عرض مشاركة واحدة
قديم 04-10-2026, 11:58 AM   #4

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

من وسائل الثبات على دين الله تعالى:


محمد بن عبدالله العبدلي

(4) قراءة القرآن وحفظه وتدبره والعمل به


اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل، وهو حبله المتين، من تمسَّك به نجا، ومن أعرض عنه وهجره وتركه ضلَّ وغوى، وإن من أعظم الوسائل التي تثبِّت الإنسان- بإذن الله عز وجل- هو تلاوة كتابه وحفظه وتدبره والعمل به، فإذا كانت الأجسام تحتاج للأكل والشرب لتستمر في الحياة، فإن كلام الله عز وجل هو غذاء الروح والقلب، وهذا الذي يجعل الإنسان يثبت في زمن الفتن والشهوات والمغريات، حين يكون دائم الصلة بكلام الله عز وجل.

وقد أشار الله عز وجل إلى هذه الحقيقة في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32]، بيَّن الله عز وجل في هذه الآية حقيقة عظيمة؛ وهي: أن التنزيل المفرق للقرآن كان لغاية تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بقلوبنا نحن الضعيفة؟

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2]، قال العلامة السعدي رضي الله عنه: "﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: 2]، ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع، ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان.

﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ وحده لا شريك له ﴿يَتَوَكَّلُونَ؛ أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ذلك"[1].

أيها المبارك الساعي للثبات على هذا الدين، اجعل كلام الله عز وجل رفيقك وصاحبك وصديقك:
- القرآن الكريم هو التثبيت: تلاوة القرآن الكريم بتدبر تُغذي الروح باليقين، وتُرسخ الإيمان في القلب، وتُزيل الشكوك والشبهات، قال الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله: "وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه"[2].

- القرآن الكريم فيه القدوة:لكونه يحتوي على قصص الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهي قصص فيها ثبات وصبر على الأذى، فدراستها والتأسي بها تُعلمك كيفية مواجهة الابتلاءات والمحن بالصبر والثبات.

- القرآن الكريم للعمل: الثبات الحقيقي لا يكون إلا بالعمل بما في القرآن الكريم، فمن عمل بأحكامه، ووقف عند حدوده، كان القرآن له إمامًا وقائدًا إلى الجنة، وسببًا لثباته في هذه الحياة على الحق والهدى.

- والقرآن الكريم أعظم الذكر، وأعظم ما يبعث الطمأنينة في النفس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28].

- والقرآن الكريم يربط الإنسان بالآخرة، يذكره بالموت والبعث والحساب، وأنه مسؤول عن مثقال الذرة، وفيه ذكر الجنة والنار وأوصافهما، فهذا يجعل الإنسان خائف من الله تعالى، ثم مما أعد للعاصين في نار جهنم، ويطمع في رضى الله عز وجل وما يوصله إلى الجنة التي نعيمها لا ينقطع، وفيها ما لا عين رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب رجل.

- القرآن الكريم يعرفك بالله عز وجل: فتقرأ في القرآن الكريم صفات الله عز وجل وعظمته، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيجعل المؤمن يعيش في رقابة دائمة لله عز وجل، السميع البصير، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهذا يبعث على الثبات والرقابة لله عز وجل، فالله الله لا يراك الله عز وجل حيث نهاك، ولا تجعله عز وجل أهون الناظرين إليك.

أيها الأخ الفاضل، لا تتأخر عن وِرْدك اليومي من القرآن الكريم، فإنه الزاد الحقيقي، وأعظم مثبت على الحق والهدى، فـ«خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»[3]، و«إن أفضلكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه»[4]، فبادرْ لوردك منه قبل أن يُحال بينك وبينه، فإن القرآن الكريم هو الذي يثبِّتك في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

فكل آية تستطيع حفظها وتدبرها اجعل لك فيها نصيبًا، لا تتردد أنت في زمن تحتاج لما يثبتك، جاهد نفسك فأنت بحاجة إلى اغتنام الوقت بما يعود لك فيه بالخير، فإذا ذهبت الدقيقة والساعة من وقتك يستحيل رجوعها، وهكذا الأعمار تمضي، والسعيد من اغتنم وقته في الخير.

وفقني الله وإياكم لتلاوة القرآن حق تلاوته، والعمل به، وثبَّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

والحمد لله رب العالمين.
[1] تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) (ص: 315).

[2] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) (ص: 235).

[3] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (5027).

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (5028).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيميوطيقا العوالم الممكنة ( التخييل السردي نموذجا )
* حديث: إسلام غيلان بن سلمة وله عشر نسوة
* فصول في ظلال السيرة النبوية
* تفسير سورة آل عمران
* الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال
* اسم الله (الرازق)
* الحصول على الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس