عرض مشاركة واحدة
قديم 02-24-2026, 05:27 AM   #6

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين
الشيخ محمد محمد أبو زهو*
(6)



تفاوت الصحابة في رواية الحديث:
كان الصحابة رضي الله عنهم معنيين بحفظ الحديث، وكانوا يختلفون في ذلك قلة وكثرة، ولذلك أسباب خاصة تعرف من ترجمة كل صحابي على حدة وأسباب عامة نجملها لك فيما يلي:
أولا: الاشتغال بالخلافة والحروب عاق كثيرا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته كما في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير، وعلى العكس من ذلك مكن التفرغ من هذه الشواغل لكثير من الصحابة في كثرة التحمل والأداء، كما في أبي هريرة

وعائشة وابن عمر وغيرهم.
ثانيا: طول الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة ملازمته سفرا وحضرا وانفساح الأجل بعد وفاته، كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث، وروايته كما في ابن مسعود وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله وأنس وابن عمر وغيرهم، ولهذا قلت أو عدمت رواية من مات في عهد النبوة أو بعدها بقليل، كما قلت رواية من لم تطل صحبته أولم تكثر ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: تجدد الحوادث، واحتياج الناس إلى بيان أحكامها، كان سببا في كثرة الأداء والرواية، والحرص على طلب الحديث، حتى تعرف الأحكام الشريعة في مثل هذه الحوادث، التي لم يكن لهم عهد بمثلها فلهذا
بادر الصحابة إلى إظهار ما عندهم من السنن، وتلقاها عنهم الناس بقبول ولهفة.
رابعا: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الحديث من بعض الفرق كالشيعة والخوارج، الذين وضعوا كثيرا من الحديث كان داعيا إلى قلة الأحاديث، التي تروى وإلى التشدد

فيمن يؤخذ عنه الحديث من الرواة.
ومن هنا قلت مرويات علي رضي الله عنه، مما جعل أصحاب الحديث يستمدون أحاديثه من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني، وشريح وأبي وائل ونحوهم، أو من أهل بيته الأثبات، ويرفضون ما وراء ذلك.
خامسا: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم، وخملوهم كان له أكبر الأثر في كثرة الرواية، وقلتها عن الصحابة رضي الله عنهم. فعثمان بن عفان لم يصلنا معظم أحاديثه لقلة الآخذين عنه بسبب اشتغاله بالخلافة، والحروب وجمع القرآن الكريم إلى غير ذلك.
سادسا: قوة الحفظة وتقييد الحديث بالكتابة، كانا عاملين من عوامل الإكثار من الرواية. كما في أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن على شاكلتهما.
سابعا: التفرغ للعبادة والتحرج من رواية الحديث على غير اللفظ المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل كثيرا من الصحابة يحجمون عن رواية الأحاديث، أو يقلون منها مع اعتمادهم في تبليغ الحديث على كثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين نصبوا أنفسهم لمهمة الرواية والأداء.
ثامنا: أن يكون الطريق إلى الصحابي ضعيفا، فيترك أصحاب الصحيح تخريج حديثه كما في أبي عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة لم يصح إليه الحديث من جهة الناقلين، فلم يخرج له في الصحيحين1.

1 معرفة علوم الحديث للحاكم ص130.
أكثر الصحابة حديثا:
هذه خلاصة العوامل التي أدت إلى كثرة الحديث عن بعض الصحابة، وقلته عن البعض الآخر لذا كان منهم المكثر، ومنهم المقل فأكثرهم حديثا أبو هريرة ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أنس بن مالك ثم ابن عباس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري ثم عائشة أم المؤمنين. وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء.
قال الإمام محمد بن سعد في الطبقات: "قال محمد بن عمر الأسلمي: إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثر عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب؛ لأنهما وليا فسلاه قضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدوها، فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر، وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم

يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس، ورافع بن خديج وأنس، والبراء بن عازب ونظرائهم؛ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في الناس، فاحتاج الناس إليهم، فمضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله، وبعده بعلمه لميؤثر عنه شيء، ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب"
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئان، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة، وسماعا من الذي حدث عنه ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، وعلى أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الاشتغال بالعبادة، والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا، فلم يحفظ عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ". ا. هـ."
الرد على شبه وردت على عدالة الصحابة، وضبطهم لرواية الحديث:
1-
ربما يقول قائل: كيف يعتمد في نقل السنة المشرفة على الصحابة من غير أن نضعهم في ميزان التعديل، والتجريح وهل صنيع أبي بكر وعمر وعلي في

اشتراطهم الشهادة، أو اليمين على سماع الصحبة للحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إقرار لهذا المبدأ وهو البحث عن أحوالهم كسائر الرواة.
والجواب: إننا لم نبلغ بهم درجة النبوة، ولكننا أثبتنا لهم حالة من الاستقامة في الدين تمنعهم من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الحالة دل عليها القرآن الكريم، والسنة الصحيحة وإجماع من يعتد به من المسلمين قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} الآية. فهذه الآية تدل على أن الله تعالى رضي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السابقين منهم إلى الإسلام، واللاحقين وهو سبحانه لا يرضى عن الكاذب، وقد قدمنا لك الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمدحهم والثناء عليهم.
أما من لابس الفتن منهم كطلحة والزبير، ومعاوية وعلي رضي الله عنهم، فكانوا في ذلك مجتهدين يرى كل منهم أن الحق في جانبه، وعليه أن يدافع عنه وقد تقرر في الشريعة أن المجتهد مأجور على كل حال، أخطأ أم أصاب إلا أنه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وقد أخبر الله تعالى بأنه رضي عن الذين بايعوا نبيه صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فقال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ

يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، وكان من هؤلاء المبايعين الذي رضي عنهم الله سبحانه من دخل الفتن كطلحة، والزبير رضي الله عنهما، فثبت بهذا أن الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم.
وأما ما وقع من الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر، وعلي رضي الله عنهم، فإنما كان من قبيل التثبت عند قيام عارض الشك في ضبط الراوي لا في صدقه وعدالته. يدل على ذلك قول بعضهم للراوي "أما إني لم أتهمك، ولكني أحببت أن أتثبت" ، ولئلا يتساهل الناس في باب الرواية على ما قدمنا.
هذا وقد اعتاد فريق من كتاب هذا العصر، أن يطلقوا ألسنتهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كمعاوية، وعمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم، وهذا إثم كبير باتفاق علماء المسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم كمعاوية وعمرو بن العاص، أو من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة أو من هو

أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان، وعلي وأبي بكر وعمر وعائشة، فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:" لا تسبوا أصحابي، فوالذي
نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "، واللعنة أعظم من السب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لعن المؤمن كقتله "، وأصحابه خيار المؤمنين كما قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" وكل من رآه وآمن به فله من الصحبة بقدر ذلك ". ا. هـ1."
2-
كيف نعتمد في نقل السنة وروايتها على الصحابة، وهم بشر كغيرهم من الرواة يقع منهم الخطأ، ويدركهم السهو والنسيان.
والجواب: إن هذا قول من لم يقف على مبلغ استعدادهم الفطري للحفظ، وحميتهم الدينية في المحافظة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالصحابة رزقوا

حوافظ قوية، وقرائح وقادة، ساعدتهم كثيرا على حفظ الحديث وضبطه، وهم يعلمون أن الحديث أصل من أصول الدين، فضبطوه بالمذاكرة، وتعهدوه بالدرس والتعليم، حتى تثبتوا منه كل التثبت. يضاف إلى ذلك أن الخلفاء الراشدين، انتهجوا في رواية السنة خطة حكيمة، فسنوا للناس سنة التثبت، وطالبوا الراوي بالبينة عند عروض الشك. وكل هذه العوامل أثرت في اتجاه الرواية، فلم يندفع الصحابة في الإكثار الذي لا يؤمن عثاره. لذلك قل السهو والنسيان منهم وانعدم الخطأ، أو ندر وكان أحدهم إذا سها أو أخطأ في الرواية ذكره غيره ممن يحفظ الحديث على وجهه. وما جاء من اختلاف بعض الأحاديث، فذلك من قبيل الرواية بالمعنى، وقد أجازها علماء المسلمين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كأبي حنيفة، والشافعي والحسن البصري. ويستأنس لذلك بما رواه الطبراني في معجمه الكبير، وابن منده في معرفة الصحابة من حديث سليمان بن أكيمة الليثي أنه قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث
1 مختصر الفتاوى المصرية ص478، وما بعدها.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* ما حملك على ما صنعت؟
* صفات الزوجة الصالحة
* ثلاثية الحياة الزوجية: السكن - المودة - الرحمة
* موجبات بر الوالدين
* الأسرة أساس بناء المجتمع
* إذا اشتكيت امتناعها فأصلح ما بينك وبينها
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس