الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الأمين، مصطفاه من خلقه، وأمينه على وحيه، جعله الله شافعاً مشفعاً يوم الدين، اللهم اجعلنا من أهل شفاعته، اللهم اجعلنا ممن يريدون حوضه، اللهم اجعلنا من أتباعه في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى أزواجه وذريته، وخلفائه الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حكم قبول هدية الكافر
عباد الله: ما حكم قبول هدية الكافر؟ الجواب: يجوز إذا لم تكن فيها مهانة للإسلام، ولا رشوة؛ لأن سليمان لو قبل الهدية، وسكت عنهم، وأبقاهم على الشرك من أجل الهدية، ولم يحاربهم لأجل الهدية؛ فهي رشوة عظيمة، ولذلك ماذا حصل؟فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَالنمل: من الآية 36 جاءه الرسول بالهدية؛ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍالنمل: من الآية 36 هل أنا أقبل رشوة؟ هل أحتاج إليها؟ هل تظنون أنني محتاج إلى مال؟أَتُمِدُّون َنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَالنمل: من الآية 36 أنا لا أفرح بهديتكم؛ عندي أضعاف أضعاف هذا، قد آتاني الله من كل شيء، ولو سكت عنكم بهذه المصانعة لكانت رشوة، ولكان حراماً، أنتم أهل دنيا تظنون أن المال يُسكت، وأن من أُعطيَ مالاً يتغاضى: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَالنمل: من الآية 36 ؛ لأنكم من أهل الدنيا، ولذلك ردها.
فلو ترتب على الهدية معصية، لو ترتب على الهدية تنازل عن حق، لو ترتب على الهدية إهانة لأهل الإسلام فإنها ترد بلا ريب ارْجِعْ إِلَيْهِمْالنمل: من الآية 37 ، وارجع بالهدية، فَلَنَأْتِيَنَّ هُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَاالنمل: من الآية 37 ، ولا طاقة، وَلَنُخْرِجَنَّ هُمْ مِنْهَا أَذِلَّةًالنمل: من الآية 37 مهانون مدحورون، وَهُمْ صَاغِرُونَالنمل: من الآية 37 ، فأظهر العزم على الجهاد في سبيل الله، وقتال المشركين أعداء الله، فجمع بين رد الهدية والإنذار بالحرب، ووصف جنوده وصفاً مخيفاً، وهدد أولئك القوم بالإخراج من أرضهم مهانين إذا لم يسلموا.
إسلام ملكة سبأ
ولذلك لما رجع الرسول، وأخبر تلك الملكة بما عند سليمان من القوة عرفت أنه لابد من الاستسلام، وأنه ليس لها بسليمان من طاقة، وهنا لما علم سليمان بأنها ستقدم عليه هي وقومها أراد أن يكون لها شيء تراه تستسلم به لله، وليس فقط تستسلم لسليمان، فلم يكن قصد سليمان إذلال ملوك الأرض فقط، إنما يريد تعبيدهم لله لا أن يعبدهم له هو: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُالنمل: من الآية 38 لمن حوله: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَالنمل: من الآية 38 ، والله سخر له الجن، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍسورة ص: 37 ، ويَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُسـبأ: من الآية 13 ، وهذا تسليط عظيم ما سَلَّط الله أحداً على الجن والشياطين كما سلط سليمان ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّالنمل: من الآية 39 ، وهو القوي المارد: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَالنمل: من الآية 39 قبل أن تقوم من مجلسك، وهذه المسافة أربعة أشهر سيراً بالدواب -شهران ذهاباً، وشهران إياباً- مستعد هذا العفريت أن يقطعها، ويأتي بالعرش على ثقله قبل أن يقوم سليمان من مقامه، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌالنمل: من الآية 39 الله له مخلوقات عجيبة لها قدرات عجيبة، وهذه من قدرات الجن، والملائكة عندهم قدرات أعجب وأعجب، والملائكة أقوى من الجن، وجبريل قلع القرية -قرية قوم لوط- بطرف جناحه.
الملائكة عذبت الذين كفروا، ولما عرض هذا العفريت على سليمان ذلك العرض قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِالنمل: من الآية 40 ، وكثير من المفسرين على أنه أحد الصالحين كان يعرف اسم الله الأعظم، لم يُذْكَر لنا اسمه، ولا هويته؛ لأن ذلك لا يفيدنا، ولو كان يفيدنا لذكره لنا ربنا، لكن المهم أن نتمعن في قدرة الله التي آتاها للعباد، والإيمان ماذا يمكن أن يفعل، وكرامات الأولياء معلومة في الكتاب والسنة، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْالنمل: من الآية 40 تفتح عينيك وتغمضهما قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَالنمل: من الآية 40 ، عجباً لهذه السرعة! وقد فعل ذلك حقاً، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُالنمل: من الآية 40 ، خرج العرش من الجدران، والأبواب، والقصر، وفي الهواء، وانتقل بهذه السرعة العجيبة، فأين الذين يتباهون اليوم بالسرعات الخارقة، والمركبات الفضائية، والقوى المختلفة، والليزر، فقد جعل الله من آلاف السنين من عنده قدرات أكثر منهم، أن العلم الحديث حتى الآن لا يستطيع أن يخرج عرشاً ضخماً من قصر عبر الجدران، والأبواب، وينقله بهذه السرعة من اليمن إلى فلسطين في لمح البصر، فلماذا يبتاهى أهل الحضارة، ويتكبرون بما وصلوا إليه من تقدم؟ وقد حصل في البشرية فيما سبق أكثر مما عندهم، وليس بعجب أن يكون عند بعض المتقدمين أكثر مما عند بعض المتأخرين، والله قال عن عاد مقارنة بقريش: مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْالأنعام من الآية 6 ، الله مكنهم في الأرض، مكَّن عاداً أكثر مما مكن قريش، وجعل لعاد وثمود قوة ليست عند قريش.
عباد الله: النتيجة إذا آتى الله الإنسان قدرة وقوة ما هو المطلوب؟ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّيالنمل: من الآية 40 أن يعترف لله؛ لِيَبْلُوَنِيالنمل: من الآية 40 ابتلاء، لماذا؟ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُالنمل: من الآية 40 ، والذي يشكر ماذا له؟ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌالنمل: من الآية 40 ، والله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الواحد القهار، ونُصِب العرش، وجُعِل عليه تغييرٌ، قال سليمان : نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ[ النمل: من الآية 41 تغيير معالم، وليس تغييراً كلياً، فلما سألت، وقد جاءت: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟النمل: من الآية 42 ما قالت هو، ولا قالت ليس هو، وإنما قالت: كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَالنمل: من الآية 42 ، وهكذا كانت الفطنة والنباهة منها، وكانت المفاجأة -أيضاً- لما رأت عرشها الذي تركته خلفها رأته أمامها لتستسلم تماماً، وتعلم الآن أن القضية ليست قضية بشرية؛ لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن آتى الله سليمان هذه القوة ما قدر على جلبه، وجُعل لها الصرح الممرد من قوارير -من الزجاج-، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَالنمل: من الآية 44 ، والماء العظيم، وهذا الزجاج الشفاف فوقه، كشفت عن ساقيها ظناً أن ثيابها ستبتل، فـقِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌالنمل: من الآية 44 أملس مِنْ قَوَارِيرَالنمل: من الآية 44 ، من زجاج؛ فلا حاجة لرفع الثياب، فاستسلمت تماماً، وعرفت الآن قدرة الله تعالى، فقالت عند ذلك مستسلمة قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالنمل: من الآية 44 ، ظلمت نفسها بماذا؟ بالشرك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌلقمان: من الآية 13 ، وهكذا -يا عباد الله- ينبغي علينا أن نستسلم لله الواحد القهار، وأن نعود إلى ربنا سبحانه، وأن نتوب إليه، وأن نعلم قدرته، وأنه القوي على كل شيء قدير، وأنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.
إنه درس عظيم في الدعوة إلى الله، إنه درس عظيم في تسخير الإمكانات لنشر دين الله، إنه درس عظيم في العزة أمام الكفار، وعدم الرضا بتقديم التنازلات والتساهلات، وإنما الإصرار على الحق، والثبات عليه، وهذا الذي يجعل الطرف الآخر يُعجب بما عندك من الحق، ويستسلم له.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا، ولا مفتونين، اللهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عن من سواك، نسألك رزقاً حسناً، وعافية في الدنيا والآخرة، أصلح نياتنا وذرياتنا، واجعل عيشنا طيباً يا سميع الدعاء، نعوذ بك من الغلاء والوباء، اللهم إنا نعوذ بك من الذلة والقلة، والعيلة والمسكنة، نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهم إنا نسألك حسن النية، وصلاح الذرية، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، اجعل سعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه أن تخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، اغفر لنا أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اغفر لوالدينا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
1 - رواه البخاري برقم (893)، ومسلم برقم (1829)
2 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (6/190)
3 - رواه أبو داود برقم (495)، وحسنه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (1/126) رقم (572)
4 - تفسير ابن كثير (3/360)
5 - بتصرف يسير من تفسير ابن كثير (3/263)
6 - رواه البخاري برقم (4425)
7 - رواه البخاري برقم (6806) بلفظه، ومسلم برقم (1031)
|