باب في اليقين والتوكل
قال الله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب (22) ]
----------------
أي: ما زادهم الابتلاء إلا تصديقا بوعد الله وتسليما لأمره.
قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران (173: 174) ] .
----------------
يمدح تعالى المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول بأن تخويف الناس لهم زادهم تصديقا ويقينا وقوة، وقالوا: {حسبنا الله} ، أي: كافينا الله. {ونعم الوكيل} أي: الموكول إليه الأمور.
قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان (58) ] .
----------------
وفيه: إشارة إلى أن من توكل على غير الله فقد ضاع؛ لأنه يموت. قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص (88) ]
قال تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران (159) ] .
----------------
أي: إذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة، فتوكل على الله، أي: ثق به لا بالمشاورة. والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة.
قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق (3) ]
----------------
أي كافيه.
قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال (2) ] .
----------------
أي: يفوضون أمورهم إليه. وهذه الآية صفة المؤمنين حقا. قال عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصانا. قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته. وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك؛ لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم واختصره البخاري.
----------------
قوله: «اللهم لك أسلمت» ، أي: استسلمت لحكمك وأمرك، وسلمت: رضيت وآمنت وصدقت وأيقنت. وفي الحديث: الالتجاء إلى الله والاعتصام به، فمن اعتز بغير الله ذل، ومن اهتدى بغير هدايته ضل، ومن اعتصم بالله تعالى وتوكل عليه عظم وجل.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. رواه البخاري. وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان آخر قول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
----------------
قوله: {حسبنا الله} ، أي: هو كافينا. {ونعم الوكيل} ، أي: الموكول إليه الأمور. وروي أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما أرادوا إلقاءه في النار، رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل» . فقال الله عز وجل: {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم.
----------------
قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. هذا الحديث أصل عظيم في التوكل. وحقيقته: هو الاعتماد على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار. قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. واعلم أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، فإن الطير تغدو في طلب رزقها. وقد قال الله تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله ... رزقها} [هود (6) ] . قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. وفي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم.
----------------
قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. هذا الحديث أصل عظيم في التوكل. وحقيقته: هو الاعتماد على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار. قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. واعلم أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، فإن الطير تغدو في طلب رزقها. وقد قال الله تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله ... رزقها} [هود (6) ] . قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. وفي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» .
عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا فلان، إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت؛ ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا» . متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين، عن البراء، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل ... وذكر نحوه ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول» .
----------------
في هذا الحديث: فضل الاستسلام، والتفويض، والالتجاء إلى الله عز وجل.

عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي - رضي الله عنه - وهو وأبوه وأمه صحابة - رضي الله عنهم - قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» . متفق عليه.
----------------
في هذا الحديث: تنبيه على أن من توكل على الله كفاه، ونصره، وأعانه، وكلأه وحفظه.
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال ... - يعني: إذا خرج من بيته -: بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان» . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي: (حديث حسن) ، زاد أبو داود: «فيقول - يعني: الشيطان - - لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟» .
----------------
معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله. ولا قوة على الطاعات إلا بالله. وروي عن ابن مسعود قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلتها. فقال: «تدري ما تفسيرها؟» ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «لا حول عن معصية الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله» . أخرجه البزار. قال بعض العلماء: ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية؛ لأنهما أمران مهمان في الدين.
عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان أخوان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أحدهما يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لعلك ترزق به» . رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم.
----------------
«يحترف» : يكتسب ويتسبب. في الحديث: تنبيه على أن من انقطع إلى الله كفاه مهماته. وأن العبد يرزق بغيره، كما في الحديث الآخر: «وهل ترزقون - أو قال: تنصرون - إلا بضعفائكم»
باب في اليقين والتوكل
قال الله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب (22) ]
----------------
أي: ما زادهم الابتلاء إلا تصديقا بوعد الله وتسليما لأمره.
قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران (173: 174) ] .
----------------
يمدح تعالى المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول بأن تخويف الناس لهم زادهم تصديقا ويقينا وقوة، وقالوا: {حسبنا الله} ، أي: كافينا الله. {ونعم الوكيل} أي: الموكول إليه الأمور.
قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان (58) ] .
----------------
وفيه: إشارة إلى أن من توكل على غير الله فقد ضاع؛ لأنه يموت. قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص (88) ]
قال تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران (159) ] .
----------------
أي: إذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة، فتوكل على الله، أي: ثق به لا بالمشاورة. والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة.
قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق (3) ]
----------------
أي كافيه.
قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال (2) ] .
----------------
أي: يفوضون أمورهم إليه. وهذه الآية صفة المؤمنين حقا. قال عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصانا. قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته. وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك؛ لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم واختصره البخاري.
----------------
قوله: «اللهم لك أسلمت» ، أي: استسلمت لحكمك وأمرك، وسلمت: رضيت وآمنت وصدقت وأيقنت. وفي الحديث: الالتجاء إلى الله والاعتصام به، فمن اعتز بغير الله ذل، ومن اهتدى بغير هدايته ضل، ومن اعتصم بالله تعالى وتوكل عليه عظم وجل.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. رواه البخاري. وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان آخر قول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
----------------
قوله: {حسبنا الله} ، أي: هو كافينا. {ونعم الوكيل} ، أي: الموكول إليه الأمور. وروي أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما أرادوا إلقاءه في النار، رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل» . فقال الله عز وجل: {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم.
----------------
قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. هذا الحديث أصل عظيم في التوكل. وحقيقته: هو الاعتماد على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار. قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. واعلم أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، فإن الطير تغدو في طلب رزقها. وقد قال الله تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله ... رزقها} [هود (6) ] . قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. وفي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم.
----------------
قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. هذا الحديث أصل عظيم في التوكل. وحقيقته: هو الاعتماد على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار. قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. واعلم أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، فإن الطير تغدو في طلب رزقها. وقد قال الله تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله ... رزقها} [هود (6) ] . قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. وفي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» .
عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا فلان، إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت؛ ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا» . متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين، عن البراء، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل ... وذكر نحوه ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول» .
----------------
في هذا الحديث: فضل الاستسلام، والتفويض، والالتجاء إلى الله عز وجل.

عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي - رضي الله عنه - وهو وأبوه وأمه صحابة - رضي الله عنهم - قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» . متفق عليه.
----------------
في هذا الحديث: تنبيه على أن من توكل على الله كفاه، ونصره، وأعانه، وكلأه وحفظه.
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال ... - يعني: إذا خرج من بيته -: بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان» . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي: (حديث حسن) ، زاد أبو داود: «فيقول - يعني: الشيطان - - لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟» .
----------------
معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله. ولا قوة على الطاعات إلا بالله. وروي عن ابن مسعود قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلتها. فقال: «تدري ما تفسيرها؟» ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «لا حول عن معصية الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله» . أخرجه البزار. قال بعض العلماء: ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية؛ لأنهما أمران مهمان في الدين.
عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان أخوان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أحدهما يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لعلك ترزق به» . رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم.
----------------
«يحترف» : يكتسب ويتسبب. في الحديث: تنبيه على أن من انقطع إلى الله كفاه مهماته. وأن العبد يرزق بغيره، كما في الحديث الآخر: «وهل ترزقون - أو قال: تنصرون - إلا بضعفائكم»
( باب المجاهدة)
قال الله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت 69 ]
----------------
المجاهدة: مفاعلة من الجهد، فإن الإنسان يجاهد نفسه باستعمالها فيما ينفعها، وهي تجاهده بضد ذلك. قال بعض العلماء: جهاد النفس هو الجهاد الأكبر. وجهاد العدو هو الجهاد الأصغر.
قال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل (8) ]
----------------
: أي: انقطع إليه يقول تعالى: {واذكر اسم ربك} ، أي: أكثر من ذكره، وأخلص واجتهد في وقت فراغك.
قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر (99) ] .
----------------
أي: الموت
قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة (7) ] .
----------------
في هذا الآية تشويق لتقديم العمل الصالح بين يديه ليجد ثوابه عند قدومه على ربه.
قال تعالى: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا} [المزمل (20
----------------
أي ما أخرجتم لله خير لكم وأعظم أجرا عند الله مما ادخرتم.
قال تعالى:{وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم}[البقرة (273) ]
----------------
يعني: فيجزيكم بخير منه.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» . رواه البخاري.
----------------
«آذنته» : أعلمته بأني محارب له. «استعاذني» روي بالنون وبالباء. الولي: من تولى الله بالطاعة والتقوى، فإن الله يتولاه بالحفظ والنصرة. وفي الحديث: الوعيد الشديد لمن عادى وليا من أجل طاعته لله عز وجل. وأن أحب العبادة إلى الله أداء فرائضه. وأن من تقرب إلى الله بالنوافل أحبه، ونصره، وحفظه، وأجاب دعاءه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فلا ينطق بما يسخط الله، ولا تحرك جوارحه في معاصي الله.
عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - قال: «إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» . رواه البخاري.
----------------
معنى هذا الحديث: أن من تقرب إلى الله بشيء من الطاعات ولو قليلا قابله الله بأضعاف من الإثابة والإكرام، وكلما زاد في الطاعة زاده في الثواب، وأسرع برحمته وفضله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» . رواه. البخاري.
----------------
في هذا الحديث: أن من لم يعمل في فراغه وصحته فهو مغبون. قال الله تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} [التغابن (9) ] . وفي الحديث: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك» .
عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا» . متفق عليه، هذا لفظ البخاري. ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
----------------
في هذا الحديث: أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه إذا لم يفض به إلى الملل. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» . وفيه: أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. متفق عليه.
----------------
والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان. و «المئزر» : الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء. وقيل: المراد تشميره للعبادة، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت وتفرغت له. في هذا الحديث: الجد والاجتهاد في العبادة، خصوصا في الأوقات الفاضلة، واغتنام صالح العمل في العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة خير من ألف شهر.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» . رواه مسلم.
----------------
المؤمن القوي، هو من يقوم بالأوامر ويترك النواهي بقوة ونشاط، ويصبر على مخالطة الناس ودعوتهم، ويصبر على أذاهم. وفي الحديث: الأمر بفعل الأسباب والاستعانة بالله. وفيه: التسليم لأمر الله، والرضا بقدر الله.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» . متفق عليه.
----------------
وفي رواية لمسلم: «حفت» بدل «حجبت» وهو بمعناه: أي بينه وبينها هذا الحجاب فإذا فعله دخلها. في هذا الحديث: أن الجنة لا تنال إلا بالصبر على المكاره، وأن النار لا ينجى منها إلا بفطام النفس عن الشهوات المحرمة.
عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم» فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده» ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريبا من قيامه. رواه مسلم.
----------------
في هذا الحديث: فضل تطويل صلاة الليل، قال الله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} الزمر (9) ] .
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء! قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه.
----------------
في هذا الحديث: أنه ينبغي الأدب مع الأئمة، بأن لا يخالفوا بقول، ولا فعل مالم يكن حراما، فإن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيء.
عن أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» . متفق عليه.
----------------
في هذا الحديث: الحث على تحسين العمل ليكون أنيسه في قبره.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» . رواه البخاري.
----------------
في هذا الحديث: الترغيب في قليل الخير وإن قل، والترهيب عن قليل الشر وإن قل. وأن الطاعة مقربة إلى الجنة، والمعصية مقربة إلى النار، قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}في هذا الحديث: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله يرفعه الله بها درجات، وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.
عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أهل الصفة - رضي الله عنه -، قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: «سلني» فقلت: اسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أو غير ذلك» ؟ قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» . رواه مسلم.
----------------
في هذا الحديث: الحث على الإكثار من الصلاة، وأنه يوجب القرب من الله تعالى، ومرافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، وقد قال الله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء (69) ] ، وقال تعالى: {واسجد واقترب} [العلق (19) ] .
عن أبي عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن ثوبان - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ... «عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة» . رواه مسلم.
----------------
سبب رواية ثوبان لهذا الحديث: أن معدان بن طلحة قال: أتيت ثوبان فقلت: أخبرني بعمل أعمل به يدخلني الله به الجنة؟ - أو قال بأحب الأعمال إلى الله - فسكت، ثم سأله، فسكت، ثم سأله الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «عليك بكثرة السجود ... » . الحديث. وفي آخره: فلقيت أبا الدرداء فسألته، فقال لي مثل ما قال ثوبان.
عن أبي صفوان عبد الله بن بسر الأسلمي - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله» . رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن» .
----------------
«بسر» بضم الباء وبالسين المهملة. في هذا الحديث: فضل طول العمر إذا أحسن فيه العمل. وفي بعض الروايات: «وشركم من طال عمره وساء عمله» .
عن أنس - رضي الله عنه -، قال: غاب عمي أنس بن النضر - رضي الله عنه - عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - - يعني: المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب الكعبة إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب (23) ] إلى آخرها. متفق عليه.
----------------
قوله: «ليرين الله» روي بضم الياء وكسر الراء: أي ليظهرن الله ذلك للناس، وروي بفتحهما ومعناه ظاهر، والله أعلم. في هذا الحديث: جواز الأخذ بالشدة في الجهاد وبذل المرء نفسه في طلب الشهادة، والوفاء بالعهد.
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء، وجاء رجل آخر فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا! فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة (79) ] . متفق عليه.
----------------
و «نحامل» بضم النون وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة ويتصدق بها. قوله: (لما نزلت آية الصدقة) قال الحافظ: كأنه يشير إلى قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} الآية [التوبة (103) ] . قوله: «وجاء رجل فتصدق بصاع» ، وكان تحصيله له بأن أجر نفسه على النزع من البئر بصاعين من تمر، فذهب بصاع لأهله وتصدق بالآخر. وفي هذا: أن العبد يتقرب إلى الله بجهده وطاقته، وحسب قدرته واستطاعته.
باب في بيان كثرة طرق الخير
قال الله تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة (215) ] .
----------------
فيجزيكم عليه.
قال تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} [البقرة (197) ] .
----------------
فلا يضيعه.
قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة (7) ] .
----------------
يعني: يرى جزاءه في الآخرة. قال سعيد بن جبير: كان المسلمون يرون أنهم لا
يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، وكان آخرون يرون أن لا يلامون على
الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباهها. فنزلت: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة ] .
قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه} [الجاثية (15) ] . ***
قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل (97) ] ***

عن أبي ذر جندب بن جنادة -
رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان
بالله والجهاد في ... سبيله» . قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند
أهلها وأكثرها ثمنا» . قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعا أو تصنع لأخرق» .
قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: ... «تكف شرك عن
الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك» . متفق عليه.
----------------
«الصانع» بالصاد المهملة هذا هو المشهور، وروي «ضائعا» بالمعجمة: أي ذا
ضياع من فقر أو عيال ونحو ذلك، «والأخرق» : الذي لا يتقن ما يحاول فعله. في
هذا الحديث: بيان كثرة طرق الخير، وأن الإنسان إذا عجز عن خصلة من خصال
الخير قدر على الأخرى، فإذا عجز عن ذلك كف شره عن الناس. وما لا يدرك كله
عن أبي ذر رضي الله عنه -:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم
صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة
صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان
يركعهما من الضحى» . رواه مسلم.
----------------
«السلامى» بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل. قال في
القاموس: المفاصل: مفاصل الأعضاء، الواحد منها كمنزل. والمفصل: كمنبر.
اللسان. وفي هذا الحديث: فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وأن الصدقة تكون بغير المال من جميع أنواع فعل المعروف
والإحسان. وفيه: فضل صلاة الضحى، وأنها تكفي من صدقات الأعضاء؛ لأن الصلاة
عمل لجميع أعضاء الجسد، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.
عن أبي ذر رضي الله عنه قال
: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها
فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها
النخاعة تكون في المسجد لا تدفن» . رواه مسلم.
----------------
في هذا الحديث: التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضررا. وأن
القليل من الخير والشر مكتوب على العبد، قال الله تعالى: ... {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ... [الزلزلة ] .
عن أبي ذر رضي الله عنه: أن
ناسا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي،
ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما
تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل
تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم
صدقة» قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:
«أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال
كان له أجر» . رواه مسلم.
----------------
«الدثور» بالثاء المثلثة: الأموال واحدها: دثر. في هذا الحديث: فضل
التنافس في الخير، والحرص على العمل الصالح، وجبر خاطر من لا يقدر على
الصدقة، ونحوها، وترغيبه فيما يقوم مقامها من التسبيح والتحميد والتهليل
والتكبير. وفيه: أن فعل المباحات إذا قارنه بنية صالحة يؤجر عليه العبد.
عن أبي ذر رضي الله عنه،
قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو
أن تلقى أخاك بوجه طليق» . رواه مسلم.
----------------
في هذا الحديث: الحث على فعل المعروف قليلا كان أو كثيرا، بالمال، أو الخلق الحسن.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غدا إلى المسجد أو ... راح،
أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح» . متفق عليه.
----------------
«النزل» : القوت والرزق وما يهيأ للضيف. في هذا الحديث: فضل المشي إلى صلاة الجماعة في المسجد.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا نساء المسلمات، لا
تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» . متفق عليه.
----------------
قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة قال: وربما استعير في
الشاة. في هذا الحديث: الحث عى صلة الجارة ولو بظلف شاة، وفي معناه الحديث
الآخر: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك»
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع
وستون شعبة: فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،
والحياء شعبة من الإيمان» . متفق عليه.
----------------
«البضع» من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. و «الشعبة» : القطعة. شعب
الإيمان: هي الأعمال الشرعية، وهي تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان،
وأعمال البدن.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «بينما رجل يمشي بطريق
اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل
الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد
بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر
الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «في
كل كبد رطبة أجر» . متفق عليه.
----------------
وفي رواية للبخاري: «فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة» وفي رواية
لهما: «بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني
إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها ... به» . «الموق» :
الخف. و «يطيف» : يدور حول «ركية» : وهي البئر. في هذا الحديث: فضل الإحسان
إلى الحيوان، وأنه سبب لمغفرة الذنوب ودخول الجنة.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة
في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» . رواه مسلم.
----------------
وفي رواية: «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن
المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة» . وفي رواية لهما: «بينما رجل يمشي بطريق
وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له، فغفر له» . في هذا الحديث:
فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررا، وأن ذلك سبب للمغفرة ودخول
الجنة.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ فأحسن الوضوء،
ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام،
ومن مس الحصا فقد لغا» . رواه مسلم.
----------------
معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام: أن الحسنة بعشر
أمثالها. وفي الحديث الآخر: إشارة إلى الحث على إقبال القلب والجوارح على
الخطبة، واجتناب العبث.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ العبد المسلم، أو
المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع
آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع
الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع
الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب» . رواه مسلم.
----------------
في هذا الحديث: فضل الوضوء، وأنه يمحو خطايا الجوارح ويكفر الذنوب.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة
إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» . رواه
مسلم.
----------------
في هذا الحديث: سعة رحمة الله تعالى، وأن المدوامة على الفرائض تكفر الصغائر من الذنوب، وقال الله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} [النجم (32) ]
.
عن أبي هريرة - رضي الله
عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة
إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» . رواه
مسلم.
----------------
في هذا الحديث: سعة رحمة الله تعالى، وأن المدوامة على الفرائض تكفر الصغائر من الذنوب، وقال الله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} [النجم (32) ]

.
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى البردين دخل الجنة» . متفق عليه.
----------------
«البردان» : الصبح والعصر. وجه تخصيصهما بالذكر عن سائر الصلوات: أن وقت
الصبح يكون عند لذة النوم، ووقت العصر يكون عند الاشتغال، وأن العبد إذا
حافظ عليهما كان أشد محافظة على غيرهما.
عن أبي موسى الأشعري - رضي
الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مرض العبد أو
سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» . رواه البخاري.
----------------
في هذا الحديث: عظيم فضل الله، وأن من كان له عمل دائم فتركه لعذر صحيح، أنه يكتب له مثل عمله.
عن جابر - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل معروف صدقة» رواه.
البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة - رضي الله عنه -.
----------------
في هذا الحديث: أن كل ما يفعل الإنسان من أعمال البر والخير فهوصدقة يثاب عليها.
عن جابر - رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان
ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة»
. رواه مسلم.
----------------
وفي رواية له: «فلا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير
إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» . وفي رواية له: «لا يغرس مسلم غرسا، ولا
يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت له صدقة» . وروياه
جميعا من رواية أنس - رضي الله عنه -. قوله: «يرزؤه» أي ينقصه. في هذا
الحديث: سعة كرم الله تعالى، وأنه يثيب على ما بعد الحياة، كما يثيب عليه
في الحياة، وأن ما أخذ من الإنسان بغير عمله فهو صدقة له.
عن جابر - رضي الله عنه ،
قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، فقال لهم: «إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟»
فقالوا: نعم، يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال: «بني سلمة، دياركم تكتب
آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» . رواه مسلم.
----------------
في رواية: «إن بكل خطوة درجة» . رواه مسلم. ورواه البخاري أيضا بمعناه من
رواية أنس - رضي الله عنه -. و «بنو سلمة» بكسر اللام: قبيلة معروفة من
الأنصار - رضي الله عنهم -، و «آثارهم» : خطاهم.في هذا الحديث: أن المشي
إلى المسجد من الحسنات التي تكتب لصاحبها. ويشهد له قوله تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} [يس (12) ] .
عن أبي المنذر أبي بن كعب -
رضي الله عنه -، قال: كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه، وكان لا
تخطئه صلاة، فقيل له أو فقلت له: لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء وفي
الرمضاء؟ فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي
ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: «قد جمع الله لك ذلك كله» . رواه مسلم.
----------------
وفي رواية: «إن لك ما احتسبت» . «الرمضاء» : الأرض التي أصابها الحر
الشديد. في هذا الحديث: دليل على فضل تكثير الخطا إلى الذهاب إلى المسجد،
وأنه يكتب له أجر ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى أهله.
عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» . متفق عليه.
----------------
وفي رواية لهما عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم
من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا
ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا
النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» .
في هذا الحديث: الحض على الزيادة من صالح العمل، والتقليل من سيء العمل،
وأن الصدقة حجاب عن النار، ولو قلت بمال، أو كلام.
عن أنس - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ... «إن الله ليرضى عن العبد
أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها» . رواه مسلم.
----------------
و «الأكلة» بفتح الهمزة: وهي الغدوة أو العشوة. في هذا الحديث: بيان فضل
الحمد عند الطعام والشراب، وهذا من كرم الله تعالى، فإنه الذي تفضل عليك
بالرزق، ورضي عنك بالحمد.
عن أبي موسى - رضي الله
عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «على كل مسلم صدقة» قال:
أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق» قال: أرأيت إن لم
يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قال: أرأيت إن لم يستطع، قال: «يأمر
بالمعروف أو الخير» قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر، فإنها
صدقة» . متفق عليه.
----------------
في هذا الحديث: الحث على اكتساب ما تدعو إليه حاجة الإنسان من طعام،
وشراب، وملبس، ليصون به وجهه عن الناس، واكتساب ما يتصدق به ليحصل له
الثواب الجزيل. وفيه: فضل إعانة المحتاج والمضطر، والله في عون العبد ما
كان العبد في عون أخيه. وفيه: فضل الأمر بالمعروف والخير. وفيه: أن الإمساك
عن الشر صدقة.