عرض مشاركة واحدة
قديم 02-05-2026, 08:42 PM   #93

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 187 الى صـــ 206
الحلقة (93)






للباجي: (بالنون) يعني: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم؛ لئلا تتكلوا.
ويعضده ما في «الموطأ» قَالَ مالك: أراه يريد هذِه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (١) الآية [هود: ١١٤].
ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته وآدابه.
ومعنى يصليها: حتى يفرغ منها.
خامسها: في فوائده:
الأولى:
وجوب تبليغ العالم ما عنده من العلم وبثه للناس؛ لأن الله تعالى توعد من كتمه باللعن من الله وعباده، وأخذ الميثاق على العلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وهذِه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب فقد دخل فيها كل من علم علمًا تعبد الله العباد بمعرفته ولزمه من بثه وتبليغه ما لزم أهل الكتاب من ذَلِكَ؛ لأن فيها تنبيهًا وتحذيرًا لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم مع أن رسول الله - ﷺ - ذكر (٢) أن من كتم علمًا ألجم يوم القيامة بلجام من نار (٣).

------------------------
(١) انظر: «موطأ مالك» ص ٤٥ برواية يحيى.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف: «من كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار».
(٣) «من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» من حديث أبي هريرة.
رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وابن ماجه (٢٦٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣): صحيح.



الثانية: ظاهر الحديث أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوضوء وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه» (١). ففيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يخرج من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» (٢).
ويحتمل أن يكون ذَلِكَ باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذَلِكَ عند الوضوء وآخر عند تمام الصلاة.
الثالثة: قد سلف أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، وجاء في بعض الروايات: «وذلك الدهر كله» (٣) أي: ذَلِكَ مستمر في جميع الأوقات. وجاء في «صحيح مسلم»: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة» (٤).
وفي الحديث الآخر «(الصلوات) (٥) الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٦).

-------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٤٤) كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٢٩) في الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٣) رواه مسلم (٢٢٨/ ٧) الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٤) السابق.
(٥) في (ج): فالصلوات.
(٦) مسلم (٢٣٣/ ١٦) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر.



لا يقال: إذا كفَّر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة ماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذِه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجا أن يخفف منها.
الرابعة: قَالَ (الداودي) (١) في «شرحه»: المشهور في الرواية: «غفر له ما تقدم من ذنبه» يريد -والله أعلم- التي بينه وبين الله تعالى. قَالَ: وإن لم تكن رواية عروة محفوظة فيحتمل أن يكون غفران ما بينه وبين الصلاة كما يصليها.
قُلْتُ: هي محفوظة من غير شك كما سلف.
الخامسة: الحث على (الاعتناء) (٢) بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعلم بذلك والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فيعتني بالتسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس والأذنين، ودَلْك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وغير ذَلِكَ من المختلف فيه، وتحصيل ماءِ طهور بالإجماع.

---------------------
(١) في (ج): الماوردي.
(٢) في (ج): الاعتبار.



٢٥ - باب الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -.

١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». [١٦٢ - مسلم: ٢٣٧ - فتح: ١/ ٢٦٢]
أما حديث عثمان فسلف في الباب قبله (١).
وأما حديث عبد الله بن زيد فسيأتي في باب مسح الرأس (٢).
وأما حديث ابن عباس فسلف في باب غسل الوجه (٣) على إحدى النسخ فيه، فإن في نسخة بدل (واستنشق) (واستنثر). ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ: واستنثر مرتين بالغتين أو ثلاثًا (٤).
ثم قَالَ البخاري:
حَدَّثنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».

---------------------
(١) سبق برقم (١٥٩) كتاب: الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.
(٣) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة.
(٤) انظر: «سنن أبو داود» (١٤١)، و«سنن ابن ماجه» (٤٠٨)، «مسند أحمد» ١/ ٢٢٨. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤٠): إسناده صحيح.



الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه (١) ولما أخرجه الترمذي من حديث سلمة بن قيس مرفوعًا: «إذا توضَأْت فانثر، وإذا استجمرت فاوتر» وقال فيه: حديث حسن صحيح.
قَالَ: وفي الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقدام بن معدي كرب ووائل بن حجر وأبي هريرة (٢).
قُلْتُ: وفيه عن أبي سعيد وعلي في «صحيح ابن حبان» (٣)، والبراء بن عازب في «الحلية» لأبي نُعيم (٤).
ثانيها:
هذا الحديث اشتهر من طريق أبي هريرة عن الزهري رواه عنه جماعة منهم مالك، وعن عبد الله بن المبارك. وأخطأ فيه كامل بن طلحة الجحدري فرواه عن مالك، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخُشني كما نبه عليه أبو أحمد الحافظ.
قَالَ أبو عمر: وهم فيه عثمان الطرائفي فقال: ثنا مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٥).

---------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٣٧/ ٢٢) كتاب: الطهارة، باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار، «سنن النسائي» ١/ ٦٦ - ٦٧، و«سنن ابن ماجه» (٤٠٩).
(٢) «سنن الترمذي» (٢٧). وورد بهامش (س): أخرجه البزار.
[قلت: رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٣٩)].
(٣) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٨٦ (١٤٣٨).
(٤) «حلية الأولياء» ٩/ ٢٢٥.
(٥) انظر: «التمهيد» ١١/ ١٢.



قَالَ الدارقطني: ولا يصح فيه عن مالك ولا عن الزهري غير حديث أبي إدريس، ورواه أسيد بن عاصم، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وهو خطأ (١).
ثالثها:
سلف التعريف برجاله، وعبد الله -هو ابن المبارك- سلف.
رابعها:
الانتثار (سلف) (٢) بيانه في الباب قبله.
والاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط بالجمار وهي الأحجار الصغار التي يُرمى بها في الحج. قَالَ ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، أي: فإنه يقال في هذا: تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب، أو يتطيَّب مرات، واحدة بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضًا، والأظهر الأول.
قَالَ ابن الأنباري: معنى أوتر عندهم أن يوتر من الجمار، وهي: الحجارة الصغار. يقال: قد تجمر الرجل يتجمر تجميرًا إذا رمى جمار مكة. والإيتار: أن يكون الاستجمار بوتر.
خامسها:
فيه مطلوبية الاستنثار في الوضوء، والإجماع قائم على عدم وجوبه، ومن يفسر الاستنثار بالاستنشاق قد يتمسك به من يرى الوجوب فيها.

--------------------
(١) انظر: «علل الدراقطني» ٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٥٨٥).
(٢) في (ج): سبق.



ويجاب بحمل مخالفة الأمر على الاستحباب؛ عملًا بقوله - ﷺ - للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» (١) فأحاله على الآية وليس ذَلِكَ فيها.
سادسها:
مطلوبية الإيتار في الاستنجاء، ولا يجوز عند الشافعي بأقل من ثلاث وإن حصل الإنقاء بدونه؛ لأن الواجب عنده أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة، وإن لم يحصل وجبت (٢).
وهذا الحديث دال على وجوب الإيتار لكن بالثلاث من دليل آخر، وهو نهيه - ﷺ - عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار (٣)، ووافقنا أحمد (على) (٤) وجوب استيفاء ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وبه قال بعض المالكية، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الواجب الإنقاء لا غير (٥).

---------------------
(١) سبق تخريجه في حديث رقم (١٤١).
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٦٩.
(٣) فيه حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: نهانا- أي: النبي - ﷺ - أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
(٤) في (ج): في.
(٥) من هنا يبدأ سقط كبير في (ج) سنشير إلى انتهائه، وتبقى نسخة (س) بمفردها.



٢٦ - باب الاسْتِجْمَارِ وِتْرًا
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئهِ، فَإِن أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». [انظر: ١٦١ - مسلم: ٢٣٧، ٢٧٨ - فتح: ١/ ٢٦٣]
حَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وِإذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق مالك (١)، وأخرجه مسلم من طريق آخر (٢).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف.
ثالثها: في بيان ألفاظه:
معنى «توضأ»: أراد الوضوء.
وقوله: «فليجعل في أنفه» أي: ماءً، حذف للعلم به، فيؤخذ منه حذف المفعول إذا دل الكلام عليه، ومعنى «يجعل» هنا: يُلقي،

--------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٤٠).
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٧٨) كتاب: الطهارة، باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا.



وقوله: «في وَضوئه» هو بفتح الواو.
رابعها: في أحكامه:
الأولى: مطلوبية الاستنثار، وقد سلف في الحديث قبله.
الثانية: الأمر بالإيتار. وقد سلف ما فيه أيضًا (١)، والمراد بالإيتار عندنا: أن يكون عدد المسحات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق ذَلِكَ من الأوتار.
وقد أسلفنا أن الشافعي يرى سنيته في الزيادة على الثلاث إذا حصل الإنقاء بشَفْعٍ، ومن أصحابه من أوجبه مطلقًا عملًا بظاهر هذا الحديث.
وحجة الجمهور الحديث السالف: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» (٢) حملًا له على ما زاد على الثلاث جمعًا بينه وبين نهيه - ﷺ - عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار.
الثالثة: مشروعيةُ غسل اليدين، وكراهةُ غمسها في الإناء في الوضوء ليس مختصًّا بنوم الليل، بل لا فرق بين نوم الليل والنهار؛ لإطلاقه - ﷺ - النوم من غير تقييد، وخصها أحمد بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده» والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ويؤيده رواية أبي داود، والترمذي وصححها: «إذا قام أحدكم من الليل» (٣) وعنه رواية أخرى وافقه عليها داود أن كراهته إن كان من نوم الليل للتحريم، وإلا فللتنزيه.

--------------------
(١) سلف كما في الحديث السابق.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: «سنن أبي داود» (١٠٣)، «سنن الترمذي» (٢٤)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٢): صحيح.



وحمله غيرهما على أن ذكر الليل للغالب لا للتقييد ويرشد إلى ذَلِكَ أنه علله بأمر يقتضي الشك وهو: «فإنه لا يدري أين باتت يده» فدل على أن الليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد، ثم هذِه المشروعية -أعني: تقديم الغسل على الغمس- على وجه الندب عند الشافعي ومالك والجمهور، وعلى وجه الوجوب عند داود والطبري، فلو خالف وغمس يده لم ينجس الماء، خلافًا للحسن البصري وإسحاق وابن جرير ورواية عن أحمد، وهو بعيد؛ لأنه تنجيس بالشك، وفي رواية منكرة الأمر بإراقة ذَلِكَ الماء.
وقال بعض المالكية بمقتضاها استحبابًا، وقد بسطت الكلام على هذِه المسألة ومتعلقاتها في «شرح العمدة» فراجعه منه (١).
الرابعة: فيه استعمال الكنايات فيما يستحى من التصريح به، فإنه - ﷺ - قَالَ: «لا يدري أين بات يده» ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة، أو نحو ذَلِكَ، وإن كان مرادًا.
الخامسة: الفائدة في قوله: «من نومه»: خروج الغفلة ونحوها، وفي إضافة النوم إلى ضمير أحدكم؛ ليخرج نومه - ﷺ -، فإنه تنام عينه دون قلبه (٢).
السادسة: فيه دلالة على الفرق بين ورود النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء أزالها، أذا وردت عليه نجسته إذا كان قليلًا؛ لنهيه - ﷺ - عن إيرادها عليه؛ وأمره بإيراده عليها وذلك يقتضي أن

------------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٤٩.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٦٩) كتاب: المناقب، باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه.



ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردًا عليها غير مفسدٍ له، وإلا لما حصل المقصود من التطهير.
السابعة: فيه أيضًا دلالة على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه، فإنه - ﷺ - إذا منع من إدخال اليد فيه باحتمال النجاسة، فمن تيقنها أولى، وفيه بحث.
الثامنة: قوله: «قبل أن يدخلها في وضوئه» يشعر بأن السياق للماء، والحكم لا يختلف بينه وبين غيره في الأشياء الرطبة.


٢٧ - باب غَسْلِ الرِّجْلَين، وَلَا يَمسَحُ عَلَى القَدَمَيِنْ
١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنَّا فِي سَفرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [انظر ٦٠ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ٢٦٥]
حدَثنَا مُوسَى، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حديث: «وَيْلٌ لِلأعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
وقد تقدم في باب: من رفع صوته بالعلم (١) واضحًا، وكذا في باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم (٢)، ورجاله أيضًا سلف التعريف بهم.
وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي سلف في الحديث الخامس أول الكتاب، وأحكامه سلفت هناك أيضًا.

---------------------
(١) سبق برقم (٦٠) كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم.
(٢) برقم (٩٦) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه.



٢٨ - باب المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ
قَالَهُ ابن عَبَّاسِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زيدِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ- أنَهُ رَأى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الِمرفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضأَ نَحْوَ وُضُوئي هذا، ثُمَّ صلَّى رَكعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه». [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٦٦]
وأما حديث ابن عباس فسلف في باب: غسل الوجه باليد (١).
وأما حديث عبد الله بن زيد فقد سلف قريبًا ويأتي في الباب أيضًا (٢).
ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ .. فذكر حديث عثمان بطوله كما سلف بنحوه.
ورجال إسناده سلف التعريف بهم، وكذا حكم المضمضة.
وحقيقتها: إدخال الماء في الفم، ولا يشترط عندنا مَجٌّ ولا إدارةٌ على الأصح. كما سلف، وفيه رواية حمصي عن حمصي وهما الأولان.

---------------------
(١) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.



٢٩ - باب غَسْلِ الأَعْقَابِ
وَكَانَ ابن سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ.

١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الِمطْهَرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ - ﷺ - قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». [مسلم ٢٤٢ - فتح:١/ ٢٦٧]
حَدَّثنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثنا شُعْبَةُ، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالناسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِن أَبَا القَاسِمِ - ﷺ - قَال: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
أما أثر ابن سيرين فقد أسنده في «المصنف» بإسنادٍ صحيح عن هشيم، عن خالد عنه (١). ووجه دخوله في الباب يحتمل أن يكون أراد بذلك أنه لو أدار الخاتم وهو في إصبعه لكان ذَلِكَ بمنزلة الممسوح، وفرض الإصبع الغسل فقاس المسح في الإصبع على مسح الرجلين، فإنه قد فهم من الحديث -على ما قدمناه- المسح، وبوب عليه كما سلف، وقد روي عن ابن سيرين أنه أدار الخاتم في إصبعه، فلعل ذَلِكَ حالة أخرى كان واسعًا يدخل الماء برقته إليه.
وبهذا التفصيل قَالَ الشافعي وأحمد. قَالَ ابن المنذر: وبه أقول. قَالَ: وكان ابن سيرين وعمرو بن دينار وعروة وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عيينة وأبو ثور يحركونه في الوضوء (٢).
قُلْتُ: وكذا أبو تميم الجيشاني وعبد الله بن هبيرة السبائي وميمون بن

----------------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٤).
(٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ١/ ٣٨٨.



مهران كما ذكره عنهم في «المصنف» (١)، وكان حماد يقول في الخاتم: أَزِله (٢).
قَالَ ابن المنذر: ورخص فيه مالك والأوزاعي، وروي ذَلِكَ عن سالم (٣).
وقد روى ابن ماجه حديثًا فيه ضعف، عن أبي رافع: كان - ﷺ - إذا توضأ حرك خاتمه (٤).
قَالَ البيهقي: والاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه. وحكى أيضًا عن ابن عمر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص (٥).
وفي «غريب الحديث» لابن قتيبة من طريق ابن لهيعة، عن أبي بكر الصديق قَالَ لرجل يتوضأ: عليك بالمنْشَلة. قَالَ: يعني موضع الخاتم من الأصبع (٦).
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٧) والنسائي والترمذي (٨)، (واشتهر) (٩) عن شعبة ورواه صالح بن ذكوان، عن أبي هريرة، فتابع

----------------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٨).
(٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٨).
(٣) انظر: «الأوسط» ١/ ٣٨٩.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٤٤٩)، قال البوصيري في «زوائده» ص ٩٤ - ٩٥: هذا إسناد ضعيف؛ وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (١٠٠).
(٥) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٥٧.
(٦) «غريب الحديث» ١/ ٥٨١.
(٧) مسلم (٢٤٢) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما.
(٨) «سنن الترمذي» (٤١)، «سنن النسائي» ١/ ٧٧ - ٧٨.
(٩) الكلمة مكررة في (س).



محمد بن زياد، وسلف التعريف برواته خلا محمد بن زياد القرشي مولى عثمان بن مظعون، مدني الأصل، سكن البصرة (١)، ثقة تابعي.
وفقه الباب سلف في العلم.

----------------------
(١) محمد بن زياد القرشي الجمحي، قال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وهو أحب إلينا من محمد بن زياد الألهاني.
وقال الترمذي، والنسائي: ثقة.
انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٨٢ (٢٢٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٥٧ (١٤٠٧)، «الثقات» ٥/ ٣٧٢، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٢١٧ (٥٢٢٢).



٣٠ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابن جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أِهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأرْكَانُ فَإِنّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّهُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَلْبَسُ النَّعْلَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتهُ. [١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١، ١٥٥٤ - مسلم: ١١٨٧، ١٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٦٨]
حدَثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ عُبَيْدِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابن جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأًرْكَانِ إِلا اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأيْتُ رَسُولَ - ﷺ - يَلْبَسُ النَّعْلَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَعرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أحب أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ


رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس (١).
وأخرجه مسلم (٢)، وأبو داود في الحج، والترمذي في «شمائله» (٣).
وتابع عبد الله بن قسيط سعيدًا فرواه عن عبيد.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا عبيد (خ. م. د. س. ق) بن جريج، وهو مدني ثقة مولى بني تيم كما قال البخاري، أو بني تميم كما قاله ابن إسحاق (٤).
ثالثها:
وجه مطابقة الحديث للترجمة أن ابن عمر حكى من فعله - ﷺ - أنه كان يلبس النعال ويتوضأ فيها، ويلزم منه عدم المسح عليها، وحقيقة الوضوء فيها أن يكون في حال كونه لابسها، وإن كان النووي في «شرح مسلم»

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٨٥١) كتاب: اللباس، باب: النعال السبتية وغيرها.
(٢) مسلم (١١٨٧) كتاب: الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٣) «سنن أبي داود» (١١٨٧)، «سنن أبي داود» (١٧٧٢)، «شمائل الترمذي» (٧٩).
(٤) عبيد بن جريج التيمي مولاهم المدني، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة.
وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، روى له الجماعة، والترمذي في «الشمائل» حديثًا واحدًا -هو هذا- وهو من أهل المدينة وسمع عن أبي هريرة، وقال العجلي: مكي تابعي ثقة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٤٤ (١٤٤٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٠٣ (١٨٦٨)، «الثقات» ٥/ ١٣٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٩٣ (٣٧٠٩).



قَالَ: معناه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان (١)؛ لا جرم قَالَ الإسماعيلي فيما ذكره البخاري في النعلين والوضوء: فيها نظر، قَالَ السفاقسي (٢): وأراد البخاري الرد على من يجوز المسح على النعلين.
قُلْتُ: وأما ما رواه الثوري عن يحيى بن أبي حية، عن أبي الجلاس، عن ابن عمر، أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه (٣).
فهو وإن كان يدل على أن المراد في حديثه هذا أنه. كان يمسح رجليه في نعليه في الوضوء، لا أنه كان يغسلهما فهو غير صحيح عنه؛ لأجل يحيى هذا، فإنه ضعيف. والصحيح عنه -بنقل الأئمة- الغسل، رواه عنه مجاهد وابن دينار وغيرهما.
قَالَ الطحاوي: ونظرنا في اختلاف هذِه الآثار فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما أو أكثرهما، فكلٌّ

-----------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٨/ ٩٥.
(٢) السفاقسي هو العدل المعمر المسند الفقيه شرف الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن عتيق بن محمد التيميمي السفاقسي المغربي ثم الإسكندراني المالكي الشاهد المعروف بابن المقدسية، ابن أخت الحافظ علي بن المفضل المقدسي.
ولد سنة ثلاثِ وسبعين وخمسمائة.
وسمع من أبي الفضل الحضرمي، وأبي القاسم البوصيري، وبهاء الدين بن عساكر، وحدَّث عنه: عبد الرحيم بن عثمان بن عوف، والشرف محمد، والوجيه عبد الوهاب، ابنا عبد الرحمن الشقيري، والفخر محمد والجلال يحيى ولدا محمد بن الحسين السفاقسي.
توفي في ثالث جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة، انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٩٥، ٢٩٦ (٢٠٢)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٣٥٢ (٨١٦)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٦٦.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ١٩٩ (٧٧٦).



قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيب القدمين، ويبطل إذا لم يغيبا وكانت النعلان غير مغيبة لهما حتى أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين، فلا يجوز المسح عليهما (١).
رابعها:
قوله: (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) يحتمل -كما قَالَ المازَري- أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها (٢).
خامسها:
(تمس): بفتح الميم. أي: تلمس بيدك، وَمسِستُ -بالكسر- أفصح من الفتح.
سادسها:
قوله: (إلا اليمانيين) هو بتخفيف الياء وحكي التشديد، وهما الركنُ الأسود والركن اليماني، وجاء في روايةٍ: لم يكن يستلم إلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجُمحيين، وإنما قيل لهذين الركنين: اليمانيين؛ للتغليب كالعُمرين ونحوه.
فإن قُلْتَ: فلم لم يعبر عنهما بالأسودين؟
وأجيب: بأنه لو عبر بذلك ربما اشتبه على بعض العوام أن في كل منهما الحجر الأسود بخلاف اليمانيين.
فائدة:
سميت يمنًا؛ لأنها عن يمين الكعبة. وقيل: سُميت بيمن بن

--------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٨.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٣٣١.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* إجابة الدعاء أسباب وأحوال
* اللهم بلغنا رمضان
* لا تتشبث بأسباب فتنتك!
* شَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ
* الطُّهُورُ بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالبَصِيرَة
* العشر الأواخر والحرب الدائرة
* قواعد وأصول في منهج التلقي والاستدلال عند أهل السنة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس