عرض مشاركة واحدة
قديم 04-20-2026, 08:28 PM   #3
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 99

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

ـ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.

مَا وَرَدَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ:

جَاءَ في سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ مِمَّا رواه ابْنُ إِسْحَاقَ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدُمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا.

قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ.

قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ.

قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ.

قَالَ: لَا وَاللهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ؛ لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ (يَعْنِي الكَلَامَ الخَفِيَّ الذي لَا يُسْمَعُ) وَلَا سَجْعِهِ.

قَالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ.

قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونِ؛ لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ.

قَالُوا: فَنَقُولُ: شَاعِرٌ.

قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرِ؛ لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ، رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ.

قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ.

قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرِ؛ لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ.

قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟

قَالَ: وَاللهِ إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَعَذِقٌ (العَذْقُ: النَّخْلَةُ) وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ ـ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لَغَدِقٌ (الغَدِقُ: المَاءُ الْكثيرُ) ـ وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ، فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ.

فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ، لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا حَذَّرُوهُ إيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ.

فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمن خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أَيْ خَصِيمًا.

وروى الإمام الحاكم في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا.

قَالَ: لِمَ؟

قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ؛ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ.

قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا.

قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ.

قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؛ فَوَاللهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزٍ وَلَا بِقَصِيدَةٍ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ.

قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ.

قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ.

فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، يَأْثُرُهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

وروى الأَصْبَهَانِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَوَاللهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا سِحْرٍ وَلَا بِهُذَاءٍ مِثْلِ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لَمِنْ كَلَامِ اللهِ.

فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الْوَلِيدُ لَتَصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ.

فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ قَالَ: وَاللهِ أَنَا أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ؛ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟

قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا؟

قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنِّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَتُصِيبُ مِنْ طَعَامِهِ.

قَالَ الْوَلِيدُ: قَدْ تَحَدَّثَتْ بِهِ عَشِيرَتِي، فَلَا أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ.

وَجَاءَ في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ: أَنَّهُ قَالَ: وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ.

فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.

هَذَا الوَعِيدُ الرَّبَانِيُّ جَاءَ في حَقِّ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَهُوَ في الحَقِيقَةِ خِطَابٌ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ وَالعِنَادِ، الذينَ يُخَالِفُونَ قَنَاعَاتِهِمْ، وَيُصِرُّونَ عَلَى البَاطِلِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُضُوحِ الحَقِّ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

فَهَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَاتُ وَإِنْ نَزَلَتْ في حَقِّ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، فَهِيَ شَامِلَةٌ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَن يَجْعَلَنَا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِنَا، وَأَنْ يُثَبِّتَنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفي الآخِرَةِ. آمين.

** ** **
ـ
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (2)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ في حَقِّ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، الذي آذَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِيذَاءً شَدِيدًا.

كَانَ رَجُلًاً عَنِيدًا، وَكَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وَكَانَ تَاجِرًا، ذَا مَالٍ كَبِيرٍ في مَكَّةَ، كَانَ يَكْسُو الكَعْبَةَ سَنَةً، وَكَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَجْتَمِعُونَ في كِسْوَتِهَا سَنَةً.

كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ مَا يُقْسَمُ بِالفُؤُوسِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْضُرَ نَوَادِيَ مَكَّةَ، أَو وَلَائِمَ المُشْرِكِينَ، جَعَلَ خَمْسَةً مِنْ أَبْنَائِهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَمْسَةً عَنْ يَسَارِهِ؛ وَلَكِنْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، إِذْ كَانَ يُتْلَى القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلَى مَسَامِعِهِ ولم يُؤْمِنْ، وَسَيَبْقَى عِبْرَةً لِغَيْرِهِ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِذْ قَالَ تعالى في حَقِّهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.

قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾:

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيهَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ مِنَ اللهِ تعالى، لَا مِنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّ الحَقَّ تعالى يُسَلِّي فُؤَادَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا آذَاهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: دَعْنِي مَعَ مَنْ خَلَقْتُهُ وَحِيدًا، لَا أَنْصَارَ لَهُ، وَلَا أَبْنَاءَ، وَلَا أَعْوَانَ، وَلَا مَالَ، وَلَا قُوَّةَ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ﴾.

دَعْنِي مَعَ هَذَا العَبْدِ الذي أَمْدَدْتُهُ بِالمَالِ وَالوَلَدِ وَالأَصْحَابِ وَالأَعْوَانِ، وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى تَجْرِيدِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَيَّ كَمَا خَلَقْتُهُ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تعالى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَنْ تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَلِكُلِّ دَاعٍ إلى اللهِ تعالى، إِذَا وَاجَهَ مَنْ يُعَانِدُ وَيُكَابِرُ وَيَقِفُ في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ صَادًّا مُعَارِضًا مُحَارِبًا لَهَا، أَنْ يَدَعَ مُوَاجَهَةَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

فَالحَقُّ تَبَارَكَ وتعالى يَأْمُرُ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالإِعْرَاضِ عَنْ هَذَا الجَاحِدِ المُعَانِدِ، وَأَنْ يَدَعَهُ للهِ تعالى، وَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَاهُ، كَمَا قَالَ لَهُ تعالى في سُورَةِ المُزَّمِّلِ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾.

وَكَمَا قَالَ تعالى في سُورَةِ القَلَمِ: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ أَخَذَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ نَتِيجَتَهُ في الآخِرَةِ وَهُوَ في حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ بِقَرَارٍ مِنَ اللهِ تعالى سَوْفَ يَصْلَى سَقَرَ، وَأَنَّهُ مِنَ الخَالِدِينَ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ.

هَذِهِ الآيَاتُ هِيَ مِنْ أَوَائِلِ الآيَاتِ وَالسُّوَرِ التي نَزَلَتْ، وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ سَيِّدِنَا مُحَمَدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى أَنَّ اللهَ تعالى نَاصِرٌ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَو نِفَاقًا، كَمَا أَنَّ أَبَا لَهَبٍ لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ نِفَاقًا، مَعَ مُحَاوَلَتِهِمَا تَكْذِيبَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَن يُشَرِّفَنَا بِخِدْمَةِ دِينِ اللهِ تعالى، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الإِخْلَاصَ وَالقَبُول، وَحُسْنَ الخِتَامِ. آمين.

** ** **

ـ
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (3)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللهِ تعالى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يَعْنِي: دَعْنِي وَاتْرُكْنِي مَعَ مَنْ خَلَقْتُهُ وَحِيدًا، لَا نَصِيرَ لَهُ، وَلَا مُعِينَ، وَلَا شَيْءَ يَعْتَزُّ بِهِ؛ هَذَا هُوَ أَصْلُ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَالأَصْلُ في كُلِّ ذِي حَيَاةٍ، وَكُلِّ مَخْلُوقٍ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَدَّهُ اللهُ تعالى بِالأَبْنَاءِ، وَالأَمْوَالِ، وَالأَعْوَانِ، وَالأَنْصَارِ، وَالذي أَمَدَّ بَعْدَ إِيجَادٍ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِ مَا أَمَدَّ بِهِ، وَقَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِهِ.

جَاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في حَقِّ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأَوَّلُ مِنْهَا، فَكُلُّ مَخْلُوقٍ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ وَغَيْرِهِمَا قَدْ خَلَقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَاجِزًا فَقِيرًا وَحِيدًا، لَا نَصِيرَ لَهُ، وَلَا مُعِينَ، مُحْتَاجًا في أَسْبَابِ حَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ مَدَدًا مِنْ مُوجِدِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُمِدَّهُ إِلَّا الذي أَوْجَدَهُ.

فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. أُسْلُوبٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ وَالوَعِيدَ الشَّدِيدَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ، وَهُوَ وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تعالى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِ مُوَاجَهَتِهِمْ، وَخَاصَّةً في المَرْحَلَةِ الأُولَى مِنْ دَعْوَتِهِ.

وَقَدْ أَكَّدَ اللهُ تعالى عَلَى هَذَا المَعْنَى بِآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾.

وَكَقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾: أَيْ: جَعَلْتُ لَهُ مَالًا كَثِيرًا، يَزْدَادُ بِالمَدَدِ حِينًا فَحِينًا، وَقَدْ كَانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِنْ أَغْنَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَدْ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالعَبِيدِ وَالجِنَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَمْوَالِ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْتُ لَهُ بَنِينَ شَاهِدِينَ حَاضِرِينَ لَيْسُوا غَائِبِينَ عَنْ مَكَانَ إِقَامَتِهِ، فَهُمْ أَعْوَانُهُ وَأَنْصَارُهُ، يَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَيَسْتَدْعِيهِمْ لِنُصْرَتِهِ في كُلِّ وَقْتٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلى النُّصْرَةِ، وَيَعْتَزُّ بِهِمْ، وَيَفْتَخِرُ إِذْ هُمْ شُهُودُ مَجَالِسِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ مِنَ الوَلَدِ عَشَرَةٌ أَو أَكْثَرَ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ بَسْطًا حَتَّى أَقَامَ حَيْثُ أَقَامَ مُطْمَئِنًّا مُتَرَفِّهًا، وَصَارَ بِذَلِكَ سَيِّدًا يُرْجَعُ إلى رَأْيِهِ.

التَّمْهِيدُ: البَسْطُ، وَالتَّسْوِيَةُ، وَالتَّسْهِيلُ، وَالعِنَايَةُ بِهِ، كُلُّ هَذَا مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى عَلَى عَبْدِهِ، فَإِنْ شَكَرَ العَبْدُ هَذِهِ النِّعَمَ كَانَتْ بِحَقٍّ نِعَمًا وَدَامَتْ، وَإِنْ كَفَرَ بِهَا وَطَغَى كَانَتْ بِحَقٍّ نِقَمًا.

قَالَ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ في كِتَابِهِ العَظِيمِ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.

وَقَالَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

هَذِهِ نِعَمٌ، وَتَبْقَى نِعَمًا مَوْصُولَةً مَا دَامَ العَبْدُ شَاكِرًا.

وَلَكِنْ بِالمُقَابِلِ، قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.

فَعَطَاءُ اللهِ تعالى للعَبْدِ في حَيَاتِهِ الدُّنْيَا اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ، فَإِنْ شَكَرَ نَجَحَ وَأَفْلَحَ وَزَادَهُ اللهُ تعالى مِنْ فَضْلِهِ، وَإِلَّا خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَصَدَقَ اللهُ تعالى القَائِلُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾.

الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ آتَاهُ اللهُ تعالى نِعْمَةَ الإِيجَادِ وَالإِمْدَادِ، فَمَا شَكَرَ، بَلْ كَفَرَ، وَظَنَّ أَنَّهُ وَرِثَ هَذَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، أَو ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ هَذَا، مَعَ أَنَّ اللهَ تعالى يُعْطِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِمَنْ أَحَبَّ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّ، لِأَنَّهَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يَعْنِي: كَانَ يَطْمَعُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِأَنْ يَزْدَادَ مَا لَدَيْهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ وَأَنْصَارٍ، وَسَائِرِ مَحَابِّهِ مِنَ الدُّنْيَا، لِأَنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ مَطَالِبَهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا مُيَسَّرَةً وَمُسَهَّلَةً، لَا عُـسْرَ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِهَا، لِأَنَّ اللهَ تعالى مَهَّدَ لَهُ الأُمُورَ تَمْهِيدًا زَائِدًا عَنْ أَقْرَانِهِ.

وَهَذَا الطَّمَعُ مَوْجُودٌ في الإِنْسَانِ، وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» رواه الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

نَسْأَلُ اللهَ تعالى رِزْقًا حَلَالًا وَاسِعًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ فِيهِ. آمين.

** ** **

ـ ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَاتُ أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَاتِ عَلَى أَنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قَدْ أَدْرَكَ عَظَمَةَ مَا سَمِعَ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ المَجِيدِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ البَشَرِ، وَعَبَّرَ عَنْ دَهْشَتِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَكْبَرَ عَنِ اتِّبَاعِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ تعالى، وَعَانَدَ مَا سَمِعَ مِنْ آيَاتِ اللهِ تعالى، فَخَالَفَهَا وَرَدَّهَا وَرَفَضَ الإِيمَانَ بِهَا، فَجَاءَتِ الآيَاتُ زَاجِرَةً لَهُ.

قَالَ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾:

قَوْلُهُ تعالى: ﴿كَلَّا﴾ كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، مُوَجَّهَةٌ للوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَالمَزْجُورُ عَنْهُ الطَّمَعُ بِالزِّيَادَةِ، وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللهِ تعالى لَهُ، بِأَنَّ اللهَ تعالى لَنْ يُحَقِّقَ لَهُ مَطَامِعَهُ التي يَرْجُو تَحْقِيقَهَا في المُسْتَقْبَلِ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ تَعْلِيلٌ للزَّجْرِ وَالرَّدْعِ وَقَطْعِ الرَّجَاءِ؛ أَيْ: كَلَّا لَنْ أُمَكِّنَهُ مِمَّا يُرِيدُهُ وَيَتَمَنَّاهُ، لِأَنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا شَدِيدَ المُعَانَدَةِ وَالرَّدِ لِآيَاتِنَا الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِنَا، وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِنَا فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنَّا، وَمِنْ مَظَاهِرِ إِسَاءَةِ هَذَا العَبْدِ الجَاحِدِ أَنَّهُ وَصَفَ رَسُولَنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ.

قَالَ مُقَاتِل: مَا زَالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نَقْصٍ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى هَلَكَ.

وَمِنَ الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ في حَصْرِ المُوَاجَهَةِ بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ رَأْسِ المُعَانَدَةِ في تِلْكَ الآوِنَةِ تَخْفِيفُ نِسْبَةِ الأَعْدَاءِ، وَحَتَّى لَا يَقِفُوا مَوْقِفَ العَدَاءِ، وَلَعَلَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ يُؤْثِرُ السَّلَامَةَ وَالتَّوَارِي، أَو يَهْتَدِي فَلَا يَجِدُ نَفْسَهُ مُحْرَجَةً بِالتَّنَازُلِ عَنْ مَوْقِفِهِ السَّابِقِ، لِأَنَّ العَاقِلَ هُوَ الذي يَعْتَبِرُ بِغَيْرِهِ.

هَذَا العَبْدُ يَسْتَحِقُّ هَذَا الوَعِيدَ، لِأَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَلَكَ مَعَهُ سَبِيلَ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَخَاطَبَهُ بِلِينِ القَوْلِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُكَلَّفٌ بِذَلِكَ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

خَاطَبَهُ بِأَلْطَفِ خِطَابٍ، وَقَالَ لَهُ: «أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟» خَاطَبَهُ بِالكُنْيَةَ، لِأَنَّ العَرَبَ يُحِبُّونَ ذَلِكَ، وَبِدَايَةً أَثَّرَ فِيهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ سُورَةِ فُصِّلَتْ، وَلَمَّا وَصَلَ إلى قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. قَالَ أَبُو الوَلِيدِ: فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ وَنَاشَدْتُهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ، فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ. /كذا في البداية والنهاية.

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَوَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَلَا يُعْلَى. /كذا في البداية والنهاية.

﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾:

قَوْلُهُ تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ هَذِهِ نَتِيجَةُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وَلِمَنْ كَانَ مِثْلَهُ في عِنَادِهِ لِآيَاتِ اللهِ تعالى، حَيْثُ بَيَّنَ اللهُ تعالى مَا أَعَدَّهُ لَهُ مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ الإِرْهَاقُ الإِتْعَابُ الشَّدِيدُ، وَتَحْمِيلُ الإِنْسَانِ مَا لَا يُطِيقُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿صَعُودًا﴾. العَقَبَةُ الشَّدِيدَةُ التي لَا يَصِلُ الصَّاعِدُ نَحْوَهَا إِلَّا بِمَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَتَعَبٍ قَدْ يُؤَدِّي إلى الهَلَاكِ وَالتَّلَفِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: تَصَوَّرُوا نَتِيجَةَ مَنْ جَعَلَ اللهُ تعالى لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدَ لَهُ أُمُورَهُ تَمْهِيدًا، آتَاهُ اللهُ تعالى هَذَا بِدُونِ تَعَبٍ، ثُمَّ نَتِيجَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ نَقِيضُ ذَلِكَ تَمَامًا، عَذَابٌ شَاقٌّ وَإِذْلَالٌ.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ قَالَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. آمين.
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس