عرض مشاركة واحدة
قديم 01-10-2026, 02:14 PM   #56

 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

السليماني غير متواجد حاليا

افتراضي

      

(52)

قال الإمام ابن تيميه رحمه الله :

(فَكَذَلِكَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي رَبِّهِ وَرَجَاؤُهُ لَهُ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ وَإِعْرَاضَ قَلْبِهِ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَالرَّجَاءِ لَهُ يُوجِبُ انْصِرَافَ قَلْبِهِ عَنْ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ فَلَا سِيمَا مَنْ كَانَ يَرْجُو المَخْلُوقَ وَلَا يَرْجُو الْخَالِقَ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ قَلْبُهُ مُعْتَمِداً إِمَّا عَلَى رِئَاسَتِهِ وَجُنُودِهِ وَأَتْبَاعِهِ ومماليكه؛ وَإِمَّا عَلَى أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ؛ وَإِمَّا عَلَى أَمْوَالِهِ وَذَخَائِرِهِ، وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبَرَائه، كَمَالِكِهِ وَمَلِكِهِ وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ.


الشرح :
هذه كلها داخلة في اسم الأسباب؛ وهي الأسباب المنفصلة ومهما اجتمعت الأسباب فإنها لا ترفع الصفة التي خلق الإنسان عليها من فقره إلى ربه، ولذلك لما أفصح قارون بأثر السبب، وأن السبب عنده رفع الصفة التي خلق الخلق عليها من الفقر إلى الله،

وقال: «إنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) [ سورة القصص : 78)، فرفع صفة الفقر عنه، لم يخسف الله به الأنه ذو مال ، - فقد يكون ذو المال من أخص المؤمنين، وقد أتى الله عبده ورسوله ونبيه داود المال، وصار ملكا، (وَلَقَدْ أَتينا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) [سبأ: 10]

وفي سادات المؤمنين وكبار الصحابة من هم من الأغنياء، فما خسف بقارون لأنه ذو مال،
[/
align]
-وقد يكون العبد كافرًا فاجرا مكذبا بدين المرسلين وهو من أقل الناس مالا ، وأدناهم فقرا، فقارون ما خُسف به لأنه ذو مال - وإنما خُسف به لأنه جعل السبب رافعا للصفة، فلما جعل السبب رافعا للصفة وهي صفة الفقر - فتكبر على الله وعلى دين الله - سبحانه وتعالى -

وفقر العبد إلى الله في التكوين وفي التشريع (أَنتُمُ الْفُقَرَاهُ إِلَى اللَّه) [فاطر: 15]

ولهذا الإنسان لا يستطيع أن يضع شرعًا له، وإذا كان هذا بديها في عبادته مع ربه، فهو حتى في معاملته مع غيره من بني آدم، فما يقدر من تشريع هنا إلا ويقع فيه من النقص والمخاطرة والقصور إلى غير ذلك.

ولذلك قال الله - جل وعلا-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)) [سورة القصص: 78] وكان جزاءه عند الله -جل وعلا : ما ذكره الله بقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: (81]

وصفة العذاب التي أصابته هي مبينة لبطلان اختصاص السبب بمعنى أنه لم يأته السبب من عدو.

ربما يقال: أنه لما قال هذا القول ما استصحب في عقله بعض الأبعاد، المنازع للسبب.

فما قدر الله أن هلاكه يكون بعدو يجتاح أمره، وإنما بمحض أمر الله المقطوع عن السبب، من جهة فعل فاعل، يسلطه الله عليه.

:1:
وإنما قال الله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: 81]


كل من رفع الصفة، وأوجب السبب، وجاءه عذاب من الله سبحانه وتعالى - أي قدر الله أن يعذبه،


وقد يرفع الصفة، ويجعل السبب موجبا، ويملي له الله - سبحانه وتعالى فإن ربنا جل وعلا - حكيم عليم، عذب قوما وأملى الآخرين.

وقال سبحانه : (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثمآ ﴾ [آل عمران: 178] ولكن من ذكر الله عذابه كقارون أو كفرعون، هم رفعوا صفة السبب في حق الله - سبحانه وتعالى - عليهم، وتركهم الإيمان بالله، والإخلاص له سبحانه وتعالى والإقرار بحقه في التدبير والملك والتأثير،


ورفع هذه الصفة التي تنازع مقام التوحيد في أصله، وترفع مقام التوحيد عند من استحكم عنده ، رفع هذه الصفة

كما كان من أمر قارون وفرعون الذي أغرقه الله هو وجنوده.

قال الشيخ رحمه الله

(وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبرائه كمالكه وَمَلكِهِ، وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ مِنْ هُوَ قَدْ مَاتَ أَوْ يَمُوتُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 58]


، وَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ قَلْبُهُ بِالْخُلُوقَاتِ أَنْ يَنصُرُوهُ أَوْ يَرْزُقُوهُ أَوْ أَنْ يَهْدُوهُ خَضَعَ قَلْبُه لهم، وصار فيهم من العبودية بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مديرا هم متصرفا بهم، بل العاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر،

فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له؛ يبقى قلبه أسيرا لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنها زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها،


فإن حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -

الذي هو ملك الجسم - رقيقاً، مستعبداً، متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب، و وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.)

الشرح :

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو أن يرزقوه ... إلخ،


ثم تكلم المصنف -رحمه الله - عن التعلق بالمخلوقين، وذكر التعلق من قبل الرجل بالمرأة ونحو ذلك، وهذا التعلق كما تعلم على نوعين:

هنالك تعلق فطري، وتعلق طبيعي، وتعلق مباح، بل قد يكون تعلقا مشروعا كتعلق الولد بوالده محبة وبرا، ونحو ذلك، فمثل هذه الأوجه من التعلقات هي تعلقات عادية، وتعلقات فطرية، وتعلقات مباحة، قد تكون من التعلق المشروع، لكن هذا يجب أن يكون بالقدر الذي تقتضيه الفطرة، وتقتضيه العادة الصحيحة، وتقتضيه الشريعة.

فإذا كان الاتصال أو التعلق أو المصاحبة على هذه الرتب من جهة حال الفطرة، ومن جهة حال العادة الصحيحة، ومن جهة موافقة الشريعة؛ فهذا هو التعلق والمحبة الصحيحة.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام - محبا لزوجاته، ولأصحابه، ولأمته، ولبناته، ولآل بيته، وهكذا في سائر المؤمنين، بل هذا أمر مطرد في عموم الناس أجمعين.

وأما إذا زاد هذا التعلق، وصار فاحشا خارجا عن نظام الفطرة، وقانون العادة الصحيحة، وترتيب الشريعة القيمة؛


فهذه الأحوال إذا حصل فيها الخلل إما في درجتة أو رتبة الفطرة، أو رتبة العادة، أو في رتبة الشريعة؛ صار مما ينافي مقام العبودية.

لأنه إما أن يكون إفراطاً مشغلا عن حق الله سبحانه وتعالى، ومزاحها لما أوجب الله سبحانه وتعالى - من حقه.

وإما أن يكون تفريطاً فيكون منافيا لما شرع الله سبحانه وتعالى - من الحقوق الواجبة أو المشروعة بين الناس، ولا سيما بين درجاتهم التي لها اختصاص إما في قرابة أو دين كقوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، ونحو ذلك من الأوجه.

إذا ليس كل تعلق يكون مذموما، واسم التعلق : اسم ورتبة مشتركة بين التعلق الممدوح والتعلق المذموم.

وأما أن يتوهم أن من تحقيق العبودية قطع العلائق مع الناس أجمعين الذي تكون نتيجته وحقيقته التفريط فيها أوجب الله من صلة الأرحام، ورعاية الحقوق، وحفظ الأولاد، وبر الوالدين، والإحسان إلى الناس ونحو ذلك،

فهذا الانقطاع فيه تكلف، وليس هو من العبادة، بل هو مما ينافي مقام العبادة.

فإن الله جل وعلا الذي شرع لنا أن نخلص الدين له، وقال في كتابه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) [ البيئة: 5]


، هو الذي شرع لنا أن نصل الأرحام، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللهُ ﴾ [محمد : 22-23)


، فجعل أهل القطيعة لصلة الرحم من الذين غضب الله عليهم ولعنهم، ولذلك قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، كما أن صلة الرحم من الواجبات وأعظم القربات،


ومثله في الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، فالرب حقه العبادة، والمخلوق حقه الإحسان، وأخص المخلوقين في حق الإحسان هم الوالد والولد من جهة الوالد، الوالد من جهة ما يكون له.

أما الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ فحقهم أعظم من حق الوالدين، ومن حق الولد، وهو إيمان المكلف بهم، ومحبتهم، ونصرتهم، وتوفيرهم إلى غير ذلك من حقوق الرسل والأنبياء التي هي أعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه وتعالى.

المقصود أن هذه الآية قال الله فيها : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23]،


فاسم التعلق، أو رتبة التعلق هي رتبة مشتركة، ولكن صار في كثير من كلام العارفين يقصدون بالتعلق الذي هو الإطباق، وإذا كان التعلق على معنى الإطباق والانصراف؛ فلا شك أن هذا يكون منافيا للشريعة،


ومن هنا أشار المصنف إلى المثل في مسألة أنه يكون أسيرًا وما إلى ذلك، وإنما يقال إنما صار أسيرًا في قلبه إذا استتمت هذا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى.

ولهذا لم يكن هذا من الحكمة العقلية، ولا من الشريعة، ولا من مقتضى الفطرة الصحيحة، وإنما تكون الذي شرعه الله على الدرجة المعتدلة.
التوقيع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم ) مجموع الفتاوى ( 52/18)
قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة .


مدونة شرعية

https://albdranyzxc.blogspot.com/

من مواضيعي في الملتقى

* الروحية الحديثة ...خرافات وأساطير
* مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين رحمه الله ...
* الصهيونية ...تاريخ وعقائد ومكائد
* القواعد الحسان لتفسير القرآن ...الشيخ السعدي
* معلومات مهمة عن الرافضة ...
* اليهودية ...عقائد وضلالات
* أمـــة الغضب وعباد الصليب ...

السليماني غير متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة السليماني ; 02-10-2026 الساعة 07:46 AM.

رد مع اقتباس