عرض مشاركة واحدة
قديم 03-15-2026, 12:18 PM   #60

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 31الى صــ 45
الحلقة (60)



في وجوه القوم مِن تعجُّبهم لسرعته، فقال: ذكرتُ وأنا في الصلاة تِبرًا (١) عندنا؛ فكرهتُ أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرتُ بقسمته» (٢).

التعجيل بأدائها قبل الحول
يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول؛ لما ثبت عن علىّ -رضي الله عنه- «أنّ النّبيّ - ﷺ - تعجَّل من العبّاس صدقته سنتين» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨٥): «وأمّا تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب؛ فيجوز عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ...».

مَن أحَبَّ تعجيل الزكاة من يومها (٤)
عن عقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - العصر فأسرَع، ثمّ دَخل البيت فلم يلبث أنْ خرج، فقلت أو قيل له، فقال: «كنت خَلَّفْتُ في البيت تِبرًا من الصدقة فكرهت أن أبيِّته، فقسَمْته» (٥).

------------------
(١) قال في «النهاية»: «التِّبر: هو الذهب والفضة قبل أن يُضربا دنانير ودراهم، فإِذا ضُربا كانا عينًا، وقد يطلق التِّبر على غيرهما من المعدنيّات؛ كالنحاس والحديد والرصاص وأكثر اختصاصه الذهب ...».
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٢١.
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٥٢)، وحسنه شيخنا في «الإرواء» (٨٥٧).
(٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري».
(٥) أخرجه البخاري: ١٤٣٠، وتقدّم.


عدم ذهاب السُّعَاة لجمع الأموال الباطنة ويتولّى الرجل تَفْرِقة أمواله الباطنة بنفسه
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدّم وفيه: «... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه».
واعلم -رحمك الله- أنّه قد ورَد عدد من النصوص؛ فى ذَهاب السعاة لتحصيل زكاة الأموال الظاهرة من الحيوان: الإِبل والبقر والغنم، ومن الحبوب: البرُّ والشعير، ومن الثمار: النخل والعنب.
أمّا الأموال الباطنة؛ كالذهب والفضة والركاز، فالناس مؤتمنون عليها ولم يثبت إِرسال النّبيّ - ﷺ - المصدّقين لتحصيلها.
قال شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ٣٨٣) في مناقشة السيد سابق -رحمهما الله تعالى (١) -:
«لم أجِدْ في السُّنّة أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة -وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه- ولا وجدْتُ أحدًا من المحدّثين ذكَر ذلك.
بل صرَّح ابن القيّم بنفي ذلك، بل إِنّه نفى أن يكون البعث المذكور؛ في

---------------------
(١) وذلك في قوله:»كان رسول الله - ﷺ - يبعث نُوّابه ليجمعوا الصدقات ويوزعها على المستحقّين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، فلمّا جاء عثمان سار على هذا النهج زمنًا، إِلا أنه لمّا رأى كثرة الأموال الباطنة، ووجَد أنّ في تتبعها حرجًا على الأمّة، وفي تفتيشها ضررًا بأربابها؛ فوَّض أداء زكاتها إِلى أصحاب الأموال".


الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه، حيث قال في «الزاد»:
«كان - ﷺ - يبعث سعاته إِلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إِلى القرى، ولم يكن من هديه - ﷺ - أن يبعث سعاته إلاَّ إِلى أهل الأموال الظاهرة؛ من المواشي والزروع والثمار».
ولو صحّ ما ذكَره المؤلف؛ لكان دليلًا من السّنّة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمّل.
وقال أبو عبيد (رقم ١٦٤٤): «سُنّة الصامت (١) خاصّة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه».
لم أجده كذلك عن الخلفاء الثلاثة، بل روى أبو عبيد (رقم ١٨٠٥)، والبيهقي (٤/ ١١٤) عن أبي سعيد المقبري، قال:
«أتيتُ عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي -قال: وأتيته بمائتي درهم- فقال: أعَتَقْت يا كيسان؟ فقلت: نعم، فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها». إِسناده جيد.
فهذا عمر -رضي الله عنه- قد أولى تفريق الزكاة إِلى صاحبها خلافًا لما نقَله المؤلف عنه، وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ «باب الرجل يتولّى تفريق زكاة ماله الباطنة بنفسه».
ما نقله عن عثمان أنّه سار على ذلك النّهج ... إِلخ. لم أجد له أصلًا في شيء من كتب الآثار، ولا ذَكَره أحد من أئمّة الحديث -فيما علمت-.

--------------------
(١) الذهب والفضَّة؛ خلاف الناطق وهو الحيوان. «النهاية».


والظاهر أنّ المؤلف نقَله -وكذا ما قبله- من بعض كتب الفقه أو غيرها؛ التي لا تتحرّى الثابت مما يُروى». والله أعلم.

الأموال التي تجب فيها الزكاة
تجب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، والزروع، والثمار والمواشي والركاز (١).

زكاة النقدين الذَّهب والفضّة
ما جاء في الترهيب من كنز الذّهب أو الفضّة وعدم إِخراج زكاتها:
قال الله تعالى: ﴿والذّين يكنزون الذّهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنَّم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كَنَزْتُم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون﴾ (٢).

نصاب الذهب ومقدار الواجب فيه؟
نصاب الذهب عشرون دينارًا (٣). وفيه ربع العشر.

-------------------
(١) الركاز لغة: المعدن والمال المدفون، وشرعًا: دفين الجاهلية وسيأتي تفصيله بإِذن الله -تعالى-.
(٢) التوبة: ٣٤ - ٣٥.
(٣) الدينار = ٤.٢٥ غرامًا كما تقدّم. عشرون دينارًا = ٤.٢٥×٢٠ = ٨٥ غرامًا، وانظر «فقه الزكاة» (١/ ٢٦٠) للدكتور يوسف القرضاوي.



عن عليّ -رضي الله عنه- قال: «... فإِذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول؛ فعليها خمسة دراهم، وليس على شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإِذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار» (١).
وعن ابن عمر وعائشة: «أن النّبيّ - ﷺ - كان يأخذ من كل عشرين ديناراَّ فصاعدًا، نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا، دينارًا» (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٢): «وأمّا نصاب الذهب؛ فقد قال مالك في»الموطأ«: السُّنّة التي لا اختلاف فيها عندنا: أنَّ الزكاة تجب في عشرين دينارًا؛ كما تجب في مائتي درهم.
فقد حكى مالك إِجماع أهل المدينة، وما حُكي خلافٌ؛ إِلا عن الحسن أنه قال: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا. نقَله ابن المنذر».
فائدة: سُئل شيخنا -رحمه الله- هل يخرج زكاة ذهبه نقدًا أم منه نفسه؟
فأجاب -رحمه الله-: «الأصل إِخراج الذهب منه، وإخراج النقود لما لا

--------------------
(١)»صحيح سنن أبي داود«(١٣٩١).
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٤٨)، وصححه شيخنا في»الإِرواء«(٨١٣).
(٣) رواه أبو عبيد وهو صحيح بشواهده، وانظر»الإرواء" (٨١٥).



ينفكّ عنه. وتُراعى المصلحة في الأمر (١)، كأمر نقْل الزكاة (٢)«.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: ماذا تفعل إِذا كان عندها ذهب ولا مال معها لإِخراج الزكاة؟ فقال: تبيع منه».

نصاب الفضة ومقدار الواجب
نصاب الفضة مائتا درهم وفيها ربع العُشر (٣).
عن عليّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (٤) من كلّ أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» (٥).
وعن أنس «أنّ أبا بكر -رضي الله عنهما- كَتَب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إِلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله - ﷺ - على المسلمين؛ والتي أمَر الله بها رسوله ...» وفيه: «وفي الرّقَة

------------------
(١) يعني: إِخراجه من الذهب أم من النقود.
(٢) يعني: كما تراعى المصلحة في نقل الزكاة وعدمها.
(٣) وربع العشر = ١×٤٠ = ٢.٥%.
(٤) قال الخطابي: هي الدراهم المضروبة أصْلها الوَرِق حُذفت الواو وعُوِّض عنها الهاء كعِدَة وزِنَة.»عون«(٤/ ٣١٦).
وجاء في»الفتح«(٣/ ٣٢١):»الرّقَة: -بكسر الراء وتخفيف القاف- الفضّة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة«.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٩٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٥٠٦).



رُبْع العُشر» (١).

زكاة العملات الورقيّة والمعدنية
«والعملات الورقيّة والمعدنية المتعامل بها اليوم؛ حُكمها حُكم النقدين: الذهب والفضة، فينظر إِلى ما يقابلها من النقدين، فإِن بلغت قيمتها عشرين مثقالًا، أو مائتي درهم، وحال عليها الحول، زُكّيت» (٢).

زكاة الدَّيْن
الدَّيْن دَيْنَان:
١ - دَيْن يرجى رجوعه، والراجح أنّه يلزمه إِخراج الزكاة في الحال؛ لأنّه قادر على أَخْذِه والتصرُّف فيه.
٢ - دين لا يُرجى رجوعه، لعُسرٍ ألمَّ بصاحبه، أو جحودٍ أو مماطلة، فهذا لا تجب فيه الزكاة.
وإذا قبضَه يزكّي عن كلّ ما مضى؛ لأنه حقٌّ متعلّق بالعباد.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ليس في الدَّيْن زكاة» (٣)

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٥٤.
(٢) عن «تبيين المسالك» (٢/ ٧٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٨٤).



وعنها قالت: «ليس فيه زكاة حتى يقبضه» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- في الدين الظَّنون (٢) «إِنْ كان صادقًا فليزكّه إِذا قَبضه، لِما مضى» (٣).

زكاة الحُليّ
اختلف العلماء في هذه المسألة وهناك آثار تفيد إِخراج الزكاة عنها، وأخرى تفيد عدم الإِخراج؛ ذكَرها ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٤).
زكاة الحُلي واجبة لعموم الآيات والأحاديث الآمرة بالزكاة، ولا دليل على الاستثناء.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠): «... صحّ عن النّبيّ - ﷺ - إِيجاب الزكاة في الذهب عمومًا؛ ولم يخصّ الحُلي من سقوط الزكاة فيه؛ لا بنصّ ولا بإِجماع، فوجبت الزكاة بالنّصّ في كلّ ذهب وفضّة.
وخصّ الإِجماع المتيقّن بعض الأعداد منهما وبعض الأزمان، فلم تجب الزكاة فيهما؛ إلاَّ في عدد أوجبه نصٌّ أو إِجماع، وفي زمان أوجبه نصٌّ أو إِجماع، ولم يُجز تخصيص شيء منها؛ إِذ قد عمَّهما النصّ؛ فوجَب أنْ لا يُفرَّق بين أحوال الذهب بغير نصّ ولا إِجماع.

---------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٧٨٤).
(٢) هو الذي لا يدري صاحبه أيصِل إِليه أم لا.»النهاية«.
(٣) رواه أبو عبيد وعنه البيهقي، وصحّحه شيخنا في»الإِرواء«(٧٨٥).
(٤) انظر (٦/ ٩٣) منه وما بعدها، وانظر أيضًا»الإِرواء" تحت (٨١٧).



وصحّ يقينًا -بلا خلاف- أنّ رسول الله - ﷺ - كان يوجب الزكاة في الذهب والفضة كلّ عام، والحُليّ فضّة أو ذهب، فلا يجوز أنْ يقال: «إلاَّ الحُلي» بغير نصّ في ذلك ولا إِجماع- وبالله تعالى التوفيق«.
عن أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت:»كنت ألبس أَوْضَاحًا (١) من ذهب، فقلتُ: يا رسول الله! أكنزٌ هو؟ فقال: ما بلغَ أن تؤدّى زكاته فليس بكنز«(٢).
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: دخَلْنا على عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - فقالت: دخَل عليّ رسول الله - ﷺ - فرأى في يدي فَتَخَات (٣) من وَرِق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهنّ أتزيّن لك يا رسول الله، قال: أتؤدّين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبُك من النار» (٤).

--------------------
(١) الأوْضَاح: نوع من الحُليّ يُعمل من الفضة؛ سُمّيت بها لبياضها، والوَضح: البياض من كلّ شيء. «النهاية». ملتقطًا.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣٨٣). وقال: حسن -المرفوع منه فقط- فيُفهم عدم ثبوت المناسبة من حيث السّنَد وقد بيّن ذلك شيخنا -رحمه الله تعالى- في «الصحيحة» (٥٥٩)، وفيه: وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: سمعْتُ عبد الله بن عمر يُسأل عن الكنز ما هو؟ فقال: «هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة» وإسناده صحيح غاية«.
(٣) فَتَخَات: جمع فَتْخة وهي خواتيم كبار؛ تُلبس في الأيدي، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها.»النهاية«بحذف، والفُص ما يركَّب في الخاتم من الحجارة الكريمة وغيرها.»الوسيط«.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٨٤) وغيره، وانظر»الإِرواء" (٣/ ٢٩٦).



وتقدّم الحديث «في الرّقة العُشر» والحُليّ وَرِق يجب فيه حقّ الزكاة كما قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «... ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (١).
وتقدّم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها؛ إلاَّ إِذا كان يومُ القيامة؛ صُفّحت له صفائح من نار فأحمي بها جَنْبُه وجبينُه وظهره، كلما بردت؛ أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ...» ومعنى الكنز متحقِّق في حُلي الذهب والفضّة كما لا يخفى.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠) -بعد أن ذكر هذا الحديث-: «فوجبَت الزكاة في كلّ ذهب بهذا النص، وإنما تسقط الزكاة من الذهب؛ عمّن لا بيان في هذا النصّ بإِيجابها فيه؛ وهو العدد والوقت، لإِجماع الأمّة كلّها -بلا خلاف منها أصلًا- على أنّه -عليه الصلاة والسلام- لم يوجب الزكاة في كُلّ عددٍ من الذهب، ولا في كُلّ وقتٍ من الزمان، فلمّا صحّ ذلك، ولم يأت نصٌّ في العدد والوقت؛ وجَب أنْ لا يُضاف إِلى رسول الله - ﷺ - إِلا ما صحّ عنه؛ بنقل آحاد أو بنقل إِجماع، ولم يأت إِجماعٌ قطّ بأنه - عليه الصلاة والسلام- لم يُرْد إِلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجُز تخصيص شيء من ذلك بغير نصٍّ ولا إِجماع».
وقال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "الظاهر من الكتاب يشهد لقول من

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩.


أوجبَها، والأثر يؤيّده، ومن أسقطها ذهَب إِلى النظر، ومعه طرَف من الأثر، والاحتياط أداؤها» (١).
«وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- قالت: أتيت النّبيّ - ﷺ - بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! خُذ منه الفريضة التي جعل الله فيه.
قالت: فأخذ رسول الله مثقالًا وثلاثة أرباع مثقال، فوجَّهه. قالت: فقلت: يا رسول الله! خذ منه الذي جعل الله فيه.
قالت: فقسَم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكَره.
[قالت:] قلت: يا رسول الله! رضيت لنفسي ما رضي الله -عز وجل- به ورسوله» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٦/ ١١٨٥): «وفي الحديث دلالة صريحة؛ على أنّه كان معروفًا في عهد النّبيّ - ﷺ - وجوب الزكاة على حُليّ النساء، وذلك بعد أنْ أمَر - ﷺ - بها في غير ما حديث صحيح؛ كنت ذكرتُ بعضها في»آداب الزفاف«[ص ٢٦٤].
ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- بطوقها إِلى النّبيّ - ﷺ - ليأخذ زكاتها منه؛ فليُضَمّ هذا الحديث إِلى تلك، لعلّ في ذلك ما يُقنِع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحُليّ، فيَحرِمون بذلك

----------------------
(١)»عون المعبود«(٤/ ٣٠١).
(٢) انظر»الصحيحة" (٢٩٧٨).



الفقراء من بعض حقّهم في أموال زكاة الأغنياء!».

هل على الحُليّ المحرَّمة زكاة؟
جاء في «تبيين المسالك» (٢/ ٧٣): «أمّا الحُليّ الحرام وهو الذي يَتخِذُه الرجل للُّبْس، كخواتم الذهب وأسورته، فتجب فيه الزكاة إِذا بلَغ نصابًا، وحال عليه الحول.
كما تجب الزكاة في الأواني الفضية والذهبية، والمجامر والملاعق ونحو ذلك.
وتقدّم أنّ اقتناءها مُحرَّم على النساء والرجال. وبه قال أحمد والشافعي في أصحّ قوليه، ثمّ أشار إِلى»الروض المربع«(١/ ١١٤)، و»المجموع«(٦/ ٣٧).
وسألت شيخنا -رحمه الله تعالى-:»هل تجب الزكاة في أواني الذهب؟
فأجاب: تجب ولو كانت محرّمة، وهي أولى بالزكاة".

زكاة صداق المرأة
ليس هناك نصٌّ -فيما علمت- في صَدَاق المرأة، وبهذا فلا زكاة عليه إِلا إِذا قبضته وحال عليه الحول، هذا إِذا بلغ النصاب؛ فإِذا لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه.
وكذا المهر المؤجّل إِذا لم تمتلِكه؛ فإِنّه لا يجب عليه الزّكاة، وشأنه شأن الدَّين الذي يُرجى سداده، أو لا يُرجى. والله تعالى أعلم.


وسألْتُ شيخنا -رحمه الله- عن ذلك.
فأجاب -رحمه الله-: «إِذا امتلكَتْه؛ وجَب بشروط الحول والنصاب، وإذا لم تمتلكه وكان في ذمّة الزوج؛ فلا زكاة عليه.
وإِذا كانت ترى أنّ هذا المهر كالدَّين الحيّ؛ أي: يمكنها الحصول عليه متى أرادت، أو حسب اتفاقها مع زوجها، فيجب عليها إِخراج الزكاة في هذه الحالة.
أمّا إِذا كانت تعدّ هذا المهر كالدَّين الميِّت الذي لا يرجو صاحبه قبْضه، فإِنّه لا تجب عليها الزكاة في هذه الحالة».
فائدة هامّة: ما لم يرد فيه نصّ في زكاته كالدّور المؤجرة والخَضْراوات (١) والمرتّبات ونحو ذلك؛ فإِن الزكاة لا تجب فيها إلاَّ إِذا جلَبَت مالًا بلغ النصاب، وحال عليها الحول.
قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- في «السّيل الجرار» (٢/ ٢٧) -في الردّ على من يقول بالزكاة على المستغلاّت كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدّوابّ ونحو ذلك-:
"هذه مسألة لم تطن على أذن الزمن، ولا سمع بها أهل القرن الأول -الذين هم خير القرون- ولا القرن الذي يليه، ثم الذي يليه، وإِنما هي من الحوادث اليَمنِيّة، والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإِسلامية -على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم- ولا توجد عليها أثارة من علم؛ لا من كتاب ولا من سُنّة ولا قياس، [وأموال] المسلمين معصومة بعصمة

--------------------
(١) وسيأتي التفصيل إِن شاء الله -تعالى-.


الإِسلام؛ لا يحلّ أخْذها إلاَّ بحقّها، وإلا كان ذلك من أكْل أموال الناس بالباطل».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٤٧٩): «هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛ باعتبار ما لهم من المناقب؛ فإِنّ إِيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق -كالدّور، والعَقار، والدّوابّ، ونحوها- بمجرّد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - ممّا لم يُسمَع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -فضلًا أن يُسمَع فيه بدليل من كتاب أو سُنّة- وقد كانوا يستأجرون، ويؤجِّرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابّهم، ولم يخطر ببال أحدهم؛ أنه يُخْرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره، أو عقاره، أو دوابّه! وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاقّ، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالتة، فقال بذلك من قال بدون دليل؛ إِلا مجرّد القياس على أموال التجارة، وقد عرَفْتَ الكلام في الأصل؛ فكيف يقوم الظلّ والعود أعوج؟!
مع أنّ هذا القياس في نفسه مختلٌّ بوجوه ...».

هل في عروض التجارة زكاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، واستشهد من رأى ذلك بعددٍ من النصوص والآثار، ولكنّها غير ثابتة، منها حديث سمرة بن جندب قال: «أَمَرنا النّبيّ - ﷺ - أن تُخرَج الصدقة ممّا نعدّه للبيع».


وحديث بلال بن الحارث المزني «أنّ النّبيّ - ﷺ - أخَذَ من معادن القَبليّة (١) الصدقة».
وقول عمر لحماس: «أدِّ زكاة مالك، فقال: مالي إلاَّ جِعاب (٢) وأُدُم (٣)، فقال: قوِّمها وأدِّ زكاتها».
وقد خرَّجها شيخنا -رحمه الله تعالى- في «الإِرواء» (٣/ ٣١٠).
وهناك آثار صحيحة فصَّل فيها ابن حزم -رحمه الله تعالى- (٤) وبيّن أنّه ليس فيها إِيجابٌ لزكاة العروض.
وإِذا كان كذلك: «فالحقّ أنّ القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة؛ ممّا لا دليل عليه في الكتاب والسُّنّة الصحيحة، مع منافاته لقاعدة البراءة الأصليّة التي يؤيّدها هنا قوله - ﷺ - في خطبة حَجّة الوداع: فإِنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم ... عليكم حرام؛ كحُرمة يومكم هذا؛ في شهركم هذا؛ في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت (٥)؟!» (٦).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلُّ

--------------------
(١) جاء في»النهاية«:»القَبَلية: منسوبة إِلى قَبَل -بفتح القاف والباء- وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام.
وقيل: هي ناحية الفُرْع، وهو موضع بين نَخْلة والمدينة ...«.
(٢) مفردها جَعبة وهي الكِنانة [الوعاء] التي تُجعل فيها السهام.»النهاية«.
(٣) الأُدُم: الجلود.
(٤) انظر»المُحلّى«(٥/ ٣٤٧ - ٣٥٢).
(٥) انظر»صحيح البخاري«(١٧٣٩)، و»صحيح مسلم«(١٦٧٩).
(٦) قاله شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة" (ص ٣٦٣).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* غرور المتعبدين
* صناعة الأهداف: كيف تضع خطتك الروحية لرمضان؟
* رمضان موسمٌ ربح عظيم
* فقــه التــدرج
* طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة التوبة
* الإعداد للنهاية باليقين
* الطمع أعمى القلوب والجشع لن يشبع البطون

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس