عرض مشاركة واحدة
قديم 02-05-2026, 08:26 PM   #88

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 87 الى صـــ 106
الحلقة (88)



٩ - باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الَخلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّاد: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. [٦٣٢٢ - مسلم: ٣٧٥ - فتح: ١/ ٢٤٢]
حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات أيضًا عن ابن عرعرة، عن شعبة (١)، وأخرجه مسلم هنا (٢) والأربعة (٣).
والتعريف برواته سلف خلا سعيد (م. د. ت. ق) بن زيد وهو أبو الحسن (٤) أخو حماد بن زيد الجهضمي البصري.
روى عن ابن جدعان وغيره، وعنه عارم ومسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه،
(١) سيأتي برقم (٦٣٢٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء.
(٢) «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) أبو داود (٤، ٥)، الترمذي (٥، ٦)، النسائي ١/ ٢٠، ابن ماجه (٢٩٨).
(٤) هكذا بالأصل والصواب: الحسم.



وثقه ابن معين ولينه جماعة. (مات سنة سبع وستين ومائة قبل أخيه حماد) (١) (٢).
وأما (موسى) فهو ابن إسماعيل التبوذكي البصري الحافظ الثقة الثبت، سلف في الوحي، ولما ذكره المزي في «تهذيبه» قَالَ: روى عن حماد بن زيد يقال: حديثًا واحدًا، وروى عن حماد بن سلمة تعليقًا (٣). وقال في آخر ترجمة حماد بن سلمة: وقال البخاري في «الصحيح»: وقال حماد: إِذَا أقر عند الحاكم رجم. يعني: الزاني (٤)، وروى لَهُ مسلم مقرونًا بغيره.
الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
(كان) في قوله: (كان إِذَا دخل الخلاء) (دالة على) (٥) الملازمة والمداومة.

-------------------------
(١) من (ج).
(٢) سعيد بن زيد، قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: ليس به بأس، وكان يحيى بن سعيد لا يستمرئه.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدًا ثم قال: قد حدثني وكلمته. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ثقة.
وقال البخاري: حدثنا مسلم قال: حدثنا سعيد بن زيد أبو الحسن صدوق، حافظ.
وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٧، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٢ (١٥٧٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٩٩ (٥٩٠)، «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٠٥ (٥٧٤)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢١ (٨٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٤ (٢٢٧٦)، «تقريب التهذيب» (٢٣١٢).
(٣) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٥).
(٤) سيأتي قبل حديث (٧١٧٠) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة تكون عند الحاكم.
(٥) في (ج): كناية عن.



ومعنى (إِذَا دخل): إِذَا أراده كما صرح به في رواية سعيد (١)، ويبعد أن يراد به ابتداء الدخول، وإن أبداه القشيري احتمالًا (٢)، فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك كالصحراء مثلًا، جاز ذكر الله تعالى في ذَلِكَ المكان، وإن كان معدًّا لذلك كالكنف ففي جواز الذكر فيه خلاف للمالكية، فمن كرهه أوَّل الدخولَ بمعنى: الإرادة؛ لأن لفظة (دخل) أقوى في الدلالة عَلَى الكنف المبنية منها عَلَى المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر أن المراد حيث قَالَ - ﷺ -: «إن هذه الحشوش محتضرة -أي: للجان والشياطين- فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (٣).
ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، وتحمل (دخل) على حقيقتها، وحديث: «إن هذِه الحشوش محتضرة». فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص.
وقال ابن بطال: المعنى متقارب في قوله: (إِذَا دخل) وفي قوله:

----------------------
(١) علقه البخاري بعد حديث (١٤٢) في الوضوء، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء، ووصله في «الأدب المفرد» (٦٩٢)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٥١).
(٢) انظر: «إِحكام الأحكام» ص ٩٧.
(٣) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد ٤/ ٣٦٩، ٣٧٣، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٣ - ٢٤ (٩٩٠٣ - ٩٩٠٦)، وابن خزيمة (٦٩)، والطبراني ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (٥٠٩٩ - ٥١٠٠)، والحاكم ١/ ١٨٧ بإسنادين عن زيد بن أرقم وقال: كلا الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما اتفقا على حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بذكر الاستعاذة فقط، والبيهقي ١/ ٩٦، كلهم عن زيد بن أرقم، قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: إسناده صحيح على شرط البخاري.



(إِذَا أراد أن يدخل)، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] والمراد: إِذَا أردت أن تقرأ، غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة لا زمان بينهما، وكذا الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد الدخول متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء مع أن رواية: (إِذَا أتى) أولى من رواية: (إِذَا أراد أن يدخل)؛ لأنها زيادة، فالأخذ بها أولى (١).
قُلْتُ: في هذا نظر بل رواية (إِذَا أراد) مبينة لرواية (إِذَا أتى).
الثالث: (الخلاء) -بفتح الخاء المعجمة وبالمد-: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله: المكان الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتَّى تجوز به عن ذلك.
وأما (الخلى) -بالقصر- فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن أيضًا، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، فإن كسرت الخاء مع المد فهو: عيب في الإبل كالحران في الخيل، وانتصب الخلاء عَلَى أنه مفعول به لا على الظرف.
الرابع: «اللَّهُمَّ» الأفصح فيه استعماله بالألف واللام كما وقع في الحديث.
و«أعوذ» معناه: أستجير وأعتصم.
و«الخبث» بضم الخاء قطعًا، والباء مضمومة أيضًا، ويجوز الإسكان، وإن غلَّط الخطابي المحدثين (٢) فيه، فقد حكاه أبو عبيد

---------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) «إصلاح خطأ المحدثين» ص ٤٨ - ٤٩.



القاسم بن سلام (وغيره) (١) (٢)، بل نقله القاضي عياض عن الأكثرين (٣)، لكن لا يسلم لَهُ ذَلِكَ بل الأكثر عَلَى الضم، وهو جمع خبيث.
(والخبائث) جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وفيه أقوال أخر ذكرتها في «شرح العمدة» (٤) وأغربها أنه استعاذ من البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما، ولا يبعد الاستعاذة من الكفر والشياطين، وسائر الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وإنما جاء بلفظ «الخبث» لمجانسة الخبائث.
الخامس: الظاهر أن سيدنا رسول الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ؛ إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلا فهو - ﷺ - محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا عَلَى سارية من سواري المسجد (٥).
وفيه: دليل عَلَى مراقبته لربه ومحافظته عَلَى ضبط أوقاته وحالاته واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه - ﷺ - كان إِذَا خرج من الخلاء قَالَ: «غفرانك» (٦) (٧) أي: سألت غفرانك عن حالة

----------------------
(١) من (س).
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٣١١.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٢٩.
(٤) «الإعلام» ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٥) سيأتي برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد، وبرقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في الصلاة.
وبرقم (٣٢٨٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
وبرقم (٣٤٢٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾.
وبرقم (٤٨٠٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
(٦) ورد بهامش (س) ما نصه: إشارة إلى حديث عائشة وهو: قول: كنا، وقد صح وذكر الحديث هو في أبي داود وابن ماجه وحسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو في «اليوم والليلة» للنسائي.
(٧) رواه أبوداودبرقم (٣٠)، والترمذي برقم (٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب. =



شغلتني عن ذكرك، فيختم بالذكر كما ابتدأ به.
وآخر شيء أنت أول هجعه … وأول شيء أنت عند هبوبي
وزاد أبو حاتم في أول الذكر: باسم الله (١)، فيستحب مع التعوذ أيضًا، وصيغة التعوذ: أعوذ بالله. وفي مسلم: «أعوذ بك» (٢)، وفي حديث بإسناد ضعيف: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك» (٣)، والظاهر أنه - ﷺ - جهر بهذِه الاستعاذة.
السادس: هذِه الاستعاذة مجمع عَلَى استحبابها، وسواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، وقبل مفارقته أيضًا لكن في «البيان» للعمراني من أصحابنا عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني أن ذكر الدخول مختص بالبنيان؛ لأن الموضع لم يصر مأوى الشياطين بعد، فلو نسي التعوذ ودخل فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، وقد سلف في الباب قبله.

----------------------
= والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٤ (٩٩٠٧). وابن ماجه برقم (٣٠٠).
وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٤٨ (٩٠)، وابن حبان ٤/ ٢٩١ (١٤٤٤).
والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٣): صحيح.
(١) انظر: «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٦٣ (١٦٧). عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم الخلاء يقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث ..» الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة ١/ ١١ (٥). والطبراني في «الدعاء» ٢/ ٩٥٩ (٣٥٦ - ٣٥٨).
قال الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» ١/ ١٩٥ هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٩٩) وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٩) ضعيف.



وقال ابن بطال: في الحديث جواز ذكر الله عَلَى الخلاء (١)؛ وليس كما ذكر إِذَا قلنا: إن المراد بالدخول إرادته. قَالَ: وهذا مما اختلف فيه الآثار، فروي عن النبي - ﷺ - أنه أقبل من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد -عليه السلام- حتى تيمم بالجدار، واختلف في ذلك أيضًا العلماء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي، وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه. وأجاز ذَلِكَ جماعة من العلماء، روى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله في المرحاض.
وقال العرزمي: قُلْتُ للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قَالَ: لا، حتَّى تخرج. فأتيت النخعي فسألته عن ذَلِكَ فقال لي: احمد الله. فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: إن الحمد يصعد ولا يهبط. وهو قول ابن سيرين ومالك. قال ابن بطال: وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذَلِكَ.
-قُلْتُ: قَدْ أسلفنا فيه نظرًا- قَالَ: وذكر البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد»، عن عطاء: الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به (٢)، وهو قول الحسن. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله.
قَالَ البخاري: وقال طاوس في المنطقة تكون عَلَى الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته: لا بأس بذلك (٣). وقال إبراهيم: لا بد للناس من نفقاتهم.

-------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢.
(٢) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٣ - ١٤٤ (٣٧٧).
(٣) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٢).



وأحب بعض التابعين أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله (١).
قَالَ البخاري: وهذا من غير تحريم يصح (٢).
وأما حديث بئر جمل فإنما هو عَلَى الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون عَلَى وضوء، قاله الطحاوي.
وقال الطبري: إن ذَلِكَ منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم عَلَى بعض على الحدث وذلك نظير نهيه، وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضًا لقوله: «لا يتحدث المتغوطان عَلَى طوفهما -يعني: حاجتهما- فإن الله يمقت عَلَى ذَلِكَ» (٣).
وروى أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، عن البراء أنه سلم عَلَى النبي - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتَّى فرغ (٤).

------------------------
(١) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣).
(٢) انظر: «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣)، «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٣) رواه أبو داود (١٥). وابن ماجه (٣٤٢). وأحمد ٣/ ٣٦، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٠ (٣٢ - ٣٣)، وابن خزيمة ١/ ٣٩ (٧١)، وقال الألباني: «ضعيف ابن ماجه» (٧٦) ضعيف.
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٥٣ (٧٧٠٦) وقال: لا يروى هذا الحديث عن البراء إلا بهذا الإسناد، تفرد به زيد بن الحباب.
وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لم أعرفه.



١٠ - باب وَضعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محمد قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبى يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺدخَلَ الَخلَاءَ، فَوَضَعتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». [انظر: ٧٥ - مسلم: ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ٢٤٤]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ ثنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا؛ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برجاله:
وقد سلف التعريف بابن عباس، وهذا من الأحاديث التي صرح فيها بالسماع من رسول الله - ﷺ -.
و(عبيد الله) (ع) بن أبي يزيد مكي من الموالي تابعي روى عن ابن عباس وجماعة، وعنه شعبة وجماعة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة (١).
و(ورقاء) هو ابن عمر اليشكري أبو عمرو، روى عن عبيد الله هذا وغيره، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم، صدوق صالح، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره، وكذا ليس في الستة عبيد الله بن أبي يزيد غير الأول،

----------------------
(١) مولى آل قارظ بن شيبة الكناني.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال علي بن المديني، والعجلي وأبو زرعة والنسائي، ومحمد بن سعد وزاد: كثير الحديث. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٨١، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠٣ (٣٦٩٧)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٧٨ (٣٦٦٧) «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٤٢ (١٠٤).



نعم، في النسائي عبيد الله بن يزيد الطائفي، عن ابن عباس أيضًا. وعنه سعيد بن السائب وغيره، وثق (١).
وأما هاشم (ع) بن القاسم فهو أبو النضر، ولقبه قيصر، الحافظ الثقة.
روى عن عكرمة وغيره، وعنه أحمد والحارث بن أبي أسامة، وهو صاحب سنة، يفتخر به أهل بغداد، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، وليس في الستة هاشم بن القاسم سواه (٢)، وفي ابن ماجه وحده هاشم بن القاسم الحرانى شيخه (٣)، ولا ثالث فيهما سواهما.

----------------------
(١) ورقاء بن عمر بن كليب، أبو بشر اليشكري وقيل: الشيباني.
قال أبو داود: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لا تلقى بعده مثله حتى ترجع، فقيل لأبي داود: ما يعني بقوله؟ قال: أفضل وأورع وخير منه. وقال أبو حاتم: الرازي صالح.
قال ابن حجر: لم يخرج له الشيخان من روايته عن منصور بن المعتمر شيئا، وهو محتج به عند الجميع.
انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٥١٥ (٧٣٣٦)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٣٣ (٦٦٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤١٩ (١٥٧)، «إكمال تهذيب الكمال» ١٢/ ٢١٢ (٥٠١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٤٤.
(٢) هاشم بن القاسم، أبو النضر الليثي البغدادي، خراساني الأصل.
قال الحارث: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. قاك عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: أبو النضر من الأبناء ثقة. وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٥ (٦٥٤٠)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٣٠ - ١٣٥ (٦٥٤٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٤٥ - ٥٤٩ (٢١٣)، «تقريب التهذيب» (٧٢٥٦).
(٣) هاشم بن القاسم بن شيبة بن إسماعيل بن شيبة القرشي أبو محمد الحراني، مولى قريش.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب إليّ وإلى أبي ببعض حديثه، محله الصدق.
وقال ابن حجر: صدوق تغير، سمع من يعلى بن الأشدق ذاك المتروك الذي ادعى =



وعبد الله بن محمد هو المسندي ج سلف في باب: أمور الإيمان (١).
فائدة:
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة (٢)؛ خلا شيخ البخاري فإنه من له ورجال الترمذي فقط.

----------------------
= أنه لقى الصحابة.
انظر: «الثقات» ٩/ ٣٤٢، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٢٩ (٦٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٣٣٢ (٥٩٣٠)، «تقريب التهذيب» ص ٥٧٠ (٧٢٥٥).
(١) جاء سنده في باب: أمور الإيمان حديث رقم (٩).
(٢) شروط الأئمة الستة:
١ - شرط البخاري ومسلم:
أ- أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلات بين الثقات الأثبات.
ب- ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع.
ج- فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه.
د- إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة مثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبي صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهم.
فلما تكُلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم معتمدًا عليهم تخريجًا وأخرج مسلم أحاديثهم بجزالة.
٢ - وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم.
القسم الثاني: صحيح على شرطهم؛ حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح.
القسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها =



الوجه الثاني:
الخلاء ممدود كما سلف في الباب قبله.
و(الوضوء) بفتح الواو كما سلف أول الوضوء.
الثالث: في فوائده:
الأولى: جواز الاستنجاء بالماء، فإن من المعلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وهو راد عَلَى من أنكر الاستنجاء به، وقال: إنما ذَلِكَ وضوء النساء، وقال: إنما كانوا يتمسحون بالحجارة. ونقل ابن التين في «شرحه» عن مالك أنه - ﷺ - لم يستنج عمره بالماء. وهو عجيب منه.
وقد عقد البخاري قريبًا بابًا للاستنجاء به، وذكر فيه أنه - ﷺ - استنجى به، وسنوضح الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى (١)، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - خرج من غائط قط إلا مس ماءً (٢).
وفي «جامع الترمذي» من حديثها أيضًا أنها قالت: مرن أزواجكن

-------------------------
= لا قطعًا منهم بصحتها وربما أبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
٣ - وأمَّا أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
١ - قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا.
٢ - وقسم على شرط الثلاثة دونهما؛ يقصد أبا داود والنسائي وابن ماجه.
٣ - قسم أخرجه للضدية وأبان عن علته ولم يغفله.
٤ - وقسم رابع أبان هو عنه؛ فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء. اهـ. انظر «شروط الأئمة الستة» للسلفي ص ١٠ - ١٣.
(١) سيأتي برقم (١٥٠)، باب: الاستنجاء بالماء.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٤٤١).



أن يغتسلوا إثر الغائط والبول، فإنه - ﷺ - كان يفعله (١). ثم قَالَ: هذا حديث حسن صحيح.
وفي «صحيح ابن حبان» أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قضى حاجته (٢)، ثمَّ استنجى من تور.
وفي كتاب ابن بطال أن مالكًا روى في «موطئه» عن عمر: أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره. قَالَ مالك: يريد الاستنجاء بالماء (٣).
الثانية: خدمة العالم ومراعاته حتَّى حال دخوله الخلاء والتقرب بخدمته.
الثالثة: الدعاء مكافأة لمن منه إحسان أو معروف، فإنه - ﷺ - سر بابن عباس بتنبهه إلى ذَلِكَ. وقال الداودي: فيه دلالة عَلَى أنه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء؛ لئلا يكون ذَلِكَ سنة، لأنه لم يأمر بوضع الماء، قد اتبعه عمر بالماء فقال: «لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة» (٤) وفيما ذكره نظر، وما استشهد به حديث ضعيف (٥).

-----------------------
(١) «سنن الترمذي» (١٩).
وأحمد ٦/ ٩٥، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٣. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٥١ (١٤٠٥). ورواه أبو داود (٤٥). وابن ماجه (٣٥٨).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٧٧ (٣٥): حسن.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٢، وانظر: «موطأ مالك» ١/ ٢٢ (٤٧).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر الجزء الخامس من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.



١١ - باب لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَهُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». [٣٩٤ - مسلم: ٢٦٤ - فتح: ١/ ٢٤٥]
حَدَّثنَا آدَمُ ثنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ ثنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برواته.
أما أبو أيوب فهو خالد (ع) بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدرًا والمشاهد، والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة شهرًا، وهو من نجباء الصحابة، له مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها عَلَى سبعة.
وانفرد البخاري بحديث: وفد عَلَيَّ ابن عباس البصرة فقال: إني أخرج عن مسكني كما خرجت لرسول الله - ﷺ -، فأعطاه ما أغلق عليه، ولما قفل أعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا (١)، ومناقبه جمة.
ولما مرض قَالَ: احملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت

------------------------
(١) رواه الطبراني ٤/ ١٢٥ (٣٨٧٦)، والحاكم ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٣، وقال: رجال الإسناد رجال الصحيح إلا أن حبيب بن ثابت لم يسمع من أبي أيوب.


أرجلكم (١)؛ فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفي (٢). مات سنة
----------------------
(١) رواه ابن سعد ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٢، والطبراني ٤/ ١١٨ (٣٨٤٧).
(٢) قلت: هذا الكلام مردود شرعًا عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه من البدع الدخيلة على دين الله، فإن زيارة القبور بنية التبرك هي زيارة بدعية شركية.
قال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» ص ٤٠٠ - ٤٠١: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية. ولم يثبت عن النبي - ﷺ - حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني، وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة». و: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». و: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» ونحو هذِه الأحاديث؛ كلها مكذوبة موضوعة لكن النبي - ﷺ - رخص في زيارة القبور مطلقًا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وفي «الصحيح» عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» فهذِه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك. اهـ.
وزاد رحمه الله في «مجموع الفتاوى» ١١/ ١١٥: فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملًا بمعصية الله فهو غالط؛ وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره، وتقبيل الأرض عنده، ونحو ذلك يحصل له السعادة، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله؛ وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له، ويدخله الجنة بمجرد محبته، وانتسابه إليه، فهذِه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة، فهو من أحوال المشركين، وأهل البدع. باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. والله -سبحانه وتعالى- أعلم. اهـ.
هذا في حق التبرك بقبور الأنبياء والصالحين. أما عن الاستشفاء الذي ذكره =



خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل غير ذَلِكَ (١).
فائدة: أبو أيوب في الصحابة ثلاثة: هذا أجلهم، وثانيهم: يماني له رواية (٢)، وثالثهم: روى عن علي بن مسهر، عن الأوزاعي، عن أبيه، عن أبي أيوب فلعله الأول (٣).
ثانية: (أيوب) يشتبه بأثوب -بالمثلثة- بن عتبة صحابي، ذكره ابن قانع والمديني (٤). والحارث بن أثوب تابعي كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب بوزن صوغ، وأثوب بن أزهر زوج قيلة بنت مخرمة الصحابية (٥).

---------------------
= المصنف غفر الله له فهذا شرك أكبر. قال في «فتح المجيد» ص ١٩٦ - ١٩٧: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وكره - ﷺ - أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه، وتحذيزًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي - ﷺ - في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، وتطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله، وإذا كان هذا لا يجوز في حقه - ﷺ - فغيره من باب أولى.
------------------------

(١) انظر ترجمته: في «معرفة الصحابة» ٢/ ٩٣٣ - ٩٣٨ (٧٩٩)، «الاستيعاب» ٢/ ٩ - ١١ (٦١٨)، «أسد الغابة» ٢/ ٩٤ - ٩٦ (١٣٦١)، و«الإصابة» ١/ ٤٠٥ (٢١٦٣).
(٢) كذا في الأصل وها (اليماني) وما في المصادر أبو أيوب (اليمامي). «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٧٨٦٨)، «الإنابة» ٢/ ٢٦٢ (١١٣٥)، و«الإصابة» ٤/ ١٢ (٧٨).
(٣) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٥٧٠٩).
(٤) «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٥٩ (٥٥).
(٥) انظر: «الإكمال» ١/ ١١٧، «تهذيب مستمر الأوهام» ص ٨٣.



وأما (عطاء) فهو أبو يزيد عطاء (ع) بن يزيد الليثي ثمَّ الجندعي المديني ويقال: الشامي التابعي، سمع أبا أيوب وغيره. وعنه الزهري وغيره، مات سنة سبع، وقيل: خمس ومائة عن اثنتين وثمانين سنة (١).
وأما (الزهري) فهو الإمام محمد بن مسلم، سلف قريبًا.
وأما (ابن أبي ذئب) فهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، روى عن نافع وخلق. وعنه ابن المبارك وخلق، وكان كبير الشأن. ولد سنة ثمانين، ومات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (٢).
وأما (آدم) فقد سلف.
فائدة:
[هذا الإسناد على شرط الستة إلا الأخير فإنه من رجال البخاري وباقي السنن خلا أبي داود.
فائدة ثانية] (٣):
هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد دخل (آدم) إليها أيضًا.

----------------------
(١) هو أبو محمد. قال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: عطاء بن يزيد، أبو زيد شامي ثقة وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٥٩ (٢٩٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٨ (١٢٤٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٦)، «الثقات» ٥/ ٢٠٠، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٢٣ (٣٩٤٥).
(٢) محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة.
انظر: «الطبقات» ٥/ ٢٠٩، «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٥ (٤٣٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٣ (١٦٩٩)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٩٨ (٥٣٩٤)، «الكاشف» ٢/ ١٩٤ (٥٠٠١).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج).



الوجه الثاني:
الحديث ليس مطابقًا لما بوب له، بل راويه فهم عموم النهي في الصحراء والبنيان، فإنه قَالَ: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها، ونستغفر الله -عز وجل-. ذكره في باب: قبلة أهل المدينة (١) كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
لا جرم تعقبه الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي أورده دلالة عَلَى الاستثناء الذي ذكره، إلا أن يريد أن في نفس الخبر الذهاب إلى الغائط، وذلك في التبرز في الصحراء.
وأجاب ابن بطال عن ذَلِكَ فقال: هذا الاستثناء ليس مأخوذًا من الحديث ولكن لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت بوب عليه؛ لأن حديثه - ﷺ - كله كأنه شيء واحد، وإن اختلف طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. وتبعه ابن التين في «شرحه» وزاد: فإن البخاري عقبه به، وهو جواب حسن (٢).
الوجه الثالث:
(الغائط): المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثمَّ استعمل للخارج وغلب عَلَى الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته في الحديث الآخر بينهما في قوله: «لغائط (أو) (٣) بول» (٤)، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإن الحكم عام.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٣٩٤) كتاب: الصلاة.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٦.
(٣) في الأصل: (ولا)، والمثبت من (ج).
(٤) رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.



الوجه الرابع: في أحكامه:
وهو دال عَلَى المنع من استقبال القبلة واستدبارها.
وحاصل ما للعلماء في ذَلِكَ أربعة مذاهب:
أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي الحديث وجماعة منهم: أحمد في رواية، وحكاه ابن التين في «شرحه» عن أبي حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي عَلَى العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضعها الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، وهو معنى مناسب ورد النهي عَلَى وفقه فيكون علة له (١).
وقد روي: في حديث ضعيف التعليل به، فلا فرق فيه بين البنيان والصحراء، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفي، وورد من قول الشعبي أنه علل ذَلِكَ بأن لله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وينبني عَلَى العلتين ما إِذَا كان بالصحراء وتستَّر بشيء.
المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقًا، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود (٢). ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد، عن جابر. نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثمَّ رأيته قبل أن يقبض بعام

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٠، «عيون المجالس» ١/ ١٢٥، «المغني» ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) انظر: «المحلى» ١/ ١٩٤، «عيون المجالس» ١/ ١٢٦.



يستقبلها (١)، حسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه البخاري وغيره،
واستدلالهم بالنسخ ضعيف (٢)؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع

--------------------
(١) رواه أبوداود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) قال الترمذي: حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٩).
(٢) قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٢٢ - ٢٣ بعد قول الحافظ زكي الدين: (وقال الترمذي: حديث غريب): وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح. وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابن مفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث. وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولى لهم، المكي، روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، استشهد بروايته البخاري في «صحيحه» عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي. وأما الحديث فإنه أنفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض. تم كلامه. وهو -لو صح- حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: ذكر عند رسول الله - ﷺ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله - ﷺ -: «أو قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة؟».
فالجواب: أن هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب: «العلل» عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها. وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده. خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة، أنها كانت تنكر ذلك.
فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم وهو ممكن كما ستعلمه.







التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الإمساك و خطة التشخيص
* القلب الحديدي؛ قلب ضعيف
* هل سمعت عن الذبحة المعوية؟
* السمنة: أسبابها، أعراضها و طرق علاجها
* من فضائل فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
* فتى الأنصار: معاذ بن جبل
* من أعلام الإسلام... جعفر بن أبي طالب

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس