هَدْيه في الأمان والصلح، ومعاملة رسل الكفار، وأخذ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين:
لمَّا قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
• قسم صالحهم ووادعهم على ألَّا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يُمالِئُوا عليه عدوَّه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
• وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.
• وقسم تارَكوه فلم يُصالِحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمرُه وأمرُ أعدائه. ثم مِن هؤلاء من كان يحب ظهورَه وانتصاره في الباطن، ومنهم: من كان يحب ظهور عدوِّه عليه وانتصارَهم، ومنهم: من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون.
فعامل كلَّ طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربُّه تبارك وتعالى.
وكان هديه أنه إذا صالح قومًا، فنقض بعضُهم عهدَه وصُلْحَه، وأقَرَّهم الباقون ورَضُوا به، غزا الجميعَ وجعلهم كلَّهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع، وكما فعل بأهل مكة.
فهذه سنته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يُجرى أهلُ الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرِهم.
وخالفهم أصحاب الشافعي فخصُّوا نقضَ العهد بمن نقضه خاصةً دون من رضي به وأقرَّ عليه، وفرَّقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد، ولهذا كان موضوعًا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح.
وكان هديه وسنته أنه إذا صالح قومًا وعاهدهم فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده، صار حكمُ من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكمَ من حاربه.
وبهذا السبب غزا أهلَ مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينه وبينهم عشرَ سنين تواثَبَتْ بنو بكر بن وائل فدخلت في عهد قريش وعقدِها، وتواثبت خزاعةُ فدخلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده، ثم عَدَتْ بنو بكرٍ على خزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتلت منهم، وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح، فعَدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشًا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزوَ بني بكر بن وائل لتعدِّيهم على حلفائه.
وكانت تَقْدَم عليه رسلُ أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم، ولما قدم عليه رسولا مسيلمةَ الكذاب ــ وهما: عبدالله بن النواحة، وابن أثال ــ قال لهما: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واللهِ لولا أن الرسل لا تُقتَل لضربتُ أعناقكما»، فجرت سنته ألَّا يُقتَل رسول.
وكان هديه أيضًا ألَّا يحبسَ الرسولَ عنده إذا اختار دينه ويمنعَه من اللِّحاق بقومه، بل يردُّه إليهم كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أتيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ارجِعْ إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ».
قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يردَّ إليهم مَن جاءَه منهم وإن كان مسلمًا، وأما اليوم فلا يصلح هذا؛ انتهى.
وفي قوله: «لا أحبس البُرُد» إشعار بأنَّ هذا حكم يختصُّ بالرسل مطلقًا، وأما ردُّه مَن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود، وأما الرسل فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولَي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله.
وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضرُّ بالمسلمين بغير رضاه أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفةَ وأباه ألَّا يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ونستعين اللهَ عليهم».
وأما هديه في عقد الذمة وأهلِ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، فأخذها من النصارى، وبعث معاذًا إلى اليمن فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذمةَ وضرب عليهم الجزية.
ولم يأخذها من يهود خيبر، فظنَّ بعضُ الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختصٌّ بأهل خيبر، وأنه لا تؤخذ منهم جزية وإن أُخِذت من سائر أهل الكتاب. وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم وصالحهم على أن يُقرَّهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعدُ، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارِهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمره الله سبحانه أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك؛ لأن العقد كان قد تمَّ بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عُمَّالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيءٍ غيرِ ذلك، وطالب سواهم من أهل الكتاب مِمَّن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية، كنصارى نجران ويهودِ اليمن وغيرهم، فلمَّا أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب.
وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمِر أن يقبل منهم علانيتهم وَيكِلَ سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأُمر أن يُعرِض عنهم ويغلُظَ عليهم، وأن يبلُغَ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونُهِي أن يُصلِّي عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأُخبِر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم فلن يغفر الله لهم؛ فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين.

شواهد قتال الملائكة ببدر: وكانت الملائكة يومئذٍ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم؛ قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمع ضربةً بالسَّوط فوقَه وصوتَ الفارس فوقَه يقول: «أَقدِمْ حَيْزُوم»، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفه وشُقَّ وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة».
وقال أبو داود المازني: إني لأَتْبَع رجلًا من المشركين لِأضربَه إذ وقع رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفتُ أنه قد قتله غيري.
وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلحُ[10]من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلقَ[11]، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسَرْتُه يا رسول الله، فقال: «اسكت، فقد أيَّدَك اللهُ بمَلَكٍ كريم».

إعتاق النبي صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث من السبي وتزوجها: كان من جملة السبي جويريةُ بنت الحارث سيدِ القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوَّجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائةَ أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم[12].

حادثة الإفك: تأملات في قول عائشة «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله». ومن تأمل قولَ الصديقة وقد نزلت براءتُها، وقال لها أبواها: قُومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله» عَلِم معرفتها وقوةَ إيمانها، وتوليتها النعمةَ ربَّها وإفرادَها له بالحمد في ذلك المقام، وتجريدَها التوحيد، وقوةَ جأشِها وإدلالَها ببراءةِ ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامَها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، ولِثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو مِن أحسن مقامات الإدلال، فوضعتْه في موضعه.
ولله ما كان أحبَّها إليه حين قالت: «لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي»! ولله ذلك الثباتُ والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه! وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهرًا ثم صادفت الرِّضا منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة.

سبي النبي صلى الله عليه وسلم صفية ثم تزوجه إياها: وسبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب وابنة عمِّها، وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عَروسًا حديثة عهدٍ بالدخول.
وعرض عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فاصطفاها لنفسه وأعتقها وجعل عِتقها صداقَها، وبنى بها في الطريق وأولم عليها، ورأى بوجهها خُضرةً فقال: «ما هذا؟» قالت: يا رسول الله، رأيتُ قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه فسقط في حجري ــ ولا واللهِ ما أذكر من شأنك شيئًا ــ فقصصتُها على زوجي فلطم وجهي وقال: تَمَنَّينَ هذا المَلِك الذي بالمدينة؟!
وشكَّ الصحابة هل اتخذها سُرِّيَّةً أو زوجةً؟ فقالوا: انظروا إن حجبها فهي إحدى نسائه وإلا فهي مما ملكت يمينه، فلما ركب جعل ثوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها ثم شدَّ طرفه تحته، فتأخَّروا عنه في المسير وعلموا أنها إحدى نسائه.
ولما قدَّم فخذه ليحملها على الرحل أجَلَّتْ أن تضع قدمها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت.

سم اليهودية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية امرأةُ سلام بن مشكم شاةً مشويَّةً قد سمَّتها، وسألت: أيُّ اللحم أحب إليه؟ فقالوا: الذراع، فأكثرت من السمِّ في الذراع، فلمَّا انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، ثم قال: «اجمعوا لي مَن ها هنا مِن اليهود»، فجُمِعوا له فقال لهم: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ فيه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟» قالوا: أبونا فلان، قال: «كذبتم، أبوكم فلان»، قالوا: صدقت وبررت، قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أهل النار؟» فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلُفُوننا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخسؤوا فيها! فوالله لا نَخلُفكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم، قال: «أجعلتم في هذه الشاة سمًّا؟» قالوا: نعم، قال: «فما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريحُ منك، وإن كنتَ نبيًّا لم يضرَّك.
وجيء بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أردت قتلك، فقال: «ما كان الله ليسلِّطكِ عليَّ»، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا». ولم يَعرِض لها ولم يعاقبها.

اختصام علي وزيد وجعفر في حضانة ابنة حمزة: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج من مكة تبعتهم ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ يا عمِّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: «دونكِ ابنةَ عمك» فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتُها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلُقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»؛ متفق على صحته.
وفي هذه القصة من الفقه: أن الخالة مقدَّمة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الأبوين.
وأن تزوُّج الحاضنة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها. ونص أحمد في روايةٍ عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها للجارية خاصةً، واحتج بقصة بنت حمزة هذه، ولمَّا كان ابنُ العم ليس محرمًا لم يفرق بينه وبين الأجنبي في ذلك وقال: تزوُّج الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية. وقال الحسن البصري: لا يكون تزوُّجها مسقطًا لحضانتها بحال، ذكرًا كان الولد أو أنثى.
تصاول قوة الإحسان مع مرض العصيان في قلب المسلم:
وبالجملة فقوة الإحسان ومرض العصيان يتصاولان ويتحاربان، ولهذا المرض مع هذه القوة حالةُ تزايدٍ وترامٍ إلى الهلاك، وحالةُ انحطاطٍ وتناقصٍ ــ وهي خير حالات المريض ــ وحالةُ وقوفٍ وتقابُلٍ إلى أن يقهر أحدهما الآخر. وإذا حلَّ وقت البُحران[13] ــ وهو ساعة المناجزة ــ فحظ القلب إحدى الخُطَّتين: إما السلامة وإما العطب، وهذا البحران يكون وقت فعل الموجِبات التي توجب رِضا الرب تعالى ومغفرتَه أو توجب سخطه وعقوبته. وفي الحديث الصحيح: «أتدرون ما المُوجِبتان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار».
يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل قطعًا والتِّرياق المُنجي قطعًا.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مروره بديار ثمود:
في «صحيح مسلم» من حديث أبي حُمَيد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستهُبُّ عليكم الليلةَ ريحٌ شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدَّ عقاله»، فهبَّت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقَتْه بجبلي طيئ.
قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالحِجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحثَّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفًا أن يصيبكم ما أصابهم».
قلت: في «الصحيحين» من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبُكم مثلُ ما أصابهم».
وفي «صحيح البخاري»: أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه.
وفي «صحيح مسلم» أنه أمرهم أن يعلِفوا الإبل العجينَ، وأن يُهَرِيقوا الماء، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدها الناقة، ورواه البخاري أيضًا، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطَّرْح.

فوران عين تبوك ماءً ببركة النبي صلى الله عليه وسلم: في «صحيح مسلم» أنه قال قبل وصوله إليها: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ وإنكم لن تأتوها حتَّى يُضْحِيَ النهار، فمن جاءها فلا يَمَسَّ من مائها شيئًا حتى آتي»، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعينُ مثلُ الشِّراك تبضُّ بشيءٍ من مائها[14]، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل مَسِسْتما من مائها شيئًا؟» قالا: نعم، فسبَّهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غَرَفوا من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهَه ويديه ثم أعاده فيها فجَرَت العينُ بماء كثير فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلئ جِنانًا».
فصل في حكمه بالقود على من قتل جارية، وأنه يفعل به كما فعل: ثبت في «الصحيحين»: أن يهوديًّا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها؛ أي: حلي، فأخذ، فاعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين.
وفي هذا الحكم دليل على قتل الرجل بالمرأة، وعلى أن الجاني يفعل به كما فعل، وأن القتل غيلة حد لا يُشترَط فيه إذن الولي؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتمًا، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بالقصاص في كسر السن: في «الصحيحين» من حديث أنس: أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية، فكسرت سنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ لا والله لا يقتص منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله يا أم الربيع كتاب الله القصاص»، قالت: لا والله لا يقتص منها أبدًا، فعفا القوم، وقبلوا الدية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَرَّه».
فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن عض يد رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثنية العاض بإهدارها:
ثبت في «الصحيحين»: أن رجلًا عض يد رجل، فنزع يده مِن فيه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟! لا دية لك».
وقد تضمنت هذه الحكومة أن من خلَّص نفسه من يد ظالم له، فتلفت نفسُ الظالم، أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدر غير مضمون.

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما كان يهدى إليه: كان أصحابه يهدون إليه الطعام وغيره، فيقبل منهم ويكافئهم أضعافها، وكانت الملوك تهدي إليه فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه، ويأخذ منها لنفسه ما يختاره، فيكون كالصفي الذي له من المغنم.
وفي «صحيح البخاري»: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه أقبية ديباج مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه المسور ابنه، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فتلقاه به فاستقبله، وقال: «يا أبا المسور خبأت هذا لك».
وأهدى له المقوقس مارية أم ولده، وسيرين التي وهبها لحسان، وبغلة شهباء، وحمارًا.
وأهدى له فروة بن نفاثة الجذامي بغلة بيضاء ركبها يوم حنين؛ ذكره مسلم.
وذكر البخاري: «أن ملك أيلة أهدى له بغلة بيضاء، فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة، وكتب له ببحرهم».

فصل حكم هدايا الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: وأما حكم هدايا الأئمة بعده، فقال سحنون -من أصحاب مالك-: إذا أهدى أمير الروم هدية إلى الإمام فلا بأس بقبولها، وتكون له خاصة، وقال الأوزاعي: تكون للمسلمين، ويكافئه بمثلها من بيت المال. وقال الإمام أحمد وأصحابه: ما أهداه الكفار للإمام أو لأمير الجيش أو قواده فهو غنيمة حكمها حكم الغنائم.
فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدوه، وفي رسلهم ألَّا يقتلوا ولا يحبسوا، وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه نقض العهد:
ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب -لما قالا: نقول إنه رسول الله-: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما».
وثبت عنه أنه قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، وألَّا يرجع إليهم، فقال: «إني لا أخيسُ بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع».
وثبت عنه أنه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم: أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلمًا، ولم يرد النساء.
ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما ألَّا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خارجين إلى بَدْر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».

فصل في حكمه في الأمان الصادر من الرجال والنساء: ثبت عنه أنه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم».
وثبت عنه أنه «أجار رجلين أجارتهما أم هانئ ابنة عمه».
فصل في صلحه لأهل مكة:
وكان في صلحه لأهل مكة أن من أحب أن يدخل في عهده وعقده دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل، وأن من جاءهم من عنده لا يردونه إليه، ومن جاءه منهم رده إليهم، وأنه يدخل العام القابل إلى مكة فيخلوها له ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بجُلُبَّان[15]السلاح.
فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في النكاح بلا وليٍّ:
في «السنن» عنه من حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطِلٌ، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ مَن لا وليَّ له»، قال الترمذي: حديث حسن.

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشغار، والمحلل والمتعة، ونكاح المحرم، ونكاح الزانية: أما الشغار، فصحَّ النهي عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية، وفي «صحيح مسلم» عن ابن عمر مرفوعًا: «لا شِغار في الإسلام».
وفي حديث ابن عمر: «والشِّغار: أن يزوِّج الرجل ابنته على أن يزوِّجه ابنته وليس بينهما صداق».
وفي حديث أبي هريرة: «والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوِّجْني ابنتك، وأزوِّجك ابنتي، وزوِّجْني أختك، وأزوِّجك أختي».
وأما نكاح المحلل: ففي «المسند» والترمذي من حديث ابن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحلِّل والمُحلَّل له»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي «المسند»: من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لعن الله المُحلِّل والمُحلَّل له»، وإسناده حسن.
وأما نكاح المتعة: فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أحلَّها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح.
في «الصحيحين» عنه: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخَّص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [المائدة: 87]، ولكن في «الصحيحين» عن علي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّم متعة النساء» وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة.
وأما نكاح المحرم: فثبت عنه في «صحيح مسلم» من رواية عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ».
وأما نكاح الزانية: فقد صرح سبحانه بالحكم بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إمَّا زانٍ أو مُشرِك، فإنه إمَّا أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زانٍ، ثم صرَّح بتحريمه فقال: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 3].

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر من أربعة نسوة أو على أختين: في الترمذي عن ابن عمر: «أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ منهن أربعًا». وفي طريق أخرى: «وفارق سائرهن».
وأسلم فيروز الديلمي وتحته أختان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اختر أيتهما شئت».
فتضمن هذا الحكم صحة نكاح الكفار، وأنه له أن يختار من شاء من السوابق واللواحق؛ لأنه جعل الخيرة إليه، وهذا قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: إن تزوجهن في عقد واحد فسد نكاح الجميع، وإن تزوجهن مترتبات ثبت نكاح الأربع، وفسد نكاح من بعدهن ولا تخيير.
فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر:
قال ابن عباس: «ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئًا»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وفي لفظ: «بعد ست سنين ولم يحدث نكاحًا»، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، وفي لفظ: «وكان إسلامها قبل إسلامه بستِّ سنين، ولم يحدث شهادة ولا صداقًا».
وقال أيضًا: «إن رجلًا جاء مسلمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله، إنها أسلمت معي، فردها عليه»، قال الترمذي: حديث صحيح.

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الغيل وهو وطء المرضعة: ثبت عنه في «صحيح مسلم»: أنه قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم».
وفي «سنن أبي داود» عنه من حديث أسماء بنت يزيد: «لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فوالذي نفسي بيده، إنه ليدرك الفارس فيُدَعْثِرُهُ»، قال: قلت: ما يعني؟ قالت: الغيلة يأتي الرجل امرأته وهي ترضع.
ولا ريب أن وطء المراضع مما تعمُّ به البلوى، ويتعذر على الرجل الصبر عن امرأته مدة الرضاع، ولو كان وطؤهن حرامًا لكان معلومًا من الدين، وكان بيانه من أهم الأمور، ولم تهمله الأمة وخير القرون، ولا يصرح أحد منهم بتحريمه، فعلم أن حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد، وألَّا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه، ولهذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غير أمهاتهم.

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسم الابتداء والدوام بين الزوجات: ثبت في «الصحيحين»: عن أنس أنه قال: «من السنة إذا تزوَّج الرجل البكر على الثيِّب، أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوَّج الثيِّب، أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم»، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي «صحيح مسلم»: أن أم سلمة لما تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها أقام عندها ثلاثًا، ثم قال: «إنه ليس بك على أهلك هوان، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وإنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي».
فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح:
قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا».
وزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوَّج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه. وتزوج بلال بن رباح بأخت عبدالرحمن بن عوف، وقد قال تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 3].
فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنه حرَّم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية، فجوَّز للعبد القنِّ نكاح الحُرَّة النسيبة الغنية، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوَّز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات.
فصل في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها:
وفي «الصحيحين»: أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته. قال علي: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: مكانكما، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبِّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم». قال علي: فما تركتها بعد، قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.
وصحَّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكان له فرس وكنت أسوسه، كنت أحش له وأقوم عليه.
وصحَّ عنها أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء.
ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلق ثلاثًا بكلمة واحدة: في «سنن النسائي» وغيره من حديث محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، أفلا أقتله.

حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معه وبين مفارقتهن له: ثبت في «الصحيحين» عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك». قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم قرأ ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29]، فقلت: في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك طلاقًا.
[1]حظُّكم ودولتكم. وبنو قَيلة: هم الأوس والخزرج، نَسَبَهما إلى أمِّهما؛ وهي قيلة بنتُ كاهل بن عُذْرة القُضاعيَّة.
[2] الأجلح: من انحسر شعره عن جانبي رأسه.
[3] الأبلق: ما فيه سواد وبياض.
[4] قالت عائشة - رضي الله عنها -: «فما أعلم امرأة كانت أعظمَ بركةً على قومها منها».
[5] وقت البُحران: هو ساعة الفصل في التدافع الحاصل بين طبيعة الإنسان والمرض، وعندئذٍ تتغير حال المريض دَفعةً إما إلى الصحة وإما إلى العطب، وإذا كان البُحران في الحمَّى إلى الصحة فكثيرًا ما يصحبه عرق غزير وانخفاض سريع في درجة الحرارة، وهي كلمة سُريانية الأصل.
[6] أي: تسيل وترشح بشيء يسير من الماء كأنه شراكُ نعلٍ.
[1] ويقال: أَقْرباذين، تخفيفًا، وتعني مركبات الأدوية، وبيان أجزائها وتركيبها، ويطلق أيضًا على الكتاب الذي يعالج هذا الفرع من الطب.
[2] استطلق بطنه: أصابه الإسهال.
[3] الفَصْد: شق العرق لإخراج الدم الفاسد.
[4] الأخدعان: عرقان في جانبي العنق يُحجَم منه، والكاهل ما بين الكتفين وهو مُقدِّم الظهر.
[5] النِّقْرِس: هو وجع شديد في مفاصل القدم ولا سيما في الإبهام.
[6] داء الفيل: هو زيادة ورمية سمجة في الساق والقدم مع غلظ وتغيُّر لون.
[7] عِرْق النَّساء: وجعٌ يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلفٍ على الفخذ وربَّما امتدَّ على الكعب، وكلَّما طالت مدَّته زاد نزوله، وتهزل معه الرِّجل والفخذ.
[8] الدبيبُ: كلُّ ما يدِبُّ. [9]حظُّكم ودولتكم. وبنو قَيلة: هم الأوس والخزرج، نَسَبَهما إلى أمِّهما؛ وهي قيلة بنتُ كاهل بن عُذْرة القُضاعيَّة. [10] الأجلح: من انحسر شعره عن جانبي رأسه.
[11] الأبلق: ما فيه سواد وبياض.
[12] قالت عائشة - رضي الله عنها -: «فما أعلم امرأة كانت أعظمَ بركةً على قومها منها».
[13] وقت البُحران: هو ساعة الفصل في التدافع الحاصل بين طبيعة الإنسان والمرض، وعندئذٍ تتغير حال المريض دَفعةً إما إلى الصحة وإما إلى العطب، وإذا كان البُحران في الحمَّى إلى الصحة فكثيرًا ما يصحبه عرق غزير وانخفاض سريع في درجة الحرارة، وهي كلمة سُريانية الأصل.
[14] أي: تسيل وترشح بشيء يسير من الماء كأنه شراكُ نعلٍ. [15] الجلبان: شبه الجراب، يوضع فيه السيف مغمودًا والسوط ونحوه. وفي ضبطه وجهان: جُلُبَّان بضمتين وتشديد الباء، وجُلْبان بضم الجيم وسكون اللام والتخفيف. شبكة الالوكة