(60)
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله :
( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) فهذا وافق ربه فيها يحبه وما يكرهه، ف كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».
الشرح :
محبة الله هي عبادة بذاتها، وقال الله في كتابه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله) وبعض الذين تكلموا في مسائل السلوك جعلوا المحبة أثرا، فقالوا إن المحبة دليلها وبرهانها الطاعة، وصحيح أن الطاعة دليل، لكن هذا يعود على المسألة الدور كما يقال، لأن الطاعة هي طاعة الله، وطاعة الله هي طاعته بما شرع، ومما شرع الله المحبة أي محبة الله سبحانه وتعالى وإذا ترك العبد بعض الفعل من العبادات الفعلية؛ لا يقال إنه ترك جميع الأفعال، أليس كذلك ؟
فمن قصر في فعل؛ لا يقال إنه قصر في جميع الأفعال، ومن فعل معصية ما، ولو من نوع واحد، فضلا عن كونها من جنس واحد، فضلا عن كونها من أجناس مختلفة، حتى في النوع الواحد مع ضيقه لا يق بالأنه فعل جميع المعاصي من هذا النوع !
أليس كذلك؟
كالغيبة مثلا، والنميمة، وما إلى ذلك التي تقرن في ذكرها، والسخرية من الإنسان، المعاني التي هي أشبه ما تكون بالأمور الاجتماعية، الخطأ من الأخلاق الاجتماعية، الخطأ التي هي الغيبة والنميمة، وما في مادتها.
فهذا النوع، هل من فعل الغيبة يجب أن يكون فعل النميمة؟ لا يلزم، أليس كذلك؟
من باب أولى إذا استعملت جنس المعاصي الظاهرة، أو جنس معاصي الأقوال، لا يلزم أن من فعل معصية قولية يكون فعل جنس المعاصي القولية، من باب أولى إذا اختلفت ماذا؟ الأجناس،
تقول المعاصي الظاهرة من جنس الظاهرة، وجنس الباطنة مثلًا، (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَة ) صحيح أنه ما من معصية إلا وتؤثر في تحريك النفس إلى المعاصي الأخرى، هذا معنى آخر، لكن تتكلم عن الفعل؛ هل السارق يلزم أن يكون هو الزاني ? هل يعاقب أو يؤاخذ بأن السارق يكون مؤاخذا بكبيرتين السرقة والزنا ؟
لا، صحيح أن إتيان الكبيرة يحرك، ويخفف الكبيرة الأخرى على النفوس، ويجرئها عليها، لكنها ليست هي تماما، لا في النوع، ولا في الجنس الواحد فضلا عن الأجناس المختلفة.
فإذا كان كذلك، فبعض الذين قرروا مسألة المحبة الله، قررت على وجهين:
عند بعض الصوفية جعل المحبة وصفًا من جنس محبة المخلوقات، وهو الجمال والتعلق بالمعاني المجردة التي ليس فيها تحقيق العبودية، كمحبة الوالد لابنه، أو لولده، أو تجد أن هنالك تعلقا مفتوحا بغض النظر عن كون هذا الولد له مصلحة على أبيه، أو له نفع، أو أدى حقوقاً، أو لم يؤد حقوقًا قد يكون طفلا، أليس كذلك؟ ومع ذلك تجد تعلق الأب به تعلقا، أومحبة الله له محبة بالغة، ومحبة عارمة، هذه فطرة.
ليست المحبة فرع عن الحق في الولد أو المصلحة، قد لا يكون، قد يكون أصلا طفلا كما تعرف، ليس الآن محل أنه يفعل البر، أو لا يفعل البر، أو يفعل خلافه وهو العقوق، فمحبة الله ليست كمحبة المخلوق، المحبة التي شرعها الله لنا في محبات العباد الله سبحانه وتعالى - ليس كمحبتهم لولدهم ووالدهم، بل هي محبة عبادية كاملة، لا تليق بمخلوق أصلا.
فهذا النوع من المحبة أخطأ في فهمه بعض الصوفية، فجردوه تجريدا، ولم يجعلوا العبادة تابعة له، ولهذا تركوا كثيرا من الأمر، أو قصروا فيه باسم تعلقهم بمسألة المحبة، وانصرافهم لها، وتجد أن الشرعيات التي شرعها الله فيها تقصير كثير، وفيها غفلة كثيرة، أو فيها مخالفات كثيرة، لم يلت إليها بهذا الشكل من الصورة التي يسمونها المحبة، وهي محبة صورية، وإذا قبل إنها صورية؛ لا يلزم أنها صورية من كل وجه.
. وبالمقابل بعض من أراد الميل عن هذا النوع من طريقة بعض الصوفية اتخذ المحبة أثرا، وجعل الأصل هو الاستجابة للأمر، وأن هذا هو المحبة فقط، أن تفعل الفعل، هذا هو المحبة، وهذا مسلك كثير الإجمال والتداخل، ويعود بالدور كما قلنا سابقا.
لأنك إذا قلت الطاعة المحبة، (من صدق في محب؛ فليطع ) يقول هذا صحيح، لكن لا تغلق فهذه شعيرة بذاتها،
محبة الله هي: شعيرة بذاتها، ومن عصى الله بعض المعصية لا يقال أنه كاذب في محبته، لأنه أصلا من عدم المحبة الله ؟ هذا لا إيمان له، ما من مسلم إلا وعنده من محبة الله بقدر إيمانه، أليس كذلك؟
هي فريضة لا يتصور عدمها مع وجود الإيمان والإسلام، فما من مسلم إلا وهو يحب الله سبحانه وتعالى - مهما كانت معاصيه، لكن لاشك أن محبة النبي عليه الصلاة والسلام - لربه سبحانه وتعالى - ليس كمحبة جملة الناس.
ومحبة أبي بكر، ومحبة الصحابة عندهم تحقيق فمثل ما نقول هم محققون في مسألة الإيمان، وكما يتفاضل الناس في تحقيق الصلاة، وفي تحقيق الأفعال، يتفاضلون في تحقيق المحبة، وفي تحقيق آثارها، وفي تحقيق مقتضياتها، المقصود أن المحبة نفسها المقصود أنها هي شعيرة وعبادة.
ولذلك أثرها أن يذوق طعم الإيمان;(( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان )) هذا الأثر، ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»؛
هذه عبادة، هذه شعيرة مثل شعيرة الصلاة، ومثل شعيرة صلة الرحم، فكيف نجعل صلة الرحم عبادة، ولا نجعل محبة الله بذاتها عبادة؟ هي عبادة بذاتها، ويدخلها التفاضل بين المؤمنين، مثل تفاضلهم بالصلاة،
ومثل تفاضلهم في صلتهم لرحمهم، ومثل تفاضلهم في برهم لوالديهم، وغير ذلك من الأعمال .
فهي عبادة مشروعة وليست أثرا لعبادة، منهم من غلا في المحبة، فجعلها صورية من جنس محبة والتعلق المقطوع عن الأحكام والتشريعات والاستجابة، ولذلك كما ضربنا مثلا بالأب يحب ولده أو طفله مع أن طفله لا استجابة له، ولا أمر له، ولا نهي له، الأب لا يستجيب لأمر ابنه لأنه يعرف ليس له أمر، وليس له عقل قد انتظم واستتم، ليس مميزا، لا يزال طفلا، وأيضا ليس له أثر على أبيه.
فتجريد المحبة بمثل هذه الطريقة هذا تجريد ليس هو الوجه الشرعي الذي عطل به بعض الصوفية الأمر والنهي باسم أنهم اتخذوا مقام المحبة، لا فالمحبة شعيرة، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله، هذه عبادات، ونعلم أن الإيمان قول وعمل، وهذه من أصول الأعمال الشرعية، محبة الله، وخوف الله، ورجاء الله هذه من أصول الأعمال الشرعية، هذه الطريقة من طرق بعض الصوفية، حتى الذين التفتوا للمحبة حتى عطلوا بها الأعمال، أو عطلوا بها الأعمال القلبية الأخرى.
كتعطيل أثر الخوف من الله، أو أثر الرجاء، وهذه الطرق عرضت لبعض الأمم، ولهذا نهي في كتاب الله عن القنوط من رحمة الله، وعن الأمن من مكر الله، ولم يوصف به إلا القوم الخاسرون، وقوم ضالون، وقوم خالفوا نهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن الدين نزل كاملا، لا يتخذ نوع منه لا، يصح أن تتخذ بعض الشرائع، وتغلق بها بقية الشرائع، ولهذا نهي عن الرهبانية، كله تحتاج المادة، وهذا نظام، من نظام الشريعة، نهي عن الرهبانية ونهي عن التبتل،
وجعلت الرهبانية بدعة في دين الرسل ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ﴾ .
المقصود هنا أن المحبة شعيرة، فهذه طريقة من طرق الصوفية ليست لجميع الصوفية، ولكن لبعض الصوفية الذين جعلوا المحبة هي الشعيرة التي يدار عليها، - طبعا هذا لابد أنه يكون خطأ في فهم المحبة، يعني ليس كنتيجة - لهذا أنك تقول حققوا المحبة، وتركوا غيرها، يتصور هذا، في التشريع لا يتصور أنه يحقق المحبة، وهو معطل للخوف والرجاء مثلا، من تحقيق المحبة تحقيق عبادة الخوف والرجاء، وكذلك العبادات الأخرى .
فمن أراد لزوم المحبة، وقصر في غيرها؛ يلزمه ضرورة مخالفة التشريع، حتى من حيث الأحوال لما تكلم في السلوك والأحوال، هذا نقول خطأ لكن حتى من حيث السلوك والأحوال هل ستكون النتيجة أنه يحقق المحبة، وتكون محبته تامة لكنه في الأعمال الأخرى ناقص أو مقصر أو .... لا ، حتى لا يتصور تمام المحبة مع التقصير في إيش؟
في الواجبات الأخرى التي هي على نفس المقام من حيث الوجوب .
فهذه طريقة لبعض الصوفية قابلها بعض من أراد التباعد عن هذا المسلك، وتكلم عن مسألة المعاصي، وعن شر المعاصي، ولم يجعل للمحبة إلا حقيقة ترك المعصية، وكأن المحبة صارت هنا بهذه الطريقة التي يشير إليها بعض من كتب في السلوك ممن حاول الابتعاد عن طريقة الصوفية، فجعل المحبة في طريقته هنا جعلها أثرًا،
فتلك الطريقة الصوفية الغالية جعلت المحبة شعيرة لا أثر لها، وهذا ليس صفة شرائع الإسلام، فشرائع الإسلام شرائع لها آثارها، آثار الخير، فالشريعة والشعيرة توجب وتحرك النفس للشعيرة الأخرى، ولذلك قال الله - تعالى - عن شعيرة الصلاة ماذا؟
( إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهُ أَكْبَرُ ﴾ ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّيْرِ وَالصَّلاةِ)
هذه آثارها، فشرائع الإسلام، وشعائر الإسلام لها آثار
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
في المناسك قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ تَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ الشعائر هذه حقائق في القلوب والنفوس لها آثار، والحسنة تتبعها الحسنة إلى غير ذلك.
فهذا النهج الذي سلكه بعض الصوفية جعلها شعيرة مقطوعة الآثار، وصارت محبة صورية، وهذه موجودة في بعض الفلسفات قبل الإسلام، عندهم محبة الإله، حب الخالق محبة أشبه ما تكون في الفلسفات العرفانية والإشراقية الموجودة في بعض الأمم من الهنود وغير الهنود، وطبعا يغلب في بعض الأمم تعدد الآله،
لكن حتى الذين يميلون منهم إلى الوحدانية يقفون عند مسألة شهود المحبة كجمال، محبة جمالية وما إلى ذلك، فهذا النوع من المحبة ليس هو المحبة التي شرعها الله، أن تكون شعيرة لا أثر لها، أو تعطل بها الشرائع الأخرى.
ويقابل ذلك : المسلك الذي استعمله بعض المائلين للسنة، ولكنهم لم يحققوا طريقة القرآن وهدي الصحابة وطريقة السلف في فهمهم لأعمال القلوب، فيجعلون المحبة - وهذا يفعله كثير من الواعظين، أو بعبارة أدق بعض الواعظين الذين هم بعيدون - يخشون التصوف ومادته، والبدعة مادتها، ثم لا يجعل للمحبة إلا أثرا، والصحيح أن المحبة شعيرة المحبة شعيرة من الشعائر، وهي بذاتها عبادة من العبادات.
مثل ما نظر البعض، وسبق معنا في كلام الشاطبي في (الموافقات) وإن كان كتابا في قواعد التشريع والأصول والمقاصد، لكنه تكلم عن العلم،
وقال إن العلم وسيلة لعلم الشريعة وسيلة للعمل، التعبير بأن العلم وسيلة هذا خطأ، فالعلم بذاته غاية، العلم بذاته عبادة، العلم بالله، الدين قائم على العلم، ومعرفة الله هي عبادة بذاتها.
أحيانًا بعض الأساليب ألفت، وهي ما يسمى بالمقدمات المسلمة، تكون مسلمة بالإلف؛ بالإلف أحيانًا الاجتماعي، أو الإلف العلمي البسيط، الإلف الاجتماعي؛ هذا يُعرف أنه ليس قانون علمي.
ألإلف مثل بعض الإلف الاجتماعي مثل بعض الذين عند القبور يفعلون عندها البدع، وأسباب الشرك، هذا إلف اجتماعي أحيانًا، في بعض حالات أو البيئات، لكن أحيانًا حتى بعضهم الذين لهم عناية بالعلم هناك إلف علمي لبعض الكلمات، تصبح كأنها أصبحت قاعدة (العلم وسيلة للعمل) وبعض الناس يرى أن هذه الآن قاعدة، ويقرر ....
هذا خطأ أصلا، أيش العلم الذي وسيلة للعمل العمل غاية، والعلم غاية، بل هما في الحقيقة ماهية واحدة، هل يتصور عمل من دون علم الإن المعاي المسلمين لما يجي ويصلي الظهر أربع ركعات بكذا سجود، وكذا ركوع إلى آخر، ويركع بصفة كذا؛ هذا عنده علم، هذا ما حقق عملا فقط، هذا حقق عملا، وحقق علماً يعرف أن الصلاة هذا وقتها وهذا قدرها، وهذه صفتها.
فلا يتصور انفكاك العمل عن العلم، ما يعلم ما يمكن يعمل الآن لو قلت لشخص (قم)؛ قام، لأنه يعلم معنى قم، لو قلت له (اقعد)؛ قعد، لو أتيته بمصطلح أو بكلمة من لغة أخرى خاطبته بها، ما يقول، ولا يقعد، و.... لأنه ما علم المقصود، فقضية أن العلم ماهية منفكة، والعمل ماهية منفكة؛ هذا وهم ذهني أصلا.
صحيح أن الله سبحانه وتعالى أوجب على العباد أن يعملوا بما علموا ، لكن هذا لا يجعلنا نحول العلم إلى كلمة وسيلة، لأن الوسيلة دائما أضعف ، وليس مقصودة لذاتها، الله يقول: ﴿وَاللَّهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها )) شرع لنا معرفتها، وشرع لنا دعاءه سبحانه وتعالى - بها.
وكما قلت أن العبادة مبنية على العلم والعمل، لا يوجد عبادة هي علم محض لا عمل فيه، لا يوجد هذا ولهذا إذا تجرد العلم تجردا تاما؛ لا يكون عبادة الله، ولا يسمى العلم المطلق، بل هذا من جنس المعرفة التي كانت لبعض أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وقوله عن المشركين((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾
هذه المعرفة المجردة ليست هي العلم الذي قال الله فيه ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾
فالعلم هو الذي يوجد الإيمان، هذا التلازم، وهذا فيه عقيدة أهل السنة في فهمهم لمسألة الإيمان، ولهذا توهم المرجئة، وقالوا كيف العمل الظاهر يسمى إيمانًا ؟ الإيمان التصديق، وين العمل الظاهر الذي ما فيه تصديق؟
ما فيه أصلا عمل ما فيه تصديق، كما ذكرنا في كثير من الدروس لو أن شخصا يدور بالكعبة يبحث عن مفقود له شخص معتمر ويقوم يطوف، فقد طفلا، فصار يدور بين الطائفين يبحث عن هذا الطفل المفقود.
فهو الآن ما نوى الشروع في الطواف، هل نقول والله ما دام أخذ ثلاث مرات من الحجر إلى الحجر، ولقيت طفلا، وربما سبع مرات، ثم لقاه في الثامنة مثلا، نقول والله أنت كملت سبع ؟ هذا لم يقم بركن العمرة أو بركن حج، أو حتى بمشروع
مع أن الصورة الظاهرة للذي مايعرف يظن أنه طائف ومستعجل وهو في الحقيقة ماقصد الطواف .
فلا يوجد في الشريعة العمل المجرد، فأصلا كل عمل واجب فيه الإخلاص لله، و كل عبادة لابد فيها من العلم والتصديق والإخلاص، وما إلى ذلك.
الشاهد في ذلك أن بعض من تجافى طريقة الصوفية التي جعلتها شعيرة على خلاف قاعدة الشريعة في الشعائر، لأن قاعدة الشريعة في الشعائر هي ما ذكر في قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ﴾ .
المذكورة في قول الله:(( لَنْ يَنَالَ اللهُ خُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ )) فهذا منهج باطل.
ولكن المقابل الذي لا يجعل للمحبة حقيقة شرعية بذاتها، وإنما يسميها أثرا أو وسيلة أو ما إلى ذلك، هذا خطأ في فهم هذه الشعيرة فالمحبة شعيرة بذاتها، ولها آثار مثل ما الصلاة لها آثار ألم يقل الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والمنكر ) هذه قاعدة، ومحبة الله تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن وقع في معصية لا تكون محبته باطلة، مثل من وقع في معصية هل تكون صلاته باطلة، لا ما تكون باطلة، ولكن هل تكون على الدرجة الرفيعة في التحقيق، أوهي ناقصة ؟ نقول هي ناقصة ؟
ولهذا ذكر الله أن الإيمان يزيد وينقص، أو يزيد في القرآن، ولم يصرح بذكر النقص، ولكن كما قال الإمام مالك لما سئل عن نقص الإيمان، قال يا هذا أليس هو يزيد في كتاب الله ؟) يعني ألم يذكر الله في كتابه أن الإيمان يزيد، مثل قوله: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى )) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) قال (أليس هو يزيد في كتاب الله؟) فكما يزيد؛ ينقص،
يعني هذا حكم ضروري أن ما قبل الزيادة قبل النقص .
ماهوالإيمان الذي يزيد وينقص وأجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الأصل خالفوا به؟ هذا هو الفقه، هذا معنى فقه كلام السلف، وفقه عقيدة السلف، أنك تفقه معنى يزيد وينقص ما تأتي تقول العلم وسيلة، معرفة الله لا تكون وسيلة.
لكن أحيانا تأتي بعض الطرق الغالية، فتجرد بعض المعاني، فيرغب بعض المتأخرين الذين لم يحققوا رسوحا بالغا في هذه المعارف، وحسن ابتداء مبني على تفاصيل العلم، وليس على الإرادة والمحبة للسلف فقط، فيقصر ويكون هذا التباعد عن البدع يأتي بأقوال غريبة أو ناقصة، فلما وجدوا بعض أهل البدع يقول في مسائل أول الواجبات في كلام المعتزلة يقول أول واجب النظر)، وجملة يقولون (أول واجب من أهل الكلام يقولون أول واجب المعرفة)، فلما وجدواکلمة (المعرفة)، كلمة (النظر)، (القصد إلى النظر)، (أول جزء من النظر؛ هذه كلمات المتكلمين، البعض يريد أن يتكلم ليحقق مسألة العبادات الظاهرة، فيتباعد عن هذا، ويقول لا ، أو النظر أو العلم هو وسيلة للعبادة.
لا، هو عبادة، والصلاة عبادة، والحمد الله الله سمى الصلاة شعيرة، يعني وصفها بأنها عبادة، ووصف الصيام بأنه عبادة، والحج بأنه عبادة، وكذلك محبة الله عبادة، وخوف الله عبادة، وهكذا، فهذه كلها شعائر ظاهرة، أو شعائر باطنة.
هذا المسلك مسلك خطأ، وقع فيه بعض من كتب في السلوك ممن تباعد عن التصوف، ولم يفقهوا به مذهب السلف على وجهه، ويقع فيه أحيانًا بعض الوعاظ الذين يختصرون مسألة المحبة، ويختصرون مسألة المعاني التي شرعها الله عظيمة من العبادات كمحبة الله ورجائه وخوفه، وما إلى ذلك.
لكن نشوف حتى في الخوف، كثير من الناس يدور خوفه على الجنة والنار، الخوف من النار، وفي الرجاء يدور على رجاء النعيم ولا شك أن الخوف من النار خوفٌ مشروع، ورجاء الجنة رجاء مشروع، لكن كونه يكون محور عبادة الخوف والرجاء؛ هذا مقام قاصر ، لأن الخوف الخوف من سخط الله، الخوف من غضب الله .
الرجاء أعظمه رجاء الله المقام الذي أعطاه الله وتفضل به على خاصة المؤمنين ( رضي الله عنهم ورضوا عنه )
وبعدها ذكر الثواب الآخر الذي الجنة،(( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، أول مقامات الخبر في السياق قوله الله إنها يقدم في هذا المقام ما هو الأشرف، والفضل الأعظم، ما هو ؟
قال(( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ))، هذا لا شك من فضل الله عليه، لكن أول مقام هو مقام الرضا.
فالعبادات يجب أن تفقه على الوجه الشرعي، والعبودية فقه عظيم، ودقيق، وكما أخطأ فيه الصوفية؛ أخطأ فيه بعض المتأخرين على أوجه يريدون التباعد عن هذه البدعة، فيقعون أحيانًا في بعض الكلام الذي يقوله لينفكوا به عن بدعة التصوف، يبالغون في مسألة، فلا يقعون على وفق الشريعة، وهذا المعنى طبعا لم يعرض للمتقدمين من الأئمة، ولكنه يعرض لبعض المتأخرين.
وهذا له نظائر مثل ما في صفات الله، لما كـثر عند المتكلمين، وتأثر به بعض الفقهاء، صار بعض الفقهاء ليتقيه يبالغ في الإثبات، طبعا المبالغة لا تصل إلى حد التشبيه، لكن فيه زيادة بالإثبات، وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام مثلا في الصفات عن بعض الحنابلة مثلا ، طريقة ابن عقيل مائلة إلى التأويل في الجملة.
لكن جاء بعض من تباعد عن التأويل واستنكار التأويل، فبالغ، أو صار عنده زيادة في الإثبات، ولهذا ذكره ابن تيمية عن مثل أبي عبد الله بن ابي حامد من الحنابلة أن عنده زيادة في الإثبات، وفيما هو موضوعات كثيرة.
وأحيانًا درجة الإنكار للخطأ تزيد مثل مسلك أبي إسماعيل الهروي الأنصاري صاحب [منازل السائرين] لما كان كثير التباعد عن بدع متكلمة الصفاتية، بالغ في ذمهم، وفي ذم بدعتهم لدرجة أنه وقع في التكفير في بعض المسائل، على خلاف ما كان معروفًا عند السلف، ولذلك قال ابن تيمية بأن طريقته في هذا مخالفة لما عليه الأئمة كأحمد وأمثاله، فأحيانا المسائل المتقابلة، وفي الغالب أن هذا يقع من عدم التحقيق والعلم.
وتُفهم الآيات أحيانًا على غير وجهها، فبعضهم يجعل المحبة أثرا، ولا ينصبها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام والإيمان يستدل أو يتوهم الفهم الخطأ في قول الله - تعالى - ((قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهُ فَاتبعوني يُحْبِبْكُم الله ) فيتوهم من هذه الآية أن المحبة أنها أثر، وليست هي شعيرة لها آثارها.
وهذا التوهم كتوهم من توهم في قول الله - تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ كما جاء عن جملة من الصحابة ومنهم أبوبكر أنكم تقرأون آية تضعونها في غير موضعها، فهذا كذلك من يقرأ قول الله -تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله)) يجعل هذا أن المحبة أثر، وليست شعيرة قائمة بذاتها، يُعبد بها الله سبحانه وتعالى، فالله يعبد كما يُعبد بالصلاة، يُعبد بالمحبة.
طبعا الصلاة هي من محبة الله، الصلاة يعني المحبة تدخل على سائر العبادات، فالحج ضمنت فيه المحبة، والصوم ضمنت فيه المحبة، هذا الفهم الشرعي للمحبة، ليس كفهم الفلسفة للمحبة أنها المحبة الجمالية المجردة، ولهذا في الصيام في الحديث القدسي قال: «يدع طعامه وشرابه، وشهوته من أجلي»، و قال الله «الصوم لي، وأنا أجزي به، لأن العبد يفعله محبة الله، واستجابة له...
والمقصود على كل حال هذا مقام من مقامات المسائل، وهذه الرسالة لمن تأملها رسالة جامعة في إشارات هذه الحقيقة الشرعية العظيمة، وهي عبادة الله بمحبته سبحانه وتعالى، لأنه وقع فيها إفراط أو تفريط.