قال العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي في (فتح الباري) له :
(...قال الجعد أبو عثمان : قلت لأبي رجاء العطاردي : هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق قال : نعم ، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا ، نعم شديدا نعم شديدا (2) . وكان قد أدرك عمر .
وممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة : حذيفة ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري (3) .
وأما التابعون : فكثير ، قال ابن سيرين : ما علي شيء أخوف من هذه الآية { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة 8 ] . وقال أيوب : كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي . وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه وآمنه أنا (4) ؟ .
وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا ، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم :
قال زيد بن الزرقاء ، عن سفيان الثوري : خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث :
نقول الإيمان قول وعمل ، وهو يقولون : الإيمان قول ولا عمل
ونقول : الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص .
ونحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق (5) .
وقال أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي : قد خاف عمر على نفسه النفاق ( 208 - أ / ف ) قال (6) : فقلت للأوزاعي : إنهم يقولون : إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة ؛ لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت ، قال : هذا قول أهل البدع .
وقال الإمام أحمد - في رواية هانيء وسئل : ما يقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه ؟ ، - فقال : ومن يأمن على نفسه النفاق ؟!! (7) .
وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره أن النفاق أصغر وأكبر ؛ فالنفاق الأصغر : هو نفاق العمل وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم ؛ وهو باب النفاق الأكبر ، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر : في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية ، كما قال تعالى { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] وقال { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة} [ الأنعام : 110 ] .
والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة : هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار عنه (8) . وفي الصلت ضعف . وفي بعض الروايات : عنه ، عن ابن أبي مليكة قال : أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه .
وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن : فقال : ويذكر عن الحسن قال : ما خاف إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق ، فهذا مشهور عن الحسن ، صحيح عنه . والعجب من قوله في هذا : ويذكر ، وفي قوله في الذي قبله : وقال ابن أبي مليكة - جزما (9) .
قال الإمام أحمد في كتاب " الإيمان " له : حدثنا مؤمل قال : سمعت حماد بن زيد قال : ثنا أيوب قال : سمعت الحسن يقول : والله ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ولا أمسى على وجهها مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق .
حدثنا روح بن عبادة قال : ثنا هشام قال : سمعت الحسن يقول : والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخاف النفاق ولا أمنه إلا منافق . وروى جعفر الفريابي في كتاب " صفة المنافق " من حديث جعفر بن سليمان ، عن معلى بن زياد قال : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . قال : وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق (10) .
وعن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق(11) .
والروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرة .
وقول البخاري بعد ذلك : " وما يحذر من الإصرار عل النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون } [ آل عمران : 135 ] : فمراده أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة ، نعوذ بالله من ذلك ، كما يقال : إن المعاصي بريد الكفر )اهـ.
________________________
(1) انظر " صفة المنافق " للفريابي ( ص : 68 ) .
(2) اخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 2 / 307 ) ، و الفريابي في " صفة المنافق " ( ص : 118 ) .
(3) راجع " صفة المنافق " فقد أخرج هذه الآثار ( ص : 113 - 122 ) .
(4) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق " ، ( ص : 120 ) .
(5) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق ( ص : 127 ) .
(6) كلمة " قال " تكررت في " ف " .
(7) مسائل ابن هانيء " ( 2 / 176 ) .
(8) أخرجه البخاري في " تاريخه الكبير " ( 5 / 137 ) من طريق ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، به .
(9) . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 1 / 111 ) : " وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه ، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ رحمه الله ، وهي : أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد ؛ بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى به - أيضا - لما علم من الخلاف في ذلك ، فهنا كذلك " أ . هـ وقال القسطلاني في " إرشاد الساري " ( 1 / 136 ) " .... وأتى بـ " يذكر " الدالة على التمريض نع صحة هذا الأثر ؛ لأن عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى ؛ لا أنه ضعيف " أ . هـ
(10) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق " ( ص : 121 ) .
(11) المصدر السابق ( ص : 119 ) .
منقول من شبكة الألوكة