عرض مشاركة واحدة
قديم 06-12-2026, 11:42 PM   #90

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (88)

صــ 133إلى صــ 142






مُجَالَدُنَا [١] عَنْ دِينِنَا كُلُّ فَخْمَةٍ ... مُذَرَّبَةٍ فِيهَا الْقَوَانِسُ تَلْمَعُ [٢]
وَكُلُّ صَمُوتٍ فِي الصِّوَانِ كَأَنَّهَا ... إذَا لُبِسَتْ تهي من المَاء مترع [٣]
وَلَكِنْ بِبَدْرٍ سَائِلُوا مَنْ لَقِيُتمُ ... مِنْ النَّاسِ وَالْأَنْبَاءُ بِالْغَيْبِ تَنْفَعُ
وَإِنَّا بِأَرْضِ الْخَوْفِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا ... سِوَانَا لَقَدْ أَجْلَوْا بِلَيْلٍ فَأَقْشَعُوا [٤]
إذَا جَاءَ مِنَّا رَاكِبٌ كَانَ قَوْلُهُ ... أَعِدُّوا لِمَا يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ وَيَجْمَعُ [٥]
فَمَهْمَا يُهِمُّ النَّاسَ مِمَّا يَكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا تكيده ... البريّة قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَزَّعُوا [٦]
نُجَالِدُ لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ ... مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَهَابُوا وَيَفْظُعُوا [٧]
وَلَمَّا ابْتَنَوْا بِالْعَرْضِ قَالَ سَرَاتُنَا ... عَلَامَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟ [٨]
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ نَتْبَعُ أَمْرَهُ ... إذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لَا نَتَطَلَّعُ [٩]
تَدَلَّى عَلَيْهِ الرُّوحُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ... يُنَزَّلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ وَيُرْفَعُ [١٠]
نُشَاوِرُهُ فِيمَا نُرِيدُ وَقَصْرُنَا ... إذَا مَا اشْتَهَى أَنَّا نُطِيعُ وَنَسْمَعُ [١١]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا بَدَوْا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيَّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كَمَنْ يَشْرِي الْحَيَاةَ تَقَرُّبًا ... إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيْهِ وَيُرْجَعُ [١٢]

-------------------------------
[١] فِي أ «مجادلنا» .
[٢] الفخمة: الكتيبة الْعَظِيمَة. والمدربة: المتعودة الْقِتَال الماهرة فِيهِ. وَهِي رِوَايَة أ. وتروى «مذربة» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي محددة، وَهِي رِوَايَة سَائِر الْأُصُول. والقوانس: رُءُوس بيض السِّلَاح.
[٣] الصموت: الدرْع أحكم نسجها وتقارب حلقها فَلَا يسمع لَهَا صَوت. والصوان: كل مَا يصان فِيهِ الشَّيْء، درعا كَانَ أَو ثوبا أَو غَيرهمَا. والتهى: الغدير. ومترع: مَمْلُوء.
[٤] أقشعوا: فروا وزالوا.
[٥] يزجى: يَسُوق.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَشرح السِّيرَة. وتوزعوا تقسموا. وَفِي: أ «تورعوا» . وتورعوا: ذلوا.
[٧] يفظعوا: يهابوا ويفزعوا.
[٨] ابْتَنَوْا: ضربوا أبنيتهم. وَالْعرض: وَاحِد أَعْرَاض الْمَدِينَة، وَهِي قراها الَّتِي فِي أَوديتهَا. وسراتنا:
خيارنا.
[٩] لَا نتطلع: لَا نَنْظُر إِلَيْهِ إجلالا وهيبة لَهُ. وَهِي رِوَايَة أ، ويروى: «لَا نتظلع» أَي لَا نَمِيل عَنهُ. وَهِي رِوَايَة سَائِر الْأُصُول.
[١٠] الرّوح: جِبْرِيل عليه السلام.
[١١] قَصرنَا: غايتنا.
[١٢] يشرى: يَبِيع.


وَلَكِنْ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَتَوَكَّلُوا ... عَلَى اللَّهِ إنَّ الْأَمْرَ للَّه أَجْمَعُ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالهِمْ ... ضُحَيًّا عَلَيْنَا الْبِيضُ لَا نَتَخَشَّعُ [١]
بِمَلْمُومَةٍ فِيهَا السَّنَوُّرُ وَالْقَنَا ... إذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَهَا لَا تَوَرَّعُ [٢]
فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ [٣]
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلَاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ [٤]
نُغَاوِرهُمْ تَجْرِي الْمَنِيَّةُ بَيْنَنَا ... نُشَارِعُهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا وَنَشْرَعُ [٥]
تَهَادَى قِسِيُّ النَّبْعِ فِينَا وَفِيّهُمْ ... وَمَا هُوَ إلَّا الْيَثْرِبِيُّ الْمُقَطَّعُ [٦]
وَمَنْجُوفَةٌ حَمِيَّةٌ صَاعِدِيَّةٌ ... يُذَرُّ عَلَيْهَا السَّمُّ سَاعَةَ تُصْنَعُ [٧]
تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرِّجَالِ وَتَارَةً ... تَمُرُّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ [٨]
وَخَيْلٌ تَرَاهَا بِالْفَضَاءِ كَأَنَّهَا ... جَرَادٌ صَبًا فِي قَرَّةٍ يَتَرَيَّعُ [٩]
فَلَمَّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرَّحَى ... وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ مَدْفَعُ [١٠]
ضَرَبْنَاهُمْ حَتَّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ ... كَأَنَّهُمْ بِالْقَاعِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ [١١]
لَدُنْ غُدْوَةً حَتَّى اسْتَفَقْنَا عَشِيَّةً ... كَأَنَّ ذَكَانَا حَرُّ نَارٍ تَلَفَّعُ [١٢]

-----------------------
[١] الْبيض: السيوف.
[٢] الملمومة: الكتيبة المجتمعة. والسنور: السِّلَاح. وَلَا تورع: لَا تكف. ويروى: «لَا توزع»:
أَي لَا تتفرق.
[٣] الحاسر: الّذي لَا درع عَلَيْهِ وَلَا مغفر. وَالْمقنع: الّذي لبس المغفر على رَأسه وَهُوَ القناع.
[٤] النصية: الْخِيَار من الْقَوْم.
[٥] نغاورهم: نداولهم. ونشارعهم: نشاربهم. ونشرع: نشرب.
[٦] النبع: شجر تصنع مِنْهُ القسي. واليثربي: الأوتار، نِسْبَة إِلَى يثرب.
[٧] المنجوفة: السِّهَام. والحرمية: نِسْبَة إِلَى أهل الْحرم، يُقَال: رجل حرمي، إِذا كَانَ من أهل الْحرم. والصاعدية: نِسْبَة إِلَى صاعد، صانع مَعْرُوف.
[٨] تصوب: تقع. والبصار: حِجَارَة لينَة، وتقعقع: تصوت.
[٩] الصِّبَا: ريح شرقية. والقرة: الْبرد. ويتريع: يَجِيء وَيذْهب.
[١٠] رحى الْحَرْب: مُعظم مَوضِع الْقِتَال فِيهَا. حمه الله: قدره.
[١١] سراتهم: خيارهم. والقاع: المنخفض من الأَرْض.
[١٢] ذكانا، أَي التهابنا فِي الْحَرْب. وتلفع. يشْتَمل حرهَا على من دنا مِنْهَا.



وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنَّهُمْ ... جَهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرِّيحُ مُقْلَعُ [١]
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنَّنَا ... أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةَ ظُلَّعُ [٢]
فَنِلْنَا وَنَالَ الْقَوْمُ مِنَّا وَرُبَّمَا ... فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللَّهِ أَوْسَعُ
وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ ... وَقَدْ جُعِلُوا كُلٌّ مِنْ الشَّرِّ يَشْبَعُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً ... عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْمِي الذِّمَارَ وَيَمْنَعُ [٣]
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا نَرَى ... عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدَّهْرَ تَدْمَعُ [٤]
بَنُو الْحَرْبِ لَا نَعْيَا [٥] بِشَيْءٍ نَقُولُهُ ... وَلَا نَحْنُ مِمَّا جَرَّتْ الْحَرْبُ نَجْزَعُ
بَنُو الْحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بِفُحَّشٍ ... وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجَّعُ
وَكُنَّا شِهَابًا يُتَّقَى النَّاسُ حَرُّهُ ... وَيَفْرُجُ عَنْهُ مَنْ يَلِيهِ وَيَسْفَعُ [٦]
فَخَرْتَ عَلَيَّ ابْنَ الزِّبَعْرَى وَقَدْ سَرَى ... لَكُمْ طَلَبٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ مُتْبَعُ
فَسَلْ عَنْكَ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ وَغَيْرِهَا ... مِنْ النَّاسِ مَنْ أَخْزَى مَقَامًا وَأَشْنَعُ
وَمَنْ هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْحَرْبُ مَفْخَرًا ... وَمَنْ خَدُّهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَضْرَعُ [٧]
شَدَدْنَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَالنَّصْرِ شَدَّةً ... عَلَيْكُمْ وأطراف الأسنّة شرّع
تَكُرُّ الْقَنَا فِيكُمْ كَأَنَّ فُرُوعَهَا ... عَزَالِي مَزَادٍ مَاؤُهَا يَتَهَزَّعُ [٨]
عَمَدْنَا إلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ وَمَنْ يَطِرْ ... بِذِكْرِ اللِّوَاءِ فَهُوَ فِي الْحَمْدِ أَسْرَعُ
فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَخَاذَلُوا ... أَبَى اللَّهُ إلَّا أَمْرَهُ وَهُوَ أَصْنَعُ

-------------------------
[١] موجفين، مُسْرِعين. والجهام: السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَيْسَ فِيهِ مَاء.
[٢] بيشة: مَوضِع تنْسب إِلَيْهِ الْأسود.
[٣] الذمار: مَا يجب على الرجل أَن يحميه.
[٤] جلاد: جمع جليد، وَهُوَ الصبور.
[٥] فِي أ: «لَا نعنى» .
[٦] الشهَاب: الْقطعَة من النَّار. ويسفع: يحرق ويغير. وَفِي أ: «يشفع» بالشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٧] أضرع: ذليل.
[٨] الفروغ: الطعنات المتسعة. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل بِالْعينِ الْمُهْملَة. وَهُوَ تَصْحِيف.
وعزالي: جمع عزلاء، وَهِي فَم المزادة، ويتهزع: يتقطع. ويروى «يتهرع» أَي يتفرغ ويسرع سيلانه.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ قَالَ:
مُجَالَدُنَا عَنْ جِذْمِنَا [١] كُلُّ فَخْمَةٍ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ: مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا؟ فَقَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهُوَ أَحْسَنُ، فَقَالَ كَعْبٌ:
مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا.

(شِعْرٌ لِابْنِ الزِّبَعْرَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ ... إنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ
إنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ [٢]
وَالْعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ ... وَسَوَاءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ وَمُقِلْ [٣]
كُلُّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ ... وَبَنَاتُ الدَّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلْ [٤]
أَبْلِغْنَ حَسَّانَ عَنِّي آيَةً ... فَقَرِيضُ الشِّعْرِ يَشْفِي ذَا الْغُلَلْ [٥]
كَمْ تَرَى بِالْجَرِّ مِنْ جُمْجُمَةٍ ... وَأَكُفٍّ قَدْ أُتِرَّتْ وَرِجِلْ [٦]
وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ ... عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ [٧]
كَمْ قتلنَا من كيم سَيِّدٍ ... مَاجِدْ الْجَدَّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ
صَادِقِ النَّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ ... غَيْرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الْأَسَلْ [٨]
فَسَلْ الْمِهْرَاسَ مَنْ سَاكِنُهُ؟ ... بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلْ [٩]

------------------------
[١] الجذم: الأَصْل.
[٢] المدى: الْغَايَة. والقبل: المواجهة والمقابلة. يُرِيد أَن كل ذَلِك ملاقيه الْإِنْسَان فِي مُسْتَقْبل أَيَّامه.
[٣] خساس: حقيرة. والمثري: الْغنى. والمقل: الْفَقِير.
[٤] بَنَات الدَّهْر: حوادثه.
[٥] الْآيَة: الْعَلامَة. والغلل: جمع غلَّة، وَهِي حرارة الْعَطش.
[٦] الْجَرّ: أصل الْجَبَل. وأترت: قطعت. وَالرجل: الأرجل.
[٧] السرابيل: الدروع. وسريت: جردت. والكماة: الشجعان. والمنتزل: مَوضِع الْحَرْب والنزال.
[٨] النجدة: الْقُوَّة والشجاعة. وَالْقَرْمُ: الْفَحْل الْكَرِيم. والبارع: المبرز على غَيره. والملتاث:
الضَّعِيف. والأسل: الرماح.
[٩] الأقحاف: جمع قحف. والهام: الرُّءُوس.



لَيْتُ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا ... جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا ... وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عبد الأشل [١]
ثمّ خفّوا عِنْد ذَاكُمْ رُقَّصًا ... رَقَصَ الْحَفَّانِ يَعْلُو فِي الْجَبَلْ [٢]
فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ... وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ
لَا أَلُومُ النَّفْسَ إلَّا أَنَّنَا ... لَوْ كَرَرْنَا لَفَعَلْنَا الْمُفْتَعَلْ
بِسُيُوفِ الْهِنْدِ تَعْلُو هَامَهُمْ ... عَلَلًا تَعْلُوهُمْ بَعْدَ نَهَلْ [٣]

(رَدُّ حَسَّانٍ عَلَى ابْنِ الزِّبَعْرَى):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه، قَالَ:
ذَهَبْتُ يَا بْنَ الزِّبَعْرَى وَقْعَةٌ ... كَانَ مِنَّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ
وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُمْ ... وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُوَلْ
نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ ... حَيْثُ نَهْوِى عَلَلًا بَعْدَ نَهَلْ [٤]
نُخْرِجُ الْأَضْيَاحَ [٥] مِنْ أَسْتَاهِكُمْ ... كَسُلَاحِ النِّيبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ [٦]
إذْ تُوَلُّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... هُرَّبًا فِي الشِّعْبِ أَشْبَاهَ الرَّسَلْ [٧]
إذْ شَدَدْنَا شَدَّةً صَادِقَةً ... فَأَجَأْنَاكُمْ إلَى سَفْحِ الْجَبَلْ [٨]
بِخَنَاطِيلَ [٩] كَأَشْدَافِ [١٠] الْمَلَا ... مَنْ يُلَاقُوهُ مِنْ النَّاسِ يُهَلْ [١١]

-------------------------
[١] البرك: الصَّدْر. وَبَنُو عبد الأشل: يُرِيد بنى عبد الْأَشْهَل، فَحذف الْهَاء.
[٢] الرقص: مَشى سريع. والحفان: صغَار النعام.
[٣] الْعِلَل: الشّرْب الثَّانِي. والنهل: الشّرْب الأول. يُرِيد الضَّرْب بعد الضَّرْب.
[٤] فِي شرح السِّيرَة: «الخطى» فِي مَوضِع الأسياف. والخطى: الرماح، نِسْبَة إِلَى الْخط، وَهُوَ مَوضِع.
[٥] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. والأضياح: جمع ضيح، وَهُوَ اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ. وَفِي الْأُصُول «الأصبح» .
[٦] النيب: جمع نَاب، وَهِي النَّاقة المسنة. والعصل: نَبَات تَأْكُله الْإِبِل فَيخرج مِنْهَا أَحْمَر.
[٧] الرُّسُل: الْإِبِل الْمُرْسلَة بَعْضهَا فِي إِثْر بعض.
[٨] فأجأناكم: أَي ألجأناكم.
[٩] الخناطيل: الْجَمَاعَات من كل شَيْء.
[١٠] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر. ويروى: «كأمذاق» . والأمذاق: الأخلاط من النَّاس. غير أَن كتب اللُّغَة لم تجمع شدفا على أشداف، وَإِنَّمَا جمعته على شدوف، وَفِي سَائِر الْأُصُول: كأشداق «بِالْقَافِ» وَهُوَ تَحْرِيف. ويروى: «كجنان الملا» والجنان: الْجِنّ.
[١١] الملا: المتسع من الأَرْض. ويهل: يرتاع، من الهول، وَهُوَ الْفَزع.



ضَاقَ عَنَّا الشِّعْبُ إذْ نَجْزَعُهُ ... وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ مِنْهُ وَالرَّجَلْ [١]
بِرِجَالٍ لَسْتُمْ أَمْثَالَهُمْ ... أُيِّدُوا جِبْرِيلَ نَصْرًا فَنَزَلْ [٢]
وَعَلَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالتُّقَى ... طَاعَةِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلْ
وَقَتَلْنَا كُلَّ رَأْسٍ مِنْهُمْ ... وَقَتَلْنَا كُلَّ جَحْجَاحٍ رِفَلْ [٣]
وَتَرَكْنَا فِي قُرَيْشٍ عَوْرَةً ... يَوْمَ بَدْرٍ وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ
وَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا شَاهِدٌ ... يَوْمَ بَدْرٍ وَالتَّنَابِيلُ الْهُبُلْ [٤]
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمِّعُوا ... مِثْلَ مَا يُجْمَعُ فِي الْخِصْبِ الْهَمَلْ [٥]
نَحْنُ لَا أَمْثَالُكُمْ وُلْدَ اسْتِهَا ... نَحْضُرُ النَّاسَ إذَا الْبَأْسُ نَزَلْ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: «وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ» وَالْبَيْتَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلَهُ: «
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمِّعُوا
» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
نَشَجْتَ وَهَلْ لَكَ مِنْ مَنْشجِ ... وَكُنْتَ مَتَى تَذَّكِرْ تَلْجَجْ [٧]
تَذَكُّرَ قَوْمٍ أَتَانِي لَهُمْ ... أَحَادِيثُ فِي الزَّمَنِ الْأَعْوَجْ
فَقَلْبُكَ مِنْ ذِكْرِهِمْ خَافِقٌ ... مِنْ الشَّوْقِ وَالْحَزَنِ الْمُنْضِجْ
وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النَّعِيمِ ... كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجْ

-------------------------
[١] نجزعه: نقطعه عرضا. والفرط: مَا علا من الأَرْض. وَالرجل: جمع رجلة، وَهُوَ المطمئن من الأَرْض.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «أيدوا جِبْرِيل» أَرَادَ أيدوا بِجِبْرِيل، فَحذف حرف الْجَرّ، وعدي الْفِعْل.
[٣] الجحجاح: السَّيِّد. والرفل: الّذي يجر ثَوْبه خُيَلَاء.
[٤] التنابيل الْقصار: اللئام، ويروى: القنابل. يُرِيد الْخَيل، الْوَاحِدَة قنبلة. وَهِي الْقطعَة من الْخَيل.
والهبل، قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِضَم الْهَاء وَالْبَاء، فَمَعْنَاه الَّذين ثقلوا لِكَثْرَة اللَّحْم عَلَيْهِم، وَمِنْه يُقَال:
رجل مهبل: إِذا كثر لَحْمه. وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْهَاء وَالْبَاء، أَو بِضَم الْهَاء وَفتح الْبَاء، فَهُوَ من الثكل، يُقَال: هبلته أمه: إِذا ثكلته.
[٥] الهمل: الْإِبِل الْمُهْملَة، وَهِي الَّتِي ترسل فِي المرعى دون رَاع.
[٦] ولد: جمع ولد.
[٧] نشجت: بَكَيْت، وتلجج، من اللجج، وَهُوَ الْإِقَامَة على الشَّيْء والتمادي فِيهِ.



بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلِّ اللِّوَاءِ ... لِوَاءِ الرَّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجْ [١]
غَدَاةَ أَجَابَتْ بِأَسْيَافِهَا ... جَمِيعًا بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجْ
وَأَشْيَاعُ أَحْمَدَ إذْ شَايَعُوا ... عَلَى الْحَقِّ ذِي النُّورِ وَالْمَنْهَجْ [٢]
فَمَا بَرِحُوا يَضْرِبُونَ الْكُمَاةَ ... وَيَمْضُونَ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهَجْ [٣]
كَذَلِكَ حَتَّى دَعَاهُمْ مَلِيكٌ ... إلَى جَنَّةِ دَوْحَةِ الْمَوْلِجْ [٤]
فَكُلُّهُمْ مَاتَ حُرَّ الْبَلَاء ... عَلَى مِلَّةِ اللَّهِ لَمْ يَحْرَجْ [٥]
كَحَمْزَةِ لَمَّا وَفَى صَادِقًا ... بِذِي هَبَّةٍ صَارِمٍ سَلْجَجْ [٦]
فَلَاقَاهُ عَبْدُ بَنِي نَوْفَلٍ ... يُبَرْبِرُ كَالْجَمَلِ الْأَدْعَجْ [٧]
فَأَوْجَرَهُ حَرْبَةً كَالشِّهَابِ ... تَلَهَّبُ فِي اللَّهَبِ الْمُوهَجْ [٨]
وَنُعْمَانُ أَوْفَى بِمِيثَاقِهِ ... وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرِ لَمْ يُحْنِجْ [٩]
عَنْ الْحَقِّ حَتَّى غَدَتْ رُوحُهُ ... إلَى مَنْزِلٍ فَاخِرْ الزِّبْرِجْ [١٠]
أُولَئِكَ لَا مَنْ ثَوَى مِنْكُمْ ... مِنْ النَّارِ فِي الدَّرْكِ الْمُرْتَجْ [١١]

(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي الرَّدِّ عَلَى كَعْبٍ):
فَأَجَابَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، فَقَالَ:
أَيَجْزَعُ كَعْبٌ لِأَشْيَاعِهِ ... وَيَبْكِي مِنْ الزَّمَنِ الْأَعْوَجْ [١٢]

-------------------------
[١] الأضوج (بِضَم الْوَاو): جمع ضوج، وَهُوَ جَانب الْوَادي. والأضوج (بِفَتْح الْوَاو):
اسْم مَكَان.
[٢] شايعوا: تابعوا. والمنهج: الطَّرِيق الْوَاضِح.
[٣] الكماة: الشجعان. والقسطل: الْغُبَار. والمرهج: الّذي علا فِي الجو.
[٤] الدوحة: الشَّجَرَة الْكَثِيرَة الأغصان. والمولج: الْمدْخل.
[٥] حر الْبلَاء: خَالص الاختبار.
[٦] بِذِي هبة: يعْنى سَيْفا، وَهبة السَّيْف: وُقُوعه بالعظم. والصارم: الْقَاطِع. وسلجج: مرهف.
[٧] عبد بنى نَوْفَل: هُوَ وَحشِي قَاتل حَمْزَة. ويبربر: يَصِيح. والجمل الأدعج: الْأسود.
[٨] أوجره: طعنه فِي صَدره. والشهاب: الْقطعَة من النَّار. والموهج: الموقد.
[٩] لم يحنج: لم يصرف عَن وَجهه الّذي أَرَادَهُ من الْحق.
[١٠] الزبرج: الوشي.
[١١] الدَّرك: مَا كَانَ إِلَى أَسْفَل. والدرج: مَا كَانَ إِلَى فَوق.
[١٢] الأشياع: الأتباع.



عَجِيجَ الْمُذَكِّي رَأَى إلْفَهُ ... تَرَوَّحَ فِي صَادِرٍ مُحْنَجْ [١]
فَرَاحَ الرَّوَايَا وَغَادَرْنَهُ ... يُعَجْعِجُ قسرا وَلم يجدج [٢]
فَقُولَا لِكَعْبٍ يُثَنِّي اُلْبُكَا ... وَلِلنِّيءِ مِنْ لَحْمِهِ يَنْضَجْ
لِمَصْرَعِ إخْوَانِهِ فِي مَكَرٍّ ... مِنْ الْخَيْلِ ذِي قَسْطَلٍ مُرْهَجْ [٣]
فَيَا لَيْتَ عَمْرًا وَأَشْيَاعَهُ ... وَعُتْبَةَ فِي جَمْعِنَا السَّوْرَجْ [٤]
فَيَشْفُوا النُّفُوسَ بِأَوْتَارِهَا ... بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ الْخَزْرَجْ [٥]
وَقَتْلَى مِنْ الْأَوْسِ فِي مَعْرَكٍ ... أُصِيبُوا جَمِيعًا بِذِي الْأَضْوُجْ [٦]
وَمَقْتَلِ حَمْزَةَ تَحْتَ اللِّوَاءِ ... بِمُطَّرِدِ، مَارِنٍ، مُخْلَجْ [٧]
وَحَيْثُ انْثَنَى مُصْعَبٌ ثَاوِيًا ... بِضَرْبَةٍ ذِي هَبَّةٍ سَلْجَجْ [٨]
بِأُحُدٍ وَأَسْيَافُنَا فِيهِمْ ... تَلَهَّبُ كَاللَّهَبِ الْمُوهَجِ
غَدَاةَ لَقِينَاكُمْ فِي الْحَدِيدِ ... كَأُسْدِ الْبَرَاحِ [٩] فَلَمْ تُعْنَجْ [١٠]
بِكُلِّ مُجَلِّحَةٍ كَالْعُقَابِ ... وَأَجْرَدَ ذِي مَيْعَةٍ مُسْرَجْ [١١]
فَدُسْنَاهُمْ ثَمَّ حَتَّى انْثَنَوْا ... سِوَى زَاهِقِ النَّفْسِ أَوْ مُحْرَجْ [١٢]

-------------------------
[١] العجيج: الصياح. والمذكى (هُنَا): المسن من الْإِبِل، وَأكْثر مَا يُقَال فِي الْخَيل.
والصادر: الْجَمَاعَة الصادرة عَن المَاء. ومحنج:، أَي مَصْرُوف عَن وَجهه.
[٢] الروايا: الْإِبِل الَّتِي تحمل المَاء. وغادرنه: تركنه. ويعجعج: يصوت، وقسرا قهرا. وَلم يحدج: لم يَجْعَل عَلَيْهِ الحدج، وَهُوَ مركب من مراكب النِّسَاء.
[٣] القسطل: الْغُبَار. والمرهج: الْمُرْتَفع.
[٤] السورج: المتقد.
[٥] الأوتار: جمع وتر، وَهُوَ طلب الثأر.
[٦] المعرك: مَوضِع الْحَرْب.
[٧] المطرد: الّذي يَهْتَز، ويعنى بِهِ رمحا. والمارن: اللين. والمخلج: الّذي يطعن بِسُرْعَة.
[٨] الّذي يطعن بِسُرْعَة.
[٩] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والبراح: المتسع من الأَرْض. وَفِي أ: «البراج» بِالْجِيم، وَهُوَ تَصْحِيف
[١٠] لم تعنج: لم تكف وَلم تصرف.
[١١] المجلحة: الْمَاضِيَة الْمُتَقَدّمَة. ويعنى بهَا فرسا، وَمن رَوَاهُ: «محجلة» فَهُوَ من التحجيل فِي الْخَيل.
والأجرد: الْفرس الْعَتِيق. والميعة: النشاط.
[١٢] دسناهم: وطئناهم. والمحرج: الْمضيق عَلَيْهِ.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارٍ. وَقَوْلُ كَعْبٍ:
«ذِي النُّورِ وَالْمَنْهَجْ» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.

(شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ، يَبْكِي الْقَتْلَى [١]:
أَلَا ذَرَفَتْ مِنْ مُقْلَتَيْكَ دُمُوعُ ... وَقَدْ بَانَ مِنْ حَبْلِ الشَّبَابِ قُطُوعُ [٢]
وَشَطَّ بِمَنْ تَهْوَى الْمَزَارُ وَفَرَّقَتْ ... نَوَى الْحَيِّ دَارٌ بِالْحَبِيبِ فَجُوعُ [٣]
وَلَيْسَ لِمَا وَلَّى عَلَى ذِي حَرَارَةٍ ... وَإِنْ طَالَ تذْرَافُ الدُّمُوعِ رُجُوعُ
فَذَرْ ذَا [٤] وَلَكِنْ هَلْ أَتَى أُمَّ مَالِكٍ ... أَحَادِيثُ قَوْمِي وَالْحَدِيثُ يَشِيعُ
وَمُجْنَبُنَا جُرْدًا إلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ... عَناجيجَ مِنْهَا مُتْلَدٌ وَنَزِيعُ [٥]
عَشِيَّةَ سِرْنَا فِي لُهَامٍ [٦] يَقُودُنَا [٧] ... ضَرُورُ الْأَعَادِي لِلصَّدِيقِ نَفُوعُ
نَشُدُّ عَلَيْنَا كُلَّ زَغْفٍ كَأَنَّهَا ... غَدِيرٌ بضوج الواديين نَقِيع [٨]
فَلَمَّا رَأَوْنَا خَالَطَتْهُمْ مَهَابَةٌ ... وَعَايَنَهُمْ أَمْرٌ هُنَاكَ فَظِيعُ
وَوَدُّوا لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ يَنْشَقُّ ظَهْرُهَا ... بِهِمْ وَصَبُورُ الْقَوْمِ ثَمَّ جَزُوعُ
وَقَدْ عُرِّيَتْ بِيضٌ كَأَنَّ وَمِيضَهَا ... حَرِيقٌ تَرَقَّى فِي الْآبَاءِ سَرِيعُ [٩]
بِأَيْمَانِنَا نَعْلُو بِهَا كُلَّ هَامَةٍ ... وَمِنْهَا سِمَامٌ لِلْعَدُوِّ ذَرِيعُ [١٠]

--------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة «يبكى الْقَتْلَى» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] ذرفت: سَالَتْ.
[٣] شط: بعد. والنوى: الْبعد والفرقة.
[٤] فِي أ: «فذرنا» .
[٥] مجنبنا: أَي قودنا، يُقَال: جنبت الْخَيل: إِذا قدتها وَلم تركبها. والعناجيج: الطوَال الحسان.
والمتلد: الّذي ولد عنْدك. والنزيع. الْغَرِيب.
[٦] اللهام: الْجَيْش الْكثير.
[٧] فِي أ: «يَقُودهَا» .
[٨] الزغف: الدروع اللينة، والضوج: جَانب الْوَادي، ونقيع: مَمْلُوء بِالْمَاءِ.
[٩] الوميض: الضَّوْء. والأباء: الأجمة الملتفة الأغصان.
[١٠] الذريع، الّذي يقتل سَرِيعا.



فَغَادَرْنَ قَتْلَى الْأَوْسِ غَاصِبَةً بِهِمْ [١] ... ضِبَاعٌ وَطَيْرٌ يَعْتَفِيَنَ وُقُوعُ [٢]
وَجَمْعُ بَنِي النَّجَّارِ فِي كُلِّ تَلْعَةٍ ... بِأَبْدَانِهِمْ مِنْ وَقْعِهِنَّ نَجِيعُ [٣]
وَلَوْلَا عُلُوُّ الشِّعْبِ غَادَرْنَ أَحْمَدَا ... وَلَكِنْ عَلَا والسَّمْهَرِيُّ شُرُوعُ [٤]
كَمَا غَادَرَتْ فِي الْكَرِّ حَمْزَةَ ثَاوِيًا ... وَفِي صَدْرِهِ مَاضِي الشّباة وقيع [٥]
ونعمان قَدْ غَادَرْنَ تَحْتَ لِوَائِهِ ... عَلَى لَحْمِهِ طَيْرٌ يَجُفْنَ وُقُوعُ [٦]
بِأُحُدِ وَأَرْمَاحُ الْكُمَاةِ يُرِدْنَهُمْ ... كَمَا غَالَ أَشْطَانَ الدِّلَاءِ نُزُوعُ [٧]

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الزِّبَعْرَى):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
أَشَاقَكَ مِنْ أُمِّ الْوَلِيدِ رُبُوعٌ ... بَلَاقِعُ مَا مِنْ أَهْلِهِنَّ جَمِيعُ [٨]
عَفَاهُنَّ صَيْفِيُّ الرِّيَاحِ وَوَاكِفٌ ... مِنْ الدَّلْوِ رَجَّافُ السَّحَابِ هَمُوعُ [٩]
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَوْقِدُ النَّارِ حَوْلَهُ ... رَوَاكِدُ أَمْثَالِ الْحَمَامِ كُنُوعُ [١٠]
فَدَعْ ذِكْرَ دَارٍ بَدَّدَتْ بَيْنَ أَهْلِهَا ... نَوًى لِمَتِينَاتِ الْحِبَالِ قَطُوعُ [١١]
وَقُلْ إنْ يَكُنْ يَوْمٌ بِأُحْدٍ يَعُدُّهُ ... سَفِيهٌ فَإِنَّ الْحَقَّ سَوْفَ يَشِيعُ
فَقَدْ صَابَرَتْ فِيهِ بَنُو الْأَوْسِ كُلُّهُمْ ... وَكَانَ لَهُمْ ذِكْرٌ هُنَاكَ رَفِيعُ

-------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وعاصبة: لاصقة. وَفِي أ: «عاصية» بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] يعتفين: يطلبن الرزق.
[٣] والنجيع: الدَّم.
[٤] الشّعب: الطَّرِيق فِي الْجَبَل. والسمهري: الرماح. وشروع:: ماثلة لِلطَّعْنِ.
[٥] شباة كل شَيْء: حَده. ووقيع: أَي محدد.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. ويجفن: يدخلن جَوْفه، أَو يطالبن مَا فِي جَوْفه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يحفن»:
أَي يقعن على لَحْمه. ويروى: «يحمن»، أَي يستدرن.
[٧] الكماة: الشجعان. وغال: أهلك. والأشطان: الحبال. والدلاء: جمع دلو. والنزوع (بِضَم النُّون): جذب الدَّلْو وإخراجها من الْبِئْر. والنزع (بِفَتْحِهَا): المستقى.
[٨] البلقع: القفر الْخَالِي.
[٩] عفاهن: غَيْرهنَّ ودرسهن. والواكف: الْمَطَر السَّائِل، وَمن الدَّلْو: يعْنى برجا فِي السَّمَاء.
ورجاف: أَي متحرك مصوت. وهموع: أَي سَائل.
[١٠] الرواكد: الثوابت. يعْنى الأثافي. وكنوع: أَي لاصقة بِالْأَرْضِ.
[١١] النَّوَى: الْبعد. والمتينات: الغليظات الشديدات.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير سورة آل عمران
* تحريم سب الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم الشرع فيه
* دعاة الجهل والصد عن سبيل الله
* فزوِّجوه..
* 5 نصائح للزوجين للتخلص من الشعور بالوحدة
* سماعات مزودة بكاميرات لأول مرة.. متى ستطرح أبل AirPods جديدة؟
* واتساب يختبر ميزة جديدة لتذكير المستخدمين بأعياد ميلاد

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس