{ نَار } : من دلالة التنكير في هذا اللفظ هو التهويل والتخويف والترتيب ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... (6)} [التحريم] ، فالله جل شأنه يحذر عباده ويخوفهم من فظاعة وعظمة ناره، وذلك بأسلوب التنكير، وهذا أحد أغراض التنكير في العربية
ومثل ما ذكرت قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ... (10)} [النساء] ، فورد في الآية الكريمة لفظ : { نَارًا } بالتنكير للتهويل والتخويف وعاقبة من يأكل مال اليتيم ظلمًا والتجرؤ عليه واستحلاله فهنالك طائفة من الناس لا يرتدعون إلا بمثل هذا التهديد وهذا من أغراض التنكير
وبالتعريف : { النَّار } للعلم بها وعدم جهلها من قبل المتكلم والسامع، كقوله تعالى : { وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ... (80)} [البقرة] ، فهم يعلمون علم اليقين هول النار وعذابها، وأنّى لهم أن يجهلوها فالتعريف للفظ أفاد مزية العلم بها من قبل المتكلم والسامع.
ونظيره قوله تعالى : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} [آل عِمران] ، فالتعريف للفظ للعلم به من جراء السماع بها والتحذير منها، وهذا خطاب للمسيئين المذنبين في جنب الله تعالى ومن تجرأ على حدوده وتعدى على حق الله وهو يعلم أن هذا سيفضي به للنار فأمر الله باتقاء النار

بالتنكير { ضُر } عام، يدل على الشمول، وهذا عين دلالة النكرة يقول الحق جل وعلا : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ ... (8)} [الزُمَر] ، أي ضر، مهما كان حجمه وقوته وضعفه! عندها يبادر الإنسان لربه مباشرة { ... دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ... (8)} [الزُمَر] في هذه الحالة يتبين حجم الإنسان وضعفه سبحان الله!
ونظيره قوله تعالى : { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ ... (75)} [المؤمنون] ، فجاء اللفظ { ضُرٍّ } نكرة مجرورًا بمن الاستغراقية ليعمّ أي ضر واقع بهم مهما كان حجمه، ومع هذا كله لرجعوا في طغيانهم واستمروا في غيهم إذًا النكرة لها دلالة واضحة إذ هي ترسم صورة بيانية، لا تؤديها المعرفة
وبالتعريف : { الضُرًُ } هو المرض حينًا ، كما قال تعالى في شأن أيوب عليه السلام بعد أن أنهكه شدة المرض وطوله زمنه : { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)} [الأنبياء] ، فالتعريف له دلالة التعيين، فنادر ما يخرج التعريف في لفظ الضر عن شدة المرض كما قال تعالى في سورة يوسف { ... مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ... (88)} وهو العمى
ومثله قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ... (12)} [يُونس] ، قال السدي رحمه الله هو المرض، وهو قول قتادة أيضا. فالتعريف للكلمة يحجر من معناه ولا يرخي لها العنان في عموم المعاني وهذا التعبير القرآني الفريد جاء على سنن اللغة العربية وطرائقها

بالتنكير : { بَلَدًا } الأصل فيها تعني العموم، كما نلحظ هذا من دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لما زار مكة لأول مرة، ولم تكن تأهلت بالسكان بعد ولم يستوطنها أحد، فدعا لها بالأمن والرزق والخيرات : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا ... (126)} [البقرة] ، وهذا من دلالة النكرة في هذه الآية
ومثله قوله تعالى : { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ ... (7)} [النحل] ، وهذه إحدى النعم العظيمة التي منحها الله تعالى للإنسان، أن سخر المركوبات من الإنعام تحمل متاعه إلى عموم البلدان، وهذا ما نستقيه من دلالة النكرة { بَلَدٍ } التي أطلقت العموم في وظيفتها
وبالتعريف : { الْبَلَد } لا نجد إطلاق المعنى لهذا التعريف كما هو في حال النكرة، ففي قوله تعالى: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا الْبَلَدِ (2)} [البلد] ، المعرفة قيّدت المعنى، فلفظ { الْبَلَد } المراد به مكة دون غيرها كما جاء عند ابن جرير رحمه الله، إذًا التعريف له شخصيته كما هو للتنكير أيضًا ونظيره قوله تعالى : { وَهَـٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)} [التين] ،وهو مكة ولا ريب، فالتعريف عني به مكة في هذه الآية تحديدًا، والشرف كل الشرف لهذا التعريف الذي أريد به مكة البلد الأمين، ومثله قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا ... (35)} [إبراهيم] وهذه الدعوة بعد أن تأهلت مكة وخرج ماؤها

بالتنكير: { حيَاَة } لفظ أريد به إطلاق وعموم، فقد يراد به حتى حياة مهينة ذليلة، كقوله تعالى : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ... (96)} [البقرة] ، هكذا حال اليهود، فغاية مرادهم أن يبقوا في هذه الحياة حتى لو بلغت حياة ذلّ واضطهاد، وعيشة ضيق ونكد ، وجاء التنكير مرة أخرى ليدل على نقيض ما ذكرت آنفًا، فقد يدل التنكير على حياة شرف وعزّ وكرامة وحفظ للإنسان ونسله وهذا ما تضفيه لفظ حياة في قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (176)} [البقرة] ، فالقصاص عندما يقام في الأرض فإن الإنسان يعيش حياة مطلقة من العز والكرامة
وبالتعريف جاء لفظ: { الْحَيَاة } على ما يربو ستين مرة في القرآن كلها تعني هذه الدنيا، لم يشذّ عنها لفظ واحد كقوله تعالى: { ... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، وقوله تعالى: { أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)} [التوبة] ، وأما الآخرة فلم توصف بالحياة إنما وصفت بالدار
ولفظ { الْحَيَاة } قد نراه موصوفًا تارة بلفظ { الدُّنْيَا } وتارة أخرى يُستعاض بالصفة { الدُّنْيَا } عن الموصوف فالأول كقوله سبحانه : { وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)} [العنكبوت] ، وهذا في ذمها لمن قدّمها واستغرق فيها وحرص عليها والثاني قوله عزّ وجلّ : { ... ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)} [المائدة] ، في سياق الذل والخزي
{ رَّسُول / الرَّسُول }
بالتنكير : { رَّسُول } لفظ عام مطلق، كقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ } فدخل أي رسول أرسل من لدن الله تعالى تحت هذا اللفظ { رَّسُول } لأنه اللفظ غير معين لأحد وهذا مفاد النكرة في هذا السياق ومما زادها إغراقًا في التنكير دخول { مِنْ } الاستغراقية عليها ، ومثل ذلك كقوله تعالى : { ... رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ... } ، { رَسُولاً } لفظ عام نكرة يعني أي رسول، وهذا من حجج الكفار الكاذبة عند حلول المصائب بهم كما قال تعالى : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فالحاصل أن دلالة النكرة في تعبير القرآن الكريم تفيد الإطلاق والعموم والشمول
وبالتعريف : { الرَّسُولُ } تعني التخصيص والتعيين كما يظهر هذا المعنى من قوله تعالى : { وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ... (153)} [آل عِمران] ، ولا ريب أن المراد بهذا التعريف هو النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يوم أُحد، وإظهار التعريف هنا أضاف إفادة التوبيخ لمن خالف أمر الرسول في أحد ومثله قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... (41)} [المائدة] ، ولا ريب أن التعريف مقصود به النبي محمد عليه السلام وهذا مع طائفة من المنافقين كما جاء عند الواحدي رحمه الله وهذا التعريف له نظائر كثيرة، منها قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... (67)} [المائدة]