تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن الإمام محمد بن جرير الطبري الجزء الاول تَفْسِيرِ سُّورَةِ الْبَقَرَة(64) الحلقة (79) صــ546إلى صــ550 791 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " قال : هو قوله : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " 792 - حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد : هو قوله : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه ، وإن كانت مختلفة الألفاظ ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقى آدم كلمات ، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن ، وتاب بقيله إياهن وعمله بهن إلى الله من خطيئته ، معترفا بذنبه ، متنصلا إلى ربه من خطيئته ، نادما على ما سلف منه من خلاف أمره ، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه ، وندمه على سالف الذنب منه . والذي يدل عليه كتاب الله ، أن الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه ، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه ، معترفا بذنبه ، وهو قوله : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وليس ما قاله من خالف قولنا هذا - من الأقوال التي حكيناها - بمدفوع قوله ، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها ، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه . وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم - من قيله الذي لقاه إياه فقاله تائبا إليه من خطيئته - تعريف منه جل ذكره جميع المخاطبين [ ص: 547 ] بكتابه ، كيفية التوبة إليه من الذنوب ، وتنبيه للمخاطبين بقوله : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) [ سورة البقرة : 28 ] ، على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله ، وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته ، مع تذكيره إياهم به السالف إليهم من النعم التي خص بها أباهم آدم وغيره من آبائهم . القول في تأويل قوله تعالى : ( فتاب عليه ) قال أبو جعفر : وقوله : " فتاب عليه " يعني : على آدم . والهاء التي في " عليه " عائدة على " آدم " وقوله : " فتاب عليه " يعني رزقه التوبة من خطيئته . والتوبة معناها الإنابة إلى الله ، والأوبة إلى طاعته مما يكره من معصيته . القول في تأويل قوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا ( 38 ) ) قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " إنه هو التواب الرحيم " أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه - من عباده المذنبين - من ذنوبه ، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه . وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربه ، إنابته إلى طاعته ، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيما مما يكرهه ربه . فكذلك توبة الله على عبده ، هو أن يرزقه ذلك ، [ ص: 548 ] ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه ، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه . وأما قوله : " الرحيم " فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة . ورحمته إياه ، إقالة عثرته ، وصفحه عن عقوبة جرمه . قال أبو جعفر : وقد ذكرنا القول في تأويل قوله : " قلنا اهبطوا منها جميعا " فيما مضى ، فلا حاجة بنا إلى إعادته ، إذ كان معناه في هذا الموضع ، هو معناه في ذلك الموضع . 793 - وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، في قوله : " اهبطوا منها جميعا ، قال : آدم وحواء والحية وإبليس . القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( فإما يأتينكم مني هدى ) قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " فإما يأتينكم " فإن يأتكم . و " ما " التي مع " إن " توكيد للكلام ، ولدخولها مع " إن " أدخلت النون المشددة في " يأتينكم " تفرقة بدخولها بين " ما " التي تأتي بمعنى توكيد الكلام - التي تسميها أهل العربية صلة وحشوا - وبين " ما " التي تأتي بمعنى " الذي " فتؤذن بدخولها في الفعل ، أن " ما " التي مع " إن " التي بمعنى الجزاء ، توكيد ، وليست " ما " التي بمعنى " الذي " وقد قال بعض نحويي أهل البصرة : إن " إما "إن زيدت معها " ما " [ ص: 549 ] وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة ، وقد يكون بغير نون . وإنما حسنت فيه النون لما دخلته " ما " لأن " ما " نفي ، فهي مما ليس بواجب ، وهي الحرف الذي ينفي الواجب ، فحسنت فيه النون ، نحو قولهم : " بعين ما أرينك " حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون فيما هاهنا . وقد أنكرت جماعة من أهل العربية دعوى قائل هذه المقالة : أن " ما " التي مع " بعين ما أرينك " بمعنى الجحد ، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام . وقال آخرون : بل هو حشو في الكلام ، ومعناها الحذف ، وإنما معنى الكلام : " بعين أراك " وغير جائز أن يجعل مع الاختلاف فيه أصلا يقاس عليه غيره . القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 38 ) ) قال أبو جعفر : والهدى ، في هذا الموضع ، البيان والرشاد . كما : 794 - حدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " فإما يأتينكم مني هدى " قال : الهدى ، الأنبياء والرسل والبيان . . فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال ، فالخطاب بقوله : " اهبطوا " وإن كان لآدم وزوجته ، فيجب أن يكون مرادا به آدم وزوجته وذريتهما . فيكون ذلك حينئذ نظير قوله : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ سورة فصلت : 11 ] ، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين ، ونظير قوله في قراءة [ ص: 550 ] ابن مسعود : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم ) [ سورة البقرة : 128 ] ، فجمع قبل أن تكون ذرية ، وهو في قراءتنا : " وأرنا مناسكنا " وكما يقول القائل لآخر : " كأنك قد تزوجت وولد لك ، وكثرتم وعززتم " ونحو ذلك من الكلام . وإنما قلنا إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية ، لأن آدم كان هو النبي أيام حياته بعد أن أهبط إلى الأرض ، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده . فغير جائز أن يكون معنيا - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم - بقوله : " فإما يأتينكم مني هدى " خطابا له ولزوجته ، " فإما يأتينكم مني أنبياء ورسل " إلا على ما وصفت من التأويل . وقول أبي العالية في ذلك - وإن كان وجها من التأويل تحتمله الآية - فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبه بظاهر التلاوة ، أن يكون تأويلها : فإما يأتينكم يا معشر من أهبط إلى الأرض من سمائي ، وهو آدم وزوجته وإبليس - كما قد ذكرنا قبل في تأويل الآية التي قبلها - إما يأتينكم مني بيان من أمري وطاعتي ، ورشاد إلى سبيلي وديني ، فمن اتبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إلي معصية وخلاف لأمري وطاعتي . يعرفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائب على من تاب إليه من ذنوبه ، والرحيم لمن أناب إليه ، كما وصف نفسه بقوله : " إنه هو التواب الرحيم "
من مواضيعي في الملتقى
* قدرات عقل طفلك بين النمو والذبول* فلنعلم أطفالنا دعوة غير المسلمين* المناخ الأسري للطفل* تدبر: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها* تدبر: ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون* كيف ننتفع بالقرآن الكريم؟* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله