عرض مشاركة واحدة
قديم 04-25-2026, 05:33 AM   #65

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 106الى صــ 120
الحلقة (65)




يستطيعون ضَرْبًَا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إِلحافًا (١)﴾ (٢).
فالفقراء إِذن قد تكون عندهم موانع تمنعهم من التكسّب، أو أنهم لا يستطيعون ذلك أصلًا لبعض الأسباب، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، بعكس الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان.
وهم لا يسألون الناس إِلحافًا بعكس من يسأل كما في قوله - ﷺ -: «ولا يقوم فيسأل الناس ...».
وفي حديث: «ليس المسكين ...» قال الحافظ (٣/ ٣٤٣): «وفيه دلالة لمن يقول: إِنّ الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأنّ المسكين الذي له شيء لكنّه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له ... ويؤيده قوله تعالى: ﴿أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (٣) فسمّاهم مساكين مع أنّ لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه.
فإِنْ قلتَ: قد جاءت الآيات الكثيرة في الحض على إِطعام المسكين، فلماذا لم يكن ذلك في الفقير وهو أولى؟
قلتُ: الفقير والمسكين كلاهما من أهل الحاجة، الذين يشرع التصدّق

----------------------
= التجارة- لاشتغالهم به عن التكسّب.»فتح«(٣/ ٣٤١).
(١) أي: لا يُلحّون في المسألة ويكلّفون الناس ما لا يحتاجون إِليه.»ابن كثير".
(٢) البقرة: ٢٧٣.
(٣) الكهف: ٧٩.


عليهم، ولكن جاء التوبيخ والتقريع لمن لم يقدّم العون الواجب؛ لمن تكون حاجته ظاهرة وهو المسكين، كقوله تعالى: ﴿ولا يحضُّ على طعام المسكين﴾ (١). وكقوله تعالى: ﴿ولا تحاضّون على طعام المسكين﴾ (٢).
والخُلاصة؛ أنّ الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وهذا نابع من تعفّفه وعدم سؤاله الناس، ولا يفطن الناس له في صدقاتهم؛ فيحتاج إِلى مثابرة في التعرّف على هذا النوع؛ لرفع الجهل المنبوذ الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف﴾ (٣).
وهذا لا ينفي جواز الصدقة على المسكين كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولكن معرض الكلام في بيان أصناف المحتاجين وبيان الأولى في ذلك، لذلك قال ابن كثير: وإنما قدّم الفقراء هاهُنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة حاجتهم.
ولهذا فهناك خصوص وعموم بين المسكين والفقير، فالفقير أعمّ والمسكين أخصّ، فكلّ مسكين فقير، وليس كلّ فقير مسكينًا، وهو كقولنا: كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلَمنا ولمّا يدخل الإِيمان في

----------------------
(١) الحاقة: ٣٤.
(٢) الفجر: ١٨.
(٣) البقرة: ٢٧٣.



قلوبكم﴾ (١). والله -تعالى- أعلم.

المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته (٢)
من ملَك نصابًا، من أيّ نوع من أنواع المال -وهو لا يقوم بكفايته، لكثرة عياله، أو لغلاء السعر- فهو غنيّ؛ من حيث أنّه يملك نصابًا؛ فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث أنّ ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير.
قال النووي: ومن كان له عقار، ينقص دخله عن كفايته؛ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفاية، ولا يُكلف بيعه.
وفي «المغني»: قال الميمون: ذاكَرت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- فقلت: قد يكون للرجل الإِبل والغنم؛ تجب فيها الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضّيعة لا تكفيه، فيعطى الصدقة؟ قال: نعم، وذلك لأنه لا يملك ما يُغنيه، ولا يقدر على كسْب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة. كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة.
٣ - العاملون عليها: وهم: الجباة والسعاة؛ يستحقّون منها قِسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة.
فعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث؛ أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله - ﷺ - ليستعملهما على الصدقة، فقال: «إِنَّ الصدقة لا تنبغي

---------------------
(١) الحجرات: ١٤.
(٢) عن»فقه السنة" (١/ ٣٨٦).



لآل محمّد. إِنّما هي أوساخ الناس» (١).
وفي رواية: «إِنّ هذه الصدقات إِنَّما هي أوساخ الناس؛ وإنها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد» (٢).
ويجوز أن يكونوا من الأغنياء؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهْدَى منها لِغَنيّ» (٣).
ولحديث عبد الله بن السعدي: «أنه قدِم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإِذا أُعطيتَ العُمالة (٤) كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إِلى ذلك؟ قلت: إِنَّ لي أفراسًا وأعبدًا (٥) وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمالتي صدقة على المسلمين.

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٠٧٢، قال النووى (٧/ ١٧٩):»معنى أوساخ الناس؛ أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي كغسالة الأوساخ«.
(٢) أخرجه مسلم: ١٠٧٢.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٤٠)، وغيره وصححه شيخنا في»الإِرواء" (٨٧٠).
(٤) العُمالة: بضم الميم أجرة العمل، وأما العَمالة بفتح العين: فهي نفس العمل.
(٥) أعبُدًا: جمع عبد وهو الرقيق، وفي رواية: أعتُدًا: جمع عتيد، وهو المال المدَّخر.



قال عمر: لا تفعل، فإِنّي كنت أردتُ الذي أردتَ، فكان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إِليه منّي، حتى أعطاني مرّة مالًا فقلت: أعطه أفقر إِليه مني، فقال النّبيّ - ﷺ - خُذهُ فتموّله وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال -وأنت غير مشرف (١) ولا سائل- فخذه، وإِلا فلا تُتبِعه نفسك» (٢).
وينبغي أن تكون الأجرة بقدر الكفاية (٣).
فعن المستورد بن شداد، قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإِن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإِن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا».
قال: قال أبو بكر: أُخبِرت أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارق (٤)» (٥).

----------------------
(١) أي: غير متطلّع إِليه.
(٢) أخرجه البخاري: ٧١٦٣، ومسلم: ١٠٤٥.
(٣) انظر «فقه السنة» (١/ ٣٨٧).
(٤) قال المظهر: أي: يحلّ له أن يأخذ مما في تصرفه في مال بيت المال؛ قدر مهر زوجة ونفقتها وكسوتها، وكذلك ما لا بد منه من غير إِسراف وتنعّم، فإِنْ اْخَذ أكثر ما يحتاج إِليه ضرورة؛ فهو حرام عليه.
فال الطيبي: وإنما وضع الاكتساب موضع العُمالة والأجرة؛ حسمًا لطمعِه. «المرقاة» (٧/ ٣٢٠).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٥٢)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «المشكاة» (٣٧٥١): وإسناده صحيح.



وبوَّب ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٤/ ٧٠): (باب إِذْن الإِمام للعامل بالتزويج، واتخاذ الخادم والمسكن من الصدقة)، ثمّ ذكر حديث المستورد بن شدّاد -رضي الله عنه-.
قال في «المغني» (٢/ ٥١٨): «ويُعطى منها أجر الحاسب والكاتب والحاشد والخازن والراعي ونحوهم، فكلّهم معدودون من العاملين عليها؛ ويُدفع إِليهم من حصة العاملين عليها».

٤ - المؤلفة قلوبهم:
والمؤلفة قلوبهم أقسام:
منهم من يُعطى لِيُسْلم؛ كما أعطى النّبيّ - ﷺ - صفوان بن أميّة من غنائم حُنين؛ وقد كان مُشركًا.
فعن ابن شهاب قال: «غزا رسول الله - ﷺ - غزوة الفتح -فتح مكة- ثمّ خرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحُنين، فنصَر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أميّة مائة من النعم، ثمّ مائة، ثمّ مائة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنَّ صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إِليَّ، فما برِح يعطيني؛ حتى إِنه لأحبّ الناس إليَّ» (١).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "ما سُئل رسول الله - ﷺ - على الإِسلام

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٣١٣.


شيئًا إِلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجَع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلِموا، فإِنّ محمّدًا يعطي عطاءً؛ لا يخشى الفاقة».
وفي رواية: «أنّ رجلًا سأل النبيّ - ﷺ - غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله! إِنّ محمّدًا ليعطي عطاءً؛ ما يخاف الفقر فقال أنس: إِنْ كان الرجل ليُسْلِم ما يريد إِلا الدنيا، فما يُسْلِم حتى يكون الإِسلام أحب إِليه من الدنيا وما عليها» (١).
ومنهم من يُعطى ليحسن إسلامُه، ويثبّت قلبه كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعة من صناديد (٢) الطلقاء وأشرافهم مائة من الإِبل وقال: «إِني لأُعطي الرجل وغيره أحبّ إِليّ منه، خشية أن يكبّه الله في النار» (٣).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «بعث علي -رضي الله عنه- وهو باليمن، بذهبة (٤) في تربتها (٥)، إِلى رسول الله - ﷺ - فقسَمها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر (٦) الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير (٧) الطائي، ثم

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٣١٢.
(٢) أي. سادة.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧، ومسلم: ١٥٠.
(٤) هكذا لفظ مسلم ولفظ البخاري:»بذُهَيبة".
(٥) أي: غير مسبوكة.
(٦) وهو عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري.
(٧) وزيد الخير: كذا هو في جميع النسخ (الخير) بالراء وفي الرواية التي بعدها =



أحد بني نبهان.
قال: فغضبت قريش فقالوا: أيُعطي [أتُعطي] صناديد نجد ويدعنا؟ [وتدعنا] فقال رسول الله - ﷺ -: إِنّي إِنّما فعلْتُ ذلك لأتألَّفهم» (١).
ومنهم من يُعطى لما يُرجى من إِسلام نظرائه.
ومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممّن يليه، أو ليدفع عن المسلمين الضرر.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٤٠): «قال: -أي: أبو جعفر الطبري -رحمه الله-: ... والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين:
أحدهما: سد خلّة المسلمين. والثاني: معونة الإِسلام، وتقويته. فما كان معونة للإِسلام، يُعطى منه الغني والفقير، كالمجاهد ونحوه، ومن هذا الباب يُعطى المؤلفة، وما كان في سد خلّة المسلمين».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: يقول بعض العلماء: إِعطاء المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة قد سقط بانتشار الإِسلام وغلبته، وقال آخرون: الظاهر جواز التأليف عند الحاجة إِليه، فهل ترون الأخير؟
فأجاب -رحمه الله-: «بلا شكّ».

---------------------
= زيد الخيل باللام. وكلاهما صحيح، يقال بالوجهين، كان يقال له في الجاهلية زيد الخيل، فسمّاه رسول الله - ﷺ - في الإِسلام زيد الخير. «شرح النووي» (٧/ ١٦١).
(١) أخرجه البخاري: ٤٣٥١، ومسلم: ١٠٦٤ وهذا لفظه.



٥ - وفي الرقاب (١):
وأمّا الرقاب؛ فرُوي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيّان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعرى نحوه، وهو قول الشافعي والليث.
وقال ابن عباس (٢) والحسن (٣): لا بأس أن تُعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق؛ أي: أنَّ الرقاب أعمّ من أن يُعطى المكاتَب (٤) أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا، وقد ورد في ثواب الإِعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأنَّ الله يعتق بكل عضو عضوًا من مُعتِقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلاَّ لأنَّ الجزاء من جنس العمل: ﴿وما تُجزون إِلاّ ما كنتم تعملون﴾.

--------------------
(١) انظر للمزيد من الفائدة «الفتح» (٣/ ٣٣٢).
(٢) لعله يشير إِلى قول البخاري -رحمه الله-: ويُذكر عن ابن عباس -رضي الله عنه-: يُعتق من زكاة ماله ويُعطى في الحج -ووصَله أبو عبيد في «الأموال» بسند جيد عنه، وانظر «الفتح» (٣/ ٣٣١) و«مختصر البخاري» (١/ ٣٤٨).
(٣) لعله يشير أيضًا إِلى قول البخاري -رحمه الله- وقال الحسن: إِن اشترى أباهُ من الزكاة جاز، ويُعطى في المجاهدين والذي لم يحجّ. قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٣٣٢): وهذا صحيح عنه أخرج أوله ابن أبي شيبة.
(٤) الكتابة: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إِليه منجَّمًا [مقسَّطًا]، فإِذا أدّاه صار حرًّا، وسمّيت كتابة لمصدر (كتب) كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبَه مكاتبَة والعبد مكاتَب. «النهاية».



عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة كلّهم حقٌّ على الله عَوْنه: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والنَّاكح الذي يريد التعفف» (١).
وعن البراء قال: «جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله! علّمني عملًا يدخلني الجنة؟ قال: لئن كنت أقصرت الخُطبة لقد أعرضت المسألة (٢)، أعتق النسمة (٣)، وفُكَّ الرقبة، قال: أو ليستا واحدًا؟ قال: لا؛ عتق النسمة أن تعتق النسمة، وفكّ الرقبة أن تعين على الرقبة ...» (٤).

٦ - الغارمون:
وهم الذين تحمّلوا الديون، وشقّ عليهم أداؤها، وهم أقسام:
منهم من تحمَّل حَمَالةً (٥)، وضمن دينًا فلزِمه فأَجْحَف (٦) بماله، أو غرِم

------------------------
(١) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٤١)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «غاية المرام» (٢١٠).
(٢) أي: جئت بالخطبة قصيرة والمسألة عريضة، يعني: قلّلْت الخطبة وأعظمت المسألة.
(٣) النسمة: النفس والروح، أعتق النسمة: أعتق ذا روح وكلّ دابّة فيها روح فهي نسمة، وإنّما يريد الناس والمراد الانفراد بعتقها.
(٤) وانظر كتابي «شرح صحيح الأدب المفرد» (١/ ٨٣).
(٥) الحَمالة: المال الذي يتحمّله الإِنسان الذي يستدين، ويدفعه في إصلاح ذات البين؛ كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك. «شرح النووي» (٧/ ١٣٣).
(٦) أجحف بماله: أى أذهبه.



في أداء دينه، أو في معصية ثمّ تاب، فهؤلاء يُدفع إِليهم.
والأصل في هذا الباب؛ حديث قبيصة بن مُخارق الهلالي قال: «تحمَّلت حَمالة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها.
قال: ثمّ قال: يا قبيصة! إِنّ المسألة لا تحلّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حَمالة؛ فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثمّ يمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت (٢) ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا (٣) من عَيْش (أو قال: سِدادًا (٤) من عيش) ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه (٥)؛ لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش (أو قال: سِدادًا من عيش) فما سواهنّ من المسألة، يا قبيصة! سُحتًا (٦)

--------------------
(١) الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة جائحة.
(٢) أي: أهلكت.
(٣) القِوام والسداد بمعنى واحد، وهو ما يُغنى من الشيء أو تسدّ به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سِداد، ومنه: سِداد الثغر، وسِداد القارورة، وقولهم: سِداد من عوز.»شرح النووي«(٧/ ١٣٣).
(٤) القِوام والسداد بمعنى واحد، وهو ما يُغنى من الشيء أو تسدّ به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سِداد، ومنه: سِداد الثغر، وسِداد القارورة، وقولهم: سِداد من عوز.»شرح النووي«(٧/ ١٣٣).
(٥) قال النووي (٧/ ١٣٣):»هكذا هو في جميع النسخ: يقوم ثلاثة، وهو صحيح. أي: يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابته فاقة، والحجى مقصور، وهو العقل، وإنما قال - ﷺ -: من قومه، لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال ممّا يخفى في العبادة فلا يعلمه إِلا من كان خبيرًا بصاحبه".
(٦) السحت: الحرام.



يأكلها صاحبها سُحتًا» (١).
ويُعطى الغارم بقدْر حاجته لا أكثر؛ لحديث قبيصة بن مُخارق: «... حتى يُصيب قِوامًا من عيش (أو قال: سِدادًا من عيش) فما سواهُنّ من المسألة يا قبيصة؛ سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا».
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٤/ ٧٢): «باب الدليل على أنّ الغارم الذي يجوز إِعطاؤه من الصدقة وإن كان غنيًا، هو الغارم في الحمالة، والدليل على أنه يُعطى قدر ما يؤدي الحَمالة لا أكثر».
ثم ذكَر حديث قبيصة بن مخارق السابق.

٧ - وفي سبيل الله (٢)
قال ابن كثير -رحمه الله-: «وأمّا في سبيل الله، فمنهم الغُزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان (٣)، وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق، والحجّ في سبيل الله للحديث».
يشير بذلك إِلى حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «أراد رسول الله - ﷺ - الحجّ، فقالت امرأة لزوجها: أحِجَّني مع رسول الله - ﷺ -، فقال: ما عندي ما أحِجُّكِ عليه، قالت: أحِجّني على جملك فلان! قال: ذاك حبيسٌ (٤) في سبيل الله -عز وجل-.

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٠٤٤.
(٢) انظر -إِن شئت- ما جاء في»الفتح«(٣/ ٣٣٢).
(٣) يعني: ليس لهم رِزق أو راتب من الدولة.
(٤) أي: موقوف على الغزاة يركبونه في الجهاد.»النهاية".



فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنّ امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك! قالت: أحِجّني مع رسول الله - ﷺ -، فقلت: ما عندي ما أُحِجّك عليه، فقالت: أحِجّني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال:»أما إِنك لو أحْجَجْتها عليه كان في سبيل الله«.
قال: وإنها أمَرتني أن أسألك: ما يعدل حَجة معك؟ فقال رسول الله - ﷺ -:»أقرِئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبِرها: أنها تعدل حَجَّة معي«-يعني- عمرة في رمضان» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٦٨١): «وأمّا (سبيل الله) في آية مصارف الزكاة ﴿إنما الصدقات﴾، فهي في الجهاد وفي الحج والعمرة».
وقال شيخنا في «تمام المِنّة»: -بعد قول ابن كثير-: «.. وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال في»الاختيارات«:»ومن لم يحجّ حَجّة الإِسلام وهو فقير؛ أُعطي ما يحجّ به، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد.
ورواه أبو عبيد في «الأموال» رقم (١٩٧٦) عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهمًا في سبيل الله، فقيل له: أتُجعل في الحج؟ فقال: أما إِنه في سبيل الله. وإسناده صحيح كما قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٥٨).
وروى أبو عبيد رقم (١٧٨٤ و١٩٦٥) بسند صحيح عن ابن عباس

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٥٣) وغيره، وانظر «تمام المِنّة» (ص ٣٨١).


-رضي الله عنهما-: «أنه كان لا يرى بأسًا؛ أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق الرقبة» (١).
وتقدّم الحديث: «لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلاَّ لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهدى منها لغني».
وعن أبي لاس الخزاعي -رضي الله عنه- قال: «حمَلنا رسول الله - ﷺ - على إِبل من إِبل الصدقة ضعاف للحجّ ...» (٢).

هل بناء المستشفيات الخيرية العامّة وإِعداد الدعاة إِلى الإِسلام والنفقة على المدارس الشرعية ... ونحو ذلك من «سبيل الله»؟
جاء في «تمام المِنّة» (ص٣٨٢) بتصرف: «[إِنّ] تفسير الآية بهذا المعنى الواسع الشامل لجميع الأعمال الخيرية مما لم يُنقل عن أحدٍ من السّلف -فيما علِمت- وإن كان جَنَح إِليه صدّيق حسن خان في»الروضة الندية«، فهو مردود عليه.
ولو كان الأمر كما زعم، لما كان هناك فائدة كبرى في حصْر الزكاة في المصارف الثمانية في الآية الكريمة، ولكان أن يدخل في (سبيل الله) كلّ

------------------------
(١) وإعلال أبي عبيد له بأن أبا معاوية انفرد به؛ ليس بشيء، لأن أبا معاوية ثقة، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش كما في»التقريب«، وهذا من روايته عنه، وقد تابعه عنه عبدة بن سليمان كما في»الفتح«، فزالت شبهة تفرد أبي معاوية به، وانظر»إِرواء الغليل«(٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه" (٢٣٧٧)، وقال شيخنا -رحمه الله-: إِسناده حسن.



أمر خيري مِثل بناء المساجد ونحوها، ولا قائل بذلك من المسلمين.
بل قال أبو عبيد في «الأموال» فقرة (١٩٧٩): «فأمّا قضاء الدين عن الميت، والعطية في كَفَنه، وبنيان المساجد، واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البرّ، فإِنّ سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء؛ مُجمِعون على أنّ ذلك لا يجزي من الزكاة، لأنّه ليس من الأصناف الثمانية».

٨ - ابن السبيل:
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «وكذلك ابن السبيل، وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره؛ فيعطى من الصدقات ما يكفيه إِلى بلده، وإِنْ كان له مال.
وهكذا الحُكم فيمن أراد إِنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه.
والدليل على ذلك الآية، وما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لا تحلّ الصدقة لغني إلاَّ لخمسة: ...«. وذكَر الحديث المتقدّم.
وعند مالك وأحمد؛ ابن السبيل المستحق للزكاة، يختصّ بالمجتاز دون المنشئ ولا يعطى من الزكاة من إِذا وجد مُقِرضًا يُقرِضه وكان له من المال ببلده، ما يفي بقرْضه، فإِن لم يجد مُقرِضًا، أو لم يكن له مال يقضي منه قرضه، أعطي من الزكاة».
وقول مالك وأحمد هو الراجح -والله أعلم-. لأنه ليس للإِنسان أن



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* جوجل تضيف ميزة جديدة إلى Google Vids.. اصنع فيديوهات بالذكاء الاصطناعي بوجهك وصوتك
* سماعات AirPods تحصل على ميزة مطلوبة ضمن إصدار تجريبى عام جديد
* اليابان تدفع الذكاء الاصطناعى إلى المصانع.. روبوتات تفكر وتتصرف دون انتظار السحابة
* OpenAI تكشف GPT-5.6 Sol.. تعرف على مميزات أقوى نموذج للبرمجة والبحث العلمي والعمل
* بعد 10 أشهر من الاستخدام.. هل لا يزال iPhone 17 Pro يستحق الشراء؟
* المرض: حكم ومعالم
* تنزيه الله عن الولد والشريك

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس