد الملك فتحها، ثم غين معجمة-: الغضروف من الكتف. وقال الخطابي: الشاخص منه. سمي به؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه، ومنه ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١].
وقوله: (يتزلزل). أي: يتحرك، قال عياض: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرضف من نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه (١).
ووقع في بعض النسخ: (حَتَّى يخرج من حلمة ثدييه): بإفراد الثدي في الأول وتثنيته في الثاني.
والدنانير الثلاثة المؤخرة في الحديث: واحد لأهله، وآخر لعتق رقبة، وآخر لدين. ذكره القرطبي (٢).
وفي قوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ) بكذا؛. وجوب مبا درة إخراج الزكاة عند حولها، والتحذير من تأخيرها.
وقوله: (ما أُرى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ) إنما أراد أن يستخرج ما عنده.
وقوله: (قَالَ خليلي) لا تنافي بينه وبين قوله: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (٣) كما في قول أبي هريرة وغيره: سمعت خليلي.

------------
= الجوهري فإنه قال: الثدي للرجل والمرأة، وأما ابن فارس فأشار إلى تخصيص المرأة به، وقد ثبت في الحديث أن رجلًا وضع سنيه بين ثدييه وكذلك هذا الحديث أيضًا.
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٦.
(٢) «المفهم» ٣/ ٣٤.
(٣) سلف برقم (٤٦٦ - ٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٨٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.



وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: إنه خليل الله فقط، فاعلمه.
وقوله: («يا أبا ذر، أتبصرُ أحدًا؟») فيه تكنية الشارع لأصحابه، والذر: جمع ذرة، وهي: النملة الصغيرة. ذكر أن أبا ذر لما أتى النبي - ﷺ - فأسلم ثم انصرف إلى قومه، فأتاه بعد مدة، فتوهم اسمه فقال: «أنتَ أبو نَمْلة» قَالَ أبو ذر: يا رسول الله، بل أبو ذر (١). واسمه: جندب بن جنادة.
وقوله: «أتبصرُ أحدًا؟» قَالَ: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار.
إنما نظر لها؛ لأنها تعلوه عند الغروب، وهو مثل لتعجيل الزكاة. يقول: ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار.
وقوله: (وأنا أُرى أن رسول الله - ﷺ - يرسلني). أُرى -بضم الهمزة وفتح الراء- أي: أظن.
وفيه أنه كان يرسل فاضل أصحابه، يفضلهم بذلك لأنه يصير رسول رسول الله - ﷺ -. وقيل في قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] إنهم رسل بعض رسل الله.
وقوله: («مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلَاَدةَ دَنَانِيرَ»). في بعض الروايات: «أُنفقُهُ في سبيل الله» (٢) يقول: ما أحب أن يكون لي وأنفق منه ثلاثة دنانير بعد أن أنفقه.

----------
(١) رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٤٩، والبزار في «مسنده» ٩/ ٣٤٢ (٣٨٩٩)، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٨٤ (٣١٥٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٢٠، رواه أحمد، وفيه: سالم بن أبي حفصة، وفيه كلام. وصححه الألباني كما في «الصحيحة» ٧/ ١٤٣٩ (٣٤٩١).



وفي أخرى: «تمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين» (١).
وقول أبي ذر: (إن هؤلاء لا يعقلون). أي: لم يعتبروا زوال الدنيا فيزهدوا.
وقوله: (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يقول: ما لي لا أعظهم وأنصح لهم، ولست أسالهم دنيا، فأخاف منعهم.
وقوله: (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) يعني: القوم الذين قام عنهم؛ لأنهم لم ينظروا لأنفسهم فيتركوا الدنيا، فكيف يستفتيهم غيرهم ويهتدي بهم في دينهم؟
فائدة: قَالَ سحنون: ترك الدنيا زهدًا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في السبيل. قَالَ بعضهم: وهذا الحديث يشهد له.
فرع:
لا يضم الذهب إلى الفضة عندنا (٢)، وخالف أبو حنيفة ومالك فيه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ولم يخص كما لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة، أما إذا كان مديرًا قَالَ مالك: فيعدل المثقال بعشرة دراهم، فإذا كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير ضما، وإن كانت تسعة دنانير تساوي مائة فلا (٤).
واعتبر أبو حنيفة القيمة كمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة ضُمَّا (٥).

---------
(١) سيأتي برقم (٦٤٤٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهب».
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٢٥٧.
(٣) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٤.
(٤) انظر: «المعونة» ١/ ٢١٠.
(٥) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣.



٥ - باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [انظر: ٧٣ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ٣/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث ابن مسعود: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا ..».
وقد سلف في كتاب العلم واضحًا (١)، وأن المراد بالحسد هنا: شِدَّة الحرص والرغبة، وسماه البخاري الاغتباط، كما سلف، من غير أن تتمنى زوالها عن غيرك، ففيه المنافسة في الخير والحض عليه وفضل الصدقة والكفاف وفضل العلم وفضل تعلمه وفضل القول بالحق.
وقسم بعضهم إنفاق المال في حقه ثلاثة أقسام:
إنفاقه على نفسه وكل من تلزمه نفقته غير مسرف ولا مقتر لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وهذِه أفضل النفقات لقوله - ﷺ -: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيّ امْرَأَتِكَ» (٢).
ثانيها: أداء الزكاة، وقد جاء أن من أدى زكاة ماله فليس ببخيل.
وصلة البعيد من الأهل، وصدقة التطوع، ومواساة الصديق، وإطعام

-------------
(١) سلف برقم (٧٣) باب: الاغتباط في العلم والحكمة.
(٢) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.



الجائع. قَالَ - ﷺ -: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَاليتيم كَالمُجَاهِدِ فِي سبِيلِ اللهِ» (١)؛ فمن أنفق في هذِه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال موضعه وأنفقه في حقه، وكذلك من آتاه الله حكمًا وعلمًا فهو وارث منزلة النبوة؛ لأنه يموت وأجر (علمه) (٢) ومن عمل بعلمه باق إلى يوم القيامة. فينبغي لكل مؤمن أن يحسد من هذا حاله، ولله الفضل.
---------
(١) سيأتي برقم (٥٣٥٣) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، وفيه (المسكين) بدلا من (اليتيم) وأخرجه مسلم برقم (٢٩٨٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم.
(٢) في الأصل: (عمله) والمثبت من (م).



٦ - باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ جل وعز: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى. [فتح ٣/ ٢٧٧]
الشرح:
قوله: ﴿بِالمَنِّ﴾ أي: لا تمنوا بما أعطيتم ﴿وَالأَذَى﴾ أن يوبخ المعطى. فهذان يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي يعطي رياء ليوهم أنه مؤمن، وروى الطبري عن عمرو بن حريث قَالَ: إن الرجل يغزو ولا يزني ولا يسرق ولا يغل، لا يرجع بالكفاف. فقيل له: لماذا؟ قَالَ: إن الرجل ليخرج، فإذا أصابه من بلاءً الله الذي قد حكم عليه سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدًا. فهذا عليه وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منٌ وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٤] حَتَّى ختم الآية (١).
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: فمثل نفقته كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس. وحكى قطرب: صفوان- بكسر الصاد، والمعنى: لم يقدروا على كسبهم وقت حاجتهم ومحق مما ذهب كما محق المطر التراب عن الصفا، ولم يوافق في الصفا منبتا.
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه ابن جرير عن محمد بن سعد حَدَّثَني أبي قَالَ: حَدَّثَني عمي قَالَ:

------------
(١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٥ (٦٠٣٩).


حَدَّثَني أبي عن ابن عباس. فذكره (١)، ومن وجهين آخرين عنه كذلك (٢)، وفي رواية: تركها نقية ليس عليها شيء (٣). وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» من حديث الضحاك عنه بقوله: فتركه يابسًا خاسئًا لا ينبت شيئًا (٤).
وما ذكره عن عكرمة في ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره»، عن روح، عن عثمان بن غياث عنه، به سواء (٥)، وقال غيره: الطل: مطر صغير القطر يدوم. وقال مجاهد فيما حكاه ابن أبي حاتم: الطل: الندى. قَالَ: وروي عن جماعات نحوه (٦).
أما فقه الباب: فالرياء يبطل الصدقة وجميع الأعمال؛ لأن المرائي إنما يفعل ذلك من أجل الناس ليحمدوه على عمله، فلم يحمده الله تعالى حين رضي بحمد الناس عوضًا (من) (٧) حمد الله وثوابه، وراقب الناس دون ربه، قَالَ عليه أفضل الصلاة والسلام: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٨)؛ وجاء في الحديث أن الرياء: الشرك الأصغر (٩)، وكذلك السنن والأذى يبطلان الصدقة؛

-------------
(١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٧ (٦٠٤٤).
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٩، ٦٠٦٢).
(٣) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٨).
(٤) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥١٨ (٢٧٤٩).
(٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٠٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٦) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٢١ (٢٧٦٦).
(٧) كذا في الأصل، ولعلها (عن).
(٨) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله.
(٩) رواه أحمد ٥/ ٤٢٨، والطبراني ٤/ ٢٥٣ (٤٣٠١)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٤١٣٠) كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة، وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٠٢ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وصححه الألباني في «الصحيحة» ٢/ ٦٣٤ (٩٥١).



لأن المنان بها لم ينو الله فيها ولا أخلصها لوجهه تعالى، ولا ينفع عمل بغير نية لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى» (١)، وكذلك المؤذي لمن يصدق عليه، يبطل إثم الأذكر أجر الصدقة.
وقد نهى الله تعالى عن انتهار السائل، فما فوق ذلك من الأذى أدخل في النهي، وكان ينبغي للبخاري أن يخرج في الباب حديث: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ..» (٢) الحديث.
فهو يشبه التبويب؛ لأن من ابتغى وجه الله سلم من الرياء، وابتغاء غير وجه الله هو عين الرياء.

-------------
(١) سلف برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وأخرجه مسلم برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات».
(٢) سبق تخريجه.



٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]
[البقرة: ٢٦٣]. [فتح ٣/ ٢٧٧]


٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١) إِلَى ﴿يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦، ٢٧٧]

١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ.
وَقَالَ وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٧٤٣٠ - مسلم: ١٠١٤ - فتح: ٣/ ٢٧٨]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ..» تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، به.
وله في التوحيد، ولم يصله: «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (٢).
الشرح:
في بعض النسخ حذف قوله: «وَلَا يَقْبَلُ اللهُ ..» إلى آخره، ولم يذكر

---------------
(١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: ساقها البخاري.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٣٠) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾.



فيه شيئًا، وهذِه الترجمة هي حديثٌ ذكر المصنف بعضه في الطهارة فقال: باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وهذا آخره: «ولا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». وقد تكلمنا عليه هناك (١). واعترض الداودي فقال: لو نزع هذا بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال في الذي قبله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] فقد قَالَ كذلك.
وقال ابن المنير: إن قَلتَ: ما وجه الجمع بين الترجمة والآية؟ وهلا ذكر قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قلتُ: جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له.
ووجه الاستنباط يحتمل أن الآية فيها إثبات الصدقة، غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت، فالغلول: غصب إذًا فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها، وهي الأذى تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة عين المعصية؛ لأن الغال في دفعه المال للفقير غاصب يتصرف في ملك الغير، فكيف تقع المعصية من أول أمرها طاعة معتبرة، وقد أبطلت المعصية المحققة من أول أمرها في الصدقة المتيقنة بالأذى، وهذا من لطيف الاستنباط (٢).
وقوله تعالى: (﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾) [البقرة: ٢٦٣] قَالَ الضحاك: يقول: إن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منًّا وأذى (٣) ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أي: غني عن خلقه في سلطانه، حليم عن سيئ فعالهم.

-------------
(١) راجع شرح حديث (١٣٥).
(٢) «المتواري» ص ١٢٣ - ١٢٤.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٤ (٦٠٣٧).



وقوله: (﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾) [البقرة: ٢٧٦] أي: كفار بقليل الحلال لا يقنع، وأثيم في أخذ الحرام، والغلول: الخيانة. قَالَ ابن سيده: غل يغل غلولًا، وأغل: خان. قال: وخص بعضهم الخون في الفيء، والإغلال: السرقة (١). قَالَ ابن السكيت: لم يسمع في المغنم إلا غل غلولًا (٢). وقال الجوهري: يقال من الخيانة: أغل يُغِل، ومن الحقد: غل الغل، ومن الغلول: غل يغُل (٣).
واستدل البخاري في الباب الأول بقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] لما كان حرمان السائل وقول المعروف والاستغفار خير من صدقة يتبعها أذى، وثبت أن الصدقة إذا كانت من غلول غير متقبلة؛ لأن الأذى في الغلول للمسلمين أشد من أذى المتصدق عليه وحده، وأولى من الاستدلال بها قوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وحديث أبي هريرة مطابق للتبويبين.
ومتابعة سليمان -وهو ابن بلال- أخرجها في التوحيد بلفظ: وقال خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار (٤).
وقد أسندها مسلم عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد به (٥).
وتعليق ورقاء، عن سعيد بن يسار أخرجه الترمذي (٦) لكن من

------
(١) «المحكم» ٥/ ٢٢١.
(٢) «إصلاح المنطق» ص ٢٦٦.
(٣) «الصحاح» ٥/ ١٧٨٤.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٣٠).
(٥) «صحيح مسلم» (١٠١٤/ ٦٤) كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.
(٦) بهامش الأصل بخط سبط: (بل أخرجه مسلم [١٠١٤]، والترمذي [٦٦١]، والنسائي [٥/ ٥٧] وابن ماجه [١٨٤٢] أعني حديث سعيد بن يسار لكن ليس من رواية عبد الله بن دينار عنه. [قلت: رواية ورقاء عند أحمد ٢/ ٣٣١].



حديث سعيد المقبري ويحيى بن سعيد وابن عجلان، عن سعيد بن يسار به، ثم قَالَ: حسن صحيح (١).
وقال الداودي: تتابع الرواة عن أبي صالح، عن أبي هريرة دال على أن ورقاء أوهم به في قوله: عن سعيد بن يسار.
ولفظ ابن خزيمة: «مهره أو فصيله» زاد: «وإن الرَّجلَ ليتصدقُ باللقمةِ فتَربو في كفِّ الله -عز وجل- حَتَّى تكون مثل الجبل، فتصدَّقوا» (٢)
وفي رواية له: «فلوه أو قلوصه» وفي أخرى: «فلوة: قلوصه أو فصيله» (٣) وهي في مسلم: «فلوه أو قلوصه» ورواية سهيل (٤) أخرجها البزار من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة. وفي «علل ابن أبي حاتم» رواه موسى بن عبيدة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو عن ابن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فمنهم من يوقفه ومنهم من يسنده، ويحتمل صحة رفعه (٥).

------
(١) «سنن الترمذي» (٦٦١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة وصححه الألباني.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٣ (٢٤٢٦).
(٣) المصدر السابق برقم (٢٤٢٥).
(٤) بهامش الأصل: حاشية: رواية سهيل أخرجها مسلم في الزكاة عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، به. وأخرجها أيضًا فيه عن أحمد بن عثمان بن هيثم، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن سهيل، به.
[«صحيح مسلم» ١٠١٤/ ٦٤ كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها].
(٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢١٦ (٦٢٨).



وفي «الرقائق» لعبد الله بن المبارك من حديث ابن مسعود قَالَ: «ما تصدَّق رجلٌ بصدقةٍ إلا وقعت في يدِ الرَّبِّ قبل أنْ تقعَ في يدِ السائل، وهو يضعها في يدِ السائل» قَالَ: وهو في القرآن العظيم.
فقرأ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] (١).
وقوله: («مَنْ تَصَدَّق بعِدل تمرةٍ») أي: بقيمتها. وذلك أن جماعات من أهل اللغة كما نقله عنهم ابن التين قالوا: العدل، بفتح العين: المثل.
قَالَ تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وبكسرها: الحمل. وهذا عكس قول ثعلب. وقال الكسائي: هما بمعنى واحد. وقال القزاز: عدل الشيء: مثله من غير جنسه، وبالكسر: مثله من جنسه. وأنكرها البصريون وقالوا: هما المثل مطلقًا، كما أن المثل لا يختلف. وقيل: بالفتح: مثله من القيمة. وبالكسر: مثله في المنظر. وهذا مثل قول الفراء. وقال ابن قتيبة: هو بالكسر: القيمة (٢). وعبارة «المحكم»: العَدل والعديل، والعدل: النظير والمثل. وقيل: هو المثل وليس بالنظير عينه.
وقوله: («مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ») أي: من حلال. وإنما لا يقبل الله غيره؛ لأنه غير مملوك للمتصدق؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، فلو قبلت لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال.
وقوله: («بيمينه») ذكر اليمين هنا قيل: يراد بها سرعة القبول، وهو مجاز. وقيل: حسن القبول. وهو متقارب مع الأول؛ لأن عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز وشمائلهم لما هان، والجارحة على الرب ﷻ محالة تقدس عنها، ولما كانت الشمائل عادة تنقص عن اليمين

---------------
(١) «الزهد والرقائق» ص ٢٢٧ - ٢٢٨ (٦٥٠) باب: الصدقة.
(٢) «غريب الحديث» ٢/ ٤٠.



بطشًا وقوة عرفنا الشارع بقوله: «وكِلتا يديه يَمين» (١) فانتفي النقص تعالى عنه.
والفَلو: هو المهر. كما سلف عن رواية ابن خزيمة، وهو ولد الفرس. وولد الحمار: وعفر. وكذلك البغل الصغير، وهو بفتح الفاء وتشديد الواو، والأنثى فلوة مثال عدوة، والجمع: أفلاء مثال أعداء، وسمي بذلك؛ لأنه يفتلى. أي: يفطم.
وقال الداودي: يقال للمُهر: فلو. ولل -ولد الحمار- فِلوة بكسر الفاء. ويقال بفتحها والتشديد، وأنكر بعضهم كسر الفاء.
وقال الجوهري عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت، فقلت: فِلو مثل جرو (٢).
وقال في «المخصص»: إذا بلغ سنة -يعني: ولد الحِجْر- فهو فلو.
وقال أبو حاتم: في «فرقة» لا يقال فلو ولا فلوه كما تقول العامة.
وقوله: «حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» قَالَ الداودي: أي: كمن تصدق بمثل الجبل. ومعنى: «يربيها لصاحبها» أي ينميها فإن أريد به الزيادة في كمية عينها لتثقل في الميزان لم ينكر ذلك في معنى مقدور أو حكم معقول، وقيل: ينميها: يضاعف الأجر عليها. وهما متقاربان.

---------
(١) هو قطعة من حديث رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائز، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، والنسائي ٨/ ٢٢١ كتاب: آداب القضاة، فضل الحاكم العادل في حكمه، وأحمد ٢/ ١٦٠، وابن حبان في «صحيحه» ١٠/ ٣٣٦ (٤٤٨٤) كتاب: السير، باب: الخلافة والإمارة.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٥٦.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* إسلام حمزة بن عبدالمطلب والجهر بالقرآن
* النسوية.. وخلخلة العلاقات الزوجية
* المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية.. مشاركات وضوابط
* عمل المرأة.. وأهمية رد الاعتبار
* قناديل على الدرب
* من سبيل المجرمين أولياء الشيطان
* تخريج حديث: أن عبد الله بن زيد، وعثمان، حكيا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالا:

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس