عرض مشاركة واحدة
قديم 03-17-2026, 11:15 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي استشعار معنى العبادة

      

استشعار معنى العبادة

أ. د. عبدالله بن ضيف الله الرحيلي

الحمد لله، والصلاة والسلام على النبي المجتبى محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعـــد:
فإن الصوم ليس جوعًا وعطشًا، وإنما هو إيمانٌ وتهذيبٌ للخُلُقِ والسلوك.

وإن من السلوك الذي ينبغي أنْ يظهر في الصائم: استشعارَ معنى العبادة.

وهو أمْرٌ في غاية الأهمية لقبول العبادة، ولاستفادة العابد مِن عبادته.

وهذا المعنى هو حياة العبادة، وهو الذي يُعطِيها قيمتَها، وهو الذي يرفعها، أو يَضعها.

وهو مما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لجبريل: (الإحسان أنْ تَعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُن تراه فإنّه يراك)!.
(كأنك تراه) هذا هو الإحسان في العبادة.

ولاحظْ قوله صلى الله عليه وسلم بعده: (فإنْ لم تكُن تراه فإنّه يراك)!.

إنّ الإيمان بالله تعالى حقًا هو أن تعملَ له كأنك تراه، فإنْ لم تستشعر هذا الإيمان فينبغي أن تتذكّر أنّ الله سبحانه يراك!.

ولا شك في أنّ هذا سيكون له أثرٌ وأَيُّ أثرٍ في العبادة.

إنّ الاتجاه إلى العبادة ينبغي أن يكون مذكِّرًا للإنسان بالمعبود سبحانه، وأن يُذكّر الإنسان بقيمة العبادة هذه، وعندها سيكون لها طعمها.

والعبادات المتكررة في شهر رمضان هي: الصيام، والصلوات، وقراءة الكتاب العزيز، والأذكار، والصدقة، والقيام، والاعتكاف، والكلمة الطيبة.

وجميع هذه العبادات تستمد قيمتَها مِن حضور النية والقلب فيها، واستشعار ما فيها مِن معاني التعبد لله رب العالمين.

ولا تخلو أن تكون هذه العبادات فعْلًا يقوم به الإنسان لله، أو عملًا يتركه الإنسان لله سبحانه.

وفي مراحل كلِّ عملٍ مِن أعمال العبادة تحتاج استحضار هذه المعاني.

فالصيام، مثلًا، ينبغي للصائم الراغب في قبول الله لصومه، والراغب في أن يتقرب إلى ربه بصومه أن يستحضر هذه النية في بداية الصيام، ويَثْبت على ذلك حتى ينتهي مِن صيامه، لا أن يقتصر على مجرّد الامتناع عن الطعام والشراب والمفطرات المحسوسة فقط.

والصلاة يقال فيها ما قيل في الصيام، أيضًا.

ولقد ذكّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المعاني كثيرًا، وبصورةٍ مؤكَّدةٍ؛ وإليكم أيها الإخوة المستمعون والمستمعات بعض الأمثلة مِن الأحاديث النبوية هذه:
أخرج مسلم في صحيحه عن عُثْمَانَ، أنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ -مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً- وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)، مسلم، 228، الطهارة.

وأخرج مسلم أيضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)، مسلم، 234، الطهارة.

وأخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: (يَا فُلانُ! أَلا تُحْسِنُ صَلاتَكَ! أَلا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي! فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ!...)، مسلم، 423، الصلاة.

وأخرج مسلم في صحيحه عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلا أَرْبَعُ سِنِينَ. مسلم، 3027، التفسير.

وعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشَّعُ، وَتَضَرَّعُ، وَتَمَسْكَنُ، وَتَذَرَّعُ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ- يَقُولُ تَرْفَعُهُمَا - إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا)، وفي رواية: (مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ)، الترمذي، 385، الصلاة.

هذه الأحاديث أمثلة بشأن استشعار معنى العبادة مِن خلال ما ورد بشأن الصلاة، وهي - كما ترى - أمثلة واضحةٌ مؤكِّدةٌ على هذا المعنى.

وفي القيام في الصلاة معانٍ، وفي القراءة معانٍ، وفي الركوع معانٍ، وفي السجود معانٍ، وفي ألفاظ الصلاة معانٍ، وكلما كان المصلِّي متذكِّرًا مستشعرًا لها مخبِتًا خاشعًا فيها كانت صلاته عبادةً مقرِّبةً له إلى ربه ومولاه سبحانه.

وعلى الصلاة قِسْ بقية العبادات.

وإني أسأل الله تعالى أن يوفّق كل صائمٍ وصائمة إلى مراعاة هذا المعنى في عباداتهم، ويحاسبوا عليه أنفسهم طوال شهرِ رمضان؛ ليكون هذا صفةً لهم ثابتةً؛ فلا تزول بانتهاء رمضان؛ وليكون لعبادتهم معنى التعبد للمعبود سبحانه.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.





اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد
* لماذا نحرص على رمضان؟
* أحكام الاعتكاف في المسجد
* من سلسلة أحاديث رمضان حديث: من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين
* صيام التطوع
* ابن تيمية في محراب العبادة
* نفحة من بغداد: عالم يحاسِب نفسه

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس