الجزء السابع
( (تفيض) من الدمع مما (عرفوا) من الحق):
بقدر ما تعرف من الحق، يلين قلبك ويفيض دمعك.
. ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات﴾:
رُبَّ كلام خرَج من قلب صادق، كان سببَ دخول صاحبه الجنة، ألا ما أغلى الكلام وأهمية اللسان!
. خطورة الكلمة!
﴿فأَثابهم الله بما قالوا﴾ ﴿ ولُعِنُوا بما قالوا ﴾
وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
﴿واحفظوا أيمانكم﴾:
أمَرٌ من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم من الحنث في أيمانهم، أو الإكثار منها لغير ضرورة، فإن الإكثار من الحَلِف بغير ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء من الله تعالى، كما أنَّ الحلِف الكاذب يؤدي إلى سخط الله سبحانه على الحالف وبغضه له.
﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾:
الصلاة تنهى عن المنكر، ومن ضمن هذه المنكرات: الكذب.
(إنما الخمر والميسر...فاجتنبوه):
بكلمة واحدة (فاجتنبوه) أقلع الصحابة عن عادة تأصَّلَت في نفوسهم لعشرات السنين.
﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾:
إيقاع العداوة بين المسلمين هدف شيطاني، فقد يئس أن يُعبَد في الأرض، لكن رضي بالتحريش بين المؤمنين.
. (ليعلم الله من يخافه بالغيب):
في عصر السماوات المفتوحة، لا تتعجَّب من سهولة الوصول للمعصية، فالمقاطع المحرمة بين يديك تصِل إليها بضغطة زر، والحكمة: (ليعلم الله من يخافه بالغيب).
. (ولو أعجبك كثرة الخبيث):
للخبيث كثرة وبهرج لا ينجو من (الإعجاب) به إلا الأقلون.
(عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم):
عن أبي أمية الشعباني أنه قال: سألت عنها أبا ثعلبة الخشني، فقال لي: سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ،فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام»
. (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم):
قال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري: عليكم أنفسكم فأصلحوها، واعملوا في خلاص من عقاب الله، وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها، فإنه"لا يضركم من ضَلّ"،يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.
. قال الزمخشري:كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وما كُلِّفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى، ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضلال غيركم عن دينكم إذا كنتم مهتدين.
. ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾:
سُئل أحد العُبَّاد : لِمَ وُصِف الله بخير الرازقين؟
قال: لأنه إذا كفر أحد لا يقطع رزقه
مما يعينك على الخشوع في الصلاة: ترديد الآية حتى لو بقيت تردد آية واحدة فقط في تلاوتك، فإن النبي ﷺ قام ليلة بآية ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾
. ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾:
لن يصمد يوم القيامة إلا الصادقون.
. {فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ}:
الخلاصة في كلمتين: الذنوب مَهلكة.
{فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ} {فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ } {فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ}:
ليس في القرآن تكرار بل تذكير للأبرار وترديد للاعتبار.
. العذاب ينزل بالأوزار، ويرتفع بالاستغفار ..
قال الله تعالى: (فأهلكناهم بذنوبهم)
((كتب) على (نفسه) الرحمة):
سبحان من ألزم نفسه بما فيه خير عباده، لطف ما بعده لطف.
رحمته بك سابقة على خلقه لك!
قال رسول الله ﷺ: «كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتي سبقت غضبي».
كان أبو العالية إذا دخل عليه أصحابه يرحب بهم ثم يقرأ:
{وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54].
( قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّـهِ):
المالك الحقيقي يذكِّرك أن كل ما يديك ملك له، وهو معار لك فترة حياتك، ثم يسترده.
﴿كَتَبَ عَلى نَفسِهِ الرَّحمَةَ﴾:
دعوة للمسرفين على أنفسهم، والغارقين في بحار اليأس، والظانين بالله ظن السوء.
﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾:
قالها ﷺ لمن ساومه على دينه، فقلها اليوم إن واجهك نفس الموقف.
( إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ):
عجبا أن يخاف من عاقبة الذنب نبي معصوم، ولا يخاف منه إنسان جهول ظلوم.
"وإن يمسسك الله (بضر) فلا (كاشف) له إلا هو "
أي ضر مهما كان صغيرا، في أجسادنا أو أرواحنا، في نفوسنا أو نفوس أحبابنا، لا يكشفه إلا الله.
﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ﴾
ومِن أعظم الضر: حجاب العبد عن رب العالمين، وهو أشد وأخزى من عذاب الجحيم.
(وَإِنْ يَمْسسْكَ الله بضر فلا كاشف له إلا هو):
اذا سكن قَلْبك الى الله لم تخف غَيره، ولم ترجُ سواه،فلتطمئن قلوب أولياء الله، ومن ضاقت بهم السبل من عباده الصالحين.
قال ابن القيم: والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أَعماله وأَحواله، فهو الذى يمس بالضر، وهو الذى يكشفه، فمسُّه بالضر لحكمة، وكشفه الضر لرحمة.
{وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله}:
هذه الآية من أسباب رجوع العبد إلى ربه بِالْكُلِّيَّة.
﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾:
قال محمد بن كعب القرظي:"لأنذركم به ومن بلغ"، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قرأ:"ومن بلغ أئنكم لتشهدون"، وقال أيضا: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله عز وجل
﴿إنه لا يفلح الظالمون ) :
سيبقى ظلم الظالمين سدا منيعا حائلا دون فلاحهم أو توفيقهم.
(ثم نقول للذين أشركوا: مكانكم):
احتجاز إلهي قسري: الزموا أماكنكم لا تبرحوها!
حتى تعرفوا ما يُفعل بكم، ويقضي الله في أمركم.
«فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾:
أي فرقنا بين العابدين والمعبودين، وهو من الزوال أي ذهاب الشيء واختفاؤه، وقال: «زيّلنا» ولم يقل: «فرَّقنا»؛
لأن التفريق معه بقية أمل فى الاجتماع، أما التزييل، فهو غروب إلى الأبد، وهوما يزيد من وحشة المشركين حين يقاسون العذاب وحدهم.
(قالوا والله ربنا ماكنا مشركين):
ويحكم .. اسكتوا!
حتى بين يدي الله تحلفون كذبا!
(انظر كيف كذبوا على أنفسهم؟)
يبرر المرء معصيته ليتهرب من عواقبها، وذلك ليلتمس النجاة بأي صورة، ولو بالكذب على نفسه.
أعظم عقوبة .. أن يحال بينك وبين فهم كلام الله
﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ﴾
آية قتلت علي بن الفضيل بن عياض،وسُمِّي بها ( قتيل القرآن )
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ... الآية﴾
﴿ ولو ترىٰ إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نُردّ﴾:
مجرد أول نظرة إلى النار جعلت صاحبها يتمنى الرجوع للدنيا لفعل الخير،
فكيف يكون الحال بعد دخول النار ومقاساة العذاب؟!
﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾.
ليكن حزنك على ما فات من آخرتك أضعاف حزنك على ما فات من دنياك، وإلا ما كنت عاقلا : ﴿أفلا تعقلون﴾.
من لزم التقوى زهد في دنياه وهانت عليه مصائبه،
لأن الله تعالى قال: {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ):
تعزية من الله وتسلية لنبيه، فسِر في حياتك على هذا النهج الرباني مع كل مصاب.
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ):
انظر شدة حرص ﷺ علىأن تستجيب له أمته، وهكذا قلب كلداعية، عليه أن يكون رؤوفا رحيما بأمته.
{ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ}:
الظلم نقل حق إلى غير مستحقه، وأبشع أنواع الظلم: الشرك؛
لأنه نقل حق الذات الإلهية المستحق وحده للعبادة إلى غير مستحقها.
إذا بلغ أعداء الحق درجة تكذيب أهله وإيذائهم، فهذه علامة قرب النصر بشرط أن يحققوا الصبر:
(فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا).
(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ):
المستجيب للحق حي ولو كان أصم وأبكم وأعمى، والمعاند ميت ولو كان تامَّ الحواس!
( إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)
من فقد سماع القلب لأوامر ربه حُرِم التوفيق في سائر أمره، والمقصود به سماع الاعتبار.
﴿ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾؛
كل الحيوانات تعرف الله وتحمده وتسبِّحه، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾:
قال داودُ عليه السلام: سبحانَ مُستخرجِ الدعاء بالبَلاء، وسبحانَ مُستخرجِ الشكرِ بالرَّخاء.
مَرَّ أبو جعفر محمدُ بنُ علي بمحمدِ بن المنكدر وهو مَغْمُومٌ، فسأل عن سبب غمه
فقيل له: الديْنَ قَد فَدحَه، فقال أَبو جعفر: أفُتحَ له في الدعاء؟
قيل: نعم. قال: لقد بورِك لعبد في حاجة أكثر منها من دعاء ربه، كائنة ما كانت.
{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}:
قسوة القلب هي التي تكبل العبد عن بلوغ هذه المنزلة العظيمة: منزلة الضراعة والتمرغ في تراب العبودية.
إذا حُرمت من التضرع لله فاعلم أن في قلبك قسوة، وعلاجها كثرة الذكر والاستغفار.
قال الله (فلولا إذجاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم﴾.
إذا قسا قلب العبد بالذنوب حُرِم التضرع بين يدي علام الغيوب!
﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ﴾
(فلما نسوا ما ذُكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾:
فتح أبواب الدنيا على العبد قد يكون استدراجا ومقدمة عقوبة سماوية.