الموضوع
:
سلسلة كيف نفهم القرآن بأسلوب بسيط؟
عرض مشاركة واحدة
04-27-2026, 06:24 AM
#
18
مشرفة قسم القرآن
الملف الشخصي:
تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 120
تفسير الربع الثالث من سورة المائدة بأسلوب بسيط
الآية 27، والآية 28، والآية 29:
﴿
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ
﴾
:
أي واقصص - أيها الرسول - على اليهود الذين هَمُّوا بقتلِك وقتل أصحابك خَبَر ابنَيْ آدم (قابيل وهابيل)، وهو
خبرٌ حقٌ، ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هَمُّوا به، ولإظهار موقفك الشريف منهم حيث عفوتَ عنهم، فلم تقتلهم بعد أن تمَكَّنتَ منهم، وكنتَ معهم كخير ابنَي آدم (وهو هابيل المقتول ظلماً) ﴿
إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا
﴾ وهو ما يُتَقرَّب به إلى الله
تعالى،
﴿
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
﴾
:
أي فتقبَّل الله قُربان هابيل
؛
لأنه كان تقيًّا،
﴿
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ
﴾:
يعني ولم يتقبَّل قُربان
قابيل
؛
لأنه لم يكن تقيًّا، فحسد قابيلُ أخاه، و ﴿
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ
﴾، فـ ﴿
قَالَ
﴾ هابيل: ﴿
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
﴾، ثم قال هابيلُ واعظًا أخاه: ﴿
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
﴾،
وإن رَضِيتَ قتلي فـ
﴿
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
﴾
:
يعني أريد أن ترجع إلى الله يوم القيامة حاملاً إثم قتلك لي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك،
﴿
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
﴾.
الآية 30، والآية 31:
﴿
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
﴾:
يعني فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، وشَجَّعَته على ذلك ﴿
فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
﴾ الذين باعوا
آخرتهم بدنياهم، فلما قتل قابيلُ أخاه لم يَعرف ماذا يصنع بجسده ﴿
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
﴾: أي يَحفر حفرةً في
الأرض ليَدفن فيها غرابًا مَيِّتًا
؛
وذلك ﴿
لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
﴾: يعني لِيَدُلّ قابيل كيف يَدفن جُثمان أخيه؟ فـ ﴿
قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي
﴾: أي بَدَن أخي، لأنّ بدن الميت عورة، ﴿
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
﴾ على حَمْله على عاتقه طوال هذه المُدَّة وعدم دفنِه.
•
واعلم أن بعض الناس يتشاءمون إذا سمعوا صوت الغراب
أو صوت البُومة أو غير ذلك، فهذا لا أصلَ له في الإسلام، بل هو مَنهيٌ عنه، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم
:
(الطِّيَرَةُ شِرْكٌ - (والمقصود بالطيرة: التشاؤم) -، وَمَا مِنَّا إِلاَّ - (يعني وما منا مِن أحد إلا وقد يقع في قلبه شيءٌ من
التشاؤم) - ولكنّ الله يُذهِبُهُ بالتوكل)
(انظر السلسلة الصحيحة 1/ 791).
والمعنى: أن الله تعالى
يُذهِب
ذلك من القلب
بالتوكل
عليه وتفويض الأمر إليه، والتعلق بمُسبب الأسباب وحده (الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، والذي خلق كل شيءٍ بقدر).
الآية 32:
﴿
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
﴾:
أي من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها مِن مفاسد عظيمة:
﴿
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ
﴾:
أي شَرَعنا لبني إسرائيل، لكثرة ما شاعَ بينهم من القتل (فقد قتلوا الأنبياء والدُعاة)، فأوحينا إليهم
﴿
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
﴾:
يعني بغير سبب (مِن
قِصاص أو حَدّ)، ﴿
أَوْ
﴾
قتلها بغير ﴿
فَسَادٍ
﴾ قامت به
﴿
فِي الْأَرْضِ
﴾
كَ
سَلب الأموال وقتل الأبرياء، فإذا قتلها ﴿
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
﴾: يعني يُعَذَّب عذاب مَن قتل الناس جميعاً، لأنه بتجرئه على قتل النفس التي لم تستحق القتل: عُلِمَ أنه لا فرْقَ عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء، ﴿
وَمَنْ أَحْيَاهَا
﴾: يعني ومَن امتنع عن قَتْل نفسٍ حرَّمها الله - مع قدرته على قتلها، ومع تزيين نفسه له بذلك - وإنما مَنَعَه خوفه من الله تعالى: ﴿
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا
﴾ لأن الحفاظ
على حُرمة إنسان واحد يعادل الحفاظ على حُرمات الناس كلهم، ولأنَّ ما معه من الخوف يمنعه مِن قتل مَن لا يستحق القتل.
﴿
وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ
﴾:
أي ولقد جاءت رسلُنا إلى بني إسرائيل بالحُجج والدلائل التي لا يَبقى بعدها حُجة لأحدٍ على ارتكاب ما حَرَّمه الله، ﴿
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ
﴾ أي بعد مجيء الرسل إليهم: ﴿
فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
﴾: يعني متجاوزون لحدود الله (
بارتكاب
مَحارمه، وترْك أوامره
)، ساعينَ في الأرض فساداً
.
الآية 33:
﴿
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
﴾:
يعني يبارزون الله تعالى بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى
أحكام رسوله، ﴿
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
﴾ بقتل الأنفس، وسلب الأموال، وغير ذلك: ﴿
أَنْ يُقَتَّلُوا
﴾ ويكون تنفيذ هذا الحد من خلال ولي الأمر (حاكم البلد)، ﴿
أَوْ يُصَلَّبُوا
﴾ (والصَلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة، ثم يقتل)، ﴿
أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ
﴾ وذلك بأن تُقْطَع يدُه
اليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُه
اليمنى، ﴿
أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
﴾: يعني أو يُنفَوا إلى بلدٍ غير بلدهم، ويُحبَسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر
توبتُهم، ﴿
ذَلِكَ
﴾ الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين لله ورسوله إنما يكونُ ﴿
لَهُمْ خِزْيٌ
﴾: أي ذلّ ﴿
فِي الدُّنْيَا
﴾ ﴿
وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ إن لم يتوبوا
.
الآية 34:
﴿
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
﴾:
يعني: لكنْ مَن أتى مِن المحاربين لله ورسوله طائعًا نادمًا ﴿
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
﴾ فإنه
يسقط عنه ما فعله في حق الله (أي يسقط عنه ذلك الحد في الدنيا، فلا تقيموه عليه)، ﴿
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
﴾ لعباده التائبين ﴿
رَحِيمٌ
﴾ بهم
.
الآية 35:
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
﴾ ﴿
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
﴾:
أي وتَقَرَّبوا
إليه بطاعته والعمل بما يُرضيه، ﴿
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴾: يعني لكي تفوزوا بجناته
.
الآية 38:
﴿
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
﴾
- يا وُلاة الأمر - ﴿
أَيْدِيَهُمَا
﴾ بما يَقتضيه الشرع، وذلك ﴿
جَزَاءً بِمَا كَسَبَا
﴾: أي جزاءً لهما
على أَخْذهما أموال الناس بغير حق، و ﴿
نَكَالًا مِنَ اللَّهِ
﴾: أي وعقوبةً يَمنع اللهُ بها غيرهما أن يصنع مثل
صنيعهما، ﴿
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
﴾.
الآية 39:
﴿
فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
﴾:
يعني فمَن تاب مِن بعد سرقته، ﴿
وَأَصْلَحَ
﴾ في كل أعماله، ﴿
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ
﴾: أي يقبل توبته ﴿
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
﴾.
•
فإذا كانت التوبة نصوحاً مستوفية لشروطها: (
الإقلاع عن المعصية، والندم على مافات، وأن يَصدق في العزم - والإصرار - على عدم العودة إلى المعصية، وأن يَرد الحقوق لأصحابها، أو يطلب مسامحتهم ويدعو لهم، أو يتصدق بِنِيَّة أن يصل الثواب إليهم
، هذا
إذا لم يستطع هو الوصول إليهم)، فإن الله يقبلها، ويمحو بها الذنب.
•
ولكنَّ
الشأنَ كله في تحقيق التوبة النصوح،
والإتيان بها على وجهها، فهذا هو الذي ينبغي أن يُقلِقَ العبد
ويجعله خائفاً مِن أن يُحبَطَ عمله وألاَّ تُقبَلَ توبته فيَهلك، ولهذا كان اتهام التوبة والخوف من عدم قبولها من علامات التوبة
النصوح، فالتائب الصادق لا يزال خائفاً وَجِلاً، قال ابن القيم رحمه الله (ما مُختصَرُه):
(وأما
اتهام التوبة
فلأنها حقٌ عليه،
لا يتيقن أنه أدَّى هذا الحق على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤديه عليه، فيخاف أنه ما وفاها حقها، وأنها لم تُقبَل منه، وأنه لم يَبذل جهده في صحتها، وأنها لم تكن خوفاً من الله تعالى، وإنما كانت لسببٍ آخر.
•
ومِن اتهام التوبة أيضا:
ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب، وتذكره مِن حينٍ إلى آخر، ومنها: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب، حتى كأنه قد أُعطِيَ منشوراً بالأمان، ومنها: جمود العين، واستمرار الغفلة، وألاَّ يَستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبل
الخطيئة.
•
فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات،
منها:
أن يكون العبد بعد التوبة خيراً مما كان قبلها،
ومنها:
تقطُّع قلبه ندماً وخوفاً، فلا يزال الندم والخوف مصاحباً له لا يأمن مكر الله طرفة عين، حتى يسمع قول الرسل لقبض روحه:
﴿
ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
﴾
(فهناك يزول الخوف).
•
ومن مُوجبات التوبة الصحيحة أيضا:
كَسرة خاصة تحصل للقلب، تُلقِيهِ بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبدٍ هارب مِن سيده، فأُخِذَ فأُحضِرَ بين يديه، ولم يجد مَن يُنجيه مِن سَطوَتِه، ولم يجد منه مَفراً ولا عنه غِناء، وعَلِمَ أنّ حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد عَلِمَ بإحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه
لسيده، وشدة حاجته إليه، وعِلمه بضعفِهِ وعَجْزه وقوة سيده، وذُلِّه وَعِزّ سيده،
فيجتمع من هذه الأحوال ذلٌ وخضوع، ما أنفعه للعبد، وما أقربه به من سيده!
•
فوالله ما أحلى قوله في هذه الحالة: أسألك بعزك وذلي إلاَّ رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا مَلجأ ولا مَنجَى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال مَن خضعتْ
لك رقبته، ورَغِمَ لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذَلَّ لك قلبه)
.
تفسير الربع الرابع من سورة المائدة بأسلوب بسيط
الآية 41:
﴿
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
﴾: أي يسارعون في جحود نُبُوَّتك ﴿
مِنَ
﴾ المنافقين ﴿
الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
﴾ فإني ناصرُكَ عليهم، ﴿
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا
﴾: يعني ولا يَحزُنك أيضاً تسرُّعاليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قومٌ ﴿
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
﴾: أي يستمعون للكذب، ويَقبلون ما يَفترِيهأحبارُهم، ﴿
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
﴾: يعني ويَقبلون كلام قومٍ آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون ﴿
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ
﴾: أي يُبَدِّلونكلام الله مِن بعد ما عَقَلوه، و ﴿
يَقُولُونَ
﴾ لليهود الذين يحضرون مجلسك: ﴿
إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ
﴾: يعني إن جاءكم مِن محمد ما يوافق الذيبدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، ﴿
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
﴾: يعني وإن جاءكم منه ما يُخالفهفاحذروا أن تقبلوه أو تعملوا به، ﴿
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
﴾: يعني ومَن يَشأ اللهُ ضلالته فلن تستطيع دَفْعَ ذلك عنه، ولن تقدر على هدايته، ﴿
أُولَئِكَ
﴾ أي المنافقون واليهود هم ﴿
الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
﴾ من دَنَس الكفر، ﴿
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ
﴾: أي ذلُّ وفضيحة، ﴿
وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾.
الآية 42:
﴿
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
﴾: يعني: وهؤلاء اليهود يجمعون بين الاستماع إلى الكذب وقبوله وبين أكل الحرام، ﴿
فَإِنْ جَاءُوكَ
﴾ يتحاكمون إليك ﴿
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
﴾: يعني فاقضِ بينهم، أو اتركهم، ﴿
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ
﴾ يقدروا على أن ﴿
يَضُرُّوكَ شَيْئًا
﴾ ﴿
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
﴾: أي بالعدل ﴿
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
﴾.
الآية 43:
﴿
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ
﴾: يعني: إنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يَحتكمون إليك - أيها الرسول - وهم لا يؤمنونبك، ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها ﴿
فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ
﴾ ﴿
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
﴾: أي ثميتولَّون مِن بعد حُكمك إذا لم يُرضهم، فجمعوا بذلك بين الكفر بشرعهم، وبين الإعراض عنحُكمك، ﴿
وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
﴾.
الآية 44:
﴿
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ
﴾: يعني فيها إرشاد من الضلالة، ونورٌ مُبَيِّن لأحكام الحلال والحرام، مُخرِجٌ من ظلمات الجهل، ﴿
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
﴾ يعني: وإنَّ النبيُّين - الذين انقادوا لحكم الله تعالى - قد حكموا بالتوراة ﴿
لِلَّذِينَ هَادُوا
﴾: أي قد حكموا بها بين اليهود، ولم يَخرجوا عنحُكمها ولم يُحَرِّفوها، ﴿
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
﴾: يعني وكذلك قد حكم بها عُبَّاد اليهود وعلماؤهم (الذين يُرَبُّونالناس بشرع الله)، وذلك ﴿
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ
﴾: أي بما استأمنهم أنبياؤهم على تبليغ التوراة، والعمل بها، ﴿
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ
﴾: يعني وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد حكموابين اليهود بكتاب الله.
ثم يقول تعالى لعلماء اليهود:
﴿
فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ
﴾ في تنفيذ حُكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ﴿
وَاخْشَوْنِ
﴾ وحدي، فإني أناالذي أملك النفع والضر، ﴿
وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
﴾: يعني ولا تأخذوا عِوَضًا حقيرًا مِن الدنيا مقابل ترْك الحُكم بما أنزلتُ، ﴿
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
﴾: واعلم أنَّ العلماء قد اختلفوا بشأن هذه الجملة: هل هي في المسلمين، أو في اليهود (اتفاقاً مع سِياق الآية)؟، وقد ثبت عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال
في هذه الآية: (ليس الكُفر الذي تذهبون إليه) أي إنّ المراد بالكفر فيها: (كُفر دونَ كُفر)، يعني ليس الكُفر المُخرج من المِلَّة، وقالالقرطبيفي تفسيره: (فأماالمسلم فلا يُكَفَّر وإن ارتكب كبيرة)، هذا مع الأخذ في الاعتبار دائماً أنَّ العُذر بالجهل قاعدة شرعية أصُولِيَّة، وأنه مِن صُلب هذا الدِين.
الآية 45:
﴿
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا
﴾: يعني وفَرَضنا عليهم في التوراة: العدل والمساواة في القِصاص، فشرعنا لهم ﴿
أَنَّ النَّفْسَ
﴾ تُقْتَل ﴿
بِالنَّفْسِ
﴾، (﴿
وَالْعَيْنَ
﴾) تُفْقَأ (﴿
بِالْعَيْنِ
﴾)، (﴿
وَالْأَنْفَ
﴾) يُقطَع (﴿
بِالْأَنْفِ
﴾)، (﴿
وَالْأُذُنَ
﴾) تُقْطع (﴿
بِالْأُذُنِ
﴾)، (﴿
وَالسِّنَّ
﴾) تُقْلَعُ (﴿
بِالسِّنِّ
﴾)، بمعنى أنه إذا قلع شخصٌ إحدى الأسنان لشخصٍ آخر (أو كَسَرها)، فإنّه يقتص منه بقلْع سِنِّهِ (أو كَسْرها)، (﴿
وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ
﴾: يعني وشرعنا لهم أنَّه يُقْتَصُّ في الجِراحات أيضاً بالعدل والمساواة، ﴿
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
﴾: أي فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي ﴿
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
﴾: يعني فإنّ ذلك العفو يكونُ تكفيراً لبعض ذنوبه وإزالةً لها، ﴿
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
﴾ فيالقصاص وغيره ﴿
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
﴾.
الآية 46، والآية 47:
﴿
وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ
﴾: يعني وأتْبَعنا أنبياء بني إسرائيل ﴿
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
﴾، فكانَ عليه السلام ﴿
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ
﴾: أي مؤمنًا بالتوراة، فلم يُنكرها ولم يَتجاهلها، ﴿
وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ
﴾: يعني وأنزلنا إليه الإنجيل هادياً إلى الحق، ونوراً مُبَيِِّّنًالِما جَهِلَهُ الناس مِن حُكم الله تعالى، ﴿
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ
﴾: أي وكان الإنجيل شاهدًا على صِدق التوراة، مُقَرِّراً لأحكامها (إلا ما نسخه اللهُ منها بالإنجيل)، ﴿
وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
﴾: يعني وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله، ورادعاً لهم عن ارتكابالمحرَّمات، فإن أهل التقوى هم الذين ينتفعون بهذا الهدى.
•
واعلم أن هذه الهداية التي ذكرها تعالى في قوله: ﴿
وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
﴾: هي هداية خاصة للمتقين، غير الهداية التي ذُكِرَتْ في قوله تعالى: ﴿
وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ
هُدًى
وَنُورٌ
﴾ فهذه هداية عامة لجميع الناس، ثم أخبر تعالى أنه أمرهم وقتها بالحكم بالإنجيل، فقال: ﴿
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ
﴾ الذين أُرسِل إليهم عيسى - قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم - ﴿
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
﴾: أي بما أنزل الله في الإنجيل من الأحكام، وأخبرهم أنَّه ﴿
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
﴾.
الآية 48:
﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
﴾: أي وأنزلنا إليك القرآن، وكل ما فيه حق، وجعلناه ﴿
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
﴾: أي يَشهد على صِدق الكتب التي قبله،وأنها من عند الله، مُصدقًا لما فيها مِن صِحَّة، ومبيِّنًا لِما فيها من تحريف،﴿
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
﴾: أي وناسخًا لبعض شرائع هذه الكتب، ﴿
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
﴾ أي بين المحتكمين إليك من اليهود ﴿
بِمَا أَنْزَلَ اللَّه
﴾ إليكفي هذا القرآن، ﴿
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
﴾: يعني ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وآرائهم، ﴿
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
﴾: يعني: فقد جعلنا لكل أمة منكم شريعة، ﴿
وَمِنْهَاجًا
﴾: أي وجعلنا لكم طريقًا واضحًا مستنيرًا ناسخًا لما قبله، وهو الإسلام، وقد جعلنا شريعتك ناسخة لجميعالشرائع.
﴿
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
﴾: أي لجعلكم جماعة متفقة - على دين واحد - يَؤم بعضها بعضًا، ولَجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل شيئًا من الكتب ناسخًا لشيءٍ من الشرائع،﴿
وَلَكِنْ
﴾ لم يَشأ ذلك، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة، وذلك ﴿
لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ
﴾: يعني ليختبركم ويَنظر كيف تعملونَ عند ظهور هذه الشريعة الناسخة: هل ستتبعونها وتنقادون إليها بمجرد قيام البراهين على صِدقها، ونهوض الأدلة البَيِّنة على صِحَّةنَسْخها لشرائعكم، وترجعون عن شريعتكمبعد أن أحببتموها واعتدتم عليها؟، أم سَتَمِيلون إلى شريعتكم، فتؤثرون الركون إليها والعكوف عليها لمجرد اتباع الهوى، وتزيغون عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، تكَبُّراً عن الانقياد لها (كما فعل أول المتكبرين إبليس)؟
•
ولَمََّا كانَ في هذا الاختبار أعظم تهديد، قال لهم: ﴿
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
﴾: أي بادروا إلى هذه الشريعة الناسخة بغاية جهدكم، وسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين (وذلك بالعمل بما في القرآن العظيم)، فـ ﴿
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
﴾ وسيَجزي كُلاًّ بعمله
.
الآية 49:
﴿
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
﴾: واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿
وَأَنِ احْكُمْ
﴾ معطوف على قوله تعالى - في الآية التي قبلها -: ﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
﴾، فكأنّ المعنى: (﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
﴾، فلْتَحكمْ بينهم به)، أو: ﴿
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
﴾، وللحُكم به).
﴿
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
﴾: أي ولا تتبعأهواء الذين يَحتكمون إليك من اليهود، (وقد كَرَّرَ تعالى النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير من ذلك)، ﴿
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
﴾: يعني واحذرهم أن يُضِلوك عن بعض ما أنزل الله إليكفتترك العمل به، ﴿
فَإِنْ تَوَلَّوْا
﴾: يعني فإن أعرض هؤلاء عن قبول ما تَحكم به: ﴿
فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
﴾: أي فاعلم أن الله يريد أن يَصرفهمعن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها مِن قبل، ﴿
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
﴾: أي: عُصاة خارجون عن طاعةربهم ورسله، (فهَوَّن اللهُ على رسوله بهذه الجملة ما قد يجده من ألم تمرد اليهود والمنافقين، وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه).
امانى يسرى محمد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى امانى يسرى محمد
البحث عن كل مشاركات امانى يسرى محمد