تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن الإمام محمد بن جرير الطبري الجزء الاول تَفْسِيرِ سُّورَةِ الْبَقَرَة(68) الحلقة (83) صــ566إلى صــ570 القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك : 820 - فحدثني المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " يقول : لا تأخذوا عليه أجرا . قال : هو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابن آدم ، علم مجانا كما علمت مجانا . وقال آخرون بما : 821 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " يقول : لا تأخذوا طمعا قليلا وتكتموا اسم الله ، وذلك الثمن هو الطمع . [ ص: 566 ] فتأويل الآية إذا : لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيس وعرض من الدنيا قليل . وبيعهم إياه - تركهم إبانة ما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس ، وأنه مكتوب فيه أنه النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل - بثمن قليل ، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من أهل ملتهم ودينهم ، وأخذهم الأجر ممن بينوا له ذلك على ما بينوا له منه . وإنما قلنا بمعنى ذلك : " لا تبيعوا " لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائع الآيات بالثمن ، فكل واحد من الثمن والمثمن مبيع لصاحبه ، وصاحبه به مشتر : وإنما معنى ذلك على ما تأوله أبو العالية ، بينوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا تبتغوا عليه منهم أجرا . فيكون حينئذ نهيه عن أخذ الأجر على تبيينه ، هو النهي عن شراء الثمن القليل بآياته . القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( وإياي فاتقون ( 41 ) ) قال أبو جعفر : يقول : فاتقون - في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن ، وشرائكم بها القليل من العرض ، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيي - أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المثلات والنقمات . القول في تأويل قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) قال أبو جعفر : يعني بقوله : " ولا تلبسوا " لا تخلطوا . واللبس هو الخلط . [ ص: 567 ] يقال منه : لبست عليه هذا الأمر ألبسه لبسا : إذا خلطته عليه . كما : 822 - حدثت عن المنجاب ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) [ سورة الأنعام : 9 ] يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون . ومنه قول العجاج : لما لبسن الحق بالتجني غنين واستبدلن زيدا مني يعني بقوله : " لبسن " خلطن . وأما اللبس فإنه يقال منه : لبسته ألبسه لبسا وملبسا ، وذلك الكسوة يكتسيها فيلبسها . ومن اللبس قول الأخطل : لقد لبست لهذا الدهر أعصره حتى تجلل رأسي الشيب واشتعلا ومن اللبس قول الله جل ثناؤه : ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) . [ سورة الأنعام : 9 ] فإن قال لنا قائل وكيف كانوا يلبسون الحق بالباطل وهم كفار ؟ وأي حق كانوا عليه مع كفرهم بالله ؟ قيل : إنه كان فيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ويستبطنون الكفر به . وكان عظمهم يقولون : محمد نبي مبعوث ، إلا أنه [ ص: 568 ] مبعوث إلى غيرنا . فكان لبس المنافق منهم الحق بالباطل ، إظهاره الحق بلسانه ، وإقراره بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به جهارا ، وخلطه ذلك الظاهر من الحق بما يستبطنه . وكان لبس المقر منهم بأنه مبعوث إلى غيرهم ، الجاحد أنه مبعوث إليهم ، إقراره بأنه مبعوث إلى غيرهم ، وهو الحق ، وجحوده أنه مبعوث إليهم ، وهو الباطل ، وقد بعثه الله إلى الخلق كافة . فذلك خلطهم الحق بالباطل ولبسهم إياه به . كما : 823 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " قال : لا تخلطوا الصدق بالكذب . 824 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " يقول : لا تخلطوا الحق بالباطل ، وأدوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم . 825 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " اليهودية والنصرانية بالإسلام . 826 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد في قوله : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " قال : الحق التوراة الذي أنزل الله على موسى ، والباطل : الذي كتبوه بأيديهم . [ ص: 569 ] القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ( 42 ) ) قال أبو جعفر : وفي قوله : " وتكتموا الحق " وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق ، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل . فيكون تأويل ذلك حينئذ : ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق . ويكون قوله : " وتكتموا " عند ذلك مجزوما بما جزم به " تلبسوا " عطفا عليه . والوجه الآخر منهما : أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل ، ويكون قوله : " وتكتموا الحق " خبرا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه ، فيكون قوله : " وتكتموا " حينئذ منصوبا لانصرافه عن معنى قوله : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " إذ كان قوله : " ولا تلبسوا " نهيا ، وقوله " وتكتموا الحق " خبرا معطوفا عليه ، غير جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله : " تلبسوا " من الحرف الجازم . وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صرفا . ونظير ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم [ ص: 570 ] فنصب " تأتي " على التأويل الذي قلنا في قوله : " وتكتموا " لأنه لم يرد : لا تنه عن خلق ولا تأت مثله ، وإنما معناه : لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله ، فكان الأول نهيا ، والثاني خبرا ، فنصب الخبر إذ عطفه على غير شكله . فأما الوجه الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما ، فهو على مذهب ابن عباس الذي : 827 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله : " وتكتموا الحق " يقول : ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون . 828 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وتكتموا الحق " أي ولا تكتموا الحق . . وأما الوجه الثاني منهما ، فهو على مذهب أبي العالية ومجاهد . 829 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " قال : كتموا بعث محمد صلى الله عليه وسلم . 830 - وحدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه .
من مواضيعي في الملتقى
* بركة الأعمار في بركة الأوقات* الريح والغبار طيبة وإعصار* أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه* المرأة والأسرة --------- متجدد* نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم "وينطق الرويبضة"* الإقناع والتواصل* لوحات جمالية: أمراء للبيع