عرض مشاركة واحدة
قديم 02-23-2026, 11:32 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

داود وسليمان عليهما السلام (4)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد





أجزلَ اللهُ تعالى لداود النعمةَ، فآتاه الملكَ والحكمةَ وعلَّمه مما يشاء، ووَهَبَ له العبد الصالح والملِك الكريم والنبيَّ العظيمَ الأوَّاب سليمان بن داود، وقد نشأ سليمان عليه السلام في حِجْر داود، وترعرع في بيت النبوَّة والملك، وعندما بلغ الحُلُم ملأه الله حِلمًا؛ أي: أناةً وعقلًا، وكان يحرص على مجالس حكم أبيه داود عليه السلام؛ ليشهد قضاءه بين الناس، وقد كان يشير أحيانًا على أبيه بأنه لو كان هو القاضي في هذه القضية لحكم بغير ما حكم أبوه، وقد ذكر القرآن العظيم صورة من صور هذه القضايا، فذكر الله تبارك وتعالى في سورة الأنبياء قضيَّةَ الحرث إذ نفشَتْ فيه غنمُ القوم، أي: انتشرت فيه ليلًا بلا راعٍ فأفسدت الزرع، فيُذكر أن داود قضى بالقيمة لصاحب الزرع، فقال سليمان عليه السلام: لو كنتُ أنا القاضي لقضيتُ بغير ذلك، فقال داود عليه السلام: بمَ كنتَ تقضي يا بنيَّ؟ قال: أدفع الغنمَ إلى أصحاب الزرع فينتفعون بألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم بإصلاح الحرث حتى يعود كما كان، فيرد إلى أصحابه وترد الغنم إلى أصحابها، ففضَّل الله تبارك وتعالى حكمَ سليمان، وذكر أنه فهمه الحكم في هذه القضية، ولا يحطُّ ذلك من قدر داود عليه السلام؛ لأن فرحه بتوفيق ابنه للحكم في القضيَّة لا يقل عن فرحه لو كان فهمها هو كذلك؛ ولذلك مدح الله تعالى داود وسليمان معًا فقال: ﴿ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ وليس حكم داود هنا خطأ، ولكن حكم سليمان في هذه القضية أولى منه، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78، 79].

قال ابنُ كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أما الأنبياء عليهم السلام فكلُّهم معصومون مؤيَّدون من الله عز وجل؛ وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما مَنْ سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))؛ اهـ.

كما قصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صورةً من صور حكم داود، ثم أظهر سليمان عليه السلام أنه لو كان القاضي في هذه القضية لقضى بغير ذلك؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى؛ فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعلْ، يرحمُك اللهُ، هو ابنها، فقضى به للصغرى)).

وقد استمرَّ داود في حكمه وملكه ما شاء الله تعالى، فلمَّا أدركه الموتُ أرسل الله عز وجل سليمانَ عليه السلام وجعله ملِكًا كريمًا ورسولًا عظيمًا، وعلَّمه منطقَ الطير، وجعله أحدَ الأئمة مِن الرسل الذين أمر رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم.

وقد بدأ بذكر داود وسليمان بعد ذكر نوح عليه السلام في سورة الأنعام؛ حيث يقول عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأنعام: 83، 84].

وبعد أن ذكر مجموعة من المرسلين قال لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 89، 90]؛ ولذلك سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة (ص) لما قرأ سجدة داود؛ فقد روى البخاري في صحيحه من طريق مجاهد قال: سألت ابن عباس - يعني عن سجدة (ص) - من أين سجدتَ؟ قال: أوما تقرأ: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: 90]؟ فكان داود ممَّن أُمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي قيام سليمان عليه السلام بعد أبيه بالمُلك والنبوَّة يقول تعالى في سورة النمل: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ [النمل: 15، 16]؛ إذ المراد بالميراث هنا هو ميراث المُلْكِ والنبوَّة، لا ميراث المال؛ ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنا معشرَ الأنبياء لا نُورثُ، ما تركنا فهو صدقةٌ)).

وكما أن اليهود كذبوا على داود عليه السلام واختلقوا عليه أشياء كثيرة؛ فقد أكثروا من الكذب على سليمان عليه السلام واتَّبعوا في ذلك الشياطين، وزعموا أنَّ سليمان عليه السلام كان يحكُم بواسطة خاتمه السحري وأنه كان ساحرًا، وأنه كان إذا دخل بيت الخلاء دفع الخاتم لزوجته لما فيه من ذكر الله حتى يخرج من الخلاء، وأنَّ الشيطان جاء إلى امرأة سليمان في صورة سليمان فدفعت إليه الخاتم، فذهب الشيطانُ وجلس على كرسي الملك يحكم في بني إسرائيل، وأنَّ سليمان لما خرج من بيت الخلاء قال لامرأته: هاتِي الخاتم، فقالت: قد خرج سليمان قبلَك وأخذه، وأنكرت سليمان، فهام سليمان على وجهه حتى عَمِلَ عند صيادٍ، فكان الصيَّادُ يعطيه أجرتَه عن كل يوم سمكتين، كان يبيع سمكةً يشتري بثمنها خبزًا، ويطبخ السمكةَ الأخرى، وأنه استمرَّ على ذلك أربعين يومًا، ثم إن بني إسرائيل قاموا على هذا الشيطان الجالس على كرسي سليمان فهرب منهم - ولا أدري كيف لم ينفعْه الخاتم - وألقى بالخاتمِ في البحر فابتلعته سمكة، ثم وقعت في شباكِ الصيَّاد، فلما دفع لسليمان أجرتَه سمكتين باع واحدة وطبخ الأخرى وهي التي كان في جوفها الخاتمُ، فلما فتحها وجد خاتمَه، فلبسه ورجع إلى ملكه.

والعجيبُ أن هذا الإفك تسرَّب إلى بعض أكابر أهل العلم فصدَّقوه حتى تجدَ أكثر كتب التفسير في قوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ [ص: 34] يقولون: شيطانًا، وانتشر على ألسنة العامة والخاصة ذِكْر خاتم سليمان، وخواصه، مع أن الله تبارك وتعالى نبَّه في سورة البقرة إلى كذِبِ اليهود على سليمان اتِّباعًا للشياطين في هذا الباب حيث يقول عز وجل: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ [البقرة: 102] الآية، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسَّر فتنةَ سليمان وإلقاء الجسد على كرسيه بأنه حلف ليطوفَنَّ على مائة من نسائه، فتحملُ كلُّ واحدة منهنَّ بفارسٍ يحمل السلاحَ ويجاهد في سبيل الله، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فطافَ عليهنَّ فلم تحملْ إلَّا واحدة جاءت بشقِّ ولد، فأخذ وألقي على كرسيه، فاعتذر إلى الله عز وجل فقبل الله معذرتَه، وأنه ما طلب الولد تكثُّرًا وافتخارًا، وإنما ليقاتلوا في سبيل الله فقبل الله منه وأبدله ﴿ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴾ [ص: 36 - 38].

---------------
داود وسليمان عليهما السلام (5)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد



ذكرت في ختام الفصل السابق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسَّر قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ [ص: 34] بقصة حلفه على أن يطوف على مائة من نسائه لتَحْبَلَ كلُّ واحدةٍ منهنَّ، وتأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ونَسِيَ أن يقول: إن شاء الله، فطافَ عليهنَّ فلم تحبلْ إلا واحدة جاءت بشق ولدٍ، فأُخِذَ وطُرِحَ على كرسيه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلةَ بمائة امرأةٍ، تلِدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا يقاتلُ في سبيل الله، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فأطاف بهنَّ فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا لحاجته))، وفي لفظ للبخاري: ((فلم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شِقَّيْهِ))، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لو قالها لجاهدوا في سبيل الله))، فأَعْجَبُ كيف ترك بعض العلماء هذا التفسير الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتنة سليمان وأتوا بأكاذيب اليهود والشياطين!

قال ابنُ كثير في قصص الأنبياء من البداية والنهاية: "وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ [ص: 34] ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثارًا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرُها أو كلُّها متلقاةٌ من الإسرائيليَّات، وفي كثير منها نكارة شديدة، وقد نبَّهنا على ذلك في كتابنا التفسير، واقتصرنا هاهنا على مجرد التلاوة"؛ اهـ.

وقد تفضَّل اللهُ تبارك وتعالى على سليمان فمنحَه الكثيرَ من أسباب القوة، وعوَّضه ما يزيدُ في قوته على مائة ولد مجاهد، فسَخَّر له: ﴿ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ص: 36 - 39]، وكما أن الله أعزَّ منزلةَ سليمان في الدنيا فإنه أعدَّ له في الآخرة درجة عالية وحسنَ مآب، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ [ص: 34 - 40].

وقد وصف اللهُ تبارك وتعالى الريحَ التي سخَّرها لسليمان بما يفيد أنها تخضع لإرادة سليمان عليه السلام، فإن أحبَّ أن تكون لينةً هادئةً صارت كذلك، وإن أحبَّ أن تكون عاصفةً شديدةً سريعةً تَقطع في الغداة - أي: من أول النهار إلى الزوال - ما يقطع بالسير المعتاد في شهر، وتقطع في الرواح - أي: في الزوال إلى الغروب - ما يقطع بالسير المعتاد في شهر؛ أي: ما يقارب ثمانين وأربعمائة ميل في رحلة الصباح ومثلها في رحلة المساء، وإلى ذلك كله يشير قوله تعالى في سورة (ص): ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ [ص: 36]، وقوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 81]، وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ [سبأ: 12].

وكما أَلانَ الحديد لداود فقد أَسَالَ عينَ القطر لسليمان عليه السلام؛ أي: أذابَ له عين النحاس والحديد، فصارَ النحاس والحديد يخرج من معدنه كالعين الجارية من الماء دون أن يُشعل عليه نارًا؛ تيسيرًا له ومدًّا في أسباب قوَّته، كما سخَّر له الشياطين وهم مردة الجنِّ فمَن دونهم، يعملون بين يديه بأمر ربه خاضعين لا يجرؤ واحدٌ منهم على الهربِ من خدمة سليمان، ولو أراد الهرب لعجل الله بعقوبته، يعملون لسليمان ما يشاء من محاريب - أي قصور عالية ممرَّدة من قوارير - فالمحرابُ القصرُ، وإطلاقه على ما يعرف باسم القِبْلة، وهي في العادة تجاويف في جدار المسجد من جهة قبلته للتعريف بها - إطلاقُ المحراب على ذلك من الإطلاقات المحدثة التي لا يعرفها العرب، ومن الأخطاء الفاحشة كتابة قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾ [آل عمران: 37] على هذا التجاويف، فإنها غير مرادة من هذه الآية الكريمة، كما كانت الجنُّ تعمل لسليمان ما يشاء من التماثيل؛ أي: زخارف الجدران من صور الأشجار والزهور ونحوها، كما كانوا يصنعون قصاعًا كبارًا كأنها الحياض يقدم فيها الطعام، كما كانوا يعملون له قدورًا لطبخ الطعام ثابتة لا تحرَّك من مكانها لضخامتها، كما كانت الجنُّ تقوم بأعمال الغوص لاستخراج الجواهر، وفي ذلك كلِّه يقول الله عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ [الأنبياء: 82].

ويقول في سورة سبأ: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 12، 13].

ويقول في سورة (ص): ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ [ص: 37 - 40].

وكما سخَّر الله لداودَ الطيرَ محشورة تؤوبُ وتسبِّح الله بتسبيحه، فكذلك سخَّرَ الطير لسليمان يجمعها متى شاء ويعلم لغاتها ولغات الحشرات، وفي ذلك يقول الله عز وجل في سورة النمل: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ [النمل: 16، 17]؛ (أي: يجمعون عنده، ويسيرون بسيره، ولا يتقدَّم أحدٌ على مرتبته، ولا يشذُّون عن إرادته).

وقد قصَّ الله تبارك وتعالى قصةَ إحدى هذه المسيرات، فذكر أنه مَرَّ بجنوده هؤلاء على وادي النمل، فسارعت نملةٌ إلى نُصْحِ جماعتها بالدخول في مساكنهم، والابتعاد عن مسيرة سليمان وجنوده حتى لا يحطموهم دون علم منهم، فعرف سليمان لغتها وسمع نصحها لقومها فضحك، وسأل الله تعالى أن يُوزِعَه شكرَ نعمه التي أنعم بها عليه وعلى والديه، وأن يعملَ صالحًا يرضاه اللهُ، وأن يدخله برحمته في عباده الصالحين، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 18، 19].

وفي قِصَّة النمل لفت انتباه الناس إلى آيات الله في الكون، وما في العالم من أُمم، وما لهذه الأُمم من المعارف والسلوك، وما يكون في هذه العجماوات من التَناصُحِ وحبِّ الخير لبعضها بعضًا، فإن هذه النملة قد أَمَرَتْ وحَذَّرَتْ، واعتذرت عن سليمان وجنوده بأنهم لا يتعمَّدون الإضرار بأحد، ولا شَكَّ في أن الدَّارس لأخلاق النمل والنحل... وغيرها من العوالم يجد آيات شاهدات بأنه ربُّ كلِّ شيءٍ وسيده ومليكه، وأنه لا ينبغي الاعتداء على شيء من خلق الله بلا حَقٍّ؛ ولذلك روى مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قَرَصَتْ نبيًّا من الأنبياءِ نملةٌ، فأَمَرَ بقريةِ النملِ فأُحْرِقَتْ، فأوحى اللهُ إليه: أفِي أنْ قرصَتْكَ نملةٌ أَهْلَكْتَ أمةً من الأُمَمِ تُسبِّحُ؟! فهلَّا نملة واحدة)).

------------------

داود وسليمان عليهما السلام (6)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد



كان سليمانُ عليه السلام شديدَ العناية بجنوده من الجنِّ والإنس والطير، وكان يتفقَّدُهم ولا يغفل التفتيش عليهم؛ ليطمئنَّ على انضباطهم، وفي أثناء التفتيش تفقَّد الطيرَ ولم يجد الهدهد فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أشيء يستره عني، أم هو غير حاضر؟ فلما تأكد أنه غير موجود قال: لأعذبنَّه عذابًا شديدًا دون قتله أو لأقتلنَّه، إلا إذا جاء بعذر مقبول يدفع العقوبةَ عنه، ولم تطُلْ غيبة الهدهد حتى حضرَ إلى سليمان عليه السلام وبادره بقوله: علمتُ ما لم تعلم، وجئتُك من أرض اليمن من مملكة سبأ بخبرٍ عظيم قاطع لا شكَّ فيه ولا ريب، إني رأيت امرأة تتولَّى مملكتهم، وقد أُعطيَت جميع أسباب ما يرغب في اقتنائه الملوك المقتدرون من الرَّغَد والسَّعة والأبهة، ولها عرش فاخر، وجدتها مع قومها سبأ أبناء يشجب بن يعرب يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله، وقد زخرف الشيطانُ لهم طريقَ الشرك، فصدَّهم عن الحق وحال بينهم وبين إخلاص العبادة لله وحده الذي لا يجوز لأحد أن يعبد شيئًا سواه، فَهُم بالرغم من انفتاح الدنيا عليهم، وتقلُّبهم في نعماء الله - لا يهتدون إلى توحيد الله، يا حسرةً عليهم! لماذا لا يسجدون لله وحده الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء فيها، ولو كانت الخبيئة مثقال ذرة في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم؟!

وفي تهجين الهدهد لما تفعلُه ملكة سبأ هي وقومها من عبادة غير الله لَفْتُ انتباهِ الناس إلى تقرير الحقيقةِ الكبرى التي من أجلها خلق الخلق وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن الهدهدَ في هذا السبيل أعقلُ من كثير من الناس وأهدى، ولم يسارع سليمان عليه السلام إلى تصديقِ الهدهد أو تكذيبه، بل توقَّفَ في قبولِ خبره حتى يقِفَ على حقيقة هذا الأمر، وكتب كتابًا فيه: ﴿ مِنْ سُلَيْمَانَ ﴾ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾، وأمر الهدهد أن يكون هو الحامل لهذه الرسالة إليهم، فذهب الهدهد وألقى الرسالةَ على الملكة، ووقف يراقبُ: ماذا يكون من جوابِهم على هذه الرسالة؟ وماذا استحدث من أثر فيهم، وكان ذلك بإرشاد سليمان عليه السلام، فلما قرأت الملكة الكتابَ جمعت أمراءها ووزراءها وكبار مستشاريها ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 29 - 31]، وقالت ملكة سبأ أيضًا: يا أيها الملأ أشيروا عليَّ بما ترونه في هذا الأمر، فإني لا أقطع برأي ولا أستبد في أمر دون مشورتكم وأخذ رأيكم، فأجابوها بأنهم جميعًا يدٌ واحدة أقوياء أشداء في الحروب، ورأيُكِ مطاعٌ وأمرك نافذ، فانظري أيَّ رأي ترغبين فيه فنحن نسارع إلى طاعتك، ولا نعصي لك أمرًا، فأخبرتهم أنها تميل إلى مصانعة سليمان، والتلطُّف معه ومحاولة اكتساب رضاه؛ لأن الملوك الأقوياء إذا تمكنوا من بلد واستولوا عليها بالحرب حصل على أهلها ذِلَّة وصغار وتخريب ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ [النمل: 35]، وأنتظر الجواب منهم مع رسلي الذين أرسلتهم بالهدية.

فلما وصل رسول ملكة سبأ بالهديَّة وعرضها على سليمان عليه السلام وكانت أموالًا جزيلة، فرَدَّها سليمان عليه السلام ولم يقبلها و﴿ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ [النمل: 36] فما أنعم الله عليَّ به من النبوة والمُلك خيرٌ من جميع ما بأيديكم من زخارف الحياة الدنيا، إنما يفرح بما يقدم إليه من مثل هديتكم مَن كان مِن أهل المفاخرة والمكاثرة بزخارف الحياة الدنيا، وقد أعطاني الله عز وجل ما لم يُعطِه أحدًا من ملوك الدنيا المعاصرين لي وغيرهم، ثم أمر رسول ملكة سبأ بالرجوع بهديتها، وأعلمه أنه سيغزو بلادهم بجنود لا طاقة لأهل سبأ بها، وليُخرجنَّهم منها أذلَّة وهم صاغرون إن لم ينقادوا لأمر الله ويأتوني مسلمين قبل توجُّهي بجنودي نحو بلادهم، وأراد سليمان عليه السلام أن يَضرب لها مثلًا محسوسًا على قدرته بإذن الله عليها، فقال: ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 38]، فأجابه عفريت من الجن قائلًا: أنا آتيك به قبل أن ينفضَّ مجلسُك هذا، وإني عليه لقادر، فلا يعجزني حمله، وأمينٌ فلن أضيِّع شيئًا مما فيه من الجواهر، والعفريت هو القوي النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء، ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ والظاهر أنه جبريل عليه السلام؛ لأنه رسولُ الله بالكتاب إلى الأنبياء وهو يقرؤه عليهم قال: ﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ ﴾ في وقت أسرع، وهو أن أحضر لك عرش الملكة قبل طرفة عين، وفي الحال رأى سليمان عليه السلام العرشَ مستقرًّا أمامه، فأقبل سليمان على شكر الله تعالى والثناء عليه و﴿ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40]، وأراد سليمان عليه السلام أن ينبِّه العباد إلى أنه يجب عليهم شكر الله عند تجدد النعم، وأنه لا يجوز لأحد أمده الله بأسباب القوة أن يخطر على باله بأن يثبت لنفسه حولًا أو قوة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وهو على حدِّ قول الشاعر: إيَّاك أعني واسمعي يا جارة؛ ولذلك أتبعه بقوله: ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40].

ولمَّا علم سليمان أن ملكة سبأ توجَّهتْ إليه أمَرَ بإدخال بعض التعديلات الطفيفة على العرش؛ ليختبر ذكاءَها وفطنتها، فلما جاءت ورأت العرش قيل لها: ﴿ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾ [النمل: 42] ولم يقلْ: أهذا عرشك؟ لأنه لو قيل: أهذا عرشك؟ فقالت: نعم؛ لم يكن نصًّا في نجاحها في الاختبار، فلما قيل لها: ﴿ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾؟ أي: أهو شبيه بهذا العرش، فأجابت إجابة الفطن الواعي: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ [النمل: 42] فلم تُثبت ولم تنفِ، ولكنها أكَّدت شدةَ الشبه بعرشها.

وفرح سليمان والمؤمنون بذلك، وشكروا الله على أنهم أسبق منها بالعلم والإسلام، وكان قد صدَّها عن معرفة الله تعالى ما كان عليه قومها من عبادة غير الله، إنها كانت من قوم كافرين، فأمرها سليمان عليه السلام بدخول الصرح، وكان قصرًا مملسًا بالزجاج، وأرضه مملسة به حتى يحسبه من لا يعرفه ماء كثيرًا يحتاج إلى رفع الثياب عن الساق حتى لا تبتلَّ الثياب؛ ولذلك رفعت الملكة ثيابها وكشَفَتْ عن ساقيها، فأخبرها أنه ليس ماء وأنه ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾، فأيقنت أن مُلكها الذي أوتيت فيه من كل شيء ضئيل بالنسبة إلى ما أعطاه اللهُ لسليمان، وأعلنت إسلامها وانقيادها إلى أمر الله وطاعة سليمان عليه السلام، وأقرَّت بأنها ظلمت نفسَها عندما سجدت للشمس وعبدت غير الله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [النمل: 44].

----------------
داود وسليمان عليهما السلام (7)

الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد

ساقَ اللهُ تبارك وتعالى قصةَ تفقُّد سليمانَ الطيرَ وما كان من الهدهد، وقصة ملكة سبأ، ورسالة سليمان عليه السلام إليها بواسطة الهدهد، وما كان بينها وبين قومها من حوار في الجواب، وما كان في شأن عرشها، ومجيئها إلى سليمان، وقصة الصرح الممرَّد بالقوارير، ودخولها في الإسلام؛ حيث يقول عز وجل في سورة النمل:
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [النمل: 20 - 44].

كما ذكر الله تبارك وتعالى صورةً أخرى من صورة اهتمام سليمان بآلات الحرب؛ فذكر حرصَه على تفقُّد الخيلِ لما لها من أثر كبير في قتال أعداء الله، فأشار تبارك وتعالى إلى أنه قد عُرض على سليمان في وقت العَشِيِّ، وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، الخيلُ الصافنات، وهي التي إذا كانت واقفة قامت على ثلاث قوائم منها، ثم جعلت الرابعة من قوائمها - أي يديها ورجليها - على طرف الحافر استعدادًا للجري، وكانت هذه الخيل كلُّها مختارة من الجياد السِّراع السوابق، فأخذ ساستها في عرضها على سليمان، وبدأت مسيرة أولها من أمامه حتى غاب آخرها عنه إما بسبب انتهاء البصر وإما بسبب حاجز آخر من جبل أو غيره، فقال لساستها والمسؤولين عن رعايتها وملاحظتها: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ ﴾، فردوها عليه، وكانت قد أصابها الغبارُ، وظهر في سوقها وأعناقها؛ لأنها يكثر فيها العرق فيلصق به الغبار، فأخذ سليمان عليه السلام من شدة عنايته بها وحرصه عليها ولتنبيه الناس إلى فضلها؛ لأنها ((معقود في نواصيها الخير))، أخذ يمسح بيديه سوقَها وأعناقَها ليبعد الغبارَ عنها، وكان قد قال لمن حوله عند عرض الخيل عليه: إني أحببت الخير حبًّا شديدًا عن ذكر ربي، أي: أحببت الخيلَ حبًّا عظيمًا بسبب أن الله تعالى أثنى لي عليها ومَدَحَها لي ونبَّهني إلى فضلها، والخيل يطلق عليها اسم الخير، لكثرة خيرها؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة))؛ كما رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولا ينبغي أن يخطر على بالِ مسلم أن قوله: ﴿ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ [ص: 32] أنه أحبَّ الخيلَ عن صلاة العصر، وكان قد ضيَّع صلاة العصرِ بسبب عرضه للخيل، فهذا كذبٌ مفترًى على سليمان عليه السلام، وأنت قد تقول: أنا أحببت أبا بكر عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وتعني: أنك أحببت أبا بكر رضي الله عنه بسبب حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وعن طريق ذكره وثنائه عليه رضي الله عنه، فلا يخطر ببال مسلم أنك تريد أنك تحب أبا بكر أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هذا المعنى لا يخطُرُ ببالِ مسلم.

وقد ذكر الله تبارك وتعالى قصةَ عرض الخيل على سليمان في سورة (ص) حيث يقول: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ [ص: 31 - 33]؛ أما إرجاعُ الضمير في قوله تعالى: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ ﴾ إلى الشمس أو أنه طلب من الملائكة إرجاع الشمس حتى يصلِّيَ العصرَ مع أنه لا ذكر للشمس البتة في هذا السياق الكريم؛ فهو من دسائس اليهود، وقولٌ على الله بلا علم.

هذا، وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن التسلُّط على الجنِّ قد اختص الله تعالى به نبيَّه سليمان عليه السلام إجابة لدعوته؛ حيث قال تعالى عن سليمان عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ [ص: 35 - 37]، فقد روى البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ؛ ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذتُه، فأردت أن أربطَه إلى ساريةٍ من سواري المسجدِ؛ حتى تنظروا إليه كلُّكم، فذَكَرْتُ دعوةَ أخي سليمان ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾، فرددته خاسئًا)).

وقد استمرَّ سليمانُ بن داود عليه السلام في تسخير الجنِّ يعملون بين يديه بإذنِ ربِّه، وأرادَ الله عز وجل أن يبطل دعوةَ بعض الناس أن الجنَّ يعلمون الغيب، وأنهم قادرون على التسلُّط على الناس، حتى كان بعضُ أهل الجاهلية إذا نزلوا واديًا استعاذوا بشيوخ الجن من سفهائهم، يقولون: نعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهاء قومه، كما قال الله تعالى في ذلك: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ [الجن: 6]، أراد الله عز وجل أن يضرب مثلًا على أن الجن لا يعلمون الغيب، فَقُبِضَ سليمانُ بن داود عليه السلام وهو قائمٌ يراقبُ أعمالَ الجن بين يديه، وقد اتَّكَأَ على مِنْسَأَتِه؛ أي: عصاه، وقد مات وهو قائم ممسكٌ بعصاه، والجنُّ في أشغاله الشاقة بين يديه لا يعلمون أنه مات، حتى أراد اللهُ إظهارَ موتِه فسلَّط دابةَ الأرض؛ وهي الأرضة، فأكلت العصا من أسفلها، فلما سقطَ على الأرض أيقنَ الإنسُ والجنُّ أنه مات، وعَلِمَتْ الجنُّ أنهم لا يعلمون الغيب؛ إذ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في هذا العمل الشاقِّ، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14]، سلامٌ على سليمانَ في المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وإلى الفصل القادم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* باحثون يحذرون من ردود ChatGPT على المستخدمين.. يمكن التأثير عليها "بالمدح"
* واتساب يحصل على أداة الذكاء الاصطناعي "مساعدة الكتابة" مع المعالجة الخاصة
* دليل مبسط: طريقة استرجاع الصور المحذوفة من google photos
* ميزة "Take a Message" من جوجل تحول المكالمات المرفوضة إلى رسائل مسجلة
* مايكروسوفت تضع تغييرًا فى طريقة حفظ مستندات وورد على نظام ويندوز.. تعرف عليه
* جوجل تكشف عن نموذج الصور الجديد Gemini 2.5 Flash.. يحمل مزايا استثنائية
* مايكروسوفت تطرح نماذج جديدة للذكاء الاصطناعى.. قادرة على توليد الأصوات بدقة

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس