عرض مشاركة واحدة
قديم 03-12-2026, 08:04 PM   #59

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 16الى صــ 30
الحلقة (59)



فإِنّهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها (١) قال الله تعالى: ﴿فإِن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلَهم﴾ (٢).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إِله إلاَّ الله، وأنَّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.
فإِذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإِسلام، وحسابهم على الله» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لمّا توفّي رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وكفَر من كفَر من العرب، فقال عمر -رضي الله عنه-: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمن قالها فقد عصَم منّي ماله ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابه على الله؟!
فقال: والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعنوني عَناقًا (٤) كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منْعها.
قال عمر -رضي الله عنه-: فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شَرح الله صدر أبي بكر -رضي الله عنه- فعرفتُ أنّه الحقُّ» (٥).

---------------------
(١) انظر «فقه السنة» (١/ ٣٣٣).
(٢) التوبة: ٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢.
(٤) عَناقًا: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يَتِمّ له سنة. «النهاية».
(٥) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠.


وفي بعض روايات البخاري ومسلم: عِقالًا (١).
جاء في»الروضة النديّة«(١/ ٤٦٠):»قال مالك: الأمر عندنا أنّ كلّ من منَع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقًا عليهم جهاده حتّى يأخذوها منه، وبلغه أنّ أبا بكر الصِّدّيق -رضي الله عنه- قال: «لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه» كذا في «المسوّى»«.
وسألت شيخنا -رحمه الله- هل يجب على الحاكم قتال مانعي الزكاة؟
فأجاب: إِذا غلب على ظنّه الانتصار عليهم فَعل.

على من تَجِب؟
تجب على كلّ مسلم (٢) حرّ مالك النصاب.
ولا تجب على غير المؤمنين لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال:»على المؤمنين في صدقة الثمار -أو مال العقار- عُشر ما سقتِ العينُ وما سقتِ السماء، وعلى ما يُسقى بالغَرْب (٣) نصفُ العُشْر«(٤).

---------------------
(١) واختلف العلماء في تفسير العقال فمنهم من قال: زكاة عام ومنهم من قال: الحبل الذي يُعقل به البعير، وانظر»شرح النووي«(١/ ٢٠٨) للمزيد من التفصيل.
(٢) جاء في»الروضة«(١/ ٤٦٢): وأمّا اشتراط الإِسلام؛ فالراجح أنّ الكفّار مخاطَبون بجميع الشرعيات، لكنّه منَع صحّتها منهم مانع الكفر، فليس الإِسلام شرطًا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة ...».
(٣) الغَرْب: الدلو العظيمة التي تُتَّخذ من جلد ثور. «النهاية».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٤٢).



قال البيهقي: «وفيه كالدّلالة على أنها لا تُؤخَذ من أهل الذِّمّة».
«قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وكيف تُؤخَذ منهم وهم على شِركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما تُزكّي المؤمن المزكَّى من دَرَن الشرك؛ كما قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكيهمْ بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم﴾ (١).
فهذه الآية تدلّ دلالة ظاهرة، على أنّ الزكاة إِنّما تُؤخَذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.
وإنّ من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقينًا أنّهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين، وإنّما كانوا يأخذون منهم الجزية؛ كما ينصّ عليها الكتاب والسنّة». انتهى.
جاء في «المحلّى» (٥/ ٣٠٧): "ولا يجوز أخذ الزكاة من كافر.
قال أبو محمّد: هي واجبة عليه، وهو معذَّب على منْعها، إِلا أنها لا تجزئ عنه إِلا أنْ يُسلِم.
وكذلك الصلاة ولا فرْق، فإِذا أسلم فقد تفضّل -عز وجل- بإِسقاط ما سلف عنه من كلّ ذلك!
قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أصحاب اليمين * في جنّات يتساءلون * عن المجرمين * ما سَلَكَكُم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين * ولم نك

--------------------
(١) التوبة: ١٠٣.


نُطعِم المسكين * وكنّا نخوض مع الخائضين * وكنّا نُكذِّب بيوم الدِّين * حتّى أتانا اليقين﴾ (١).
وقال الله -عز وجل-: ﴿وويلٌ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ (٢).

ماذا يُشتَرط في النصاب؟
١ - أن يكون فاضلًا عن الحاجات الضرورية؛ التي لا يَستغني المرء عنها؛ كالمطعم والملبس، والمسكن والمركب، وآلات الحرفة.
٢ - أن يحول عليه الحول الهجريّ، وابتداؤه من يوم مُلْك النصاب.
لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» (٣).
وهذا الشرط لا يمضي في زكاة الزروع والثمار، لأنّها تجب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٤).

كيف يُزكّي إِذا تعدّدت الأنصبة؟
الأصل عدم إِخراج زكاة النصاب إِلا إِذا حال عليه الحول، فإِذا كانت

-------------------------
(١) المدثر: ٣٩ - ٤٧.
(٢) فصلت: ٦ - ٧.
(٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٤٩) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٧٨٧).
(٤) الأنعام: ١٤١.



الأنصبة قليلة؛ وتمكّن من ذلك فعَل، وإلا أَخْرَج من مجموع المال؛ تيسيرًا على نفسه.
سُئل شيخنا -رحمه الله- عن رجل عنده أموال أثناء السنة الأولى؛ ثمّ جاءته أرباح، فلمّا دخلت السنة الثانية؛ وجد عدّة أنصبة، وليس نصابًا واحدًا، فكيف يُخرِج زكاته؟
فأجاب -رحمه الله-: «اختلف العلماء في كيفية إِخراج الزكاة؛ فمنهم من قال: يُخرِج عن مجموع ما عنده من الأنصبة التي وجب عليها الزكاة، وعلى الأنصبة الأخرى التي لم يحُلْ عليها الحول كذلك.
ومنهم من قال: كلما توفّر عنده نصابٌ سجَّله، وانتظر أن يحُول عليه الحَوْل.
والنظر إِلى قاعدة التيسير يجعلني أُرجِّح القول الأول، إِذ متابعة الأنصبة مُرهِق لعقل (الكمبيوتر)؛ فضلًا عن عقل الإِنسان فيُخرج عن الأرباح، شريطة أن يكون هناك أصل؛ وهو النصاب الذي حال عليه الحول». انتهى.
قلت: «ولا شكّ أنّ في هذا زيادةً على الزكاة الواجبة، فيُؤجَر عليها ويريح نفسه من بَلْبَلَة تعدّد الأنصبة. والله -تعالى- أعلم».

هل في مال الصغير والمجنون زكاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب ذلك.
وقالوا: إِنّ النصوص في إِيجاب الزكاة تفيد العموم، ومن ذلك الصغير والمجنون، والزكاة حقُّ الفقراء؛ أكان مِن صغير أو كبير أو مجنون أو عاقل.


قال ابن حزم -رحمه الله- في «المُحلّى» (٥/ ٣٠٢) -بحذف-: «وأمّا مال الصغير والمجنون؛ فإِنّ مالكًا والشافعي قالا بقولنا؟ وهو قول عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمّ المؤمنين عائشة، وجابر وابن مسعود، وعطاء وغيره.
وقال أبو حنيفة: لا زكاة في أموالهما من الناضّ (١) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما.
ولا نعلم أحدًا تقدّمه إِلى هذا التقسيم!
وقال الحسن البصري، وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضّته خاصّة -وأمّا الثمار والزروع والمواشي ففيها زكاة.
وأمّا إِبراهيم النخعي، وشريح، فقالا: لا زكاة في ماله جملة!
قال أبو محمّد: إِنْ موّه مُمَوِّه منهم بأنّه لا صلاة عليهما؟ قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقُط عنه الصلاة!
وإِنّما تجب الصلاة والزكاة على العاقل والبالغ؛ ذي المال الذي فيه الزكاة، فإِنْ سقط المال: سقَطت الزكاة، ولم تسقُط الصلاة؛ وإِنْ سقَط العقل، أو البلوغ: سقَطَت الصلاة ولم تسقُط الزكاة؛ لأنه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى، أو رسوله - ﷺ -، إِلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله - ﷺ -.

---------------------
(١) قال في»مختار الصحاح": أهل الحجاز يسمّون الدراهم والدنانير (النَّضَّ) و(النَّاضَّ) إِذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا، ويقال: خُذ ما (نضَّ) لك من دينٍ أي: ما تيسّر. وهو (يستنضّ) حقّه من فلان أي: يستنجزه ويأخذ منه الشيء بعد الشيء.


ولا يسقُط فرض من أجل سقوط فرض آخر بالرأي الفاسد، بلا نصّ قرآن ولا سُنّة.
وأيضًا: فإِنْ أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما، ولأنهما لا يحتاجان إِلى طهارة؛ فليُسقطاها بهذه العلّة نفسها من زرعهما وثمارهما ولا فرق؛ وليُسقطا أيضًا عنهما زكاة الفطر بهذه الحُجّة!
فإِنْ قالوا: النصّ جاء بزكاة الفطر على الصغير؟
قلنا: والنص جاء بها على العبد، فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا ممّا تركوا فيه القياس، إِذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناضّ، على زكاة الزرع، والفِطر، أو فليوجبوها على المكاتب؛ لوجوب الصلاة عليه، ولا فرق.
وقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حقٌّ واجب في الأرض، يجب بأوّل خروجهما.
قال أبو محمّد: ولا فرق بين وجوب حقّ الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشي؛ من حين اكتسابها إِلى تمام الحول، وبين وجوبه في الزرع والثمار؛ من حين ظهورها إِلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كلّ ذلك عن يد مالكه قبل الحول، وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار.
وإِنّما الحقّ على صاحب الأرض لا على الأرض، ولا شريعة على أرض أصلًا، إِنما هي على صاحب الأرض!
قال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها وأشفَقْن منها وحمَلَها الإِنسان إِنّه كان ظلومًا


جهولًا﴾ (١).
فظهر كذب هذا القائل وفساد قوله.
وأيضًا فلو كانت الزكاة على الأرض لا على صاحب الأرض؛ لوجب أخْذها في مال الكافر مِن زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم وبالله التوفيق.
ولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهي على الرجال؛ وهم مُقرّون بأنها قد تكون أَرْضُون كثيرة؛ لا حقّ فيها من زكاة، ولا من خَراج، كأرض مسلم؛ جعَلها قصبًا وهي تغلّ المال الكثير، أو ترَكَها لم يجعل فيها شيئًا، وكأرض ذمّي صالَح على جزية رأسه فقط.
وقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي: إِنّ الخراجي الكافر إِذا ابتاع أرض عشر من مسلم؛ فلا خراج فيها ولا عشر.
وقد صحّ أنّ اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين؛ كانت لهم أرضون في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولا خلاف بين أحد من الأُمة؛ فى أنّه لم يجعل -عليه السلام- فيها عُشرًا ولا خراجًا.
فإِن ذكروا قول رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاث». فذكر «الصبي حتى يبلُغ والمجنون حتى يُفيق» (٢).
قلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحُجّة زكاة الزرع والثمار، وأرُوش (٣) الجنايات

---------------------
(١) الأحزاب: ٧٢.
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧).
(٣) جمع أرْش وهي دِيَة الجراحات. وانظر «مختار الصحاح».



التي هي ساقطة بها لا شكّ، وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الأموال، وإنّما فيه سقوط المَلاَمة، وسقوط فرائض الأبدان فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.
فإِنْ قالوا: لا نيّة لمجنون، ولا لمن لم يبلغ؛ والفرائض لا تجزئ إِلا بنيّة!
قلنا: نعم، وإنّما أمر بأخذها الإِمام والمسلمون، بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١)، فإِذا أخَذَها من أُمِر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمُغْمَى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نيّة له.
والعجب أنّ المحفوظ عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إِيجاب الزكاة في مال اليتيم».
ثمَّ ذكر -رحمه الله- بعض الآثار في ذلك.
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في التعليق على «المحلّى» (٥/ ٣٠٤): «وكان الأصحّ أنّ الزكاة تجب في المال، كما تجب الدِّيَة، وكما يجب العِوَض، وكما يجب الثمن مثَلًا، وأنّ وليّ الصبيّ أو المجنون مُكلَّف بإِخراجها من مال مَحْجُورِه، وأنّ وليّ الأمر يجب عليه استيفاؤها من المال».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٧): «وتجب الزكاة في مال اليتامى؛ عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر وعائشة وعليّ وابن عمر وجابر -رضي الله عنهم- ...».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٤٦٠) -ردًّا على من يقول بإِيجابها تحت شرط: «إِذا كان المالك مُكلَّفًا»-: "اعلم أنّ هذه المقالة قد يَنْبُو

---------------------
(١) التوبة: ١٠٣.


عنها ذِهن من يسمعها، فإِذا راجع الإِنصاف، ووقف حيث أوقفه الحقّ، عَلِم أنّ هذا هو الحقّ، وبيانه أنّ الزكاة هي أحد أركان الإِسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنّه لا يجب شيء من الأربعة الأركان؛ التي الزكاة خامستها على غير مكلّف، فإِيجاب الزكاة عليه، إِنْ كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء ممّا تقوم به الحُجّة.
كما يُروَى عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالاتّجار في أموال الأيتام؛ لئلاّ تأكلها الزكاة، فلم يصحّ ذلك في شيء مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - (١)، فليس ممّا تقوم به الحُجّة.
وأمّا ما رُوي عن بعض الصحابة فلا حُجّة فيه أيضًا، وقد عُورِض بمِثله.
وإِنْ قال قائل: إِنّ الخطاب في الزكاة عامّ كقوله: ﴿خُذْ مِن أموالهم﴾ (٢) ونحوه، فذلك ممنوع.
وليس الخطاب في ذلك إِلا لمن يصلُح له الخطاب، وهم المكلّفون، وأيضًا بقيّة الأركان، بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمُكلّف، الخطابات بها عامّة للناس، والصبيّ مِن جُمْلة الناس.
فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغًا لإِيجابها على غير المكلّفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنّه باطل بالإِجماع، وما استلزم الباطل باطل، مع أنّ تمام الآية -أعني قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ - يدلّ على عدم وجوبها على الصبيّ، وهو قوله: ﴿تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ فإِنّه لا

--------------------
(١) انظر «الإِرواء» (٧٨٨).
(٢) التوبة: ١٠٣.



معنى لتطهير الصبيّ، والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مُخصّصًا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مُخصّصًا في الركن الخامس وهو الزكاة.
وبالجملة: فأموال العباد محرَّمة بنصوص الكتاب والسنَّة، لا يُحلّلها إلاَّ التّراضي، وطِيبة النّفْس.
أمّا ورود الشرع كالزكاة، والدِّيَة، والأرْش، والشُّفعة (١)، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله، سيّما مَن كان قلمُ التكليف عنه مرفوعًا؛ فعليه البرهان، والواجب على المُنْصِف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل.
ولم يوجب الله تعالى على وليّ اليتيم، والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمَره بذلك، ولا سوّغه له، بل ورَدت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة (٢)».
وفيها (ص ٤٦٢): «.. فمن أوجَب على الصبيّ زكاة في ماله تمسُّكًا بالعمومات، فليوجب عليه بقيّة الأركان تمسُّكًا بالعمومات.

-----------------
(١) هي استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه المنتقلة عنه، مِن يد مَن انتقلت إِليه.»المغني«(٥/ ٤٥٩).
(٢) منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠].
ومنها قوله - ﷺ -:»اجتبوا السبع الموبقات ... "، فذكَر منها أكْل مال اليتيم. [أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩].



وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١)،»لا يحلّ مالُ امرئٍ مُسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه«(٢)، ولا سيما أموال اليتامى، فإِنّ القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية فيها؛ أظهر من أن تُذكَر وأكثر من أن تُحصَر، فلا يأمن وليّ اليتيم إِذا أخذ الزكاة من ماله من التَّبعة، لأنه أخَذ شيئًا لم يُوجِبه الله على المالك، ولا على الوليّ ولا على المال.
أما الأوّل: فلأنّ المفروض أنه صبيٌّ لم يحصُل له ما هو مناط التكاليف الشرعية؛ وهو البلوغ.
وأمّا الثاني: فلأنه غير مالك للمال، والزكاة لا تجب على غير مالك.
وأمّا الثالث: فلأنّ التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإِنساني؛ لا تجب على دابّة ولا جماد، والله أعلم».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن زكاة أموال اليتامى فقال: «لا زكاة على مال من لم يبلغ سنّ الاحتلام على الراجح».
وفي «تبيين المسالك» (٢/ ٦٧) للشيخ عبد العزيز الإِحسائي -بعد أن نقل أدلّة الموجب وغير الموجب- «وقال أبو حنيفة: لا تجب في مال صبي ولا مجنون واحتجّ بحديث:»رُفع القلم عن ثلاث«.
وله عدة ألفاظ منها:

----------------------
(١) البقرة: ١٨٨.
(٢) انظر»الصحيحة«(١٤٥٩) وله عِدّة ألفاظ منها:»لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس".



«رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون (وفي لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يُفيق) وعن الصبى حتى يكبَر. (وفي رواية: حتى يحتلم)» (١).

المالك المَدِين:
من كان في يده مالٌ تجب الزكاة فيه، وهو مدين؛ أخرج منه ما يفي بدينه وزكّى الباقي؛ إِن بلَغ نصابًا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لأنّه في هذه الحالة فقير (٢).
ومن الأدلّة على ذلك قول رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «... فأخبِرهم أنَّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (٣).
وسألْتُ شيخنا -رحمه الله-: مَن ملك النصاب، وعليه ديونٌ تستغرق النصاب؛ فهل يجب عليه الزكاة أم لا؟
فأجاب -رحمه الله-: «ما دام المال في حَوْزَته، وحال عليه الحول فلا بُدّ من إِخراج الزكاة، ولو كان عليه من الدَّين ما يستغرق النصاب كلّه، فإِذا كان ينوي عدم إِخراج الزكاة؛ فعليه أن يفيَ الناس حقوقهم وديونهم».

-------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧)، وتقدّم.
(٢) «فقه السنة» (١/ ٣٣٦) بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩، وتقدّم.



من مات وعليه الزكاة
من مات وعليه زكاة سنة أو سنتين أو أكثر؛ فإِنّها تجب في ماله، وتقدَّم على الدائنين والوصية والورثة؛ لقول الله تعالى في شأن المواريث: ﴿مِن بعْد وصيةٍ يُوصِي بها أو دين﴾ (١)، والزكاة دَينٌ قائم لله تعالى (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدَين الله أحقُّ أن يُقضى» (٣).
قال الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «ومن مات وعليه زكاة أُخِذَت من تَرِكته ولو لم يوص بها ... لأنها حقٌّ واجب تصحّ به الوصيّة، فلم يسقُط بالموت، كدَين الآدمي» (٤). وذكَر الحديث.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١١٣): «فلو مات الذي وجَبَتْ عليه الزكاة سنة أو سنتين؛ فإِنها من رأس ماله، أقرَّ بها أو قامت عليه بيّنة، ورثه ولده أو كَلاَلهَ (٥)، لا حقّ للغرماء ولا للوصية ولا للورثة حتى تُسْتَوْفى كلها؛ سواء في ذلك العين والماشية والزرع.

-------------------
(١) النساء: ١١.
(٢) عن»فقه السنة" (١/ ٣٣٦) بتصرف يسير.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.
(٤) الواضح في فقه الإمام أحمد (ص ١٥٨) للدكتور علي أبي الخير.
(٥) الكَلاَلة: وهو أن يموت الرجل؛ ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه، وأصله: من تكلَّله النسب: إِذا أحاط به. وقيل: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولدٌ ولا والد، فهو واقعٌ =



وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما».
وقال -رحمه الله- (ص ١١٤): «والعجب كلّه من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامِد لتركها، وإِسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمّد لتركها».
وقال -رحمه الله- (ص ١١٦): «ويُسألون عن الزكاة، أفي الذّمّة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إِلى قسم ثالث!
فإِنْ قالوا: في عين المال، فقد صحّ أنّ أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجب أن يبطل حقّهم؛ وتبقى ديون اليهود والنصارى؟
وإنْ قالوا: في الذِّمّة، فمن أين أسقطوها بموته؟!».

أداؤُها وقت الوجوب (١)
يجب إِخراج الزكاة فورًا عند وجوبها، ويحرُم تأخير أدائها عن وقت الوجوب.
فعن عُقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: «صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - العصر، فلّما سلّم؛ قام سريعًا حتى دخَل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما

-------------------
= على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط.
[وقال القُتيبي]: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يُخَلِّفهما فقد مات عن ذَهاب طرفيه، فسمّى ذَهاب الطرفين كلالة.
وقيل: كلُّ ما احْتَفّ بالشيء من جوانبه فهو إِكليل، وبه سُمّيت؛ لأن الوُرَّاثَ يُحيِطون به من جوانبه.
(١)»فقه السنة" (١/ ٣٣٧) بتصرف.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير قوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم...}
* صحابي جليل يتحدث عن إسلامه (عمرو بن عبسة السلمي)
* رمضان فى عيون الادباء متجدد
* فوائد الصيام.. كيف تنعش صحتك لشهر كامل؟ يوميا فى رمضان
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين .....يوميا فى رمضان
* نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس