المسيح ابن مريم عليه السلام (13)
الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
ذكرْتُ في الفصل السابق أنه كانت هناك أناجيلُ كثيرة، وكان لكل فرقة من فرق النصارى إنجيلها الخاص بها، حتَّى قامت الكنيسة في أوائل القرن الثالث الميلادي بالإبقاء على أربعة أناجيل فقط، وهي: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا؛ وإليكم نبذة تبيِّن أن هذه الأناجيل مختلَفٌ في تاريخ تدوينها وفي اللغة التي كتبت بها، وفي البلد الذي أُلِّفَتْ فيه، وفي الذي قام بترجمتها، كما اشتملت على جملة من التناقضات فيما بينها؛ فإنجيل متَّى منسوب لمتَّى الحواريِّ أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر، ويعرف بمتَّى العشَّار؛ إذ كان قبل اتصاله بالمسيح عليه السلام من جباة الضرائب للرومان، وكان جباة الضرائب يعرفون آنذاك بالعشَّارين، وقد كان عمله في كفر ناحوم من أرض الجليل بفلسطين، وقد ذكر متَّى في إنجيله كيفية دخوله في دين المسيح؛ إذ يقول في الإصحاح التاسع من إنجيله: وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متى، فقال له: اتَّبعني فقام وتبعه، وبينما هو متكئ في البيت إذا عشَّارون وخطاة كثيرون قد جاؤوا واتَّكؤوا مع يسوع وتلاميذه، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟ فلما سمع يسوع قال لهم: لا يحتاج الأصحَّاء إلى طبيب بل المرضى، اذهبوا وتعلَّموا ما هو؟ إني أُريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة.
وقد اختلف النصارى في تاريخ تدوين هذا الإنجيل؛ فبعضُهم يدَّعي أنه أُلِّف عام 39م، وبعضهم يدَّعي أنه أُلِّف عام 41م، وبعضهم يقول: إنه أُلف في عهد الإمبراطور قلوديوس ولم يحدد السنة التي أُلف فيها، علمًا بأن قلوديوس حكم أربع عشرة سنة، ويقول هورن: إنه أُلِّف عام 37 و38 أو 41 أو 43 أو 48 أو 61 أو 62 أو 63 أو 64م.
وقد تَنَازع النصارَى كذلك في اللغةِ التي كُتِبَ بها هذا الإنجيل، وفي البلد الذي أُلِّف فيه؛ فمنهم من يقول: إنه كُتِب بالعبرية، ومنهم من يقول: إنه كُتِب بالسريانيَّة، ومنهم من يقول: إنه كتب في أورشليم، ومنهم من يقول: إنه كتب باليونانية، وأجمعوا على أنه لم يعرف إلا باليونانية، واختلفوا في مُتَرْجِمِه إلى اليونانيَّة، والمعروف أن متَّى لم يبقَ طويلًا في فلسطين بعد رفع المسيح عليه السلام، بل جالَ في بلاد كثيرة يبشِّر بالمسيحيَّة، واستقرَّ بأرض الحبشة حتى مات عام 70م ببلاد الحبشة، على إثر ضربٍ مبرح أنزله به أحد أعوان ملك الحبشة، وبعضهم يقول: إنه طُعِن برمحٍ بأرض الحبشة بعد أن قضى بها نحو ثلاثٍ وعشرين سنة.
أما إنجيلُ مرقص فمؤلفه أصلُه من اليهود أيضًا، وكانت أسرتُه تقيمُ بأورشليم في وقت ظهور المسيح عليه السلام، لكنَّه ليس من الحواريين، بل هو تلميذٌ لبطرس كبيرِ الحواريين، كما أنه تتلمذ على خالِه برنابا أحد الحواريين كذلك، وقد كتب هذا الإنجيل باللغة اليونانيَّة بطلبٍ من أهالي روميَّة، في عهد الإمبراطور نيرون، وقد ذكر سعيد بن البطريق النصراني في تاريخه أن هذا الإنجيل كتبه بطرس رئيس الحواريين عن مرقص في مدينة رومية ونَسَبه إلى مرقص، وهذا أمر عجيب غريب؛ إذ كيف يروي رئيس الحواريين عن تلميذه هذا الإنجيل، ثم ينسبه إلى التلميذ؟!
على أن بعضَ الرواة يقررون أن مرقص ما كتب إنجيله إلا بعد وفاة بطرس، وقد ذكر كتاب "مروج الأخبار في تراجم الأبرار": أن مرقص كان يُنكر ألوهية المسيح، هو وأستاذه بطرس الحواري، وقد جاء في هذا الكتاب عن مرقص أنه صنَّف إنجيلَه بطلب من أهالي رومية وكان ينكر ألوهية المسيح، وقد انتقل مرقص من بلدٍ إلى بلدٍ يبشِّر بالمَسِيحيَّة حتى دخلَ مصر في منتصف القرن الأول من الميلاد، فأقام بها، وأخذ يدعو إلى المَسِيحيَّة، فدخل فيها عدد كبير من المصريين، وقد كان يسافر من مصر أحيانًا إلى رومية، وأحيانًا إلى شمال إفريقيَّة، غير أنه آثر الاستقرار في مصر إلى أن ائتمر به الوثنيون فسجنوه وعذَّبوه، ثم قتلوه في عام 62م.
أما إنجيلُ لوقا فمؤلفه ليس من الحواريين كذلك ولا من تلاميذ الحواريين، وإنما تتلمذ لبولس (شاؤول اليهودي) وأخلَصَ له، وصار أخصَّ أصدقائه، وقد اختلف فيه فقيل: إنه أنطاكي ولد بأنطاكية، وقيل: بل روماني نشأ في إيطاليا، وبعضهم يقول: إنه كان طبيبًا، وبعضهم يقول: إنه كان مصورًا.
وقد أشار لوقا إلى سبب تأليفِه إنجيلَه، فبدأ هذا الإنجيل بقوله: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصَّة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا - إذ قد تتبعت كلَّ شيء من الأول بتدقيق - أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحةَ الكلام الذي علمت به، وقد تنازع مؤرخو النصرانيَّة في تاريخ تدوين هذا الإنجيل فقيل: إنه أُلِّف عام 53 أو 63 أو 84م، وقيل غير ذلك.
أما إنجيل يوحنا فمؤلفه محلُّ نزاعٍ شديدٍ عميقٍ بين علماء النصارى؛ فالكثير منهم يدَّعي أنه أحد الحواريين وهو يوحنا بن زيدي الصياد، وبعضهم يدَّعِي أنه يوحنا آخر لا يَمُتُّ إلى الأوَّلِ بِصِلة، وقد أنكر بعض علماء النصارى آخر القرن الثاني الميلادي نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري في الوقت الذي كان يعيش فيه أرينيوس تلميذ بوليكارب تلميذ يوحنا الحواري، ولم ينقلْ أحدٌ أن أرينيوس سمع من أستاذه صحة تلك النسبة، وقد قال علماء النصارى: إن كافة إنجيل يوحنا من تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية، كما جاء في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى النصُّ التالي: أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شكَّ كتابٌ مزوَّر أراد صاحبُه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادَّعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصًّا، مع أن صاحبه غير يوحنا يقينًا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثلَ بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين مَن نُسبتْ إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بِأَوْهَى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي أَلَّفَ هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليل، فإن أعمالهم تضيع عليهم سُدًى، لِخَبْطِهم على غير هدًى؛ اهـ.
وإلى الفصل القادم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
----------------
المسيح ابن مريم عليه السلام (14)
الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
ذكرْتُ في الفصل السابق إنكارَ دائرة المعارف البريطانيَّة أن يكون إنجيلُ يوحنا من تأليف يوحنا الحواري، وتقريرها أنه من تأليف كاتب مزوِّر من الجيل الثاني، وقد اختُلِفَ في تاريخ كتابة هذا الإنجيل؛ فبعضهم يرى أنه كتب سنة 95م أو 96م أو 98م، وقيل غير ذلك.
وعامةُ مؤرِّخي النصرانية يقررون أن إنجيل يوحنا هو وحده الذي نصَّ على ألوهية المسيح، مما يدلُّ على أنه أُلِّف لتقرير هذه الألوهية، وهذا يؤكد مذهب من يقول: إن مؤلفه أحد طلبة مدرسة الإسكندرية التي كانت تتزعَّم القولَ بألوهيَّة المسيح، مقررة لما آثرته عن بولس "شاؤول اليهودي".
وهذه الأناجيلُ الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا، متناقضة في شكلها وموضوعها، فمن صور اختلافها في مظهرها العام أن إصحاحات (فصول) إنجيل متى: 28 إصحاحًا، ومرقص: 16 إصحاحًا، ولوقا: 24 إصحاحًا، ويوحنا: 21 إصحاحًا.
أما تناقضُ هذه الأناجيل في حقيقة المسألة الواحدة فيظهر فيما يأتي:
إنجيل متَّى يقرِّر أن عيسى من أولاد سليمان بن داود، وإنجيل لوقا يقرر أن عيسى من أولاد ناثان بن داود، وإنجيل متَّى يقرِّر أن سلتائيل بن يكينا، وإنجيل لوقا يقرر أن سلتائيل بن نيري، وإنجيل متى يقرِّر أن من داود إلى يسوع ستة وعشرين جيلًا، وإنجيل لوقا يقرر أن من داود إلى يسوع واحدًا وأربعين جيلًا، كما أن إنجيل متى يقرر أن المرأة التي لحقت يسوع عند انصرافه إلى نواحي صور وصيدا كانت كنعانيَّة كما جاء في الإصحاح الخامس عشر منه، وإنجيل مرقص يقرر أن هذه المرأة كانت أممية، وفي جنسها فينيقيَّة سوريَّة كما جاء في الإصحاح السابع منه، والعجيب أن يدَ التلموديين اليهود ظاهرة في صياغة هذه الأناجيل؛ إذ إن التلمود اليهودي يقرر أن الناس قسمان يهود وأمميُّون، وأن اليهود يَفْضُلون الأمميين، كما يَفْضُل الإنسانُ البهيمةَ، وأن الأمميين جميعًا كلاب وخنازير، وهذه التعاليم الخبيثة التي يأباها مَن له أدنى مسكة من عقل تنسب الأناجيل التي بيد النصارى إلى عيسى عليه السلام أنه كان يعتقدها - برَّأَهُ اللهُ مما قالوا.
ففي قصة المرأة التي لحقت عيسى عليه السلام عند انصرافه إلى صور وصيدا تفوح هذه الرائحة الخبيثة التلموديَّة منه؛ ففي الإصحاح الخامس عشر من إنجيل متى في الفقرة الحادية والعشرين إلى 28: ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانيَّة خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدًّا، فلم يجبْها بكلمة، فتقدم تلاميذُه وطلبوا إليه قائلين: اصرفْها؛ لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أُرْسَلْ إلا إلى خِرَافِ بني إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أَعِنِّي، فأجاب وقال: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب؛ فقالت: نعم يا سيد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة، عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة، ثم انتقل يسوع من هناك وجاء إلى جانب بحر الجليل، وصعد إلى الجبل وجلس هناك، فجاء إليه جموع كثيرة معهم عُرْجٌ وعُمْيٌ وخُرْسٌ وشلٌّ وآخرون كثيرون، وطرحوهم عند قدمَيْ يسوع فشفاهم، حتى تعجب الجموع إذ رأوا الخُرس يتكلمون، والشل يصيحون، والعرج يمشون، والعُمي يبصرون، ومجَّدُوا إله إسرائيل.
ففي هذا النص يزعمون أن عيسى وصف غير بني إسرائيل بأنهم كلاب، ونفس هذا الوصف موجود في الإصحاح السابع من إنجيل مرقص، وإن تعجب فعجب أن يصدِّقَ عاقلٌ يؤمن بالأنبياء والمرسلين أن عيسى يصف مَنْ سوى الإسرائيليين بأنهم كلاب، نزَّهه الله وبرَّأه مما قالوا.
وبالرغم من أنه بعد أن قامت الكنيسة في أوائل القرن الثالث الميلادي بالإبقاء على هذه الأناجيل الأربعة فقط، فإن النزاع لم ينقطع بين أصحاب هذه الأناجيل الأربعة وبين أصحاب الأناجيل الأخرى حتى دخلَ الإمبراطور قسطنطين في النصرانية، وقد رأى النصارى في غاية التنازع؛ فمنهم من يعتقد أن المسيحَ عبدُ الله ورسوله، ومنهم مَن يدَّعي أنه ابن الله له صفة الأزلية، ومنهم من يدَّعي أن الله ثالث ثلاثة؛ فقرر عقد مؤتمر في نيقية، وقد كان في مصر رجلٌ ليبي الأصل يقال له: آريوس، وكان داعية قويًّا يدعو إلى توحيد الله عز وجل، ويقرر أن عيسى عبدُ الله ورسوله، وقد أخذ يقاوم كنيسة الإسكندرية التي كانت تنشُر بين الناس القولَ بألوهية المسيح، فأخذ آريوس يحارب هذه الكنيسة.
قالت الكاتبة الإنجليزية "ا - ل - بتشر" في كتابها (تاريخ الأمة القبطية) الذي ترجمه إلى العربية رجلٌ من الأقباط اسمه إسكندر تادرس، وتولَّى طبعه وأشرف عليه تادرس شنودة المنقبادي صاحب جريدة مصر، وطبع في مطبعة مصر بالفجالة سنة 1901م، تقول هذه الكاتبة الإنجليزية في ص 191 - 192 جـ1: "وقد ظهر في الإسكندرية بعد ذلك صديق وظهير لميليتيوس هو آريوس الهرطوقي المشهور وأصله من ليبيا، وقد سَامَه بطرس شماسًا في الكنيسة"، وتقول في ص 201: "أما الحوادث التي أوجبت انعقاد مجمع نيقية وما تمَّ في هذا المجمع فمعروفة عند الكثيرين؛ إذ أتى على ذكرها جماعة من علماء اللاهوت وشرحوها بالإسهاب، فلا حاجة لسردها الآن، ولم تأتِ سنة 319م حتى زاد تذمُّر الإسكندرانيين وكثُر لغطُهم ضد البدعة التي كان آريوس يسعى في نشرها وتعليمها للآخرين، مما دعا البطريك إسكندر أن يهتمَّ لأخذ الاحتياط اللازم لصدِّها".
ثم تقول في ص 202: "وأخيرًا كتب البطريك رسالة رعوية إلى آريوس وأتباعه ينذرهم بترك طريق الضلالة التي ساروا فيها والرجوع إلى الطريق السوي، ولكنه عبثًا حاول إقناعهم، ولا بد أن بعض الباحثين يعرفون أن نقطة الخلاف هذه كانت فيما يختص بألوهية المسيح".
ثم تقول: "إذًا فالذنب ليس على آريوس بل على فئات أخرى سبقته في إيجاد هذه البدع، فأخذ هو عنها، ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديدًا، كما كان تأثير آريوس الذي جعل الكثيرين ينكرون سر الألوهية حتى انتشر هذا التعليم وعمَّ".
ثم تقول في ص 203: وكانت نتيجة هذا كله أن البطريرك إسكندر شكَّل مجمعًا في سنة 320م حكم فيه على آريوس بالحرمان من عضوية الكنيسة، وهو ثالث حكم صدرَ ضده في حياته، أما آريوس فلم يخضع لهذا الحكم ولم يَعْبَأْ به، بل غادر الإسكندرية قاصدًا فلسطين حيثما جمع إليه أصدقاء أَثَّرَ فيهم تأثيرًا شديدًا؛ إذ استمالهم إليه بكليتهم، حتى إن يوساب أسقف نيكومديا الذي كان رفيقًا لآريوس في المدرسة اعتنق مذهب زميله كما هو، ومن ثم سعى بعد ذلك في استمالة الإمبراطور قسطنطين إلى هذا المذهب، وقد كان الإمبراطور المذكور صديقًا ليوساب يميل إليه كثيرًا".
وإلى الفصل القادم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------
المسيح ابن مريم عليه السلام (15)
الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
أشرتُ في ختام الفصل السابق إلى ما ذكرته المؤلفة الإنجليزية "بتشر" في كتابها تاريخ الأمة القبطيَّة من أن آريوس كان داعية قويًّا إلى أن عيسى عبدُ الله ورسوله، ليس إلهًا ولا ابن إله، وتستمر قائلة في بيان أسباب انعقاد مؤتمر نيقية: "ولما غرس آريوس غرسه هذا في يوساب أسقف نيكومديا آبَ إلى فلسطين؛ حيث سمح له يوسيبوس أسقف قيصرية وأساقفة آخرون بأن يَعْقِدَ جمعيَّات دينيَّة في أبروشيات مختلفة ليعظ فيها"، ثم تشير المؤلِّفة في ص 204 و205 إلى انتشار دعوة آريوس، وأن الإمبراطور أرسلَ مكتوبًا إلى البطريرك إسكندر وآريوس معًا لمحاولة إيقاف النزاع، وأنه لم يفلحْ في إيقاف هذا الشقاق عند حدِّه، فأصدر قسطنطين أوامره باجتماع جميع الأساقفة في نيقية ليفحصوا هذا المشكل ويبتُّوا فيه حكمًا قاطعًا بكلِّ صراحة وإمعانٍ، وبناء على ذلك الْتَأَمَ هذا المجمع الشهير سنة 325م، وفيه كُتب أولُ نسخة من قانون الإيمان النيقاوي.
ثم تقول في ص 207: "وقد يظنُّ البعضُ أن شقاق آريوس قد انتهى عند هذا الحدِّ، والحقيقة أنه بدأ يستفحل"، ثم تقول في ص 215: "أما ميليتيوس وآريوس فلم يكونا يرضخان لحكم المجمع النيقاوي؛ ولذلك بدأت اضطرابات جديدة تقع في الكنيسة المصرية. اهـ"، ويقول المعلِّقُ على هذا الكتاب وهو تادرس شنودة في هامش قرارات مؤتمر نيقية: "جاء في القانون الذي وضعه المجمع النيقاوي أنه قرَّر أن يصلِّي النصارى قائمين بدل ما كانوا يصلون راكعين. اهـ".
هذا، وقد كانت كنيسة الإسكندرية قائمة على قدمٍ وساق للقضاء على آريوس ومذهبه، وزعم البطريرك بطرس أن المسيح لَعَنَ آريوس، وأنه يحذرهم منه، وقال بطرس: "إني رأيت المسيح في النوم مشقوقَ الثوب، فقلت له: يا سيدي، من شَقَّ ثوبَك؟ فقال لي: آريوس، فاحذروا أن تدخلوه معكم".
هذا، وقد ساق سعيد بن البطريق الطبيب النصراني المؤرخ الشهير وكان من أهل فسطاط مصر ومولده في يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 263هـ، وعُيِّن بطريرك للإسكندرية في 8 من صفر سنة 321هـ، وتوفي في رجب سنة 328هـ - ساق ابن البطريق هذا في تاريخه في وصف المجتمعين في مؤتمر نيقية وعددهم ومذاهبهم، يقول ابن البطريق: بَعَثَ الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، وكانوا مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها، ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر وإنما مرَّ في بطنها كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن الكلمة دخلت في أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منَّا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وأنه اصطفي ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، وحلَّت فيه بالمحبة والمشيئة؛ ولذلك سُمِّي ابن الله، ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح وطالح وعدل بينهما، ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح، وهي مقالة بولس الرسول، يعني: شاؤول اليهودي.
وهكذا أورد ابن البطريق صورة واضحة لعدد ومذاهب المجتمعين في مؤتمر نيقية عام 325م لتقرير الديانة النصرانية، وقد نَصَرَ المذهبَ الأخيرَ - وهو القول بألوهية المسيح الذي كان ابتدعه شاؤول (بولس) - ثمانية عشر وثلاثمائة أسقف، وخالفهم ثلاثون وسبعمائة وألف أسقف، والعجيب الغريب أن الإمبراطور قسطنطين لم يلتفت إلا لقول القائلين بألوهية المسيح، وعقد مجلسًا خاصًّا لأصحاب هذا الرأي يصفُه ابن البطريق إذ يقول: وضع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا مجلسًا خاصًّا عظيمًا، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعه إليهم، وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على مملكتي لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين وصلاح المؤمنين، فباركوا الملك، وقلَّدوه سيفَه وقالوا له: أظهر دينَ النصرانية وذبَّ عنه، ووضعوا له أربعين كتابًا فيها السنن والشرائع منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به. اهـ".
ومن هذا التاريخ حُرمت مخالفة هذا المذهب وحورب مخالفوه وحُرِّم العمل بأي إنجيل عدا الأناجيل الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا.
وقد أشار الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم إلى هذه المذاهب النصرانية المنحرفة عن دين المسيح عليه السلام حيث يقول عز وجل في سورة مريم: ﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [مريم: 34 - 38].
ويقول عز وجل في سورة الزخرف: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ [الزخرف: 63 - 65].
على أنَّ اليهود والنصارى مع إقرارهم في كتبهم بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الإله الواحد الحق، فإن اليهودَ عبدوا العُزيرَ واتَّخذوا أحبارَهم أربابًا من دون الله، وعبدَ النصارى المسيحَ واعتقدوه إلهًا وابن إله، كما اتخذوا رهبانَهم أربابًا من دون الله.
وفي ذلك يقول تبارك وتعالى في سورة التوبة: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 29 - 33].
وإلى الفصل القادم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.