من هم المفسدون في الأرض؟
عباد الله: إن المفسد ليس فقط من يرتكب الذنوب والمعاصي التي تضره هو، بل هو كل من يتعدى ضرره إلى المجتمع، فيغيِّر الفطرة السليمة، ويهدم الأسس القويمة. ولقد ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم وحذَّر منهم أشد التحذير: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85]. {وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142].
والمفسدون أنواع شتى، فمنهم:
مفسدو العقيدة والأخلاق: الذين ينشرون الشرك والبدع والكفر والضلال، ويزيَّنون الفواحش والرذائل ويشيعونها بين الناس، ويهدمون قيم الحياء والعفة.
وقد قامت بذلك كثير من المذاهب الباطنية والتي ما زالت ممتدة إلى اليوم، وتواطأت معها ديانات الكفر في العـداء للإسلام، والمكر به وبأهله وشعائره.
مفسدو الأمن والدماء: وهم المحاربون الذين يسفكون الدماء البريئة بغير حق، ويقطعون السبل، ويهددون سلامة الناس واستقرارهم.
وقد نشأت حركات الخوارج التي استباحت دماء المسلمين في كل مكان بعد أن تكفرهم، كما نشأت في ظل غياب الأمن والعدل والدولة القوية عصابات قطاع الطرق ومن يرعبون الناس ويصادرون ما معهم.
مفسدو الاقتصاد والأموال: كالسارقين والمرتشين والمحتكرين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وينشرون الظلم المالي في المجتمع.
مفسدو الكلمة والرأي العام: وهم الذين يثيرون الفتن والشائعات، ويفرِّقون بين الصفوف، ويحرِّضون على البغضاء والكراهية بين أفراد الأمة.
والمفسدون يتميزون بصفة عجيبة ذكرها الله عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11-12]. فهم يظنون أن ما يفعلونه إصلاح، بينما هو عين الفساد والهلاك، وهذا من أعظم الضلا
للفساد عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة:
ففي الدنيا: يزول الأمن، وتنتشر الأمراض الاجتماعية، وتقل البركات، ويحل الغلاء والجفاف. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. والفساد هو سبب هلاك الأمم السابقة.
وفي الآخرة: عذاب أليم، وغضب من الله، قال سبحانه: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]. ومن لا يحبه الله فقد أبعده، ومن أبعده الله فقد خسر خسرانًا مبينًا.
أيها المسلمون: لننظر حولنا، فكل فساد نراه، من ظالم يظلم، أو صاحب سوء يدعو إلى الرذيلة، هو مظهر من مظاهر الإفساد الذي يجب أن نقف ضده.
معاشر المؤمنين: وبعد أن عرفنا خطر المفسدين وعواقب فسادهم، فما هو واجبنا الشرعي تجاههم؟ فلسنا أمة سلبية تقف متفرجة على الفساد وهو يدب في جسد الأمة.
إن واجبنا تجاه المفسدين هو واجب الإصلاح والمقاومة، وله درجات:
أولًا: تقوية الإيمان وإصلاح الذات: فالأساس هو إصلاح الفرد لنفسه وأهله، فإذا صَلَح الفرد صَلَحت الأمة، فابدأ بنفسك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
ثانيًا: القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو السياج الذي يحمي المجتمع، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب) وقال (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) رواه أبو داود.
ثالثًا: التعاون على البر والتقوى: يجب على الصالحين أن يتوحدوا ويتعاونوا لإقامة مشاريع الإصلاح والتربية، ونشر الخير والعلم الصحيح، لتقف الأمة صفًّا واحدًا ضد تيار الفساد، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
رابعًا: تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية: على ولاة الأمر والقائمين على تطبيق الشرع مسؤولية عظيمة في ردع المفسدين بالقانون والعقوبات الرادعة، ليكونوا عبرة لغيرهم، وحماية للمجتمع.
فيا عباد الله: ليكن شعارنا الدائم: "لا للإفساد، ونعم للإصلاح".
لنكن من دعاة الخير، وناشري الفضيلة، ولنقاوم الفساد بكل صوره وأشكاله، ولنعلم أننا بذلك ننال محبة الله ورضاه، وثواب المصلحين الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].
إسلام ويب