الفَرْقُ بَيْنَ الاستِهْزاءِ والسُّخْريَّةِ:
(أنَّ الإنسانَ يُستهزَأُ به من غيرِ أن يَسبِقَ منه فِعلٌ يُستهزَأُ به من أجْلِه.
والسُّخْرُ: يدُلُّ على فِعلٍ يَسبِقُ من المسخورِ منه، والعبارةُ من اللَّفظينِ تدُلُّ عن صِحَّةِ ما قُلْناه؛ وذلك أنَّك تقولُ: استهزَأْتُ به، فتُعَدِّي الفِعلَ منك بالباءِ، والباءُ للإلصاقِ، كأنَّك ألصَقْتَ به استِهزاءً من غيرِ أن يدُلَّ على شيءٍ وقع الاستِهْزاءُ من أجلِه، وتقولُ: سَخِرتُ منه، فيقتضي ذلك مَن وَقَع السُّخرُ من أجلِه، كما تقولُ: تعجَّبْتُ منه، فيدُلُّ ذلك على فِعلٍ وَقَع التَّعجُّبُ من أجْلِه) .
الفَرْقُ بَيْنَ السُّخْريَّةِ واللَّعِبِ:
(أنَّ في السُّخْريَّةِ خَديعةً واستِنقاصًا لِمن يُسخَرُ به، ولا يكونُ إلَّا بذي حياةٍ.
وأمَّا اللَّعِبُ فقد يكونُ بجَمادٍ؛ ولذلك أسند سُبحانَه السُّخْريَّةَ إلى الكُفَّارِ بالنِّسبةِ إلى الأنبياءِ، كقَولِه سُبحانَه: وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود: 38] ) .
الفَرْقُ بَيْنَ المُزاحِ والاستِهْزاءِ:
(أنَّ المُزاحَ لا يقتضي تحقيرَ من يمازِحُه ولا اعتقادَ ذلك؛ ألا ترى أنَّ التَّابعَ يمازِحُ المتبوعَ من الرُّؤَساءِ والملوكِ، ولا يقتضي ذلك تحقيرَهم ولا اعتقادَ تحقيرِهم، ولكِنْ يقتضي الاستئناسَ بهم. والاستِهْزاءُ: يقتضي تحقيرَ المُستهزَأِ به واعتقادَ تحقيرِه) .
الفَرْقُ بَيْنَ التَّهكُّمِ والاستِهْزاءِ:
التَّهكُّمُ هو ازدراءُ الغَيرِ، والمُقتضي له بغضُ المُتهَكَّمِ به من غيرِ وجودِ سَبَبٍ، أمَّا الاستِهْزاءُ فإنَّه يحتَمِلُ وجودَ السَّبَبِ؛ فالتَّهكُّمُ يكونُ من المتعالي وبدونِ أن يكونَ في المتهَكَّمِ به ما يدعو للتَّهكُّمِ، وإنَّما فعَلَه مِن قبيلِ الاستعلاءِ .
الفَرْقُ بَيْنَ الازدِراءِ والاستِهْزاءِ:
الازدِراءُ: هو الاستهانةُ والاحتقارُ والاستخفافُ، يُعَدَّى بدونِ حَرفٍ، ويقَعُ من الأعلى على الأدنى، بينما الاستِهْزاءُ يُعَدَّى بحَرفٍ، ويكونُ من المماثِلِ أو من الأدنى إلى الأعلى .
الدرر السنية
صُوَرُ السُّخْريَّةِ والاستِهْزاءِ
1- السُّخْريَّةُ بالقولِ أو بالمحاكاةِ في الفِعلِ والقولِ، أو بالإشارةِ والإيماءِ، أو بالضَّحِكِ:
قال ابنُ النَّحَّاسِ: (واعلَمْ أنَّ معنى السُّخْريَّةِ: الاستِحقارُ والاستِهانةُ والتَّنبيهُ على العُيوبِ والنَّقائِصِ على وَجهٍ يُضحَكُ منه، وقد يكونُ ذلك بالمحاكاةِ في الفِعلِ والقَولِ، وقد يكونُ بالإشارةِ والإيماءِ، وقد يكونُ بالضَّحِكِ، كأن يَضحَكَ على كلامِه إذا تخبَّط فيه أو غَلِط، أو على صَنعتِه، أو قُبحٍ في صورتِه، ونحوِ ذلك) .
2- الهَمْزُ واللَّمْزُ:
وقد نهى اللهُ عزَّ وجَلَّ عن الهَمْزِ واللَّمزِ في كتابِه، وتوعَّد مَن يفعَلُ ذلك؛ قال ابنُ تَيميَّةَ: (اللَّمْزُ: هو العَيبُ والطَّعنُ، ومنه قَولُه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فيِ الصَّدَقَاتِ [التوبة: 58] ، أي: يَعيبُك ويَطعَنُ عليك، وقَولُه: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة: 79] ، وقَولُه: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] ، أي: لا يَلمِزْ بعضُكم بعضًا، كقَولِه: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: 12] ... والهَمزُ: العَيبُ والطَّعنُ بشِدَّةٍ وعُنفٍ، ومنه: هَمَز الأرضَ بعَقِبِه، ومنه الهَمْزةُ، وهي نَبرةٌ من الصَّدرِ) .
و(اللَّمزُ: هو أن يعيبَ الإنسانُ أخاه في وَجهِه بكلامٍ ولو خَفيًّا، ورُبَّ لَمزٍ خَفيٍّ هو أشدُّ مِن طعنٍ صريحٍ، وأعمَقُ جُرحًا في داخِلِ النَّفسِ؛ لأنَّ فيه بالإضافةِ إلى الطَّعنِ والتَّجريحِ بالعَيبِ معنى استغباءِ الملموزِ واستِغفالِه، فكأنَّ اللَّامِزَ يُشعِرُ الذين في المجلِسِ أنَّ الملموزَ غبيٌّ لا يتنَبَّهُ إلى الطَّعنِ الذي يوجَّهُ ضِدَّه في رمزِ الكلامِ.
واللَّمزُ قبيحةٌ اجتماعيَّةٌ تورِثُ الأحقادَ والأضغانَ، وتقطَعُ أواصِرَ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وهو ظُلمٌ من الإنسانِ لأخيه الإنسانِ، وعُدوانٌ على حَقِّه عليه) .
قال سُبحانَه: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] (فجَعَل اللَّامِزَ أخاه لامِزًا نفسَه؛ لأنَّ المُؤمِنين كرَجُلٍ واحدٍ فيما يلزَمُ بعضُهم لبعضٍ من تحسينِ أمرِه، وطلَبِ صلاحِه، ومحبَّتِه الخَيرَ) .
وقال أبو السُّعودِ: (مَناطُ الخَيريَّةِ... ليس ما يَظهَرُ للنَّاسِ من الصُّوَرِ والأشكالِ، ولا الأوضاعِ والأطوارِ التي عليها يدورُ أمرُ السُّخْريَّةِ غالبًا، بل إنَّما هو الأمورُ الكامنةُ في القُلوبِ، فلا يجتَرِئُ أحَدٌ على استحقارِ أحَدٍ؛ فلعَلَّه أجمعُ منه لِما نيطَ به الخيريَّةُ عِندَ اللهِ تعالى، فيَظلِمَ نفسَه بتحقيرِ مَن وَقَّره اللهُ تعالى، والاستهانةِ بمَن عظَّمَه اللهُ تعالى) .
الفَرْقُ بَيْنَ الهمزِ واللَّمزِ:
اختُلِف في الفَرْقِ بَيْنَ الهَمزِ واللَّمزِ:
فقيل: الهَمزُ: عيبُ النَّاسِ مِن خَلفِهم، واللَّمزُ: عَيبُهم مواجَهةً.
وقيل بعَكسِ ذلك؛ فالهَمزُ: الطَّعنُ في وَجهِ الرَّجلِ، واللَّمزُ: اغتيابُ الرَّجُلِ مِن خَلفِه إذا غاب.
وقيل: الهَمزُ: بالقَولِ، واللَّمزُ: بالفِعلِ.
وقيل بعَكسِ ذلك؛ فالهَمزُ: عَيبُ النَّاسِ والطَّعنُ عليهم بالإشارةِ والفِعلِ. واللَّمزُ: عَيبُهم بالقَولِ.
وقيل: الهَمزُ واللَّمزُ: كِلاهما بمعنًى واحِدٍ، وهو العَيبُ والطَّعنُ .
3- التَّنابُزُ بالألقابِ:
(اللَّقَبُ: هو ما يُدعى به الشَّخصُ مِن لَفظٍ غيرِ اسمِه وغيرِ كُنيتِه، وهو قِسمانِ: قَبيحٌ، وهو ما يَكرَهُه الشَّخصُ لكونِه تقصيرًا به وذَمًّا. وحسَنٌ، وهو بخِلافِ ذلك، كالصِّدِّيقِ لأبي بَكرٍ، والفاروقِ لعُمَرَ، وأسَدِ اللهِ لحَمزةِ، رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم) .
قال ابنُ عبَّاسٍ: (التَّنابُزُ بالألقابِ: أن يكونَ الرَّجُلُ قد عَمِل السَّيِّئاتِ ثمَّ تاب، فنهى اللهُ أن يُعَيَّرَ بما سلَف مِن عَمَلِه) .
ثمَّ إنَّ التَّنابُزَ بالألقابِ التي هي (ممَّا يؤذي النَّاسَ؛ إذ يَحمِلُ معنى التَّحقيرِ والإهانةِ، نهى اللهُ عنه، وجَعَله من المحرَّماتِ، وجعلَه من الفُسوقِ والظُّلمِ، وربَّما يَصِلُ التَّنابُزُ بالألقابِ إلى مستوى الشَّتيمةِ، كالنَّبزِ بالحِمارِ، والثَّورِ، والكَلبِ، ونحوِ ذلك.
ومن شأنِ التَّنابُزِ بالألقابِ أنَّه يقطَعُ أواصِرَ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، ويُفسِدُ المودَّاتِ، ويولِّدُ العداواتِ والأحقادَ، ورُبَّما يوصِلُ إلى التَّقاتُلِ مع ثَوراتِ الغَضَبِ، وهَيَجانِ الحماقاتِ) .
ويُستثنى من النَّهيِ بالتَّنابُزِ بالألقابِ الألقابُ الحَسَنةُ، كالصِّديقِ، والفاروقِ وغيرِها، وكذلك التي هي للشُّهرةِ، كالأعمَشِ وغيرِه.
وقال الخازِنُ: (قال بعضُ العُلَماءِ: المرادُ بهذه الألقابِ ما يَكرَهُه المنادى به أو يفيدُ ذَمًّا له، فأمَّا الألقابُ التي صارت كالأعلامِ لأصحابِها، كالأعمَشِ والأعرَجِ وما أشبَهَ ذلك، فلا بأسَ بها، إذا لم يكرَهْها المدعوُّ بها، وأمَّا الألقابُ التي تكسِبُ حَمدًا ومدحًا تكونُ حَقًّا وصِدقًا، فلا يُكرَهُ، كما قيل لأبي بَكرٍ: عتيقٌ، ولعُمَرَ: الفاروقُ، ولعُثمانَ: ذو النُّورَينِ، ولعَليٍّ: أبو تُرابٍ، ولخالِدِ: سَيفُ اللهِ، ونحوِ ذلك) .
4- التَّعييرُ والتَّهكُّمُ:
والتَّعييرُ: ذِكرُ ما يُوجِبُ العارَ ، فيَذُمُّ الرَّجُلَ ويتنقَّصُه ويُظهِرُ عَيبَه؛ ليُنفِّرَ النَّاسَ عنه؛ إمَّا محبَّةً لإيذائِه أو لعداوتِه، أو مخافةً من مزاحمتِه على مالٍ أو رئاسةٍ، أو غيرِ ذلك من الأسبابِ المذمومةِ، فلا يَتوَصَّلُ إلى ذلك إلَّا بإظهارِ الطَّعنِ فيه .
وقال الكَفَويُّ في معنى التَّهكُّمِ: (هو ما كان ظاهِرُه جِدًّا وباطِنُه هَزْلًا، والهَزْلُ الذي يرادُ به الجِدُّ بالعَكسِ، ولا تخلو ألفاظُ التَّهكُّمِ من لفظةٍ من اللَّفظِ الدَّالِّ على نوعٍ من أنواعِ الذَّمِّ، أو لفظةٍ مِن معناها الهَجْوُ) .
عن المعرورِ بنِ سُوَيدٍ قال: ((لَقيتُ أبا ذَرٍّ بالرَّبَذةِ، وعليه حُلَّةٌ ، وعلى غُلامِه حُلَّةٌ، فسألتُه عن ذلك فقال: إنِّي سابَبْتُ رجُلًا فعَيَّرْتُه بأمِّه، فقال لي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أبا ذَرٍّ، أعيَّرْتَه بأمِّه؟ إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ! إخوانُكم خَوَلُكم جعَلَهم اللهُ تحتَ أيديكم؛ فمن كان أخوه تحتَ يَدِه فلْيُطعِمْه ممَّا يأكُلُ، ولْيُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكَلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإن كَلَّفْتُموهم فأعينوهم)) .
5- السُّخْريَّةُ والاستِهْزاءُ والتَّهكُّمُ عن طريقِ وسائلِ التَّواصُلِ، بنَشرِ المقاطِعِ المصَوَّرةِ، وكتابةِ التَّعليقاتِ السَّاخرةِ، وكذلك ما يُعرَفُ بالبرامِجِ السَّاخِرةِ، والرُّسومِ المعروفةِ ب(الكاريكاتير).