الإنصاف في الإسلام
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
فالمسلم التقي لا يظلم أحدًا، فلا يظلم زوجته في حقوقها ومعاشرتها، وإذا فارقها فارقها بمعروف دون ظلم أو جور، ولا يدعي عليها بما ليس فيها. وما نراه اليوم ونسمعه في المحاكم المدنية، والأحوال الشخصية فشيء يحير العقول، ويدمي القلوب، ويهز المشاعر؛ ظلم في البيوت، واعتداء على الحرمات، وأكل أموال الناس بالباطل، وادعاء الكذب، وهضم الحقوق، ونسيان المعروف وجحده، والإحسان ونكرانه، مما ينافي الحق والإنصاف والعدل الذي جاء به الإسلام، وأمر به القرآن.
ومن الظلم وعدم الإنصاف في الحياة الأسرية أخذ مال الزوجة بغير طيب نفس منها، فذلك أمر يخالف الدين، ويأباه الخلق الكريم، ومن أكل أموال الناس بالباطل، قال الله سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].
وقد أوصى الله سبحانه وتعالى بالزوجات في كثير من الآيات، قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، وقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
ومن الإنصاف والعدل في نقل الخبر وقبوله التثبُّت، وتمحيص النقل، فالقرآن الكريم يربي المسلم على التريث والتثبت في نقل الأخبار، وفيه توجيه إلى وسائل الإعلام، ومؤسسات التعليم، ومنابر التربية على التحري بالنقل الصادق، والتوثيق الواقعي لما يجوز نقله من الأخبار، قال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9].
قال سيدنا علي رضي الله عنه بين الحق والباطل أربعة أصابع، وهي المسافة بين الأذن والعين، والميزان هو التحقق والثبت من الخبر، وهذا كان ديدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين تخرجوا من مدرسته صلى الله عليه وسلم من تمحيص الخبر وغربلته قبل سماعه والتصديق به، وهو مما كان من أسباب نشأة علم الجرح والتعديل في علوم الحديث، وهو من العلوم التي خصت به هذه الأمة، وانفرد به علماؤنا الأجلاء رحمهم الله تعالى.
وننتقل إلى قضايا الأمة وأحداث الدول وهو بيت القصيد، فكم ارتكب من ظلم في هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية على المسلمين في قضاياهم وبلدانهم في شتى المجالات، ومن ذلك ما حصل في البوسنة والهرسك الإسلامية مع الصرب، ومشكلة باكستان مع الهند، ومن أعظم تلك القضايا التي تعاملت الأمم المتحدة بشكل متحيز وجائر قضية القدس وفلسطين مع كيان بني صهيون، فكم نقض القرارات واستعمل الفيتو التي تصدر ضد كيان صهيون بحجة الدفاع عن النفس والقضاء على الإرهاب ومن قِبَل دول كبرى، وما مجازر غزة ورفح الأخيرة عنا ببعيد؛ حيث تكشف الأحداث الأخيرة عن الوجه القبيح لدى هذه المنظمة التي تساند الظالم، وتقف معه ضد المظلوم في شتى القضايا، ولا ننس الوقوف المشرف لدى بعض الدول الغربية التي تعترف بحقوق الفلسطينيين، متأملين ظهور حدث على الساحة، وقد بين الله سبحانه في القرآن الكريم من باب العدل والإنصاف أن من أهل الكتاب من يقوم بالقسط والعدل، وينتصف للمظلوم من الظالم، قال تعالى في كتابه: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].
اللهم أرنا الحق حقًّا ووفقنا لاتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وجنِّبنا اتِّباعه، ونسألك اللهم كلمة الحق في الغضب والرضا، والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طريق الاسلام