![]() |
تأملات في آيات من القرآن الكريم
تأملات في آيات من القرآن الكريم أ. د. عباس توفيق سورة الفاتحة 1- سُمِّيت كذلك؛ لافتتاح الكتاب الكريم بها. 2- وتُسمى السبعَ المثاني؛ لأنها سبع آيات، ومَثاني؛ أي: تُتلى وتُكرَّر في الصلاة، فتُقرأ في كل ركعة. 3- ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7]. أ- افتتاحُ السورة بالبسملة إرشادٌ للمُسلمين في أن يَفتَتِحوا كلَّ أفعالهم وأقوالِهم بها، وقد ورَد في الحديث الشريف: "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ بالحمد لله، فهو أقطع"؛ "تهذيب الأسماء واللغات" (3: 70)، وحكَم الإمام النوويُّ - رحمه الله - على الحديث بأنه حسَنٌ. ب- في البسملة فوائدُ كثيرةٌ، منها: التبرُّك - عند مَن لم يرَ أنها آية كالمالكية مثلاً - بذكرِ اسم الله تعالى وطرد الشيطان؛ لأنه يَهرُب مِن اسمِ الله، كما أن فيها مخالفةً للمُشركين الذين كانوا يَفتتِحون أمورَهم وشؤونهم بذِكر الأصنام، وفي أحسن الأحوال كانوا يقولون: باسمكَ اللهمَّ. ج- ﴿ اللَّه ﴾ اسمٌ علم للذات العليَّة - تبارك وتعالى - ويقال: إنه الاسم الأعظم. د- ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة : 1] وهما مِن أسمائه الحسنى - سبحانه وتعالى - ومُشتقان مِن الرحمة، والرحمنُ هو المنعِم بجلائل النِّعَم، والرحيم هو المُنعِم بدقائقها، وجَمعُهما في هذه الآية المباركة وغيرها للإشارة إلى أنه - سبحانه - يُغدِق على مخلوقاته نِعَمَه جليلَها ودقيقَها، وقيل: إنَّ ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ رحمة شامِلة وسِعَت الخلق وعمَّت المؤمنَ والكافر، وأما ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ فرحمة خاصَّة بالمؤمنين، وقيل غير ذلك أيضًا، ولا يَجوز إطلاق الرحمنِ إلا على الله - سبحانه وتعالى - بينما يُمكن استعمال الرحيم للبشَر؛ فقد قال تعالى في وصف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وتبدأ السورة المبارَكة بالبسملة المُشتمِلة على صفات الرحمة؛ لأنَّ رحمة الله سابقة، وليأنَسِ الإنسان بربِّه الذي يُقبل عليه ولا يقنَط مِن عفوِه، وسواء كانت هذه البسملة آية أم تُقرأ تبرُّكًا، فقد تكرَّر ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ منها في بداية السورة، وفي هذا التَّكرار تركيز على رحمة الله -تعالى- الواسعة الشاملة، وعلى أن الموجودات تَتنقَّل بين هذه الرحمات المُكرَّرة؛ ولذلك فإنه - جلَّ شأنه - أهلٌ لذلك الحمد الشامل ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة : 2]، وجديرٌ به. د- والحمد أعمُّ مِن الشكر؛ لأنه تعبير عن الامتنان لما أنعم الله - تعالى - به مِن غير مسألة كالحياة والقدرات الحسية، والملَكات الذهنية، وغيرها؛ ولهذا بدأت السورة الكريمة به، وأما الشكر، فهو تعبير عن الامتنان لعملٍ طلبتَ مِن غيركَ أن يُنجِزَه أو يُحقِّقه لك ففعَل. ثم إن قوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قد يَلفِتُ نظرَ الإنسان إلى العالَم الذي يُحسُّه محيطًا به، و ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يلفته إلى العالم الذي يَغيب عنه، وأن الله -تعالى- ربُّ هذا وهذا ومالكُهما، ويُوقِع إدراكُ هذه العظمة الرهبةَ في النفس، ولكن اقتران العظمة بـ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ يُعيد إلى النفس سكينتها؛ لتُمارس دورها الذي وُجِدت مِن أجله في الحياة، وهذا الدور ذو بُعدَين؛ أولهما هو الارتباط به سبحانه ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، وثانيهما هو الاستعانة به في شؤون العبادة وعمارة الأرض وغيرهما، وقد تقدَّمت العبادة؛ لأن الإنسان خُلق مِن أجلِها، ولتكون النِّبراس الذي يَستضيء به في تنفيذ عملية العمارة، فيؤسِّسها على هَدْي العبادة وبحسب منهجِها، والله أعلم. هـ- ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، والأصل فيها نَعبُدك ونَستعينُك، وقد تقدَّم المفعول به الذي هو الضمير المتَّصل الكافُ، فصار ضميرًا مُنفصِلاً: ﴿ إِيَّاكَ ﴾؛ وذلك لكي يُفيد التخصيص وإفراد الله - سبحانه وتعالى - بالعبادة والاستعانة، وعدم إشراك غيره معه فيهما، وقد لا يَقتضي تأخير المفعول به - أي: القول: نَعبُدك ونَستعينُك - معنى الإفراد والتخصيص؛ إذ يَجوز العطف على الضمير المتصل في هذه الحال، كما ورد في اللغة أيضًا العطفُ على ضمير النصبِ ولكن في غير مَوضِع التقديم كقولكَ مثلاً: ما ضربتُ إلا إياك وزيدًا، ولم أرَ العطفَ على ضمير النصبِ المتقدِّمِ، والقولُ: إياك وفلانًا نَعبُد، مثلاً، بناءٌ لا يَستسيغُه الوضع اللغوي، وتَنتفي معه فائدة التخصيص بالتقديم. و- و ﴿ استعان ﴾ فعلٌ يَتعدى بحرفٍ؛ فيُقال: استعان به، أو يتعدى بنفسه؛ فيقال: استعانه، وهو في كلا الحالين دالٌّ على طلب العون والمساعَدة، ولكن الفارق بينهما يَكمُن في أن تعدِّيه بحرفٍ يَجعله طلبًا للعون المحدود، فنقول: أستعين بالمعجم في فهم الكلمة، وأستعين بالعصا في المشي، وأستعين بك في إنجاز هذه المسألة، وهكذا، ففي هذه الحالات تكون الاستعانة بشيءٍ معيَّن في قضية محددة، وأما في حال تعدِّيه بنفسه، فيكون طلبًا للعون على وجه العموم والشمول، وقد وردَتْ كلمة ﴿ نستعين ﴾ في هذه الآية الكريمة مُتعدية بنفسِها للدلالة على هذه الشمولية في الاستعانة وفي كل أمر، ولئن قال مثلاً: وبك نَستعين، لأفاد تقديم شبهِ الجملة ﴿ بك ﴾ قصرَ الاستعانة على الله سبحانه، ولكنه قصْر في أمرٍ مخصوص ومعيَّن لا في الأمور كلها على وجه العموم والشمول والإطلاق. ز- ووردَت ﴿ نَعْبُدُ ﴾ و ﴿ نَسْتَعِينُ ﴾ بصيغة جمع المُتكلِّمين لا المفرد: أَعبُد وأستعين؛ وذلك اعترافًا مِن العبد بقصوره عن الوقوف في باب ملك المُلوك - جلَّ وعلا - وطلبِه الاستعانة والهداية مُفرَدًا، وكأنه يقول: أنا عبدٌ ذليل لا يَليق بي أن أقف هذا الموقف في مُناجاتك بمُفردي، بل أنا أنضمُّ إلى سلك الموحِّدين وأَدعوك معهم، فتقبَّل منّي دعائي معهم، كما أنها تَنطوي على تنمية رُوح الانتماء الجماعي للمسلمين؛ فهم ليسوا فرديِّين، بل جماعيُّون؛ فهم في صلاتهم جماعة، وفي دعواتهم يُشركون الجماعة معهم، وفي شؤونهم العامة مُتعاوِنون ومُتضامِنون، وكما أنَّ هذه الرُّوح الجماعية حاضرةٌ في العبادة وفي عمارة الأرض، فكذلك فإنها حاضرة في طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وقراءة القارئ مُنفرِدًا أو ضمنَ مجموع دعاء؛ لكي يكون هو ومَن معه، أو مَن يتخيلهم معه عندما يُصلي مُنفردًا مثلاً، على الصراط الذي هُدِيَ إليه الأبرار، والذي يأمَن سالكوه مِن عذاب ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾. |
|
جزاكِ الله خيرا |
تأملات في آيات من القرآن الكريم أ. د. عباس توفيق (سورة البقرة) 1- ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 7]. تُشير الآية الكريمة إلى القلب والسمع والبصر باعتبارها الحواس أو الوسائل الأساسية في المَعرِفة لدى الإنسان، ولنا مع هذه الآية بضع وقفات: أ- إن الله -تعالى- كنّى بالقلب عن العقل الذي هو مناط التكليف؛ لأن العقل - كما يُمكِن أن يُظنَّ - ليس هو دماغًا باعتباره كتلة ضابطة وحسب؛ بل هو مزيج مِن عمل هذه الكتلة ومن الشعور، فما يَعتري الإنسان يتولى الدماغ تحليله، ولكن القلب هو الذي يتحسَّس نتائج التحليل، وكأنه هو المَوضِع الفعلي للإدراك. ب- إن السمع والبصر هما الوسائل الأساسية الأولى في استِحصال المعرفة؛ فهما اللذان يَستجمِعان الإشارات ويَبعثان بها إلى القلب، ويَقتضي هذا التنظيم أن يكون ترتيب القلب في التسلسل تاليًا، غير أن ذكره تقدَّمَ في هذه الآية المباركة؛ لأنه وإن كان الوعاء المُستقبِل لإشارات السمع والبصر، إلا أنه أعلى منهما مقامًا؛ فلولا عمله في تحليل تلك الإشارات وربط بعضها ببعض لما كان هناك استخلاصٌ لإدراكٍ واحدٍ أو كلِّي؛ فالقلب مِن الأسرار التي يختصُّ بها الإنسان، ويقوم السمع والبصر على خدمته، ويُصبِحان وسيلتَين لنقل المحسوسات إليه، ومِن ثَمَّ فإن مقامه أعلى ويَستحِق التقديم في هذا الموضع، على حين أن ذِكْره يَرد آخرًا في سورة الإسراء: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36]؛ لأن هذه الآية في سياق بيان المسؤولية، فتتدرَّج في بيان مقامات هذه الأعضاء ابتداءً من الأدنى وصعودًا إلى الأعلى، فلو كُفَّ السمع والبصر عن المَحارم لأمِن القلب عن كثير من الآثام. ت- وردَت القلوب والأبصار في الآية الكريمة بصيغة الجمع، بينما ورَد السمع بهذه الصيغة التي تحتمل الجمع والإفراد معًا، وإذا ما أخذناه على أنه جمع فإن الصيغة تتَّفق في العناصر الثلاثة، ولكننا إذا نظرنا إليه على أنه مُفرد فسنكون إزاء التفاتة بلاغية، وهي أن المسموع واحد ولكن السامعين قد يختلفون في تأويل هذا المسموع أو إدراكه أو القدرة على ذلك التأويل والإدراك، ولأن المسموع واحد فإن المناسب هو حَملُ السمع على صيغة الإفراد، ولأن تأويله متعدِّد ومتنوِّع فإن المتناسب في هذه الحال هو حَملُ السمع على صيغة الجمع. والحال كذلك بالنسبة إلى الأبصار، فالشيء المرئي واحد، ولكن رؤية الناس له متباينة بسبب اختلاف زاوية الرؤية أو اختلاف إدراك ما يُرى، وقد لا يُتَّفق على كنهٍ واحد لذلك الشيء المرئي وإن كان هناك تقاربٌ في وصفه؛ فما يراه أحدهم جميلاً أو قبيحًا - على سبيل المثال - قد لا يحظى بالوقع ذاته في نظر آخر، ولئن اتَّفق الناظران على عمومية الجمال أو القبح فقد يَختلفان في مداهما ودرجتهما، وهكذا. وكذلك الحال بالنسبة إلى السمع، فعندما يرى إنسانٌ ما أحدهم يتكلَّم، فإن أذنه تلتقِط ما تلتقطه آذان الآخرين من الكلام ذاته، ولكنه قد يختلف عنهم في استقبال إشارات أخرى، بعضها بصريٌّ كقراءة الوجه وحركات الجسد، وبعضها سمعي كنبرات الصوت، وهي جميعًا تمنَح المسموع ظلالاً إضافية، ويكون الفهم مبنيًّا على كل هذه المعطيات ومدى الالتفات إليها، ولعلَّ ذلك يكون واحدًا مِن أسباب اختلاف السامعين في إدراك مغزى الكلام الذي يَسمعونه، ولأنَّ الحال كذلك فإن الأبصار بصيغة الجمع، وكذلك السمع باعتباره جمعًا، تُناسِب المقام. 2- ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 31 - 33]. وعن معنى قوله تعالى: ﴿ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ وردَت روايات مختلفة، ومِن هذه الروايات أنها تدل على اسم كل ما في الوجود لم تُغادِر منه شيئًا، سواء كان كائنًا حيًّا أم لم يكن؛ "جامع البيان للطبري" (1: 310)، وسواء كان جليلاً أم حقيرًا؛ "الجامع لأحكام القرآن للقرطبي" (1: 296)، وأما ما ارتآه آخَرون، فمفاده أن الله -تعالى- علَّم آدم أسماء الملائكة وأسماء ذريته كلها، بينما اختار الربيع بن خُثيِّم أن التعليم كان بأسماء الملائكة خاصة؛ "الطبري" (1: 310)، ومردُّ الاختلاف إلى التركيب اللغوي واستعمال الضمير؛ فقد استحسن الطبري الرأي القائل: إن التعليم كان بأسماء ذرية آدم وأسماء الملائكة دون أسماء سائر أجناس الخلقِ؛ لأنَّ الله -تعالى- قال: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾، ولم يقل عَرضَها أو عَرضَهنَّ؛ لأن العرب لا تَكاد تُكنِّي بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، وأما إذا أرادت أسماء البهائم وسائر الخَلقِ فإنها تُكنِّي عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون، فتقول: عرَضهنَّ أو عرَضَها، وأنَّ هذا هو المُستفيض في كلامهم على الرغم مِن جواز استعمال الضمير ﴿ هم ﴾ للمجموع من الخلائق العاقلة وغير العاقلة، وقد استدلَّ الطبري على هذا الجواز بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النور: 45]. ومالَ القُرطبي إلى الرأي الآخَر لما يقتضيه لفظ ﴿ كُلَّهَا ﴾ الدالة على الإحاطة والعموم، غير أنه لم يكتف بتوجيه اللفظة لُغويًّا بل عزَّزه بالحديث الذي رواه البخاري عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذ قال: ((ويَجتمِع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيَدِه، وأسجدَ لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء))؛ صحيح البخاري حديث رقم: (4476)، وذكر أن ابن عباس قال: علَّمه أسماء كل شيء حتى الجَفنة والمِحلَب، وأورَد أن شيبان روى عن قتادة قال: "علَّم آدم مِن الأسماء أسماءَ خلقه ما لم يعلِّم الملائكة، وسمَّى كل شيء باسمه، وأنْحى منفعةَ كلِّ شيء إلى جنسه"، قال النحاس: "وهذا أحسن ما رُوي في هذا"، والمعنى: "علَّمه أسماء الأجناس وعرَّفه منافعها: هذا كذا وهو يصلح لكذا"؛ (القرطبي 1: 296). ولم يغبْ هذا التعميم بطبيعة الحال، وخاصة ما ذُكر عن ابن عباس، عن الطبري، بيد أنه أرجع ذلك إلى أن الآية في حرف ابن مسعود: "ثم عرضهنَّ" وأنها في حرف أُبيٍّ: "ثم عرضها" وأن ابن عباس كان يقرأ قراءة أُبيٍّ (الطبري 1: 311)، ويَستنبِط رأيه منها. ففي الآية الكريمة ﴿ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ ضميران هما: ﴿ ها ﴾ وهو لغير العاقل، ويَعود على الأسماء، و﴿هم﴾، وهو للعاقل، ووقع التساؤل عن العَرْض هل كان لشخوص الأشياء أم لأسمائها؟ ويَبدو مِن إيراد ضمير العاقل أن العَرض كان للشخوص ذاتها، ولكن سؤالاً آخَر أُثيرَ وهو: هل كانت هذه الشخوص ملائكة وبشرًا فقط أم كانت معهما مخلوقات أخرى؟ وكما رأينا مِن قبل؛ فقد مال الطبري إلى أنها كانت أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ومالَ القُرطبي إلى أن العَرض كان لشخوص كل شيء، وكذلك كان رأي الزمخشري قبله إذ قال: "أراه الأجناس التي خلقَها، وعلَّمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلَّمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية"، "تفسير الكشاف" (1: 129 - 130) بترتيب وضبط محمد عبدالسلام شاهين، دار الكتب العلمية لبنان، 1995 ط 1، وقد ردَّ سبب استعمال الضمير المذكَّر إلى تغليب العقلاء في التعبير عن هذا المزيج المنوع من الأجناس. وأحسب أن رأي الربيع بن خثيم بقصْر الأمر على الملائكة هو الأقرب للصواب، وأن ما عُرض على الملائكة هو الملائكة الآخرون، وأن ما طُلِب منهم الإجابة عنه هو بيان أسمائهم، وهذا ما سأعود إليه بعد قليل، وليس في قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((وعلّمكَ أسماء كلِّ شيء))، ما يُشير إلى كل صغيرة وكبيرة وبيانِ ماهيَّتها ومنافعها، كما رُوي عن قتادة واستحسنه النحاس، وإن هذا لا يعدو كونه تأويلاً لمنطوق الحديث وتفصيلاً له، والقول مثلاً: "كل الناس أقبلوا مِن هذا المكان" لا يعني أن الناس جميعًا أولَهم وآخرَهم، ومَن كان منهم في المشرق أو في المغرب، أقبلوا من هذا المكان، وإنما العبارة للإنباء عن شيوع الإقبال أو كثرة مَن أقبل، وكذلك ((وعلَّمكَ أسماء كل شيء)) فإنها للدلالة - والله أعلم - على سعة المعرفة، لا على التفصيلات التكوينيَّة لهذه المَعرِفة. وإذا أخذنا بالقول: إن الملائكة عجَزوا عن الجواب؛ لأنهم لم يكونوا يعهدون ما عُرض عليهم من مخلوقات وأدوات وأسماء ذرية آدم وغيرها، فعلى أي أساسٍ إذًا قبِلوا بما أنبأهم به آدم - عليه السلام؟ أي إذا كانوا لا يعرفون تلك المخلوقات ولا يعرفون أسماءها أو سُبُل الانتفاع بها، ولا يعرفون أسماء ذرية آدم، ولم تكن لهم وسيلة يتحقَّقون بها مِن صحة ما سيُخبِرهم به آدم - عليه السلام - فكيف إذًا سلَّموا أن الأسماء التي ذكرها آدم لهم صحيحة وألزموا أنفسهم الحُجة؟ ولا يبدو الرأي القائل بعرض كل شيء مُقنعًا؛ لأنه رأيٌ قائم على أن الملائكة كانوا يَجهلون أشياء كثيرة، وأنهم أقرُّوا لآدم بالعلم مِن غير أن يُمحِّصوا ما قدمه لهم، وكِلا الأمرين مبنيٌّ على انعدام المعرفة الحقيقية، وحُجَّة الله -تعالى- لا تقوم على الجهل، والذي أحسبه في هذا الصدد أن الله تعالى وهو ﴿ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ أتاح لملائكته معيارًا محدَّدًا يَحتكمون إليه في التثبُّت مما قُدِّر لهم أن يسمعوه في ذلك الاختبار، وهذا المعيار هو أسماؤهم الشخصية، ولعلَّ الملائكة كانوا يَعرفون أسماءهم الذاتية وأسماء عدد من أقرانهم، ولكنهم - والله أعلم - ما كانوا يعرفون اسم كل ملك، ولهذا فإن العملية اقتصرت عليهم وأن الله -تعالى- سألهم أن يكشفوا له عن معرفتهم بشخصيات بعضهم بعضًا بذكر الأسماء، وللدلالة على ذلك ورَد اسم الإشارة "هؤلاء" الذي هو للعاقل القريب فقال ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ﴾، ولئِن كان المسؤول عنه خليطًا منوَّعًا مِن الكائنات الحية وغير الحية والأشياء لقال: أنبئوني بأسماء هذه، مثلاً، ولأنَّ علم الملائكة كان محدودًا بما علَّمهم الله تعالى فقد ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾، فأظهروا أنهم ذوو علمٍ ولكنَّ عِلمهم لم يكن ليسع ما سُئلوا عنه، وعندئذ طلب الباري - عز وجل - من آدم، وهو واحدٌ أمام جموع الملائكة وهم كثير، أن يفعل فعرَّف كل ملك بنفسه، ﴿ قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، إن الضمير "هم" يعود على الملائكة، فـ ﴿ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ ﴾؛ أي: يا آدم أنبئ الملائكة ﴿ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾؛ أي: بأسماء الملائكة، ومعنى هذا: أنبئ الملائكة المستمعين الماثلين أمامك بأسمائهم ممَّن يَعرفون وممن لا يَعرفون من الملائكة الآخرين، وأما ربط الضمير "هم" في ﴿ أَنْبِئْهُمْ ﴾ بالملائكة وفي ﴿ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ بسائر المخلوقات والأشياء فإنه يتسبَّب في إرباك الفهم. إن آدم الذي نُفِخت فيه الروح توًّا ولم يَسبِق له أن رأى الملائكة قبل تلك الساعة، ولم يُتوقَّع منه أن يعرف أسماءهم أخبرَ كلَّ ملَكٍ باسمه، وقد كان في هذا مدعاة لكي يتيقَّن كل ملَك مِن أنَّ الأسماء التي طرقت سمعه لأول مرة والتي كان يَجهلها قبلئذٍ صحيحة وحقيقية بعد أن تبيَّن له أن اسمه الشخصي وأسماء "معارفه" مِن الملائكة الآخرين قد ذُكرت بشكل صحيح، وبهذا القياس - وهو مِن وسائل العلم - أقرَّ الملائكةُ لآدم بالفضل، وألزموا أنفسهم الحُجة، فقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، ولأنهم أبرارٌ فقد استخلصوا من هذه الواقعة ما زادَهم طاعةً فاستجابوا لأمر الله -تعالى- لهم بالسجود لآدم - عليه السلام - بينما صَرفَ إبليسُ نفسَه عن هداية هذا العِلم فأبى السجود تكبُّرًا وعُلوًّا. 3- ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49]. وقرئت: يذبِّحون بالتشديد، وهي قراءة الجمهور، وبالتخفيف: "يذْبَحون" وهي قراءة ابن محيصن، والقراءة الأولى أولى وأرجح؛ "تفسير القرطبي (1: 393)، وذبَّحه كذبَحَه، ولكنه بالتشديد يدل على الكثرة، وبالتخفيف يصلح أن يكون للقليل والكثير، ومعنى التكثير أبلغ؛ "لسان العرب"، (مادة: ذبح)، كما أن في التشديد ظلاًّ للقسوة لا يعكسها التخفيف. وقال: ﴿ نِسَاءَكُمْ ﴾ ولم يقل: بناتكم؛ لأن البنات داخلة في النساء أو باعتبار ما يكون إذ يؤول أمر البنات إلى أن يَصرْنَ نساءً، وهذا من علاقات المجاز المرسل في البلاغة، ولأن مِن شأن ذكر النساء استنهاضَ حمية الرجال وتذكيرًا لأولئك القوم بجميل فضل الله عليهم؛ إذ نجَّاهم مما كان من شأنه أن يمسَّ كرامتهم. 4- ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]. فقد عطَف الفعل المضارع ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ على الفعل الماضي ﴿ كَذَّبْتُمْ ﴾، وهذا قد يكون لإرادة الحال الماضية، ولكن فظاعة الأمر تَستوجِب استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، أو أن المراد هو أن فريقًا تَقتلونهم فيما بعد؛ لأن المخاطبين - وهم اليهود - كانوا يَحومون حول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يبتغون قتله؛ "الكشاف للزمخشري" (1: 163)، ولئن قال مثلاً: وفريقًا قتلتم - بصيغة الماضي - فإن ذلك كان يبرِّئ اليهود من محاولاتهم المتكرِّرة المعروفة في التاريخ لاغتيال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم. 5- ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 91]. فقد دلَّ بقوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ على أن الفعل قد مضى، ولكن: ﴿ لِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ دال على المستقبل. ورأى بعض البصريين من علماء العربية أن المعنى هو فلمَ قتلتم، وأورَدوا شواهد على استعمال الفعل المضارع للدلالة على حدثٍ ماضٍ؛ كقول الشاعر، وهو مِن شواهد سيبويه: ولقد أمرُّ على اللئيم يَسبُّني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فمضيتُ عنه وقلتُ: لا يَعنيني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يريد: ولقد مررتُ بدلالة الفعل الماضي القادم: فمضيتُ، أو أنَّ "فعل، ويفعل" قد يشتركان في معنى واحد؛ كقول الطرماح: وإني لآتيكم تشكُّرَ ما مضى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مِن الأمر واستيجاب ما كان في غَدِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أي: ما يكون في غد، وكقول الحطيئة: شَهِد الحُطَيئة يوم يلقى ربَّه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أنَّ الوليد أحقُّ بالعُذرِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أي: يشهد الحُطيئة "تفسير الطبري" (1: 590). غير أن بعض نَحوييِّ الكوفة قاسوا الجمع بين الماضي والمضارع ببعض الصيغ المضارعة المستعملة في الكلام وفي الشعر ودلالاتها على الماضي، كقولك: لمَ تفعل كذا وكذا، فهذا على تقدير أنه قد حصل. ومثله: "إذا نظرتَ في سيرة عمر لم تجده يُسيء"، والمعنى: لم تجده أساء، فلما كان أمر عُمر لا يُشَكُّ في مضيِّه لم يقع في الوهم أنه مستقبَل، فلذلك صلحت ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ مع قوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ "تفسير الطبري" (1: 591). كما أن ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾خطاب لمن عاصر التنزيل مِن اليهود، ولم يكونوا هم مَن قتل الأنبياء، بل إن مَن اقترف الجناية هم سابقوهم، وإنما جاز توجيه الخطاب إلى المُعاصِرين منهم بالصيغة المُنبِئة عن أنهم هم الذين قَتلوا؛ لأنهم كانوا يتولون أسلافهم ويرضون فعلهم فصاروا بمنزلتهم ونُسب القتل إليهم؛ "تفسير القرطبي" (2: 34). 6- ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]. فقد قال: ﴿ كَانَ ﴾ بصيغة المفرد، ثم قال: ﴿ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ بصيغة الجمع، ومردُّ ذلك إلى أن ﴿ كَانَ ﴾ جُعل واحدًا بالالتفات إلى لفظ ﴿ مَنْ ﴾ وأن ﴿ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ ورَدا جمعَين ليتناسبا مع معنى ﴿ مَنْ ﴾ الذي هو جمعٌ؛ "تفسير القرطبي" (2: 81 - 82)، "الكشاف للزمخشري" (1: 176). 7- ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ [البقرة: 144]. وتدلُّ "قد" عند النحويين على التحقيق إن تَبِعها فعلٌ ماضٍ، وعلى التقليل والاحتمال إن جاء بعدها فعل مضارع، غير أن هذا لا يستقيم مع استعمالات القرآن الكريم، فليس المراد بالآية: ربما نرى، بل المراد هو: نرى على وجه التأكيد، ومِن ثمَّ فإن ورود "قد" في القرآن الكريم هو للتحقيق بصرف النظر عن الفعل الذي يليه، وعلاوة على ذلك فقد يأتي الفعل المضارع بعد قد ومعناه ماضٍٍ، كما رأينا في شاهد سيبويه في الفقرة 5: ولقد أمرُّ؛ أي: مررت، وعلى هذا فالمعنى هو: قد رأينا، وقد حافظ الزمخشري على الدلالة النحوية لـ"قد" بحسب الفعل الذي يتبعه، أي إعطاء معنى الاحتمال للنصِّ إذا تلاها فعلٌ مُضارع، ولكنه أوَّل الآية بكثرة الرؤية فقال: "قد نرى ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية"، ويرى أن هذه الصيغة واحدة " مِن المواضِع التي تبالغ العرب فيها بالتعبير عن المعنى بضد عبارته"؛ "تفسير الكشاف" (1: 200). 8- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 168]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة: 172]. "وهاتان الآياتان مُتماثلتان في التوجيه إلى تناول الحلال الطيب والتنكب عن المحرَّم، وعن تحريم المحلل، و"مِنْ" تبعيضيَّة، وهي في الآية الأولى تنبِّه إلى أن ليس كل ما في الأرض بمأكول"؛ "الكشاف (1: 211)، وفي الثانية تدعو إلى الانتقاء أو الاكتفاء. والخطاب في الآية الأولى للناس عامة، وقد رُوي أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مُدلح فيما حرَّموه على أنفسهم من الأنعام؛ "تفسير القرطبي" (2: 213)، ولأن أولئك حرَّموا ما أحلَّ الله -تعالى- كان مِن المناسِب التعقيب على فعلهم بـ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾؛ لأن الفعل الذي قاموا به مِن إملاءات الشيطان الذي يُريد حرمان الإنسان مما أباحه المولى له، فالآية الأولى تدعو إلى الأكل مما في الأرض من الحلال، بينما تتَّجه الآية الثانية للمؤمنين وتدعوهم إلى أن يأكلوا مِن طيبات ما رزَقهم الله تعالى، وقد ورَدت "مِنْ" التبعيضيَّة مع الطيبات؛ أي: إن الله -تعالى- لم يقلْ لهم: كُلوا طيبات ما رَزقناكم، ومردُّ هذا - والله أعلم - إلى أن المؤمنين هم صفوة الناس فلا بدَّ لهم أن يَختاروا مِن الحلال صفوته، ثم أن يؤدُّوا شكر ذلك، ولربما تَنطوي الآية على التوجيه بتقليل الطعام أو بعدم تسهيل كلِّ ما هو مُتاح، ولعلَّ ما نُسِب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يَتماشى مع هذا الفهم حين قال ما معناه: "كنا نتجنَّب ما لا بأس فيه مخافة أن نقع فيما فيه بأس". 9- ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249]. وفي هذه الآية يُحذِّر طالوت جنوده من الابتلاء بالنهر، وحدَّد العاصين بالذين سيَشربون منه، ولكي يكون التأكيد واضحًا وصارمًا؛ فقد قال ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾، واختار لفظ الطَّعمِ؛ لأنه بمعنى الذوق، وهو أدنى حالات الاقتراب مِن الماء، فنفْيُ الطعمِ يستلزم نفْيَ الشربِ، ولكن نفي الشرب لا يمنع من الطعم، ولهذا فقد كان الأمر حاسمًا والاختبار شاقًّا، ثم إنه خفَّف عن جنده بأن أباح لهم أن يَغترفوا منه غرفة واحدة، ولا شك في أن هذا الاغتراف يَنطوي على الذوق، فقد تدرَّج مع جنده مِن المنع الباتِّ، وحتى مِن الذوق إلى الاغتراف بغرفة واحدة باليد كنايةً، ربما عن أخذ أقل ما يمكن، ولا شك أن في هذه الصرامة بناءً للجند على الانضباط وتحمُّل المشاقِّ التي تُصاحب الحروب، والحروب لا ينفَع معها التراخي والتهاون والاستِسلام للضعفِ. وقد ذكر القرطبي أن هذا الجزء مِن الآية دلَّ على أن الماء طعام "وإذا كان طعامًا كان قوتًا لبقائه واقتيات الأبدان به، فوجب أن يَجري فيه الربا"؛ "تفسير القرطبي" (3: 249). 10- ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]. ومدار الآية على الرِّبا ولكنه ذكَر أن مُستحلِّيه يُشبِّهون البيع به، وكان مِن المُنتظَر أن يَقولوا: إنَّما الربا مثل البَيع، فكما أن البيع حلال فكذلك الرِّبا؛ أي إن البيع صار مُشبهًا بينما كان المُنتظَر أن يكون مُشبهًا به، وقد يكون هذا تشبيهًا مقلوبًا بحسب علم البلاغة؛ بدعوى أن البَيع هو عين الرِّبا، وما دام البيع مقبولاً فإن الربا تبعٌ له في القَبول، وللإمام أحمد بن منير الإسكندري تَخريجٌ يَكاد يُشابه هذا حين قال: "إنه متى كان المطلوب التسوية بين المُحلِّين في ثبوت الحكم، فللقائل أن يسوِّي بينهما طردًا فيقول: الربا مثل البيع، وغرضه من ذلك أن يقول: والبيع حلال فالربا حلال، وله أن يسوِّي بينهما في العكس فيقول: البيع مثل الربا، فلو كان الربا حرامًا كان البيع حرامًا، والأول على طريقة قياس الطرد، والثاني على طريقة قياس العكس ومآلهما إلى مقصد واحد"؛ هامش رقم: 1 في "تفسير الكشاف" (1: 316). |
تأملات في آيات من القرآن الكريم أ. د. عباس توفيق سورة آل عمران 1- ï´؟ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ï´¾ [آل عمران: 3، 4]. وقد ورد في هذه الآيةِ الكريمة فعلانِ، هما: ï´؟ نَزَّلَ ï´¾ و ï´؟ أَنْزَلَ ï´¾، واقترنت الصيغةُ الأولى "نَزَّلَ" بالقرآنِ الكريم، وتعني التنزيل مرة بعد مرة، وهذا هو المناسب للقرآنِ الذي نزَل منجَّمًا، وعلى فترات شتى، وأما التوراةُ والإنجيل، فقد نزلا دفعة واحدة، فصار "أنزل" متوافقًا معهما؛ (تفسير القرطبي 4/ 9، الكشاف 1/ 331). وأما الفرقان الذي هو من أسماء القرآن - كما هو معلوم - فقد ورد "َأَنْزَلَ" المناسبُ لِما نزل دفعةً واحدة، وسبب ذلك أن المرادَ بالفرقان هو دلالتُهُ الوصفية المفرِّقة بين الحقِّ والباطل، وقد فُصِل بينهما بمجردِ نزول القرآن الكريم، لا باكتمالِ نزوله، ولم يكن ذلك التفريقُ متدرجًا أو منجَّمًا، وكذلك الحال فإن الآياتِ المحكَماتِ والمتشابهات تقترنُ هي الأخرى بـ: "أَنْزَلَ"؛ إذ لا تدرُّجَ فيها. وقال ابنُ منظورٍ: "وتنزَّله وأنزله ونزَّله بمعنًى، قال سيبويه: وكان أبو عمرٍو يفرِّقُ بين "نزّلت، وأنزلت" ولم يذكُرْ وجهَ الفَرْق، قال أبو الحسنِ: لا فرق عندي بين "نزّلت، وأنزلت" إلا بصيغةِ التكثيرِ في "نزّلت"، في قراءة ابن مسعود: وأنزل الملائكةَ تنزيلاً، أنزل: كنزَّل"؛ (لسان العرب، مادة: نزل). ومنه قوله - تعالى -: ï´؟ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ï´¾ [الإسراء: 106]، وأما قوله - تعالى -: ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ï´¾ [القدر: 1]، فهو للإشارة إلى إنزال القرآنِ جملةً واحدة إلى السماءِ الدنيا، ومن ثم نزوله بعد ذلك منجَّمًا، وبحسَب المناسبات، ولربما حُمل "أَنْزَلْنَاهُ" على هذا أينما ورد في القرآنِ الكريم، أو على التأويل الذي كان لـ: ï´؟ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ï´¾ [آل عمران: 4]. 2- ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ï´¾ [آل عمران: 10]. فالآيةُ بصدد أن الكافرَ لا ينفعُه مالٌ ولا بنون، وعلى افتراض أنه يرغبُ في الافتداءِ من العذاب، فإنه يتدرَّج في بذل النفيس تبعًا لحساباته هو، فيعرِض أولاً ما يمكنُه التضحية به، فإن لم ينفعْ، قدَّم الأغلى الذي يزداد حرصُه عليه، والمرء يفتدي أولاده بماله؛ لأن الأولادَ أهمُّ في نظره؛ ولهذا فإن الآيةَ الكريمة تبيِّن حالةَ الكافر يوم القيامة، فهو يدَّخرُ ولدَه، ويبذُلُ مالَه أولاً ليفتديَ به من العذاب، وإذ يراه غيرَ مُغْنٍ، فإنه يدفَعُ ولَدَه الذي هو أعزُّ من المال؛ ولهذا ورَدَ الترتيبُ على هذا النحو "أَمْوَالُهُمْ" أولاً، ثم "أَوْلَادُهُمْ": ï´؟ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ï´¾. وينسجم هذا العرضُ وبطريقة عكسيةٍ مع الترتيب الذي ذكره القرآنُ الكريم لشهوات الإنسان، مبتدئًا بالأقوى، وتدرَّج نزولاً، فقال - سبحانه -: ï´؟ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ï´¾ [آل عمران: 14]، ويعكس هذا الترتيبُ وجهةَ نظر الإنسان إذا جاز التعبير؛ فهذه المحبوباتُ مرتَّبة بحسَب أولويتها لديه، وليس الترتيبُ على هذا النحوِ عند الله تعالى، فهو - سبحانه - بدأ بالأدنى، وتدرَّج صعودًا في وعدِه للصالحين من عباده؛ فقد وعَدَهم الجنةَ، التي هي أصلُ النعيم الحسي كله، بتفاصيلَ مجهولةٍ، مع ما فيها من ذكرٍ لـ: ï´؟ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ï´¾ [آل عمران: 195] و ï´؟ أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ï´¾؛ لكي يتخيلَ المستمعُ كلَّ ما يمكن أن يخطرَ بباله بشأنها، ونيلُ الجنة لا يكونُ بغير رضا اللهِ تعالى، ومن ثم فإن ترتيبَه - سبحانه - يبدأ بالرضا الذي لم يُصرحْ به، وإنما ذُكرتْ آثارُه مجمَلاً، وبعد ذلك ذكر الرضوان صراحةً ليكونَ النعيمُ بين رِضوانين؛ فتزدادَ بهجتُه، ويزدادَ السرورُ به؛ فقال - سبحانه -: ï´؟ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ï´¾ [آل عمران: 15]؛ فالجنةُ هي الأُولى في الترتيب، ونعيمُها هو الثاني، وهما مِن ثمارِ الرِّضا، ثم الرِّضوان الذي هو الثالث في الترتيب، وهو الأعلى والأهمُّ. 3- ï´؟ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ï´¾ [آل عمران: 13]. أ- لم يقل: كانت لكم آية، لأن "آَيَة" مؤنَّثٌ مجازيٌّ، فيجوزُ في فعله التذكيرُ والتأنيثُ، وقال الفراء: إن تذكيرَ الفعل مردودٌ إلى أن "كَانَ" واسمَها الذي هو "آَيَةٌ" لم يَرِدا متعاقبينِ، بل حصل بينهما فصلٌ بالصفةِ التي هي "لَكُمْ"؛ (تفسير القرطبي 4/ 28 - 29). ب- يمكنُ أن يعودَ الضميرُ "هم" في "يَرَوْنَهُمْ" إلى الكافرين، وفي "مِثْلَيْهِمْ" إلى المسلمين؛ ليكون المعنى أن المسلمين رأَوْا أنَّ عددَ الكافرين هو ضِعفُ عددِهم هم؛ أي: إن المسلمين الذين كان عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً، رأَوا أنَّ عدد الكافرين هو في حدود ستمائة وثلاثين، وقد يكون العكس، فيكون المعنى أن الكافرين رأوا المسلمين ضِعْفَ عددهم الحقيقي؛ أي: ستمائة وثلاثين مقاتلاً تقريبًا، أو أنهم وقد كان عددهم قرابةَ ألفٍ رأوا المسلمين ضِعْفَ عددهم هم؛ أي: إنهم رأوا المسلمين ألفين، وهذا المعنى هو المنسجم مع المدد الإلهي ومع: ï´؟ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ï´¾، فهذا النصرُ كان بإلقاء الخوف في قلوب الكافرين؛ بشعورهم بعدم توازن العدد في مقاتليهم لمقاتلي المسلمين، وقد ذكَر القرآنُ الكريم الواقعة مرة أخرى في سورة الأنفال فقال - سبحانه -: ï´؟ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ï´¾ [الأنفال: 44]، ويتلاءم تقليلُ الكافرين في أعين المسلمين مع التأويل الأول للآية؛ أي: واحد إلى اثنين، وليس واحد إلى ثلاثة، وأما ï´؟ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ï´¾، فقد وفَّق الزمخشريُّ بينه وبين تأويل التكثيرِ بقوله: "فإن قلتَ: فهذا مناقض... قلتُ: قُلِّلوا أولاً في أعينِهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقَوْهم كثُروا في أعينِهم حتى غُلبوا، فكان التقليلُ والتكثيرُ في حالَيْنِ مختلفينِ"؛ (تفسير الكشاف 1/ 336). ج- ï´؟ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾، وقرأ الجمهور "فِئَةٌ" بالرفع؛ أي: إحداهما فئةٌ، فتكون خبرًا، أو تكون مبتدأً محذوفَ الخبر، على تقدير: منهما فئةٌ، وقرأ الحسنُ ومجاهد "فئةٍ، وأخرى كافرةٍ" بالخفضِ على البدلِ؛ (تفسير القرطبي 4/ 29). وأما الطبريُّ، فإنه أقرَّ بجواز القراءة على الخفض، وكذلك على النَّصب على أنها حالٌ، إلا أنه لم يستجِزِ القراءةَ بغير الرفع؛ لأن الحجةَ من القراء اختاروا الرفع؛ (تفسير الطبري 3/ 264). 4- ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 21، 22]. قوله - سبحانه -: ï´؟ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ï´¾؛ أي: كانوا يقتلونهم، وكانوا يقتُلون الآمِرِين بالمعروف، الناهين عن المنكر، "فإن قال قائلٌ: الذين وُعِظوا بهذا لم يقتلوا نبيًّا، فالجواب أنهم رضُوا فعلَ مَن قتل، فكانوا بمنزلته، وأيضًا فإنهم قاتلوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابَه، وهمُّوا بقتلِهم"؛ (تفسير القرطبي 4/ 50). ومع أن هذه الآيةَ مخصوصةٌ بحالة متعلقة ببني إسرائيل، إلا أنَّ مِن شأنها أن تصبحَ ذاتَ دلالةٍ عامة؛ فالذين قتَلوا الأنبياء اقترفوا فعلاتهم لعلهم يُسكِتون صوت الحق، وإن مَن يحارب مناهجَ الأنبياء بملاحقة الآمِرِين بالقسط، إنما يسعَوْن إلى قتلِ أرواح الأنبياء، ولا يختلفون عن السابقين الذين قتلوا "أشخاص" الأنبياء. والآمِرُون بالقسطِ موجودون في كل زمان ومكان، وما يتعرَّضون إليه من أذى لا ينقطع باختلاف الأزمنة؛ ولهذا فقد كان من المناسبِ الإتيانُ بالفعل المضارع "يكفرون، ويقتلون، ويأمرون" الدالِّ على التجدُّد والحدوث، ولم يقترنْ أيٌّ من هذه الأفعال في هذه الآية بأيةِ قرينةٍ صارفةٍ للمعنى إلى الزَّمن الماضي؛ لكيلا يُظنَّ أن تلك الحالةَ انقضت ولم يعُدْ لها وجود، ولكن جزاء المحاربين لدينِ اللهِ هو أنْ ï´؟ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ï´¾، وهذا الجزاء سيكونُ في المستقبل بطبيعةِ الحال، ولكن "حَبِطَتْ" وردَتْ بصيغةِ الماضي؛ للإشارة إلى أن هذا الخسرانَ يقينٌ تامٌّ كالماضي الذي ليس للمرءِ شكٌّ فيما شهِدَ فيه. 5- ï´؟ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ï´¾ [آل عمران: 42، 43]. أ- كرَّر "اصطفاك" لاصطفائِهِ إياها لعبادتِهِ، ولاصطفائه إياها بأنْ وهَبَها عيسى - عليه السلام - مِن غير أبٍ، وهو ما لم يكُنْ لأحدٍ من النساء؛ (تفسير الطبري 3/ 357، تفسير القرطبي 4/ 88، الكشاف 1/ 355)، وتكرَّر ذكرُ مريمَ؛ ليتناسبَ مع تكرار اصطفاك، أو أن هذا الاصطفاء يتطلبُ مزيدًا من الطاعة؛ فخُصَّت بالخطاب. ب- في قوله -تعالى-: ï´؟ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ï´¾ تقدم السجودُ على الركوعِ، وهذا قد يكونُ بسبب: 1- أن الواوَ لا توجب الترتيبَ، وعلى هذا فإن المعنى هو "وَارْكَعِي وَاسْجُدِي"؛ (تفسير القرطبي 4/ 91). 2- أن يكونَ السجودُ في شرعِهم قبل الركوعِ (نفسه). 3- أن يكونَ هذا أمرًا بالصلاةِ مع الجماعةِ، أو بمعنى أن تنتظمَ نفسَها في جملةِ المصلِّين، لا أن تكونَ من غيرِهم؛ (الكشاف 1/ 355). 4- أن يكونَ الناسُ في زمنِها على قسمين: مَن يقوم ويسجدُ في صلاته من غير ركوعٍ، ومَن يقومُ ويركع ويسجد، فأُمِرَتْ أن تكونَ مع الراكعين منهم (نفسه). 5- أن يكونَ الناسُ في زمنها يقومون ويركعون وحسب، فطلَبَ اللهُ -تعالى- منها أن تزيدَ عليهم بالسجودِ، وقد تكونُ هذه الزيادةُ أنسبَ لمقامِ تمييزِها بالاصطفاء. 6- ï´؟ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ï´¾ [آل عمران: 59]. وقوله - سبحانه -: ï´؟ كُنْ فَيَكُونُ ï´¾؛ أي: فكان، والمستقبل "يكون" في موضع الماضي إذا عرف المعنى؛ (تفسير القرطبي 4/ 110)، كما أن "فَيَكُونُ" حكايةُ حالٍ ماضية؛ (الكشاف 1/ 361). وورَدَ هذا التركيبُ مراتٍ عدة في القرآن الكريم؛ للإشارة إلى الإنشاءِ والإيجاد في التوِّ واللحظة، ومعناه هنا - والله أعلم - أن الحملَ والولادة لم يستغرقا زمنًا طويلاً كما هو المعتاد في النساءِ، بل تم الأمرُ كلُّه في لحظة واحدة. 7- ï´؟ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾ [آل عمران: 106، 107]. فقدَّم تبييضَ الوجوه على تسويدها يوم القيامةِ؛ لأن في هذا وصفًا عامًّا لِما تكونُ عليه الخلائقُ يومئذٍ، فهم إما بِيضُ الوجوه أو سُودُها من جهة، ولأن أصحابَ الوجوه البيضِ أعلى مقامًا، ومِن حقِّهم التقديم في الذكر من جهة أخرى، وعندما جاءت الآيةُ إلى التفصيل ذُكر المسْودَّةُ وجوهُهم أولاً. وقد يُحمل هذا على المقابلةِ المعكوسة بلاغيًّا، ولربما كان "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ" مقدَّمًا؛ لأن الآياتِ السابقة تدورُ على المؤمنين وتقواهم اللهَ حقَّ تقاتِه، المعتصمين بحبلِه، الدَّاعين إلى الخير، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [آل عمران: 102 - 104]؛ ولهذا فإن تقديمَ تبييض الوجوه كان لمناسبةِ تلك الصورة مع المؤمنين الذين دارت الآياتُ الشريفاتُ عليهم، وقد يُستنبطُ من هذا التقديم أن المؤمنين هم أوَّلُ مَن يُفصَل بينهم يوم القيامة، وأن تأخيرَ الكافرين يكونُ لزيادة العذابِ، فضلاً عن تأخير المرتبةِ. وقد جاء بعد هذه الآيات الكريمات وقبل الآيات "106 - 107" التي نحن بصددها الآية "105"، وهي قوله - سبحانه وتعالى -: ï´؟ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ï´¾ [آل عمران: 105]، والتفصيل البادئ بالوجوه المسودَّة آتٍ بعد هذه الآية "105"، المحذِّرة من التشبُّه بأهل الكفر والنفاق؛ لكيلا ينقلبَ الإيمانُ إلى كفرٍ، ويُحبَط العمل، ولأن بؤرة هذه الآية على أهل الخسرانِ مِن ملةِ الكفر والنفاق، فقد كان الأنسبُ والحالُ هذه أن يتقدَّمَ ذكرُ التسويد، كما يمكنُ أن يُنظر إلى ï´؟ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ï´¾على أن المسودَّةَ وجوهُهم كانوا مؤمنين أولاً، ثم انقلبوا كافرين، ï´؟ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾، فكان إيمانُهم أولاً فقال: ï´؟ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ï´¾، ثم أصبحوا كافرين، فحَالَ البياضُ إلى سوادٍ ï´؟ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ï´¾. 8- ï´؟ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [آل عمران: 129]. فقال: ï´؟ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ï´¾ من باب تغليبِ غير العاقل؛ لأنه أكثر عددًا، أو من باب التنكير؛ إشارةً إلى عِظَم ما فيهما مما يخفى على الناسِ. وذكر - سبحانه - المغفرةَ أولاً، ثم العذابَ لمن يشاء، ثم خَتَم الآيةَ بقوله: ï´؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾؛ لتلتقي هذه المغفرةُ مع المغفرةِ التي سبقتها، ويبدو أن هذا كان هكذا - والله تعالى أعلم - لأن مغفرةَ الله -تعالى- تسبقُ غضبَه، وأن رحمتَه تسبق عقوبتَه، فقدم المغفرة حتى إذا ذكر ï´؟ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ï´¾ عاد إلى الصفة الأولى: الغفور الرحيم. 9- ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ [آل عمران: 130]. ولا تعني هذه الآيةُ أن النهيَ هو عن الرِّبا عندما يكون أضعافًا مضاعفة، وأنه يكون مقبولاً إن لم يكن كذلك؛ ذلك أن الرِّبا محرَّمٌ بكل أشكاله وصفاته، وقوله - سبحانه -: ï´؟ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ï´¾؛ لأن المضاعفةَ كان مما يُتَّفق عليه، ولأن المقرِض كان يضاعِف العائدَ إذا حلَّ وقتُ السداد وعجز المقترضُ عن الإيفاء، فيجعل المائةَ مائتين، ولئن عجَز عن السدادِ في الوقتِ الجديد جعَله أربعمائة، وهكذا، وكذلك الحال إن كان القرضُ في غير الذَّهب والفضَّةِ؛ (تفسير الطبري 4/ 119 - 120)، فالرِّبا هو في حدِّ ذاته فعلٌ شنيعٌ، ويزداد قُبحًا وشناعةً بمضاعفته؛ (تفسير القرطبي 4/ 213-214)، وقد وكَل اللهُ -تعالى- الناسَ إلى إيمانهم الذي تصدَّر الآيةَ الكريمة، وجعل مجانبة الرِّبا علامةً على التقوى ووسيلةً للفلاح، ومن ثم فإن المستجيبَ هو المؤمن حقًّا، وأما مَن لم يكن الإيمانُ في قلبِهِ، فله مع الآية الكريمةِ شأنٌ آخَرُ. 10- ï´؟ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ï´¾ [آل عمران:157، 158]. وقد قدم القتل؛ لأنها جاءت تعقيبًا على الجهادِ وما يقوله الكافرون بحق المجاهدين بقوله - سبحانه -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ï´¾ [آل عمران: 156]. وفي سياق الجهادِ فإن السببَ الأدعى إلى الموت هو القتلُ؛ ولهذا قدَّمه، وأما الآية الثانية، فهي تقريرٌ لمآلِ الإنسان إلى الله تعالى، وهو تقريرٌ عام عن نهاية كل إنسان بالموت، وفي هذه الحالة فإن الموتَ الطبيعيَّ هو السائدُ، والقتل استثناءٌ، ومن ثم تمَّ تقديمُ الموتِ الطبيعي في الذِّكر. 11- ï´؟ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ï´¾ [آل عمران: 190]. وأولو الألباب هؤلاء هم المستدلُّون على الإيمان بآياتِ الله -تعالى- وقد وصَفَهم الباري - عز وجل - بأنهم: ï´؟ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ï´¾ [آل عمران: 191]، و"هَذَا" في قوله: ï´؟ مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ï´¾ يشير إلى الخَلق، لا إلى السموات والأرض، ولئن كانت الإشارة إليهما لقال: "هذه"؛ فهما مؤنثتان، والآيات الوارد ذكرها في الآية "190" مؤنثة هي الأخرى، وفي صرف الإشارةِ من "هذه" الدالِّ على الآياتِ والسمواتِ والأرض إلى "هَذَا" توجيهٌ لعقل السامع للتفكُّر في الخَلْقِ كله، وإن هذه المذكوراتِ مفاتيحُ لِما عداها، ولا تحقِّقُ صيغة "هذه" تلك السعةَ في الفهمِ، بل تجعل التفكيرَ في السموات والأرض على ما يرى الناظر فيهما، ولا يعمل ذهنه فيما لا يدركُهُ حسُّه. وبمجرد أنْ أدرك أولو الألباب أن الخلقَ لم يكن بَاطِلاً، ركنوا إليه - سبحانه - وسألوه أن يقيَهم عذابَ النار، وبادروا - دونما تردد - إلى الإيمانِ بمجرد أن دعاهم إليه الرسولُ - صلى الله عليه وآله وسلم. وتُجلي الفاءُ التي تفيد الترتيبَ وعدمَ التراخي هذا الإسراعَ في: "فَآمَنَّا" في قوله - سبحانه -: ï´؟ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ï´¾ [آل عمران: 193]، ثم ما أنْ أدرك أولو الألباب الغايةَ من الخَلق حتى صارت الآخرةُ شُغلَهم الشاغل، واتبعوا المناديَ للإيمان - صلى الله عليه وآله وسلم - ليكونوا في آخرتِهم في أمانٍ، ونسوا الدنيا بما فيها، والآيات الشريفات التالية تعكس هذا الانشغال بضراعةٍ وابتهال يتجلَّيان بتكريرِ قولِ المؤمنين: "رَبَّنَا" خمس مرات في أربعِ آيات: ï´؟ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ï´¾ [آل عمران: 191 - 194]. واستجاب اللهُ - سبحانه وتعالى - لهم فورًا، ولإظهار العناية بهم تحوَّل الخطابُ الخاص بالاستجابة من الإخبار عن المؤمنين بضمير الغائب إلى مخاطبتِهم مباشرة "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ... مِنْكُمْ". والوجه الثاني للعناية كان في تفصيلِ المؤمنين إلى ذكر وأنثى؛ لكيلا يظنَّ ظانٌّ أن ضميرَ الجمع المخاطب "كُم" هو للذُّكور دون الإناث، على اعتبارِ أن "كنَّ" مستعمَلٌ في القرآن الكريم وفي غيرِه في خطابِ الجمع المؤنَّث كالقول: "ذكْركنَّ، وعملكنَّ، ومنكُنَّ، وهكذا". والوجهُ الثالث في العنايةِ هو أن المؤمنين والمؤمنات متساوون؛ فإن بعضَهم من بعض، وكما أنهم تساوَوا في التكليفِ والإيمان، فقد تساوَوا في استجابةِ الدعاء: ï´؟ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ï´¾ [آل عمران: 195]. 12- ï´؟ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ï´¾ [آل عمران: 193]، ولعل مرادهم بـ: "ذُنُوبَنَا" هو الكبائرُ، وبـ: "سَيِّئَاتِنَا" هو الصغائر. ومن سياقِ الآيات يتبين أن اللهَ -تعالى- غفَر الكبائرَ بالإيمان، وكفَّر الصغائرَ بالعمل، وقد أبان اللهُ -تعالى- لعبادِه أنواعَ العمل عندما قال: إنه استجاب لهم؛ ï´؟ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ï´¾ [آل عمران: 195]. إن المؤمنين طلبوا المغفرةَ بعد أن أعلنوا إيمانَهم، وأشار القرآنُ الكريم إلى أن اللهَ -تعالى- لا يضيعُ: "عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ"، وفي قوله - سبحانه -: ï´؟ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ï´¾ معنى الهجرة الاختيارية التي يقوم بها المرءُ من مكانٍ لا يجد فيه حرية العبادة إلى مكانٍ آخر يحقق له تلك الحرية، وفضلاً عن ذلك فإن "هَاجَرُوا" تنطوي على هَجْرِ ما نهى اللهُ عنه، ومن ثم فإن الكلمةَ تلخِّص عملاً بدنيًّا، هو الهجرةُ من مكان إلى آخر، وعملاً قلبيًّا، هو حفظُ النفس مما لا يرضي اللهَ سبحانه. وأما ï´؟ وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ï´¾، ففيها الأذى النفسي والأذى البدني، ويتمثل الأذى النفسيُّ في إكراهِ المسلم على ترك ديارِه بسبب دينه، فهو يفارق المكانَ الذي ألِفه وأحبَّه، ويجد لذلك الفِراقِ الألَمَ في نفسه، ولكنه يتحمَّلُه من أجل ربِّه، و"أُوذُوا فِي سَبِيلِي" فيه الأذى النفسي بالكلام والتحقير وما أشبه، وفيه الأذى البدني بالتعذيب والضرب وغيرهما، والقتل والقتال يشتملان على هذينِ النوعين من الأذى على حدٍّ سواء، واحتسابُ المسلم كلَّ ما يلقى في سبيل اللهِ هو الذي يهوِّنُ عليه، وهو العمل الذي علَّق الباري - عز وجل - به تكفيرَ السيئات، وأن مَن دخل في صفوف المسلمين واحتسب يُجْزَ الجنةَ ï´؟ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ï´¾. 13- ï´؟ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ï´¾ [آل عمران: 196، 197]. و"لَا يَغُرَّنَّكَ" خطابٌ للأمة من خلال مخاطبة النبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لكيلا يؤثِّر فيهم ما يرونه في أهل الكفر من نعيمٍ وجاهٍ وسلطان، وقد ذكر - سبحانه - حالَ مَن رأى قارون ممن تأثَّر بمظهره: ï´؟ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ï´¾ [القصص: 79]، ومثله ما رُويَ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في حديث ضعيف أنه دخَل على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فرآه نائمًا على حصيرٍ أثَّر بجنبِه فبكى، فقال له: ((ما يبكيك يا عبدالله؟))، قلت: يا رسولَ الله، كسرى وقيصر يطوون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائمٌ على هذا الحصير قد أثَّر بجنبِك؟! فقال: ((لا تَبْكِ يا عبدَالله؛ فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة، وما أنا والدنيا إلا كمَثلِ راكبٍ نزل تحت شجرةٍ ثم سار وتركها))؛ (مجمع الزوائد للهيثمي 10/ 329، ضعيف الترغيب للألباني، حديث رقم 1912). وفي هذه الآيةِ تسليةٌ للمسلمين عما يمكنُ لهم أن يجدوا في نفوسهم مِن أَسى المقارنة مع الكافرين، وهي - أي: الآية - في الوقت عينِهِ لقطة سريعةٌ عن الكافرين، مقارنة بما قبلها وما بعدها من آيات بحقِّ المؤمنين، والاكتفاءُ بهذه اللقطة السريعة في هذا الموضع مردودٌ - والله أعلم - إلى تطييبِ نفوس المؤمنين إذا ألقى الشيطانُ في نفوسهم أذًى من هذا الباب، ولأن الكافرين لا قيمة لهم، فما ذُكِروا إلا بمصيرهم المشؤوم. 14- ï´؟ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ï´¾ [آل عمران: 198]. إن اللهَ -تعالى- ضمِن الجنةَ لعباده المؤمنين العاملين عملاً صالحًا؛ ولهذا فإنه قال - جل شأنه - في الآية 195: ï´؟وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِï´¾ [آل عمران: 195]، وهذا الثوابُ هو لعمومِ المؤمنين، وأما الآية 198 فهي - والله أعلم - عن المتقينَ من بين المؤمنين، الذين تتفاوتُ درجاتُهم بحسَب تقاهم، ومن ثم فإن الوعدَ وقد تكرر هنا فإنه اقترن ببيان المنزلة ï´؟ نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ï´¾. 15- ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ [آل عمران: 200]. جاءت هذه الآيةُ في ختامِ السورة، وفي ختام الآيات المباركات عن المؤمنين، وهي تدعوهم إلى أربعة أشياء؛ هي: الصبر والمصابرة؛ أي التنافس فيما بينهم في الصبر، أو في أن يصبِّرَ بعضُهم بعضًا، والثبات والتقوى. والصفات الثلاث الأولى مطلوبةٌ للحفاظ على الإيمانِ، وقد تعددت لأن الفتنَ التي من شأنها أن تُفلتَه أو التي تؤثر فيه متنوعةٌ وعديدة، والمسلم يحتاجُ تلك العدةَ لاجتياز الفتن، ويحتاج إلى صحْبِهِ في إعانتِهِ وتصبيرِهِ، وأما توصيتُهُ - سبحانه - لعبادِه بالتقوى؛ فلكي يتبوَّؤوا بها نُزُلَهم العاليةَ في دار القرار. |
| الساعة الآن 07:56 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي