عرض مشاركة واحدة
قديم 04-12-2026, 10:40 PM   #106

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 447 الى صـــ 466
الحلقة (106)






إلى عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أُد بن طابخة فغلبت عليهم ونسبوا إليها، وزعم السمعاني أنهم بطن من تميم، ورده عليه ابن الأثير (١).
وعُرَينة -بضم العين المهملة، وفتح الراء- بطن من بجيلة، وهو ابن بدير أو ابن عزيز بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد، وأم عبقر بجيلة، قاله الرشاطي، ووقع في «شرح الداودي» أن قوله: عُكْل أو عُرَينة من شك الراوي، قَالَ: وعُكْل هم عرينة. وهو عجيب (٢).
فائدة:
عُكْل اشتقاق من عكلت الشيء إذا جمعته، قاله ابن دريد (٣)، وقال غيره: هو من عكل يعكل، إذ قَالَ برأيه، ورجل عكلي أي: أحمق.
منهم جماعة من الصحابة: خزيمة بن عاصم بن قطن بن عبد الله بن عبادة بن سعد بن عوف، أهمله أبو عمر.
والعرن في اللغة: حلة تصيبِ الفرس أو البعير في القوائم (٤).
رابعها:
كان عدد العرنيين ثمانية. وقيل: كانوا سبعة، أربعة من عرينة وثلاثة من عُكْل، فقيل: العرنيون؛ لأن أكثرهم كان من عُرينة، زعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة.

----------------
(١) «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٥١، ٣٥٢، وانظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٣٤.
(٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١١٥.
(٣) «الجمهرة» ٢/ ٩٤٦، مادة: (عكل).
(٤) انظر: «صحاح الجوهري» ٦/ ٢١٦٣، «لسان العرب» ٥/ ٢٩١٥.



خامسها:
(اجتووا) -بجيم ثم بمثناة فوق- استوخموها، كما جاء مصرحًا به في الرواية الأخرى (١).
وقال ابن قتيبة: اجتويت البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها (٢) إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، والأول أشبه (٣).
واللقاح: ذوات الألبان من الإبل، واحدها لِقحة بكسر اللام وفتحها، وأبوال الإبل التي ترعى الشيح والقيصوم، وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء.
سادسها:
هذِه اللقاح كانت لرسول الله - ﷺ - كما ثبت في «الصحيح»، وثبت فيه أيضًا أنها إبل الصدقة، ولعل اللقاح كانت له، والإبل للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن في شرب لبنها على هذِه الرواية؛ لأنها كانت للمحتاجين، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة، استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (٤).
قَالَ ابن بطال: وغرضه بهذا التبويب إثبات دفع الصدقة في صنف واحد ممن ذكر في آيات الصدقة خلافًا للشافعي، قَالَ: والحجة به قاطعة؛ لأنه - ﷺ - أفرد أبناء السبيل بالصدقة دون غيرهم (٥).

-----------------
(١) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة.
(٢) في الأصل: (استوبيتها)، والصواب ما أثبتناه كما في «غريب الحديث» لابن قتيبة ٢/ ٤١٠، «غريب الحديث» لابن الجوزي ١/ ١٧٩.
(٣) «غريب الحديث» لابن قتيبة ٢/ ٤١٠، وقد عزاه لأبي زيد.
(٤) سيأتي برقم (١٥٠١).
(٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٨.



قُلْتُ: للإمام ذَلِكَ وليس محل النزاع فاعلمه.
سابعها:
عدد هذِه اللقاح خمس عشرة غرًا (١) ذكره ابن سعد في «طبقاته» قَالَ: وفقد منها واحدة (٢). وكانت ترعى بذي الجَدْر: ناحية قباء قريبًا من عَيْر على ستة أميال من المدينة (٣).
ثامنها:
اسم هذا الراعي يسار -بمثناة تحت في أوله- وهو مولى رسول الله - ﷺ -، وكان نوبيًّا فأعتقه.
تاسعها:
استاقوا: حملوا، وهو من السوق، وهو السير السريع العنيف.
والنعم -بفتح النون والعين المهملة، يذكر ويؤنث على الأصح؛ سميت بذلك لنعومة بطنها، وهي الإبل. قيل: والبقر. قيل: والغنم. وأما الأنعام فيطلق على الكل.
عاشرها:
بعث في آثارهم كُرْز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا، قاله ابن سعد في «طبقاته» (٤). وفي «صحيح مسلم» وعنده شباب من الأنصار قريب من العشرين، فأرسل إليهم وبعث معهم قاصًّا يقص أثرهم (٥).
وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد، وقد أسلفنا أنه

-----------------
(١) ذكر في هامش الأصل ما نصه: لعله غزارًا.
(٢) «طبقات ابن سعد» ٢/ ٩٣.
(٣) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١١٤.
(٤) ٢/ ٩٣.
(٥) مسلم (١٦٧١/ ١٣) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.



بعث جريرًا أيضًا واستشكلناه.
الحادي عشر:
سمرت -بالميم المخففة وقد تشدد- أي: كحلت محماة، وفي البخاري في موضع آخر: ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها (١)، وفي معظم نسخ مسلم: فسمل باللام وتخفيف الميم، أي: فقأها، وقيل: بحديدة محماة.
وقيل: إن اللام والراء بمعنى، وإنما سمل أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة كما ثبت في «صحيح مسلم» (٢).
الثاني عشر:
الحرة: أرض تركبها (٣) حجارة سود (٤). قَالَ عبد الملك: تبعد من مسجد رسول الله.
الثالث عشر: في أحكامه وفوائده مختصرة:
الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإمام.
الثانية: نظر الإمام في مصالحهم، وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم.
الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب مالك وأحمد وقول

--------------------
(١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد، باب: إذا حرق المشرك المسلم.
(٢) «صحيح مسلم» (١٦٧١/ ١٤) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. وورد بهامش الأصل ما نصه: في أبي داود أيضًا والنسائي.
(٣) كذا بالأصل، وفي «أعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٩/ ١٣٩.
(٤) انظر: «صحاح الجوهري» ٢/ ٦٢٦، «معجم البلدان» ٢/ ٢٤٥، «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٦٥، «لسان العرب» ٢/ ٨٢٨.



الإصطخري وابن خزيمة والروياني من الشافعية (١)، وقيد ذَلِكَ المالكية بما إذا كانت لا تستعمل النجاسة، فإن كانت تستعملها، فإنه نجس على المشهور، وأجاب المخالفون وهم الحنفية، وجمهور الشافعية القائلون بنجاسة بوله وروثه: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات (٢).
واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة الشرب ما جاز التداوي بها؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاء هذِه الأمة فيما حرم عليها (٣)، وقد يجاب عن ذَلِكَ: بأن الضرورة جوزته.
وفي المسألة قول ثالث: أن بول كل حيوان وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير بول ابن آدم، وهو قول ابن علية وأهل الظاهر (٤) وروي مثله عن الشعبي، ورواية عن الحسن.
وظاهر إيراد البخاري يوافقه حيث ذكر الدواب مع الإبل والغنم.
وأما حديث جابر والبراء مرفوعًا: «ما أكل لحمه، فلا بأس ببوله»

--------------------
(١) انظر: «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٦٠، «عارضة الأحوذي» ١/ ٩٦، ٩٧، «عيون المجالس» ١/ ٢٠١، «المجموع» ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨، «الكافي» ١/ ١٨٤، «كشاف القناع» ١/ ٥٤٧، ٥٤٨.
(٢) انظر: «اختلاف الفقهاء» للمروزي ص ١٠٢، ١٠٣، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٢٥، ١٢٦، «بدائع الصنائع» ١/ ٨٠، ٨١، «روضة الطالبين» ١/ ١٦، «تبيين الحقائق» ١/ ٢٧، ٢٨.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». رواه البيهقي من رواية أم سلمة وصححه ابن حبان، وهو في البخاري … موقوف على ابن مسعود … مسلم … -عليه السلام - قال: «إنه ليس بدواء ولكنها داء». من رواية طارق وسويد … «إنما ذلك داء وليس بشفاء». رواه أبو داود وابن ماجه.
(٤) انظر: «المجموع» ٢/ ٥٦٧.



فضعيفان كما بينه الدارقطني وغيره (١).
وأما الحديث في غزوة تبوك، فكان الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده (٢)، وإسناده على شرط الصحيح، كما قاله الضياء، قَالَ ابن خزيمة: لو كان الفرث إذا عصره نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده.
قُلْتُ: قد يقال: إنه فعل للتداوي. وأما حديث ابن مسعود الآتي في باب إذا ألقي على ظهر المصلى قذرًا أو جيفة لم تفسد عليه صلاته (٣)، لا حجة فيه كما قَالَه ابن حزم، لأنه بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النَّجو

-----------------------
(١) حديث جابر رواه ابن عدي في «الكامل» ٩/ ٢٦، والدارقطني ١/ ١٢٨، وقال: لا يثبت، عمرو بن الحصين، ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوار بن مصعب أيضًا متروك، واختلف عنه، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره، والبيهقي في «الكبرى» ٢/ ٤١٣، وضعفه أيضًا، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ١٠١ (٨٥)، وحديث البراء رواه الدارقطني ١/ ١٢٨، وقال: إن فيه سوار بن مصعب فقلب اسمه وسماه: مصعب بن سوار، والبيهقي ٢/ ٤١٣، ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ١٠١ (٨٤). ولفظ الدارقطني من حديث البراء «لا بأس بسؤره». قال ابن الجوزي بعد ذكره لهذين الحديثين: فيهما مقال. وذكرهما ابن حجر في «التلخيص» ١/ ٤٣ (٣٧)، وقال: إسناد كل منهما ضعيف جدًا.
(٢) رواه من حديث عمر بن الخطاب البزار ١/ ٣٣١ (٢١٤)، والفريابي في «دلائل النبوة» (٤٢)، والطبري في «تفسيره» ٦/ ٥٠٢ (١٧٤٤٣، ١٧٤٤٤)، وابن خزيمة ١/ ٥٢ - ٥٣ (١٠١)، وابن حبان ٤/ ٢٢٣ (١٣٨٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٣٢٩٢)، والحاكم ١/ ١٥٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
والبيهقي ٩/ ٣٥٧، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ١٦٠ - ١٦١، والضياء في «المختارة» ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠ (١٦٨ - ١٦٩).
(٣) سيأتي برقم (٢٤٠) كتاب: الوضوء، باب: إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد صلاته.



والدم، قَالَ: فسار منسوخًا بلا شك.
وأما حديث ابن عمر: كانت الكلاب تقبل وتدبر (وتبول) (١) في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذَلِكَ (٢). فأجاب ابن حزم عنه: بأنه غير مسند؛ لأنه ليس فيه أنه - ﷺ - عرف ببول الكلاب في المسجد وأقره، فسقط الاحتجاج به (٣).
وأما حديث سويد بن طارق أنه سأل رسول الله (٤) [- ﷺ - عن الخمر فنهاه، ثم سأله، فنهاه فقال: يا نبي الله إنها دواء فقال: «لا، ولكنها داء» (٥).
وحديث أم سلمة مرفوعًا: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم

-------------------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) سبق برقم (١٧٤) كتاب: الوضوء، باب: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.
(٣)»المحلى«١/ ١٧١.
(٤) هنا بداية سقط كبير من النسخة (ج) سنشير إلى انتهائه والمعتمد لدينا النسخة الأصل.
(٥) رواه مسلم (١٩٨٤) كتاب: الاشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر.
وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وعبد الرزاق ٩/ ٢٥١ (١٧١٠٠)، وأحمد ٤/ ٣١١، وأبو عوانة ٥/ ١٠٧ (٧٩٧٩)، ٧٩٨٠)، (٧٩٨٢)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ١٠٨، وابن حبان في»صحيحه«٤/ ٢٣١، ٢٣٢ (١٣٨٩)، ورواه أيضًا ١٣/ ٤٢٩، ٤٣٠ (٦٠٦٥)، والطبراني ٨/ ٣٢٣ (٨٢١٢)، والدارقطني ٤/ ٢٦٥، والبيهقي ١٠/ ٤، وابن عبد البر في»الاستيعاب«٢/ ٢٣٦، ٢٣٧ ترجمة (١١٢٢) وقال: هكذا قال شعبة سويد بن طارق أو طارق بن سويد على الشك وقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سويد ولم يشك ولم يقل: عن أبيه. وقال الحافظ في»التلخيص" ٤/ ٧٤ - ٧٥، صححه ابن عبد البر.



عليكم» (١). قَالَ ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن في الأول: سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست بدواء، ولا خلاف بيننا في أن ما ليس دواء فلا يحل تناوله.
وفي الثاني: سلمان الشيباني، وهو مجهول (٢)، هذا لفظه، وليس كما ذكر فيهما.
أما الأول: فأخرجه مسلم في «صحيحه»، وكذا ابن حبان والحاكم.
والثاني: أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، ودعواه أن المذكور في إسناده سلمان وهم وإنما هو سليمان بزيادة ياء، وهو أحد الثقات، أكثر عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
الرابعة: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه - ﷺ - بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه أبو حنيفة وأثبته مالك والشافعي (٣).
الخامسة: شرعية المماثلة في القصاص، والنهي عن المثلة محمول على من وجب عليه القتل، لا على طريق المكافأة.

----------------------
(١) رواه أبو يعلى ١٢/ ٤٠٢ (٦٩٦٦)، وأحمد في «الأشربة» ١/ ٣٢ (١٥٩)، وابن أبي الدنيا في «ذم المسكر» ١/ ٢٢ (١٢)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٣ (١٣٩١)، والطبراني ٢٣/ ٣٢٦، ٣٢٧ (٧٤٩)، والبيهقي ١٠/ ٥ وقال الذهبي في «المهذب» ٨/ ٣٩٦٦: إسناده صويلح، وقال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٨٦: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» ١١/ ٢٠٤ (٢٥٠٠): صححه ابن حبان.
(٢) «المحلى» ١/ ١٧٥، ١٧٦.
(٣) «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ١٥١، «البيان» ١٢/ ٥٠١، «الكافي» ٥/ ٣٣٩.



وقال محمد بن سيرين: إن ذَلِكَ قبل أن تنزل الحدود (١) ذكره البخاري في حديث أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة (٢)، والنهي عن المثلة (٣).
وفي البخاري أيضًا عن قتادة أنه قَالَ: بلغنا أنه - ﷺ - بعد ذَلِكَ كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (٤)، لا جرم ادعى الشافعي نسخه، وكذا ابن شاهين (٥) والداودي، وتوقف فيه ابن الجوزي في «إعلامه» وقال: ادعاء النسخ يحتاج إلى التأريخ، والنهي عن المُثْلَة كان في أُحد سنة ثلاث.
السادسة: إن فعل الإمام بهم ذَلِكَ ليس من عدم الرحمة بل هو رحمة؛ لما فيه من كف اليد العادية عن الخلق.
السابعة: عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وهل (أو) فيها للتخيير أو للتنويع؟ قولان، وبالثاني قَالَ الشافعي، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الفروع.
الثامنة: جواز التطبب وأن يطب كل جسم بما اعتاد، وقد أدخله البخاري في الطب (٦)، وترجم عليه باب الدواء بألبان الإبل وأبوالها.

---------------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل.
(٢) المائدة: ٣٣: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
(٣) النمل: ١٢٦: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاِقبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبتْمُ بِهِ﴾.
(٤) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة.
(٥) «الناسخ والمنسوخ» ص ٤٢٠.
(٦) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل.



التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة (١) أو مستحبة خلاف مشهور، ورأيت من يجيب عن الحديث بأن هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب؛ لأنه يجب قتله، فلا معنى لها (٢).
العاشرة: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه قَالَ الشافعي ومالك وجماعة، وخالف فيه أبو حنيفة، ولابد من اعتراف القاتلين أو الشهادة عليهم (٣).
الحادية عشرة: سماهم أبو قِلابة سُرَّاقًا؛ لأنهم أخذوا النعم من حرز مثلها، وهو وجود الراعي معها ويراها أجمع، وإنما هم محاربون.
وقيل: كان هذا حكم من حارب حتى أنزل الله فيهم آية المحاربة، وهو يلزم مالكًا في مشهور قوله: إنه إذا قتل المحارب يتحتم قتله. ووقع له في «المختصر»: إذا أخذهم وقد قتلوا ولم يدر من قتله فالإمام مخير إن شاء قتلهم أو صلبهم (٤).
الثانية عشرة: قام الإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء، أنه لا يُمْنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان، وإنما لم يسقوا هنا معاقبة لجفائهم وكفرهم سَقْيِهم ألبان تلك الإبل، فعوقبوا بذلك فلم يسقوا؛ ولأنه - ﷺ - دعا عليهم فقال: «عَطّش الله من عَطّش آل محمد الليلة» أخرجه النسائي (٥) فأجيب دعاؤه، وأيضًا هؤلاء ارتدوا

------------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: الصحيح من مذهب الشافعى وجوبها.
(٢) انظر: «البيان» ١٢/ ٤٧، «الهداية» ٤/ ٤٥٨، «الإقناع» ٤/ ٢١٩.
(٣) انظر: «البيان» ١/ ٣٢٦، ٣٢٧، «الإقناع» ٤/ ٩٤.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٦٢.
(٥) النسائي ٧/ ٩٧، ٩٩، وقال الألباني في «ضعيف سنن النسائي» ١/ ١٦٠: ضعيف الإسناد.



فلا حرمة لهم.
ثم اعلم أن البخاري أيضًا ذكر هذا الحديث في باب: إذا حرق المشرك هل يحرق؟ (١) ووجهه أنه - ﷺ - لما سمل أعينهم، وهو تحريق بالنار، استدل به البخاري من أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار -ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة- أنه أولى بالجواز بتحريق المشرك إذا أحرق المسلم.
قَالَ ابن المنير: وكأن البخاري جمع بين حديث «لا تعذبوا بعذاب الله» (٢) وبين هذا، بحمل الأول على غير سبب، والثاني على مقابلة السبب بمثلها من الجهة العامة، وإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلا فما في هذا الحديث أن العُرنيين فعلوا ذَلِكَ بالرعاة (٣).
قُلْتُ: قد أسلفنا من عند مسلم (٤) أنهم فعلوا ذَلِكَ، وادعى المهلب أن البخاري لم يذكره، لأنه ليس من شرطه.
وفي الحديث أيضًا طاعة الرسول - ﷺ - فيما يأمر به، فإنه من طاعة الله تعالى، فإنه لما بعث في آثارهم سارعوا إليه، وكذا القطع والسمر فطاعة الإمام العدل واجبة، ولا يحتاج إلى التوقف على الموجب لذلك. وسئل مالك عن القسامة في القتل فضعفها، وقال: لم يتقدم الفعل بها، ثم ذكر الحديث في الحرابة.

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد والسير.
(٢) سيأتي برقم (٣٠١٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله.
(٣) «المتواري» ١٦٩ - ١٧٠.
(٤) مسلم (١٦٧١/ ١٤) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: حكم المحاربين والمرتدين.



الحديث الثاني:
حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. ثم سمعته بَعْدُ يقول: كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم.
هذا الحديث أخرجه في باب الصلاة في مرابض الغنم أيضًا (١)، وأخرجه مسلم هناك (٢).
ومرابض الغنم: مباركها ومواضع مبيتها، ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة. قَالَ ابن دريد: ويقال ذَلِكَ أيضًا لكل دابة من ذوات الحافر والسباع (٣). وقال ابن سيده: هو كالبروك للإبل والأصل للغنم (٤).
وقد يستدل به من يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد ينازع فيه. نعم، فيه الصلاة في مرابض الغنم ولا كراهة فيها بخلاف أعطان الإبل، وقد قَالَ - ﷺ -: «إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل».
رواه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال: حسن صحيح (٥).
وقال البيهقي: وقفه أصح (٦).
وللحاكم في: «تاريخ نيسابور» من حديث أبي حيان، عن أبي

---------------------
(١) سيأتي برقم (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مرابض الغنم.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٥٢٤) كتاب: المساجد، باب: ابتناء مسجد النبي - ﷺ - وورد بهامش الأصل ما نصه: من خط المصنف: وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح.
(٣) «الجمهرة» ١/ ٣١٤.
(٤) «المحكم» ٨/ ١٣١، ١٣٢، مادة: (ربض).
(٥) «سنن الترمذي» (٣٤٨). قال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
(٦) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٤٩، ٤٥٠.



زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلُّوا في مرابضها»، وللبزار في «مسنده»: «أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى» (١).
وفي حديث عبد الله بن المغفل (٢): «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين» (٣) وفي لفظ: «فإنها جن خلقت من جن، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ

----------------------
(١) رواه البزار كما في»كشف الأستار«(١٣٢٩). قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا سعيد بن محمد ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في»المجمع«٤/ ٦٦: رواه البزار وأعله بسعيد بن محمد ولعله الوراق، فإن كان هو الوراق فهو ضعيف.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث ابن مغفل في النسائي، وابن ماجه وهو في»المسند«مطولًا.
(٣) أخرجه النسائي مختصرًا ٢/ ٥٦، وابن ماجه (٧٦٩)، وأحمد ٤/ ٨٥، والشافعي في»مسنده«١/ ٦٧، والطيالسي ٢/ ٢٣٠ (٩٥٥)، وعبد الرزاق»مصنفه«١/ ٤٠٩ (١٦٠٢)، وابن أبي شيبة في»مصنفه«١/ ٣٣٧ (٣٨٧٧)، وعبد بن حميد في»المنتخب«١/ ٤٥٠ (٥٠٠)، والروياني في»مسنده«٢/ ٩٨ - ٩٩ (٨٩٨)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٣٨٤، وابن حبان في»صحيحه«٤/ ٦٠١ (١٧٠٢)، وابن عبد البر في»التمهيد«٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، من طرق عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل.
وقال ابن عبد البر في»التمهيد«٢/ ٣٣٣: حديث عبد الله بن مغفل متواتر، رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح.
وقال الهيثمي في»المجمع«٢/ ٢٦: رواه أحمد والطبراني، وقد رواه ابن ماجه
والنسائي باختصار، ورجال أحمد ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بقوله: حدثنا.
وقال البوصيري في»زوائده«١٣١: رواه أبو داود من حديث البراء بن عازب وإسناد ابن ماجه فيه مقال وقال ابن أبي حاتم في»المراسيل«١/ ٤٥ (١٥١): حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن مغفل -يعني: عبد الله بن مغفل-.
وقال الألباني في»الثمر المستطاب" ١/ ٣١٧: إسناده صحيح.



بأنفها» (١)، وقال في الغنم: «فإنها سكينة وبركة» (٢).
وروي الفرق بينهما من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وفي «الصحيح» في حديث رافع بن خديج: «إن لهذِه الابل أوابد كأوابد الوحش» (٣).
قَالَ ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم، على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، إلا الشافعي فإنه قَالَ: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وممن روينا عنه إجازة ذَلِكَ، وفعله ابن عمر (٤) وجابر (٥) وأبو ذر (٦) و(ابن الزبير) (٧) والحسن

--------------------
(١) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٦٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩.
(٢) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٦٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩.
(٣) سيأتي برقم (٥٥٠٣) كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما أنهر الدم …، ورواه مسلم برقم (١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام.
(٤) روي عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٦) لكنه في المطبوع بدار الكتب العلمية عن عمر وهو غير صحيح. ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨. من طريق ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
(٥) روي عن جابر هو ابن سمرة كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٢) ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨، وروي عنه مرفوعًا كما عند مسلم (٣٦٠) كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل مطولًا، وابن ماجه (٤٩٥) مختصرًا، وأحمد ٥/ ٨٦، والطيالسي بنحوه ٢/ ١٢٦ (٨٠٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ١٢٩ (١٤٥٥، ١٤٥٦، ١٤٥٧)، وابن الجارود (٢٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٦ - ١٨٧، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٣، وابن خزيمة ١/ ٢١، كلهم عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٣)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨.
(٧) في الأصل: الزبير، والصواب ابن الزبير كما رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٨، وابن المنذر ٢/ ١٨٨.



وابن سيرين (١) والنخعي (٢) وعطاء (٣).
وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي؛ لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر. والبول، فدل على الإباحة وعلى طهارة البول والبعر (٤).
قُلْتُ: الشارع قد علل عدم الكراهة فيها بغير ذَلِكَ كما سلف، إذ أعطان الإبل غالبًا لا تسلم من ذَلِكَ والكراهة باقية.
فرع:
قَالَ ابن المنذر: تجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لعموم قوله: «أينما أدركتك الصلاة فصلِّ» (٥) وهو قول عطاء (٦) ومالك (٧).
قُلْتُ: قد ورد ذَلِكَ مصرحًا به، ففي «مسند عبد الله بن وهب المصري» عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه، عن ابن المغفل: نهى النبي - ﷺ - أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح البقر والغنم (٨).

-----------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٠٧ (١٥٩٤) وانظر: «الأوسط» ٢/ ١٨٧.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨٣.
(٥) سيأتي برقم (٣٣٦٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: (١٠).
(٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤١٠ (١٦٠٥).
(٧) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٢٣.
(٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: في سنده مجهول وفي «المسند» ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، عن حي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر. [المسند: ٢/ ١٧٨].



٦٧ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فيِ السَّمْنِ وَالْمَاءِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا. وقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. [فتح: ١/ ٣٤٢]

٢٣٥ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «ألقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ». [٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠ - فتح: ١/ ٣٤٣]

٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «خذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ». قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. [انظر: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٣٤٣]

٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ». [٢٨٠٣، ٥٥٢٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٣٤٣]
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ).


وهذا رواه عنه عبد الله بن وهب في «جامعه» فيما حكاه ابن عبد البر يونس عنه (١)، وإنما ذكره البخاري من قول هذا الإمام؛ لأنه روي في حديث أبي أمامة الباهلي وغيره، وإسناده ضعيف (٢). نعم، هو إجماع
---------------------
(١) «التمهيد» ١/ ٣٢٧.
(٢) روي هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن أبي أمامة، والثانية: عن ثوبان، أما طريق أبي أمامة فقد وردت من طريقين أيضًا: أحدهما: مسندة، رواه ابن ماجه (٥٢١) من طريق مروان بن محمد عن رشدين، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة مرفوعًا: قال: «إن الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه».
والطبراني في «الكبير» ٨/ ١٠٤ (٧٥٠٣) من طريق مروان بن محمد به مثله دون قوله «لونه»، وفي «الأوسط» ١/ ٢٢٦ (٧٤٤) من طريق محمد بن يوسف، عن رشدين به سواء، وقال: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين، تفرد به محمد بن يوسف، قلت: بل تابعه مروان بن محمد، عن رشدين كما عند ابن ماجه والطبراني كما سبق ذكره أنفًا.
ورواه الدارقطني في «سننه» ١/ ٢٩ من طريق محمد بن يوسف عن رشدين به، وقال لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي، والصواب في قول راشد، ورواه البيهقي ١/ ٢٥٩، ٢٦٠ أيضًا من طريق مروان بن محمد، عن رشدين به دون لفظ «لونه» رواه بلفظ: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» من طريق آخر عن مروان بن محمد.
ثم رواه من طريق بقية بن الوليد وحفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة بمثل حديث ابن ماجه، ثم وجدته عند ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧ من طريق حفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة به دون قوله: «لونه». وقال: هذا الحديث ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمرو، ورواه الأحوص بن حكيم مع ضعفه عن راشد بن سعد عن النبي - ﷺ - مرسلًا ولم يذكر أبا أمامة. اهـ.
قلت: أما قوله ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمرو فغير صحيح، فقد رواه البيهقي كما سبق من طريق بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد. =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ورواه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٤١ من طريق الدارقطني وأشار إلى ضعفه.
وذكره النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٦٩ تحت الضعيف في أحاديث الباب، وقال: والضعيف في أحاديث الباب، وقال: الضعف في الاستثناء فقط، وأوله صحيح. وقال في «المجموع» ١/ ١٦٠: وأما الحديث الذي ذكره المصنف -يقصد حديث أبي أمامة- فضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقد رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي أمامة وذكرا فيه طعمه أو ريحه أو لونه واتفقوا على ضعفه ونقل الإمام الشافعي -رحمه الله- تضعيفه عن أهل العلم بالحديث وبَيّن البيهقي ضعفه، وهذا الضعف في آخره وهو الاستثناء.
وقال ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٤٠١: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف. وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٧٧: رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف.
ثانيها: مرسلة. رواها عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٨٠ (٢٦٤) من طريق الأحوص بن حكيم، عن عامر بن سعد، عن النبي - ﷺ - به.
وقوله عامر بن سعد. مخالف لباقي الروايات الأخرى فقد جاء عن راشد بن سعد كما في الحديث الموصول عن أبي أمامة. وهو عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٦، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٨، وقال: مرسل، ووقفه أبو أسامة على راشد.
ورواه أيضًا من طريق آخر ١/ ٢٧. وقال: لم يجاوز به راشدًا، وقال البيهقي في «سننه» ١/ ٢٦٠: ورواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد مرسلًا، ورواه أبو أسامة عن الأحوص، عن ابن عون، وراشد من قولهما والحديث غير قوي ثم ذكر بإسناده إلى الشافعي تضعيفه للحديث.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٤٤: سألت أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد فقال أبي: يوصله رشدين بن سعد. يقول عن أبي أسامة، عن النبي - ﷺ - ورشدين ليس بالقوي والصحيح مرسل.
ورواه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٤١ من طريق الدارقطني به سواء، وقال: هذا لا يصح.
وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٦٤٤): وبالجملة فالحديث ضعيف؛ لعدم وجود =



كما نقله الإمام الشافعي، حيث قَالَ: وما قُلْتُ من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه (١) كان نجسًا، فيروى عن النبي - ﷺ - من وجهٍ لا يُثبت أهل الحديث مثله، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه خلافًا (٢).
قَالَ ابن بطال: وقول الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي، ومذهب أهل المدينة، وهي رواية أبي مصعب، عن مالك، وروي عن ابن القاسم: أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، وإن لم يظهر فيه (٣)، وهو قول الشافعي.
قَالَ المهلب: وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان والكراهية لعين النجاسة وإن قلَّت (٤).
قَالَ البخاري: وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.

--------------------
= شاهد معتبر له تطمئن النفس إليه، فإن مدار الحديث على راشد بن سعد كما رأيت، وقد اختلف عليه، فمنهم من رفعه عنه، ومنهم من أوقفه عليه، وكل من المسند والمرسل ضعيف لا يحتج بحديثه، على أنه لو كان المرسل ثقة، لكان أرجح من المسند ولكان علة قادحة في الحديث، فكيف ومرسله ضعيف؟!
أما طريق ثوبان فأخرجه الدارقطني في «سننه» ١/ ٢٧ من طريق مروان بن محمد عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه».
وضعفه ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٦٤٤): حديث ثوبان لا يصح جعله شاهدًا لحديث أبي أمامة؛ لأن مدارهما على رشدين كما عرفت، وهو من ضعفه جعله مرة من حديث هذا ومرة من حديث هذا.
(١) كذا بالأصل، وصوابه كما في «اختلاف الحديث» وغيره من الكتب: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه.
(٢) «اختلاف الحديث» ص ٧٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٧٧.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٩.



وهذا رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، عن معمر، عن حماد بن أبي سليمان أنه قَالَ: لا بأس بصوف الميتة، ولكنه يغسل، ولا بأس بريش الميتة (١).
وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا؛ لقوله في عظام الفيل بناء على أصله أن لا روح فيها، وعند مالك والشافعي نجسة.
وقال ابن حبيب: لا خير في ريش الميتة؛ لأنه له سَنَخ، أما ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه، فلا بأس به إذا غسل (٢).
قَالَ ابن المنير: ومقصود البخاري بما ترجم له أن المعتبر في النجاسات الصفات، فلما كان ريش الميتة لا يتغير بتغيرها؛ لأنه لا تحله الحياة طَهُر، وكذلك العظام، وكذا الماء إذا خالطه نجاسة ولم تغيره، وكذلك السمن البعيد عن موضع الفأرة، إذا لم يتغير (٣)، كما ساقه البخاري بعد.
وقال ابن بطال: رواية ابن القاسم، عن مالك أن قليل الماء ينجس وإن لم يتغير؛ يستنبط من حديث الفأرة فإنه - ﷺ - منع من أكل السمن لما خشى أن يكون سرى فيه من الميتة المحرمة، وإن لم يتغير لون السمن أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه (٤).
قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ به بَأْسًا.

-----------------------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٧ (٢٠٦).
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٣) «المتواري» ص ٧٢، ٧٣.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٩.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* مفهوم اليقين في القرآن الكريم
* مسيرة القرآن في تلمسان
* فرية اللحن في القرآن
* أسماء سورة فاتحة الكتاب
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله
* الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس