العدالة والضبط صفتان أساسيتان في المسلم :
أيها الأخوة...
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
قال: أُمِرْنا بالكتابة كي لا ننسى، وأمرنا بالإشهاد كي لا ننكر، في احتمال النسيان أو الإنكار، تكتب كي لا تنسى، وتُشْهِد ي لا تنكر، فلذلك اكتبوه؛ أي اكتبوا الدَّين، مقدار الدَّين، وأجل الدَّين، وأَشْهِدوا على الدَّين، تكتب كي لا تنسى، وتشهد كي لا تنكر..
﴿ فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾
قال: هذه الـ (باء) متعلقة بكلمة فليكتب بالعدل، دون أن يزيد ودون أن ينقص، والـ (باء) متعلقة بالكاتب، يجب أن يكون الكاتب عدلاً.
وتعلمون أيها الأخوة أن في الإنسان صفتين أساسيتين؛ الضبط والعدالة، الضبط صفةٌ عقلية، والعدالة صفةٌ نفسية، ولا يتمتَّع المسلم بحقوقه إلا إذا كان ضابطاً عدلاً، فالعدالة ذكرتها اليوم في الخطبة:
هذه العدالة، لو عاملهم فظلمهم، وحدَّثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن هناك أشياء لا تسقط العدالة ولكنها تجرحها؛ فأكل لقمةٍ من حرام يجرح العدالة، ، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، مَن بال في الطريق جرحت عدالته، مَن أطلق لفرسه العنان، السرعة العالية، تجرح العدالة، مَن قاد برذوناً مخيفاً تجرح عدالته، مَن تنزَّه في الطريق ليملأ عينيه من محاسن النساء، أو مقاهي الرصيف تجرح عدالته، مَن صحب الأراذل تجرح عدالته، مَن علا صياحه في البيت تجرح عدالته، مَن تحدَّث عن النساء، وعن أشكالهن، وعن ألوانهن، وأطوالهن، وطباعهن، وكان مغرماً بهذا الحديث تجرح عدالته، فلذلك العدالة والضبط صفتان أساسيتان في
المسلم، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية.
على الكاتب أن يكون عدلاً وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل :
قال تعالى:
﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾
يجب أن يكون الكاتب عدلاً، وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل، فالباء باء بالعدل، متعلقة تارة ليكتب بالعدل، وتارة كاتب بالعدل..
﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾
الذي ينبغي أن يملي هو الذي عليه الحق.
﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾
الكاتب يكتب، هو عدلٌ، يكتب من دون زيادة، ومن دون نقصان.
﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾
إذا دُعِيَ الكاتب إلى الكتابة ينبغي أن يكتب، وإذا دعي الشاهد إلى الشهادة ينبغي أن يشهد، هذا واجب ديني.
الكاتب ممنوع أن يأبى والشاهد ممنوع أن يأبى الشهادة :
لكن يقول الله عز وجل بعد حين:
﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾
إنسان يرتزق يوماً بيوم، تدعوه لأداء شهادةٍ في مكانٍ بعيد لا بد أن تعطيه تعويضاً، فالكاتب ممنوع أن يأبى، والشاهد ممنوع أن يأبى الشهادة، الطرف الثاني عليه ألا يضر كاتباً ولا شاهداً..
﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾
السفيه الذي اختل عقله، أو الصغير، أو الذي لا يُحْسِن أن يتكلم، أو الأخرق، أي إذا كان هناك مانع صحي، أو مانع بنيوي من أن يملي، قال:
﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾
ولي هذا السفيه يملي مكانه..
﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾
هذا كلام خالق الكون، وهناك مَن يعترض على هذا الحكم، من باب السَفَه،
ومن باب عدم الوعي
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية