![]() |
الحلم زينة العالم وسبيل السلامة
الحِلْمُ زِينَةُ العَالِمِ وَسَبِيلُ السَّلَامَةِ محمد بن عبدالله العبدلي الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: فإنَّ مِن أجلِّ الأخلاق التي دعا إليها دينُنا الحنيفُ، وأعلى من شأنِها، خُلُقَ الحِلْمِ، وكظم الغيظ، والإعراض عن السفهاء، ومقابلة الإساءة بالإحسان أو بالإعراض. ولا يبلغ العبدُ هذه المنزلةَ العظيمةَ إلَّا إذا زكَّى نَفْسَه، وربَّاها على الصَّبْر، واستحضر مراقبة الله عز وجلَّ، وعلم أن الانتصار للنفس كثيرًا ما يُورِث الندم، وأن العفو والحلم يرفعان صاحبَهما في الدُّنيا والآخرة. وهذه ثلاثة مواقف مُشرقة من سِيَر أئمة الإسلام، تُبيِّن كيف كان العلم يُثْمِر حِلْمًا، والعقل يُثمِر وقارًا، والإيمان يُثْمِر سلامة الصَّدْر. أولًا: العلم الحق يورث الحِلْم: سبَّ رجلٌ الإمامَ وكيعًا رضي الله عنه فلم يُجِبْه، فقيل له: ألا ترُدُّ عليه؟ فقال: "ولِمَ تَعَلَّمْنَا العلمَ إذًا؟!"[1]. فما أعظمها من كلمة! وما أبلَغَه من جوابٍ! فالعلم ليس حفظًا للمسائل، ولا كثرةً للرِّوايات، وإنما هو تربيةٌ للنفس، وتهذيبٌ للأخلاق، وحملٌ لصاحبه على الحِلْم والوقار. فإذا كان العالمُ يردُّ السَّفَهَ بالسَّفَهِ، والغضبَ بالغَضَبِ، فأين أثرُ العلم الذي يحمله؟ ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يعدُّون الحِلْم من أعظم ثمار العلم، وكانوا يرون أنَّ مَن ازدادَ عِلْمًا ولم يزدد حِلْمًا فقد فاته خيرٌ كثيرٌ. ثانيًا: الحليم يطفئ نار الخصومة: قيل: إنَّ رجلًا خاصَمَ الأحنف بن قيس رضي الله عنه وقال: "لَئِنْ قُلْتَ وَاحِدةً، لَتَسْمَعَنَّ عَشْرًا. فقال الأحنف: "لكنَّك إن قلتَ عشرًا لم تسمع واحدة". وقيل: إنَّ رجلًا قال للأحنف: "بِمَ سُدْتَ؟" يريد أن يعيبَه. فقال: "بتركي ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك"[2]. فالأحنف رضي الله عنه بلغ الإمامة في الحلم حتى صار مضرب الأمثال فيه؛ لأنه أدرك أن أكثر الخصومات لا تعيش إلا إذا وجدت مَنْ يُغَذِّيها. فإذا قابل الحليم السفيه بالصمت، وانصرف عن الجدال العقيم، انطفأت نارُ الفتنة، وسلم قلبُه ولسانُه، وحفظ هيبتَه وكرامتَه. فما أحوج الناس اليوم إلى هذا الأدب العظيم في زمن كثرت فيه المشاحنات، وسَهُل فيه نَشْرُ الكلمات، وأصبح كثيرٌ من الناس يظنُّ أن الانتصار للنفس يكون بكثرةِ الرُّدُود والسبِّ والشتمِ والبُهْتان، مع أن أعظم الانتصار أن يملك المرءُ نفسَه عند الغَضَبِ. ثالثًا: سلامة الناس طريق سلامة القلب: وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لحاتم الأصم رضي الله عنه: "كيف التخلُّص من الناس؟ قال: "أن تعطيهم مالك، ولا تأخذ من مالهم، وتقضي حقوقهم، ولا تستقضي أحدًا حقَّك، وتحتمل مكروهَهم، ولا تُكرِههم على شيء، وليتك تسْلَم"[3]. هذه الكلمات من أنفس الوصايا في معاملة الناس، كلمات تدعو إلى الإيثار، والتسامُح، واحتمال الأذى، وترك التشدُّد في استيفاء الحقوق، وكل ذلك مما يجمع القلوب ويُورِث راحةَ النفس. ولكن لا يُفهَم منها أن المراد بها ترك الحقوق الواجبة بإطلاق، وإنما المراد بيان أن من أراد السلامة من كثرة الخصومات، فليُوطِّن نفسَه على التغافُل، والعفو، واحتمال ما يمكن احتماله، فإنَّ النقص والتقصير لا يخلو منه أحدٌ من الناس. وأخيرًا: أيها الأفاضل، هذه المواقف الثلاثة ترسم منهجًا متكاملًا في التعامُل مع الناس؛ فالعلم يُثمِر الحِلْمَ، والحِلْمُ يقطع أسباب الخصومة، وحُسْنُ المعاملة يُورِثُ سلامةَ الصَّدْر وراحةَ القلب. فليُحاسِب كُلُّ واحدٍ مِنَّا نفسَه عند الغضب، وليتذكَّر أنَّ الكلمة إذا خرجت لم تَعُدْ، وأنَّ الحليمَ هو الرابح في الدُّنْيا والآخرة، ومن أعظم دلائل كمال العقل والإيمان القدرة على كَظْمِ الغيظِ، والإعراض عن السُّفهاء، والإحسان إلى الناس ابتغى ما عند الله عز وجلَّ. فاللهم زيِّنَّا بأحْسَن الأخلاق والآداب، وارْزُقنا الحِلْمَ والأناةَ، وأعِذْنا من الغَضَب والطيش وسوء القول والعمل. اللهم طهِّر قلوبَنا من الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ، وألسِنَتنا من الفحش والبذاء، واجعلنا من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، المحسنين إلى عبادك. اللهم علِّمْنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارْزُقنا عِلْمًا وعَمَلًا صالحًا. اللهمَّ اجعل العلمَ حُجَّةً لنا لا علينا، وارزقنا العملَ به، وحُسْن الأدب معك ومع خلقك، وثبِّتْنا على الكِتابِ والسُّنَّة حتى نَلْقاك وأنت راضٍ عَنَّا يا أكرمَ الأكرمين. والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. [1] روضة العقلاء، لابن حبان (ص: 166). [2] سير أعلام النبلاء (4/93). [3] سير أعلام النبلاء (11 /487). |
بارك الله فيك ...
|
| الساعة الآن 04:40 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي