الموضوع
:
سلسلة كيف نفهم القرآن بأسلوب بسيط؟
عرض مشاركة واحدة
02-10-2026, 01:39 AM
#
10
مشرفة قسم القرآن
الملف الشخصي:
تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 114
الربع الرابع من سورة آل عمران
الآية 52:
﴿
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ
﴾ أي: من اليهود ﴿
الْكُفْرَ
﴾: أي: التصميم على الكفر برسالته: نادَى في أصحابه المخلصين، فـ ﴿
قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ
﴾: أي: مَن يكونمعي في نُصرة دين الله؟، ﴿
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
﴾ وهم أصفياء عيسى (الذين اختارَهم لِصُحبته): ﴿
نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ
﴾: أي: نحن أنصار دين اللهِ والداعون إليه، ﴿
آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
﴾: أي: وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنّنَا مستسلمون للهِ تعالى بالتوحيدوالطاعة).
♦
وفي هذا دليل على أن دينَ الله واحدٌ وهو الإسلام، وذلك على مُختلف الأزمان والعصور، قال تعالى: ﴿
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
﴾، ولكنّ الشرائع هي التي اختلفت، كما قال تعالى: ﴿
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا
﴾، ثم خُتِمَت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي نَسخت جميع الشرائع المُنزَّلة، قال تعالى: ﴿
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
﴾ ، ولذلك تَعهَّد اللهُ تعالى بحِفظ القرآن، قال تعالى: ﴿
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
﴾، وقال تعالى: ﴿
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ
﴾، أما الكتب السماوية الأخرى فإنّ الله لم يتعهد بحفظها، ولكنه وَكَلَ حِفظَها إلى الأحبار والرُهبان، قال تعالى: ﴿
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ
﴾، ولذلك أصابها التحريف).
الآية 53، والآية 54:
﴿
رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
﴾: أي: عيسى عليه السلام، ﴿
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
﴾: أي: فاجعلنافي الآخرة مع مَن شَهِدوا لك بالوحدانية ولأنبيائك بالرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليهوسلم، الذين يَشهدون للرسل بأنهم قد بلَّغوا أمَمَهم)، فلما قام الحواريون مع عيسى بنُصرة دين الله وإقامة شَرعه: آمنَتْ طائفة مِن بني إسرائيل بعيسى، وكفرتْ طائفة أخرى، فاقتتلت الطائفتان، فلهذا قال تعالى: ﴿
وَمَكَرُوا
﴾: أي: ومَكر الذين كفروا - من بني إسرائيل - بعيسى عليه السلام، بأن وَكَّلوا به مَن يَقتله، ﴿
وَمَكَرَ اللَّهُ
﴾ بهم، فألقى شَبَه عيسى على رجلٍ دَلَّهم عليه، فأمسَكوا به، وقتلوه وصلبوه (ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام)، ﴿
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
﴾.
♦
وفي هذا إثبات صفة المَكْر لله تعالى على ما يَليقُ بجلاله وكماله، لأنه مَكْرٌ بحق، وفي مقابلةمَكْر الماكرين)، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: (وامكُر لي ولا تمْكُر عليّ) (انظر صحيح الترمذي: 3551)، ومما يَجب أن يُعلَم أنَّ أفعالَ الله تعالى لا تُشبه أفعال العباد، لأنّ ذاتَهُ سبحانه لا تُشبه ذَواتِهم.
الآية 55:
﴿
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى
﴾: يعني: ومكر الله بهم حين قال لعيسى: ﴿
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
﴾: أي: إني قابضك من الأرض - حياً - مِن غير أن يَنالك سُوء، ومُتمِمٌ لك ما كُتِبَ لك مِن أيام بقاءك مع قومك، ﴿
وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
﴾ ببدنك وروحك، (واعلم أن بعض المُفسرين قد فسَّروا قوله تعالى لعيسى: (إني متوفيك): أنه ألقَى عليه النوم، ثم رفعه إليه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
﴾ ، فأطلق سبحانه لفظ الوفاة على النوم)، ﴿
وَمُطَهِّرُكَ
﴾: أي: ومُخلصك ﴿
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
﴾ ﴿
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ
﴾: أي: الذين هم على دينك الحق (مِن توحيد الله تعالى، ومِن البِشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم)،فآمَنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعْثَته، والتزموا شريعته، فأولئك سأجعلهم ﴿
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
﴾، وبالفعل، فقد أخبر سبحانه - في آيةٍ أخرى - بأنه أيَّد المؤمنين منهم على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين عليهم، حتى بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان المسلمون هم المُتبعين لعيسى حَقيقةً، فأيَّدهم اللهُ تعالى ونصرهم على اليهود والنصارى وسائر الكفار، وإنما يَحصل في بعض الأزمان انتصار الكفار على المسلمين، وذلك حِكمةًً مِن الله تعالى، وعقوبةً للمسلمين على تَرْكِهم العمل بكتاب ربهم، وسُنَّة رسولهم صلى الله عليه وسلم، ﴿
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
﴾ مِن أمْر عيسى عليه السلام).
♦
واعلم أنّ في قولِهِ تعالى: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): دليلٌ على عُلُوّ اللهِ تعالى واستوائِهِ على عرشهِ حَقيقةً، كما دَلَّت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، مِن غير تشبيهٍ - لهذا الاستواء - ولا تَكييف، (يعني مِن غير أن نقول: كيف استوى على العرش؟)، وسيأتي تفصيل ذلك في مَوضعه بإذن الله تعالى.
الآية 56:
﴿
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
﴾ بالمَسيح من اليهود، أو غَلَوا فيه من النصارى (يعني جاوَزوا الحَدّ في تعظيمه)، ﴿
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا
﴾ بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة المُلك، ﴿
وَالْآَخِرَةِ
﴾: أي: وأعذبهم في الآخرةبالنار، ﴿
وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
﴾ يَنصرونهم ويَدفعون عنهم عذاب الله).
الآية 58:
﴿
ذَلِكَ
﴾ الذي ﴿
نَتْلُوهُ عَليْكَ
﴾: أي: نقصُّه عليك في شأن عيسى هو ﴿
مِنَ الْآَيَاتِ
﴾: أي: من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وذلك باعتراف علماء النصارى أنفسِهِم، مثل النَجاشِي (مَلِك الحَبَشة)، وَمَن معه، فحِينما تلا عليهم جعفر بن أبي طالب آياتٍ مِن سورة مريم، حتى وصل إلى قول الله تعالى - حِكايةً عن عيسى -: ﴿
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
﴾، قال النَجاشيُّ لِجعفر: (إنَّ الذي قلتَ - (وهو القرآن) -، والذي قال عيسى - (وهو الإنجيل) - لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحدة)، وهو اللهُ تبارك وتعالى.
﴿
وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
﴾: يعني: وهذا الذي نتلوه عليك هو من الدلائل الواضحة على صحة هذاالقرآن الحكيم الذي يَفصل بين الحق والباطل).
الآية 59:
﴿
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ
﴾: أي: إنَّ خَلْقَ الله لعيسى مِن غير أب، مَثَلُُهُ كَمَثل خَلْق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خَلَقَهُ من تراب الأرض، (﴿
ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
﴾) بَشراً (﴿
فَيَكُونُ
﴾)، فدَعوَى ألوهية عيسىلكونه خُلِقَ من غير أب دَعوَى باطلة، لأن آدم عليه السلام خُلِقَ من غير أب ولا أم،وقد اتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله، وإلاَّ، فقد كانَ آدمُ هو الأوْلَى بهذا الادِّعاء).
♦
ويُلاحَظ هنا أن الله تعالى قال: (﴿
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
﴾)، رَغمَ أنه كانَ مِن المُتوَقَّع أن يقول: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكان)، أي بصيغة الماضي، اتفاقاً مع سِياق الآية، ولكنه سبحانه أراد أن يُوضح أن هذا الأمر - وهو أمْر: (كُن فيكون) - يَتحقق في كل وقتٍ وحِين (في الماضي وفي المُستقبَل)، فكأنه سبحانه أراد أن يقول: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكان، وكذلك يكونُ أيّ شيءٍ يُريده، في أيّ وقتٍ يُريده).
الآية 60:
((﴿
الْحَقُّ
﴾): يعني: الذي جاءك أيها الرسول في أمر عيسى هو الحقُّ (﴿
مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
﴾): أي: فاستمِرّ علىيَقينك، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذاتثبيتٌ وطَمأنَة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأمّته).
الآية 61:
((﴿
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
﴾): أي: فمَن جادَلَك في أمر عيسى - مِن أهل الكتاب - (﴿
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ
﴾)، فنجتمعُ جميعاً في مكانٍ واحد، (﴿
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
﴾): أي: ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولَعْنتهعلى الكاذبين مِنّا، المُصِرِّين على عِنادهم، فيَهلَكوا على الفور) وبالفِعل، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغَد، ومعه الحسن والحسين وفاطمة (رضي الله عنهم)، إلاَّ أنّ علماء نصارى نَجران (الذين جاءوا يُجادلونه في أمر عِيسى) هَربوا من هذه المُلاعَنة، وذلك لأنهم عرفوا الحق، وخافوا إن لاعَنوا أن يَهلكوا، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأبَوْا، ورَضوا بالكفر (إبقاءً على زَعامتهم ودُنياهم)، ورضوا بالمُصالحة، فالتزموا بأداء الجِزيَة للمسلمين، (ففي هروب علماء نصارى نجران مِن المُلاعَنة: دليلٌ قاطع على أن محمداً هو رسول الله، وأنَّ دِينَهُ هو الدين الحق، وما سِواهُ باطل).
الآية 62:
((﴿
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
﴾) (﴿
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ
﴾): أي: وما مِن مَعبودٍ يستحق العبادة إلا الله وحده، (﴿
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴾).
الآية 63:
((﴿
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
﴾): يعني: فإن أعرَضوا عن تصديقك واتباعك فهم المفسدون، والله عليمٌ بهم، وسيُجازيهم على ذلك.
الآية 64:
((﴿
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
﴾): أي: إلى كلمةِ عدلٍ وحَقٍّ نلتزم بها جميعًا، وهي (﴿
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
﴾): يعني: ولا نتخذ أيَّ شريك معه،مِن وَثَنٍ أو صَنَمٍ أو صليب أو غير ذلك، (﴿
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
﴾): أي: ولا يَدِينُ بعضُنا لبعضٍ بالطاعة مِندون الله، (﴿
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
﴾) علينا (﴿
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
﴾): أي: منقادون لربنا وحده بالعبودية والإخلاص).
الآية 65:
((﴿
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ
﴾) بأن يَدَّعِي كلُ فريقٍ منكم أنه كان على مِلَّتِه، (﴿
وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
﴾): أي: وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية قد حدثت بعد وفاته بزمن؟ (﴿
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
﴾)؟).
الآية 67:
((﴿
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا
﴾) (﴿
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا
﴾): أي: مائلاً عن أي دين باطل، فكان عليه السلام (﴿
مُسْلِمًا
﴾): أي: مستسلمًا لربه، مُتَّبعًا لأمرِهِ وطاعته، (﴿
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾).
الآية 68:
((﴿
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
﴾): أي: لَهُمُ الذين اتبعوه على التوحيد مِن أمَّته، وآمَنوا برسالته، (﴿
وَهَذَا النَّبِيُّ
﴾): أي: وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، (﴿
وَالَّذِينَ آَمَنُوا
﴾) بهِ هم أحَقّ الناس بإبراهيم، وأوْلَى بهِ مِن غيرهم، لأنهم هم الذين اتبعوه على مِلَّتِه، وأما مَن نَبذ مِلَّتَهُ وراءَ ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم، وهو ليس منهم، (﴿
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
﴾)).
♦
واعلم أنَّ اللام التي في قوله تعالى: (﴿
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
﴾) تُسَمَّى: (لام التوكيد) واعلم أيضاً أن هذه الآيات قد اشتملت على النَهي عن الجدال بغير علم.
الآية 69:
((﴿
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ
﴾) عن الإسلام، (﴿
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
﴾) وأتباعهم (﴿
وَمَا يَشْعُرُونَ
﴾) بذلك لفساد قلوبهم).
الآية 70:
((﴿
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ
﴾): يعني: لِمَ تجحدون - حسداً وعِناداً - بآيَاتِ اللَّهِ التي أنزلها في كتبكم،وفيها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الرسول المُنتظَر، وأنَّ ما جاءكم به هوالحق، (﴿
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
﴾) بذلك في أنفسكم، ولكنكم تُنكرونه أمام الناس).
الآية 72:
((﴿
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا
﴾): أي: أظهِروا الإيمان (نِفاقاً) (﴿
بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ
﴾): أي: أولالنهار، (﴿
وَاكْفُرُوا
﴾) به (﴿
آَخِرَهُ
﴾): أي: آخرالنهار (﴿
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
﴾): أي: لعلهم يتشكَّكون في دينهم فيَرجعونَ عنه).
الآية 73:
((﴿
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
﴾): يعني: ولا تُصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن آمَنَ بدينكم، (﴿
قُلْ إِنَّ الْهُدَى
﴾) والتوفيق هو (﴿
هُدَى اللَّهِ
﴾) وتوفيقه للإيمان الصحيح، وقالوا: لاتظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين (﴿
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ
﴾): أي: حتى لا يتعلموا منكم فيُساوُوكم في العلم، (﴿
أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
﴾): يعني: أو يتخذوا هذا العلم - الذي عندكم - حجة عليكم عند ربكم، فيغلبونكم بها، (﴿
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
﴾) (﴿
وَاللَّهُ وَاسِعٌ
﴾) يَسَعُ بعلمه وعطائه جميعم خلوقاته، (﴿
عَلِيمٌ
﴾) بمَن يستحق فضله ونِعَمَه).
♦
واعلم أن هذه الجُملة: (﴿
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
﴾): هي مَعطوفة على قولهم في أول الآية: (﴿
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
﴾)، فكأنهم يقولون: (﴿
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا تُظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، حتى لا يُؤْتَوا من العلم مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ بهذا العلم عِنْدَ رَبِّكُمْ
﴾)، وبهذا تكون الجُملة: (﴿
قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ
﴾): هي جملة اعتراضية بين الجملتين، للتأكيد على أن التوفيق للهُدى إنما هو بيد الله تعالى وحده.
الربع الخامس من سورة آل عمران
الآية 75 ، والآية 76:
(﴿
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ
﴾): أي تأمَنْهُ على مالٍ كثير، فـ (﴿
يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
﴾) منغير خيانة، (﴿
وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ
﴾) واحد، فـ (﴿
لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا
﴾): أي إلا إذا بذلتَغاية الجهد في مُطالبته، و (﴿
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
﴾): أي بسبب أنهم (﴿
قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
﴾): أي ليس علينا في أكل أموال العربإثمٌ ولا مؤاخذة، لأن الله قد أحَلَّهالنا، وهذا كَذِبٌ على الله، ولذلك قال سبحانه بعدها: (﴿
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾) أنهم كاذبون، (﴿
بَلَى
﴾): يعني ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإنّ المُتَّقِي حقاً هو (﴿
مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ
﴾) الذي عاهدَ اللهَعليه مِن أداء الأمانة، ومِن الإيمان به وبرسله، (﴿
وَاتَّقَى
﴾): أي وخافَ اللهَ عَزَّوَجَلّ، فامتثلَ أمْره، وانتهى عَمَّا نَهى عنه، (﴿
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
﴾).
الآية 77:
(﴿
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ
﴾): أي يَستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصاهم بها في كتبهم، وكذلك يستبدلون بحَلِفِهم باللهِ (﴿
ثَمَنًا قَلِيلًا
﴾): أي عَرَضَاً زائلاً مِن الدنيا، (﴿
أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ
﴾): أي لا نصيبَ لهم (﴿
فِي
﴾) نعيم الدار (﴿
الْآَخِرَةِ
﴾)، (﴿
وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
﴾) يوم القيامة غضَباً عليهم، لتقديمهم هَوَى أنفسِهم على رضا ربهم، (﴿
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
﴾) بعَين الرحمة، (﴿
وَلَا يُزَكِّيهِمْ
﴾): أي ولا يُطهِّرُهم مِن دَنَسذنوبهم وكُفرهم،(﴿
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
﴾) دائمٌ مُقيم في دار الشقاء).
♦
ولذلك يجب ألاَّ يطمئن المسلمون إلى اليهود أبداً، وألاَّ يثقوا فيهم - حتى ولو حلفوا لهم -، وذلك لِما عُرِفوا بهِ من الغدر والخيانة، واعلم أنه يدخل أيضاً في هذه الآية ما يُلزِمُ الرجل به نفسه من عبادةٍ وغير ذلك، لأنّ كل ذلك مِن عهْد الله الذي يَجب الوفاء به.
الآية 78:
(﴿
وَإِنَّ مِنْهُمْ
﴾) - أي من أهل الكتاب - (﴿
لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ
﴾): أي يُحَرِّفون الكلام - الذي في كتابهم - عن معناه الحقيقي، وكذلك يُحَرِّفون ألفاظه، بل ويَزيدون فيه مِن كلامهم، ثم يُمِيلون ويَعْوِجُون أَلْسِنَتَهُمْ بهذا الكلام الذي أضافوه، وذلك (﴿
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ
﴾): أي ليُوهِموكم أن هذا من الكتاب، (﴿
وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ
﴾) (﴿
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
﴾)، وهُممن أجل دنياهم: (﴿
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾): أي يقولون على الله الكذب، مع عِلمهم أنهم يَكذبون على الله، وهذا أعظم جُرماً ممن يقولُ على الله بغير علم).
الآية 79:
(﴿
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ
﴾): أي يُنَزِّل الله عليه كتابه، (﴿
وَالْحُكْمَ
﴾): أي ويجعله حَكمًا بين خلقه، (﴿
وَالنُّبُوَّةَ
﴾): أي ويؤتيه النُبُوَّة، (﴿
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
﴾)، فهذا يستحيل أن يَصدر مِن أحدٍ مَنَّ اللهُ عليه بالنُبُوَّة، (﴿
وَلَكِنْ
﴾) يقول لهم: (﴿
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
﴾): أي كونوا حكماءفقهاء علماء (﴿
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
﴾): أي: بسبب تعليمكم الكتاب للناس، وهذا التعليم يَستلزِمُ بالضرورة أن تكونوا أنتم على عِلمٍ بالكتاب، وأن تكونوا قدوة للناس (عِلماً وعَملاً)، (﴿
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
﴾): يعني وبما تدرسونه من الكتابِحِفظًا وعلمًا وفقهًا).
الآية 80:
(﴿
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا
﴾): أي آلهة تَعبدونهم مِن دون الله تعالى، (﴿
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
﴾): يعني أَيُعْقَلُ - أيها الناس - أن يأمركم بالكفر بالله، بعد أن أمَركم أن تنقادواله؟، وبعد أن كنتم على فِطرَتِكم الأولى (وهي التوحيد)؟، وبعد تعاليم الرُسل التي قبله بتوحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له؟ هذا لا يُعقَلُ أبداً، ولا يكونُ بأي حال).
الآية 81:
(﴿
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ
﴾): أي واذكر حين أخذ الله العهد المؤكَّد على جميع الأنبياء، فقال لهم: (﴿
لَمَا آَتَيْتُكُمْ
﴾): يعني لَئِنْ آتيتكم (﴿
مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
﴾) مِن عندي (﴿
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
﴾) (﴿
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
﴾): يعني فهل أقررتم واعترفتم بذلك، وأخذتم عليه عهدي المُوَثق؟ (﴿
قَالُوا أَقْرَرْنَا
﴾) (﴿
قَالَ فَاشْهَدُوا
﴾): أي فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أمَمِكم بذلك، (﴿
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
﴾) عليكم وعليهم (وفي هذا أن الله قد أخذ العهد على كل نبي أن يؤمنبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ العهد أيضاً على أمم الأنبياء بذلك).
الآية 82:
(﴿
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ
﴾): أي فمن أعرض عن الإسلام بعد هذا العهد الذي أخذه الله علىأنبيائه (﴿
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
﴾).
الآية 83:
((﴿
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
﴾): يعني هل يريدون ديناً غير الإسلام؟ (﴿
وَلَهُ
﴾): أي وللهِ تعالى (﴿
أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
﴾): أي طَواعِيَةً (كالمؤمنين)، (﴿
وَكَرْهًا
﴾): أي ورغمًا عنهم عند الشدائد، حِينَ لا ينفعهم ذلك (وهمالكفار)، مثل إسلام " فرعون " عند موته، (﴿
وَإِلَيْهِ
﴾) وحده (﴿
يُرْجَعُونَ
﴾) جميعاً (مؤمنهم وكافرهم)، فيُجازي كُلاًبعمله، وفي هذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحدٌ منهم على غير مِلَّةالإسلام).
الآية 86:
(﴿
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ
﴾): أي كيف يُوَفِّق اللهُ - للإيمان به وبرسوله - قومًا جحدوا نُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلمبعد إيمانهم به، (﴿
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
﴾): يعني وبعد أن شهدوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم حق، وأن ما جاء به هو الحق، (﴿
وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
﴾): أي وبعد ما جاءتهم الحُجَج والدلائل من عند الله بِصِحَّة ذلك، (﴿
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
﴾).
الآية 90:
(﴿
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا
﴾): أي ثم استمروا على كفرهم حتى الممات، فأولئك (﴿
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
﴾) عند حضور الموت، (﴿
وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
﴾).
الآية 92:
(﴿
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ
﴾): أي لن تبلغوا درجة الأبرار، ودرجة البر (الذي هو كمال الخير، والمُوصِل صاحبَه إلى الجنة)، قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحيْن - : (وإن البر يَهدي إلى الجنة)، فلن تبلغوا هذه الدرجة (﴿
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
﴾) أي: حتى تنفقوا من الأشياء التي تحبها نفوسكم (سواء كانَ مالاً أو طعاماً أو غير ذلك)، (لأنكم إذا قدَّمتم محبة الله على ما تحبه أنفسكم: دَلَّ ذلك على إيمانكم الصادق)، واعلم أنه يدخل في ذلك أيضاً: الإنفاق في حال حاجة المُنفِق إلى ما أنفقه)،(﴿
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
﴾)، وسيُجازيكم بهِ أوْفَر الجزاء).
الربع السادس من سورة آل عمران
الآية 93:
﴿
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا
﴾: أي: حلالاً ﴿
لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ
﴾ لِمرضٍ نَزل به، وذلكَ ﴿
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ
﴾، فلما نُزِّلتالتوراة، حَرَّم اللهُ فيها - على بني إسرائيل - بعض الأطعمة التي كانت حلالاً لهم، وذلكبسبب ذنوبهم وظُلمهم، ﴿
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
﴾ في دعواكم الكاذبة (مِن أن الله هو الذي حَرَّمَ على يعقوب هذه الأطعمة، وأنه أنزل في التوراة هذا التحريم على يعقوب)، وذلك حتىتعلموا صِدْقَ ما جاء في القرآن مِن أن الله لم يُحَرِّم على بني إسرائيل شيئًا قبل نزول التوراة، لا على يعقوب ولا على غيره، إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه).
الآية 94:
﴿
فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
﴾: أي: فمَن كذبَ على اللهِ بعدَ قراءة التوراة ووضوح الحقيقة: ﴿
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
﴾.
الآية 95:
﴿
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ
﴾ ﴿
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
﴾: أي: فإن كنتم صادقينفي مَحبتكم وانتسابكم لإبراهيم عليه السلام، فاتبعوا مِلَّتَهُ التيشرعها الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها الحق الذي لا شك فيه، وقد كانَ إبراهيم عليه السلام ﴿
حَنِيفًا
﴾: أي: مائلاً عن أي دينٍ باطل، فكانَ عليه السلام مُسلماً لله تعالى، ﴿
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾.
الآية 96:
﴿
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
﴾: أي: بُنِيَ لعبادة الله في الأرض: ﴿
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
﴾: أي: لَهُوَ بَيتُ اللهِ الحرام الذي بمكة، ﴿
مُبَارَكًا
﴾: يعني: وهذا البيت مُبارك تتضاعف فيه الحسنات، وتتنزَّل فيه الرحمات، ﴿
وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ
﴾: أي: (وفي استقباله فيالصلاة، وكذلك في قصْدِهِ لأداء الحج والعمرة): صلاحٌ وهداية للناس أجمعين).
الآية 97:
﴿
فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ
﴾: أي: في هذا البيت دلالاتٌ ظاهراتٌ على أنه مِن بناء إبراهيم، فمِن هذه الدلالات: مَقامُ إبراهيم عليه السلام، وهو الحَجَر الذي كان يَقف عليه حين كان يَرفعالقواعد مِن البيت، هو وابنه إسماعيل، ﴿
وَمَنْ دَخَلَهُ
﴾: أي: ومَن دخل المسجد الحرام: ﴿
كَانَ آَمِنًا
﴾: أي: كان حقاً عليكم أن تؤَمِّنُوه، فلا يَحِلّ أنيَناله أحدٌ بسُوء، ﴿
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
﴾: يعني: وقد أوْجَبَ الله قَصْدَ هذاالبيت على المستطيع (بمالِهِ وبدنه) لأداء مناسك الحج، ﴿
وَمَنْ كَفَرَ
﴾: أي: ومَن جحد فريضة الحج فقد كفر، ومَن كفر ﴿
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
﴾ عنه وعنحجِّه وعمله، و ﴿
عَنِ الْعَالَمِينَ
﴾.
الآية 99:
﴿
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ
﴾: أي: لم تصدون مَن أراد الدخولفي سبيل الله (وهو دين الإسلام)، و﴿
تَبْغُونَهَا
﴾ له ﴿
عِوَجًا
﴾: يعني: وتريدون له زَيغًا ومَيلا عن الاستقامة والهدى، وذلك بتشكيكه وتضليله، حتى يَضِلّ، ﴿
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ
﴾: أي: وأنتم تعلمون أن ما جئتُ بههو الحق؟، ﴿
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
﴾.
♦
واعلم أن الهاء التي في كلمة: (تبغونها) عائدة على (سبيل الله)،لأن كلمة: (السبيل) تؤنَّث وتُذَكَّر، وبذلك يكون المعنى: (وتَبغون العِوَجَ لِسالِكِها (أي: سالِك سبيل الله)).
الآية 100:
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
﴾:أي: يُضِلُّوكم، ويُلقوا إليكم الشُبُهات فيدينكم، لترجعوا جاحدين للحق بعد أن كنتم مؤمنين به، فلا تأمَنوهم على دينكم،ولا تقبلوا لهم رأيًا أو مَشورة).
الآية 102:
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
﴾، وذلكبأن يُطاع فلا يُعصَى، وبأن يُشكَر فلا يُكفَر، وبأن يُذكَر فلا يُنسَى، ﴿
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
﴾: أي: وداوِموا على تمَسُّكِكُمبإسلامكم إلى آخر حياتكم، لتلقوا اللهَ وأنتم عليه).
الآية 103:
﴿
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
﴾: أي: وتَمَسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهَدْي نبيكم، ﴿
وَلَا تَفَرَّقُوا
﴾: أي: ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فُرقَتِكم، ﴿
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
﴾ ﴿
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
﴾: أي: بفضله ﴿
إِخْوَانًا
﴾، ﴿
وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
﴾: أي: على حافة نار جهنم، ﴿
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
﴾ بأنْ هَداكم للإسلام، ﴿
كَذَلِكَ
﴾: أي: وكما بَيَّنَ الله لكم مَعالم الإيمانالصحيح: ﴿
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
﴾ إلى كل ما فيه صلاح دينكم ودنياكم).
الآية 104:
﴿
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
﴾:أي: جماعة ﴿
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
﴾ ﴿
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
﴾ وهو ماعُرفَ حُسْنُهُ (شَرعًا وعُرفاً بين الناس)، ﴿
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
﴾ وهو ما عُرف قُبْحُهُ (شرعًا وعُرفاً بين الناس)، ﴿
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴾: أي: الفائزون بجنات النعيم).
الآية 105:
﴿
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
﴾ شِيَعًا وأحزابًا،ة ﴿
وَاخْتَلَفُوا
﴾ في أصول دينهم ﴿
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
﴾: أي: من بعد أن اتضح لهم الحق، ﴿
وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾.
♦
واعلم أن كلمة: (البيّنات) ليست مُؤنّثاً حقيقياً، بمعنى أنه يجوز تذكيرها ويجوز تأنيثها، فيجوز أن تأتي مع الفِعل المُذَكَّر: (جاءهم)، كما يجوز أن تأتي مع الفِعل المُؤنَّث: (جاءتهم)، ولذلك نجد أن الله تعالى أحياناً يقول: (جاءهم البيّنات)، وأحياناً يقول: (جاءتهم البيّنات).
الآية 107:
﴿
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
﴾ وهم أهل السعادة، الذين آمنوا بالله ورسوله، وامتثلواأمْرَه: ﴿
فَفِي رَحْمَةِ اللهِ
﴾: أي: فأولئك فيجنة الله ﴿
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
﴾.
الآية 108:
﴿
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
﴾:أي: بالصِدقواليقين، ﴿
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ
﴾: أي: وما اللهُ بظالمٍ أحدًا مِن خَلقِه، ولا بمُنقِصهم شيئًا من أعمالهم).
الآية 110، والآية 111:
﴿
كُنْتُمْ
﴾: أي: كَتَبَ الله أنكم ستكونونَ ﴿
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
﴾: أي: خُلِقَت لِنفع النَّاسِ، وذلك لأنكم ﴿
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
﴾ ﴿
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
﴾ إيماناً صادقاً يُؤّيِّدُهُ العمل، ﴿
وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ
﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به مِن عندِ الله، كما آمنتم ﴿
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ
﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
﴾ برسالة محمد صلى اللهعليه وسلم العاملون بها، وهم قليل، ﴿
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، وهؤلاء ﴿
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى
﴾: أي: إلا ما يُؤذي أسماعكم من ألفاظ الشركوالكفر وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا
﴾، ﴿
وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ
﴾: أي: يُعطونكم ظهورهم فِراراً منكم، ﴿
ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ
﴾ عليكم).
الآية 112:
﴿
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
﴾: يعني: أحاطت بهم ﴿
الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا
﴾: أي: فهم أذِلاَّءُ مُحتقَرونأينما وُجِدوا، فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين، تُؤخَذ منهم الجِزْيَة ويُسْتَذَلُّون، أو تحت أحكام النَصارَى، ﴿
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ
﴾: أي: إلا بعد أن يُوفوا بعهد الله الذي أخذه عليهم مِن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم متى بُعِث، والدخول في الإسلام، فبذلك يَزول ذلك الذل عنهم، ﴿
وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
﴾: يعني: أو بعهدٍ من الناس يأمَنون به على أنفسهموأموالهم، كحماية دولة قوية لهم، أو مُعاهَدةٍ يفعلونها، أو غير ذلك).
﴿
وَبَاءُوا
﴾: أي: ورجعوا ﴿
بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ
﴾ مُستحقين له، ﴿
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
﴾: وهي فقر النفوس، فلا ترى اليهوديَّ إلاوعليه الخوف والرعب مِن أهل الإيمان، ﴿
ذَلِكَ
﴾ الذي جعله الله عليهم، ﴿
بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
﴾ ﴿
وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
﴾: أي: ظلمًا واعتداءً، ﴿
ذَلِكَ
﴾: أي: الجُرأة على قتل الأنبياء كانت ﴿
بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
﴾: أي: بسبب ارتكابهم للمعاصي، وتجاوُزِهِم لحدود الله).
الآية 113:
﴿
لَيْسُوا سَوَاءً
﴾: أي: ليس أهل الكتاب متساوين، فإنَّ ﴿
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ
﴾: يعني: مستقيمة على أمر الله، مؤمنة برسوله محمدصلى الله عليه وسلم ﴿
يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ
﴾: أي: وهم يقومون الليل مُرَتِّلينَ آيات القرآن الكريم، (وغالباً يَكتُمُ هؤلاء إيمانهم، خوفاً من بطش أعدائهم)،﴿
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
﴾: أي: وهم خاضعون لله، ذليلون له،مُقبلون علىمُناجاتِهِ في صلواتهم).
الآية 115:
﴿
وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
﴾: يعني: فلن يَضِيعَ ثوابه عند الله، بل يُشكَرُ لهم، ويُجازونَ عليه، ﴿
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
﴾.
امانى يسرى محمد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى امانى يسرى محمد
البحث عن كل مشاركات امانى يسرى محمد