عرض مشاركة واحدة
قديم 04-27-2026, 06:19 PM   #108

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 487 الى صـــ 506
الحلقة (108)






رابعها:
«الدَّائِم»: الراكد كما جاء في رواية أخرى.
وقوله: («الَّذِي لَا يَجْرِي») تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل:
للاحتراز عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها، والألف واللام في «الماء» لبيان حقيقة الجنس أو للمعهود الذهني.
خامسها:
قوله: («ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ») الرواية بالرفع، وجوَّز ابن مالك جزمه على النهي، ونصبه على تقدير أن (١)، ومنعهما غيره، وقد أوضحت ذَلِكَ في «شرح العمدة» (٢).
سادسها:
هذا النهي للتحريم إن كان قليلًا؛ لأنه ينجسه ويقذره على غيره، وللتنزيه إن كان كثيرًا هذا هو الذي يظهر، وإن أطلق جماعة من أصحابنا الكراهة في الأول، والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه فيه، أو بال بقُرْبه فوصل إليه، وأبعد الظاهري فيهما، وقال: يحرم عليه إذا بال فيه، ولو كان الماء كثيرًا دون غيره، وقد أوضحت فساده في «شرح العمدة» أيضًا (٣).
سابعها:
استدل به أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الآخر بوقوع النجاسة فيه؛ فإن الصيغة صيغة عموم (٤)، وهو عند
(١) «شواهد التوضيح» ص ٢٢٠.
(٢) انظر: «الإعلام» ١/ ٢٧٢.
(٣) «الإعلام» ١/ ٢٧٧، ٢٧٨.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٩، ٢٠.



الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين جمعًا بين الحديثين (١)، وهما هذا الحديث وحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا»، وقد صححه ابن معين وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم (٢).
وعند أحمد أن بول الآدمي وما في معناه ينجس الماء، وإن كان كثيرًا اللهم إلا أن يكون كثيرًا جدًّا، كالمصانع التي بطريق مكة وغيره من النجاسات يعتبر فيه القلتان.
وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين مخصوصة، فينجس الماء دون غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص عليه، ما هو في معناه (٣).
ومالك حمل النهي على التنزيه مطلقًا؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير بالنجاسة، فلا بد من التخصص أو التقييد (٤).
ثامنها:
حرمة الوضوء بالماء النجس والتأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه (٥).

------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ١٦٨.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٩ (٩٢)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٥٧ (١٢٤٩). ورواه الأربعة: أبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي ١/ ٤٦، وابن ماجه (٥١٧).
(٣) انظر: «المغني» ١/ ٥٥ - ٥٦.
(٤) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٦، «الكافي» ص ١٥، «بداية المجتهد» ١/ ٥٢، ٥٧.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الثامن من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.



٦٩ - باب إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌّ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ
وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. [فتح: ١/ ٤٣٨]

٢٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيمُونٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَد؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَة ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ- قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ يحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ [٥٢٠، ٢١٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٣٤١]


قال البخاري: وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهْوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ.
وهذا رواه في «المصنف» بنحوه عن وكيع، عن حسين بن جعفر، حَدَّثَني سليط بن عبد الله بن يسار: رأيت ابن عمر رأى في (جُربائه) (١) دمًا فبزق فيه ثم دلكه (٢). قَالَ: وحَدَّثَنَا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع عنه أنه رأى في ثوبه دمًا فغسله، فبقي أثره أسود، فدعا بمقص فقرضه (٣).
قَالَ البخاري: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ المُسَيِّب: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ.
أي: في واحدة من هؤلاء، ونقله ابن بطال -أعني: عدم الإعادة- عن ابن مسعود (٤) ..

--------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: وجُرُبَّاء القميص بالكسر والضم جيبه.
(٢) «مصنف أبي شيبة» ١/ ١٨٠ (٢٠٧٠).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٨٠ (٢٠٧٣).
(٤) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٠٦) من طريق أبي حمزة عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: خلع رسول الله - ﷺ - نعليه فخلع مَن خلفه، فقال: «ما حملكم أن خلعتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت، فخلعنا، قال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا فخلعتهما لذلك، فلا تخلعوا نعالكم». ورواه بنحوه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٦٤ (٧٣٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله بنحوه. ورواه الطبراني ١٠/ ٦٨ (٩٩٧٢)، وفي «الأوسط» ٥/ ١٨٣ (٥٠١٧) من طريق أبي حمزة. وقال البزار: لا نعلم رواه هكذا إلا أبو حمزة. وقال الهيثمي ٢/ ٥٦: أبو حمزة هو ميمون الأعور ضعيف.
وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٤ (٣٩٥٤) من طريق ابن الجزار أنه صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة.



وابن عمر (١) وسالم وعطاء (٢) والنخعي (٣) ومجاهد (٤) والزهري وطاوس (٥) فيما إذا صلى في ثوب نجس، ثم علم به بعد الصلاة، وحكاه عن الشعبي (٦) وابن المسيب أيضًا، وهو قول إسحاق والأوزاعي وأبي ثور، وعن ربيعة ومالك: يعيد في الوقت (٧). وقال الشافعي وأحمد: يعيد أبدًا. وقال أهل الكوفة: من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة يتمادى في صلاته ولا يقطعها، وهي رواية عن مالك رواها ابن وهب عنه (٨).
وروي عن أبي مجلز أنه سئل عن الدم يكون في الثوب، فقال: إذا كبَّرت ودخلت في الصلاة ولم تر شيئًا، ثم رأيته بعد، فأتم الصلاة. وعن

--------------------
(١) جاء فيه عن ابن عمر أثران: أحدهما: ما علقه البخاري في هذا الباب، ووصله ابن أبي شيبة ١/ ١٨٠ (٢٠٧٠)، ولم يذكر فيه الإعادة. ثانيهما: ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٣٧٢ (١٤٥٣)، وذكر عدم الإعادة عليه. ورواه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٦٣ (٧٣١).
(٢) روى عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦ (١٤٦٩) عن معمر، عن عطاء الخرساني. قال: قال لي عطاء: لقد صليت في ثوبي هذا مرارًا فيه دم فنسيت أن أغسله. وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٥ (٣٩٦٨) أن عطاء لم يكن يرى في الدم والمني في الثوب أن تعاد منه الصلاة.
(٣) وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٤٦ عن إبراهيم قوله: إذا وجد في ثوبه دمًا أو منيًا غسله ولم يعد الصلاة.
(٤) روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٤٤ (٣٩٥٩) عن أبي الربيع قال: رأيت مجاهدًا في ثوبه دم يصلي فيه أيامًا.
(٥) روى عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٧٤ (١٤٦٥) عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان إذا صلى في ثوب وفيه دم لم يعد الصلاة.
(٦) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٤ (٣٩٦٠) عن الشعبي في رجل صلى وفي ثوبه دم قال: لا يعيد.
(٧) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ٣٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٨٧.
(٨) السابق.



أبي جعفر مثله.
ومن تعمد الصلاة بالنجاسة أعاد أبدًا عند مالك وكثير من العلماء؛ لاستخفافه بالصلاة، إلا أشهب (١) فقال: لا يعيد المتعمد إلا في الوقت فقط (٢).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّ (أبا) (٣) مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانِ فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمْدِ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أنْظُرُ، لَا أغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وُيحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ -قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَنَّ الدعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ

---------------------
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٨٧.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٣) كذا بالأصل، وبهامشه: صوابه ابن.



نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ.
والكلام على هذا الحديث في مواضع:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر: في الصلاة، في باب المرأة تطرح عن المصلئ شيئًا من الأذى (١)، والمبعث (٢)، والجهاد (٣)، والجزية (٤).
وأخرجه مسلم في المغازي (٥)، والنسائي هنا وفي السير (٦).
ثانيها:
أبو إسحاق هذا: هو السبيعي، وقد ذكره في الطريق الثاني من رواية ابن ابنه، عن أبيه عنه، ورواه النسائي من طريق أحمد بن عثمان، شيخ البخاري عن خالد بن مخلد، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق (٧)، فرواه أحمد هذا عن خالد، وعن شريح، وقدم البخاري سند عبدان على سند أحمد بن عثمان؛ لعلوه ولثقة رواته، فإن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، فيه لين، وإن كان من فرسان الصحيحين.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٥٢٠).
(٢) لم نقف عليه.
(٣) سيأتي برقم (٢٩٣٤) باب: الدعاء على المشركين ..
(٤) سيأتي برقم (٣١٨٥) باب: طرح جيف المشركين ..
(٥) مسلم (١٧٩٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.
(٦) «سنن النسائي» ١/ ١٦١، ١٦٢، «السنن الكبرى» ٥/ ٢٠٣ (٨٦٦٨).
(٧) «سنن النسائي» ١/ ١٦١، ١٦٢.



ووالد عبدان هو: عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد ميمون. وقيل: أيمن المروزي. مات بالكوفة سنة خمس وستين ومائتين، عن خمس وسبعين سنة (١).
وأحمد بن عثمان، شيخ البخاري: هو ابن حَكيم -بفتح الحاء المهملة- ابن ذُبيان -بكسر الذال وضمها- كوفي ثقة. مات سنة إحدى وستين ومائتين (٢).
وشريح -بالشين المعجمة- ابن مسلمة، كوفي أيضًا (٣)، وذكر عبد الغني في «الكمال» أن مسلمًا روى له ولم يذكر البخاري، والصواب العكس.

---------------------
(١) هو عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد العتكي مولاهم، المروزي، والد عديان بن عثمان، وشاذان بن عثمان وابن أخي عبد العزيز بن أبي روَّاد وعثمان بن أبي روَّاد.
قال أبو حاتم: كان شريكًا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال أبو أحمد بن عدي: قيل لعثمان بن جبلة: من أين لك هذِه الأحاديث الغرائب عن شبعة؟ قال: كنت شريكًا لشعبة وكان يخصني بها. وقال ابن حجر: ثقة.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٦ (٧٩٥)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٤٤، ٣٤٥ (٣٧٩٥)، «تقريب التهذيب» (٤٤٥٢).
(٢) هو أحمد بن عثمان بن حكيم بن ذبيان الأودي، أبو عبد الله الكوفي، ابن أخي علي بن حكيم الأودي.
قال النسائي: ثقة، وقال ابن حراش: كان ثقة عدلًا، وقال أبو حاتم: صدوق.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٦٣ (١٠٥). و«تهذيب الكمال» ١/ ٤٠٤، ٤٠٦ (٨٠)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٧.
(٣) هو شريح بن مسلمة التنوخي الكوفي. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٠ (٢٦١٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٣٥ (١٤٦٩)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٤٨ (٢٧٢٧).



وعمرو بن ميمون هو الأودي، الذي رجم القردة، كما ذكره البخاري (١) في بعض نسخه وهي منكرة (٢) وهو جاهلي، حج مائة حجة، وقيل: سبعين، وهو معدود من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، مات بعد السبعين سنة خمس أو أربع (٣).
ثالثها:
أبو جهل اسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة، كانت قريش تكنيه أبا الحكم، وكناه الشارع أبا جهل. وقال ابن الحذاء: كان يكنى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلية، وكان أحول، وفي «المحبر»: وكان مأبونًا، وفي «الوشاح» لابن دريد: هو أول من جز رأسه، فلما رآه الشارع قَالَ: «هذا فرعون هذِه الأمة» قتل يوم بدر كافرًا (٤).
رابعها:
قوله: (وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ) يحتمل أن يكونوا من ذكر في آخر الحديث المدعُو عليهم.
وقوله: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) جاء في رواية أخرى: بينا رسول الله - ﷺ - قائم يصلي في ظل الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قَالَ

----------------
(١) سيأتي برقم (٣٨٤٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: القسامة في الجاهلية.
(٢) انظر: «الفتح» ٧/ ١٦٠.
(٣) هو عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي من أود بن صعب ابن سعد العشيرة من مذجح، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي - ﷺ -. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وكذلك النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة جاهلي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٦٧ (٢٦٥٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٨٦ (١٤١٢)، «الثقات» ٥/ ١٦٦، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٦١، ٢٦٣ (٤٤٥٨).
(٤) رواه الطبراني في «الكبير» ٩/ ٨٢ (٨٤٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٠٨.



قائل منهم: ألا تنظروا إلى هذا المرائي (١). وفي أخرى ولقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان؟ (٢).
خامسها:
السَلَى -بفتح السين وتخفيف اللام مقصور- الجلد الذي يكون فيه الوَلد كاللفافة، يقال لها من سائر البهائم: سلى، ومن بني آدم المشيمة، حكاه في «المخصص» عن الأصمعي (٣) وقال في «المحكم»: السلى: الجلدة التي يكون فيها الولد، ويكون ذَلِكَ للناس والخيل والإبل (٤).
وقال الجوهري: هي جلدة رقيقة يكون فيها الولد -مقصور- إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن (٥).
والجزور: ما يجزر أي: يقطع من الإبل والشاة.
سادسها:
قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْم فَجَاءَ بِه) هو: عقبة بن أبي مُعَيط، كما صُرح به في «صحيح مسلم» (٦)، وكذا هو في «صحيح الإسماعيلي»

--------------
(١) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.
(٢) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.
(٣) «المخصص» ١/ ٥٠.
(٤) «المحكم» ٣/ ٣٨١.
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٣٨١، مادة: (سلا).
(٦) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.



أيضًا، وحكاه المهلب عن شعبة، وقال السفاقسي، عن الداودي: إنه أبو جهل؛ ورأيته في «شرحه» فقال: انبعث أشقاها يعني: أبا جهل هو أشقى القوم وأعتاهم، وكذلك عقبة بن أبي مُعَيط، ولم يكن عقبة من أنفس قريش، إنما كان ملصقًا بهم، وكان عقبة أقل القوم أذى، إلا أنه سبق عليه الكتاب، وحمله الحسد لرسول الله - ﷺ - على أن مات كافرًا.
سابعها:
المنعة، بفتح النون، وحكي إسكانها قَالَ النووي: وهو شاذ ضعيف (١)، وخالف القرطبي فقال: المنْعة -بسكون النون- قَالَ: وروي بفتحها جمع مانع (٢).
وحكي في «المحكم» فيها لغات: منَعة، ومَنْعة، ومِنْعة (٣)، وقدم القزاز وصاحب «الغريبين» الإسكان على الفتح، وعكس يعقوب في «ألفاظه»، وكذا ابن القوطية (٤)، وابن طريف. والمراد بها الامتناع من العدو والقوة عليها، ولم يكن لابن مسعود عشيرة منهم؛ لأنه من هُذيل.
ثامنها:
قوله: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) أي: استهزاءَ -قاتلهم الله-، وجاء في رواية: حتى مال بعضهم على بعض من الضحك (٥).

----------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٥٢.
(٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٢.
(٣) «المحكم» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٤) «الأفعال» ١/ ٢٩٧.
(٥) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.



وقوله: (وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) كذا هو بالحاء المهملة في نسخ البخاري. قَالَ ابن بطال: يعني ينسب ذَلِكَ بعضهم إلى بعض من قولك أحلت الغريم، إذا جعلت له أن يتقاضى ما له عليك من غيرك. قَالَ: ويحتمل أن يكون من قول العرب حال الرجل على ظهر الدابة حولًا وأحال: وثب (١).
وفي الحديث أنه - ﷺ - لما صَبح خيبر غُدوة، فرآه أهلها أحالوا إلى الحصن (٢) أي: وثبوا إليه. وقال ابن الأثير: ويحيل بعضهم على بعض، أي: يقبل عليه ويحيل إليه (٣).
وجاء في بعض الروايات: وجعل بعضهم يميل إلى بعض (٤)، وكذا أورده شيخنا في «شرحه» بلفظ: ويميل بعضهم إلى بعض، وكذا جاء في كتاب الصلاة في باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، ولفظه: حتى مال بعضهم على بعض (٥).
تاسعها:
قوله: (حَتَّى جاءت فَاطِمَةُ) سيأتي في الباب المذكور أنه انطلق إليها منطلق وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبتَ رسول الله - ﷺ - (ساجدًا) (٦) حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم (٧)، وهذا دال على قوة نفسها من صغرها وكيف لا؟!

----------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٨.
(٢) سيأتي (٣٦٤٧).
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٦٣.
(٤) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) بلفظ: «يميل بعضهم إلى بعض».
(٥) سيأتي (٥٢٠) كتاب: الصلاة.
(٦) كذا في «صحيح البخاري» وفي المخطوط (جالسًا) والمثبت أنسب في المعنى.
(٧) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.



عاشرها:
دعاؤه عليهم ثلاثًا؛ لأن هذا كان دأبه، وشق ذَلِكَ عليهم، لما ذكر في الحديث، أنهم كانوا يرون أن الدعوة في ذَلِكَ البلد مستجابة، وفي رواية أبي نعيم في «مستخرجه»: أن الدعوة في الثالثة مستجابة، وذلك دال على علمهم بفضله، وعلو مكانته عند ربه، بحيث يجيبه إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا بذلك؛ للحسد والشقوة الغالبة عليهم.
الحادي عشر:
قوله: («اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ») قد أسلفنا اسمه، وقد صرح به البخاري في الباب المذكور، فقال: «اللهم عليك بعمرو بن هشام» (١).
و(«عتبة») بالمثناة فوق- قتله حمزة يوم بدر كافرًا.
و(«شيبة بن ربيعة») هو ابن عبد شمس بن عبد مناف، كان من سادات قريش، قتله علي يوم بدر مبارزة. وقيل: حمزة، وهو كافر.
ووالد الوليد: هو عتبة بالتاء، ووقع في بعض نسخ مسلم بالقاف (٢)، وهو خطأ، والصواب الأول، والوليد بن عتبة قتل يوم بدر كافرًا قتله عبيدة بن الحارث.
وقيل: علي، وقيل: حمزة. وقيل: اشتركا في قتله. والوليد بن

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.
(٢) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.
قلت: ليس في نسخة كما قد يُتَوهم، وإنما هي رواية ثابتة فيه، وقد أفاد أحد رواة هذا الحديث في مسلم أنه غلط من الرواة، ثم ساقه مسلم على الصواب من رواية ابن أبي شيبة.



عقبة بن أبى معيط لم يكن ذَلِكَ الوقت موجودًا، أو كان طفلًا صغرًا جدًّا، وقد أُتي به رسول الله - ﷺ - يوم الفتح وقد ناهز الاحتلام، ليمسح رأسه وكان متضمخًا بالخلوق فلم يمسح رأسه من أجله (١)، في حديث منكر مضطرب لا يصح، وفيه جهالة كما قاله أبو عمر (٢).
ولا يمكن أن يكون بعث مصدقًا في زمن رسول الله - ﷺ - صبيًّا يوم الفتح، ويوضح فساده أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة، ومن كان غلامًا قد ناهز الاحتلام لا يتأتى منه فعل هذا، ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ الآية [الحجرات: ٦] نزلت فيه، وذلك أنه بعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم بأنهم ارتدوا وأبوا من أداء الصدقة، فأرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبر أنهم مستمسكون بالإسلام، ونزلت الآية (٣).

--------------------
(١) رواه أبو داود (٤١٨١)، وأحمد ٤/ ٣٢، والطحاوي في «المشكل» ٥/ ٦٠٣ (٣٧١٣)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ٣١٩، والطبراني ٢٢/ ١٥٠ (٤٠٦)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٠٠، والبيهقي في «السنن» ٩/ ٥٥
قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ١٤ في ترجمة الوليد بن عقبة: وقالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقًا في زمن النبي - ﷺ - صبيًا يوم الفتح. ثم قال: وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله -أي: الوليد بن عقبة- وقال المنذري في «مختصره» ٦/ ٩٤: وهذا حديث مضطرب الإسناد. ولا يستقيم عن أصحاب التواريخ ..
(٢) «الاستيعاب» ٤/ ١١٤.
(٣) «الاستيعاب» ٤/ ١١٤.



الثاني عشر:
أمية بن خلف: هو ابن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جمح القرشي الجمحي، واختلف المؤرخون في قاتله، فذكر موسى بن عقبة أنه رجل من الأنصار من بني مازن، وفي «السيرة» لابن إسحاق: أن معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن إساف اشتركوا في قتله (١).
وذكر ابن عبد البر وغيره: أن أمية بن خلف كان ممن يُعذبُ بلالًا، وتوالى عليه بالعذاب والمكروه، وكان من قدر الله أن قتله بلال يوم بدر (٢)، وقال الصديق فيه أبياتًا منها:
هنيئًا زادك الرحمن خيرًا … فقد أدركت ثأرك يا بلال
وفي «صحيح البخاري» من حديث ابن مسعود أن سعد بن معاذ قَالَ له:
إني سمعت محمدًا يزعم أنه قاتلك، وساق الخبر إلى أن ذكر أنه قتل يوم بدر (٣)، فادعى ابن الجوزي أن ظاهر الحديث أنه - ﷺ - هو الذي قتله.
وفيه (٤)، وفي السير أيضًا من حديث عبد الرحمن بن عوف أن بلالًا خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا، فلما قتل انتفخ فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جر إلى القليب فتقطع (٥) قبل وصوله، وكان

--------------------
(١) كما في «سيرة ابن هشام» ٢/ ٣٦١.
(٢) «الاستيعاب» ١/ ٢٦١ (٢١٤).
(٣) سيأتي برقم (٣٦٣٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
وبرقم (٣٩٥٠) كتاب: المغازي، باب: ذكر النبي - ﷺ - من يقتل ببدر.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: في الوكالة.
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في «الغربيين» أن هذا وقع للوليد بن عقبة، وهو وهم.



من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾؛ لأنه كان إذا رأى النبي - ﷺ - همزه ولمزه (١).
وفي «مسند أحمد»: ثم سحبوا إلى القليب غير أُبي بن خلف، أو أمية بن خلف (٢). هكذا على الشك، وهو من الراوي، وإنما هو أمية بلا شك، فإن أُبي بن خلف لم يقتل يوم بدر، وإنما أسر وفدى نفسه وعاد إلى مكة، ثم جاء يوم أحد فقتله رسول الله - ﷺ - بيده يومئذ.
الثالث عشر:
عقبة بن أبي معيط، هو بالقاف واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس، قتل يوم بدر كافرًا. فقيل: قتله علي. وقيل: عاصم بن ثابت صبرًا. وقيل: أسره عبد الله بن مسلمة، وقتله عاصم بن ثابت صبرًا، وكان قتله بعرق الظبية (٣)، وهي من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة (٤) فقيل: إنه قَالَ لرسول الله - ﷺ -: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قَالَ: «نعم». ثم قَالَ: «بينا أنا ساجد بفناء الكعبة وأنا خلف المقام إذ أخذ بمنكبي فلف ثوبه في عُنقي، فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان» فذكر الحديث، وكان عقبة من المستهزئين أيضًا، وذكر محمد بن حبيب أنه من زنادقة قريش.

-----------------------
(١) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣. و«البداية والنهاية» ٣/ ٣٠٣.
(٢) «المسند» ١/ ٤١٧ وجاءت رواية الشك، عند البخاري (٣٨٥٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، ومسلم (١٧٩٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: مضى كلام البكري أن عرق الظبية بفتح الظاء، قال: وغير ابن إسحاق يقوله بالضم.
(٤) انظر: «معجم استعجم» ٢/ ٦٨١. و«معجم البلدان» ٣/ ٧٦.



الرابع عشر:
قوله: (وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ) هذا من قول أبي (١) إسحاق فيما ذكره القرطبي (٢)، وقد ذكر البخاري في الصلاة: أنه عمارة بن الوليد بن أبي المغيرة (٣)، وذكره البرقاني أيضًا وغيره، وكان من أجمل الناس، وله قصة طويلة مع النجاشي مشهورة في السيرة (٤).
الخامس عشر:
قوله: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرِ). أي: رأى أكثرهم؛ لأن عقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، وقتل بعرق الظبية، كما سلف. وعمارة قصته مع النجاشي مشهورة، وأنه سحر فصار متوحشًا، وذلك بأرض الحبشة زمن عمر بن الخطاب، وروى ثابت، عن أنس، عن عمر: أنه - ﷺ - أراهم مصارع أهل بدر بالأمس فيقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله» (٥) قَالَ عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله - ﷺ -، فجعلوا في بئر بعضهم على بعض (٦). وفي رواية: أنه - ﷺ - ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم (٧). وفي رواية قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قَالَ:

---------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: حذف أبي هو الصواب.
(٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٣.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.
(٤) ذكره ابن إسحاق في «سيرته» ص ١٤٨، ١٤٩.
(٥) رواه مسلم (٢٨٧٣) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. والنسائي ٤/ ١٠٩.
(٦) مسلم (٢٨٧٣) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة …
(٧) السابق.



لما كان يوم بدر، وظهر عليهم نبي الله، أمر ببضعة وعشرين رجلًا (١)، -وفي رواية: بأربعة وعشرين رجلًا- من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر (٢).
السادس عشر:
القليب: البئر الذي لم تطو، فإذا طويت فهي الطوى، وذكر ابن سيده: أنها البئر ما كانت، قَالَ: وقيل: هي قبل أن تطوى. وقيل: هي العادية القديمة التي لا يعلم بها رب ولا حافر تكون بالبراري، تذكر وتؤنث. وقال ابن الأعرابي: القليب: ما كان فيه عين وإلا فلا، والجمع أقلبة وقلب، وقيل: قلب في لغة من أنث، وأقلِبة وقلُبِ جمعًا في لغة مَنْ ذَكَرَ (٣).
السابع عشر:
إلقاؤهم في القليب، كان تحقيًا لهم، ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، وليس دفنًا فإن الحربي لا يجب دفنه بل يترك في الصحراء، إلا أن يتأذى منه.
وفي «سنن الدارقطني» أن من سنته - ﷺ - في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا (٤)، فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب، غير أنه كره أن يشق على أصحابه؛ لكثرة جيف الكفار أن

------------------------
(١) رواه مسلم (٢٨٧٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. وأبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٤٧٨ (٤١٢).
(٢) سيأتي برقم (٣٩٧٦) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (٢٨٧٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار.
(٣) «المحكم» ٦/ ٢٦٠.
(٤) «سنن الدارقطني» ٤/ ١١٦ من حديث يعلى بن مرة.



يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إليه أيسر عليهم.
ووافق أنها كان حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر بن قريش بن الحارث بن مخلد بن النضر، من كنانة الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، وكان فألًا مقدمًا لهم.
الثامن عشر: في فوائده:
الأولى: بركة دعوته - ﷺ - وأنها أجيبت فيمن دعا عليه وكيف لا؟!
الثاني: أن من أوذي له أن يدعو على من آذاه، وحمله ابن بطال على ما إذا كان المؤذي كافرًا، قَالَ: فإن كان مسلمًا، فالأحسن أن لا يَدْعُوَ عليه؛ لقوله - ﷺ - لعائشة حين دعت على السارق: «لا تُسَبِّخِي عنه بدعائك عليه» (١) ومعنى لا تسبخي: لا تخففي، والتسبيخ التخفيف

------------------------
(١) رواه أبو داود (١٤٩٧)، وأحمد ٦/ ٤٥، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٧٥ (٢٩٥٦٨)، وابن راهويه في «المسند» (١٢٢٢) ٣/ ٦٣٩، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٢٧، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ١٨٤ (٣٩٢٥)، وقد ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٦٣) ثم أشار إلى ناشر الكتاب بنقله إلى «الصحيح» ولكنه فاته أن يفعل ذلك فأنظر تعليقه عليه في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٩٠. وصححه الألباني «صحيح الترغيب» (٢٤٦٨)، وقال في «الصحيحة» (٣٤١٣): لقد رمى ابن خزيمة وابن حبان (حبيب بن أبي ثابت) بالتدليس، وقال الحافظ في «التقريب»: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس. اهـ
قلت: ولم يعرج الحافظ الذهبي فيما بين أيدينا من كتبه التي ترجم له فيها على وصفه بالتدليس، مثل: «تذكرة الحفاظ»، «سير أعلام النبلاء»، «تاريخ الإسلام»، «الكاشف»، وغيرها، ولما أورده في «الميزان»؛ وصفه بقوله: من ثقات التابعين، وثقه ابن معين وجماعة، واحتج به كل من أفراد الصحاح لا تردد. اهـ ثم اعتذر عن إيراده فيه بقوله: ول ولا أن الدولابي وغيره ذكروه؛ لما ذكرته. اهـ
فلعل إعراض الذهبي عن وصفه بالتدليس؛ لقلته في جملة ما روى من الأحاديث، فمثله مما يغض النظر عن عنعنته عند العلماء؛ إلا إذا ظهر أن في حديثه شيئًا =



قاله صاحب «العين» (١).
الثالثة: وهي المقصودة من الباب أنه - ﷺ - كيف استمر في الصلاة مع وجود هذا الذي أُلقي عليه وتحزب العلماء للجواب عن ذَلِكَ على آراء:
أحدها: أن هذا السلى لم يكن فيه نجاسة محققة، فهو كعضو من أعضائها، قَالَ القاضي عياض: السلى ليس بنجس؛ لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلى من ذَلِكَ، وإنما النجس الدم، وهذا ماش على مذهب مالك ومن وافقه في أنَّ روث ما يؤكل لحمه طاهر (٢).
وهو ضعيف؛ لأمرين: أحدهما: أن هذا السلى يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم عادة، وقد روى البخاري في كتاب الصلاة: فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فانبعث أشقى القوم وذكر الحديث (٣).
ثانيهما: أنه ميتة؛ لأنه ذبحه عبدة الأوثان، فهو نجس، وكذا اللحم وجميع أجزاء هذا الجزور، وقد أجيب عن هذا بأنه كان قبل تحريم ذبيحة الوثنيين، كما كانت تجوز مناكحتهم، ثم حرمت بعد، حكاه الخطابي (٤).

----------------------
= يستدعي رده من نكارة أو شذوذ أو مخالفة، أو على الأقل يقتضي التوقف عن تصحيح حديثه.
ولعل هذا هو السبب في أن ابن حبان وشيخه قد أخرجا له في صحيحهما بعض الأحاديث معنعنة، كالحديث الآتي بعد هذا وغيره، فانظر «صحيح ابن حبان» (٣٧٥، ٤٢٠)، و«صحيح ابن خزيمة» (٢٣ و١١٧٢ و١٦٨٤)، وهو السبب أيضًا في تحسين المنذري حديثه هذا كما تقدم. والله أعلم.
(١) «العين» ٤/ ٢٠٤ مادة: (سبخ).
(٢) «إكمال المعلم» ٦/ ١٦٦.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٠) في الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٢٩١.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التوحيد والعقيدة الصحيحة للأطفال
* تحريم الذبح لغير الله تبارك وتعالى
* الخلاف في الميزان
* هل للمصلي أن يزيد على التشهد الأول؟
* مواقيت الحج وأنواع النسك
* العقل والقلب من منظور القران الكريم
* إعجاز علمي أم مصدقات القرآن العلمية؟!

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس