![]() |
شرح الحديث القدسي "يا بن آدم..": دراسة عقدية تربوية على منهج أهل السنة والجماعة
شرح الحديث القدسي «يا بن آدم»: دراسة عقدية تربوية على منهج أهل السنة والجماعة عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى) الحمد لله الغفور الرحيم، ذي الطول العظيم، الذي فتح لعباده أبواب الرجاء، ونصب لهم أعلام الهدى، ودعاهم إلى بابه دعوة تفضُّل وإحسان، لا دعوة حاجة ونقصان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا رحيمًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، الدال على الله، المبلِّغ عنه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. نص الحديث وتخريجه ودرجته: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»؛ أخرجه الترمذي (3540)، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه جماعة من المحدثين، وهو من الأحاديث القدسية العظيمة التي جمعت أصول باب الرجاء والتوبة والتوحيد. سيشرح هذا الحديث على الطرق الآتية: أولًا: التأصيل العقدي- الرحمة صفة ثابتة لله: الرحمة من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة، على وجه يليق بجلاله، لا تشبه رحمة المخلوقين. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 54]؛ أي: وإذا جاءك أيها النبي الذين صدقوا بآيات الله الشاهدة على صدقك من القرآن وغيره مستفتين عن التوبة من ذنوبهم السابقة، فأكرمهم برد السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة؛ فإنه جل وعلا قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضُّلًا أنه من اقترف ذنبًا بجهالة منه لعاقبتها وإيجابها لسخط الله- فكل عاصٍ لله مخطئًا أو متعمدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم تاب من بعده وداوم على العمل الصالح، فإنه تعالى يغفر ذنبه، فهو غفور لعباده التائبين، رحيم بهم؛ (التفسير الميسر لمجموعة من العلماء). الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله، يرحم بها عباده، وهي من صفات الكمال. وما من ذنب إلا والتوبة منه مقبولة إذا صدق العبد، وحقق التوحيد. ثانيًا: شروط المغفرة في الحديث: الحديث ذكر ثلاثة أصول: 1- الدعاء مع الرجاء: قوله: «ما دعوتني ورجوتني». الدعاء: عبادة قلبية وقولية، والرجاء هو حسن الظن بالله. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]؛ أي: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ﴾: أيها العباد، ادعوني وحدي وخصُّوني بالعبادة أستجب لكم، إن الذين يتكبرون عن إفرادي بالعبودية والألوهية سيدخلون جهنم صاغرين حقيرين؛ (التفسير الميسر لمجموعة من العلماء). قال العلماء: الرجاء الذي يحمل على الطاعة ويمنع من المعصية هو الرجاء الصادق، وأما مع الإصرار فهو غرور. 2- الاستغفار والتوبة: قوله: «ثم استغفرتني غفرت لك». الاستغفار طلب الستر والمحو. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110]. قال عبدالله بن مسعود: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار"؛ أخرجه الترمذي (2497). 3- تحقيق التوحيد: قوله: «لا تشرك بي شيئًا». قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء: 48]. قال محمد بن علي الشوكاني في فتح القدير: في الآية أعظم دليل على فضل التوحيد، وأنه أساس النجاة. وقال الإمام ابن باز رحمه الله: هذه الآية آية عظيمة، وهي آية محكمة نزلت في أهل الشرك إذا ماتوا على الشرك، إذا مات المشرك لا يغفر له، أما إذا أسلم وتاب إلى الله يغفر له، لكن إذا مات على الشرك فإنه لا يغفر له؛ ولهذا قال سبحانه في هذه الآية في موضعين من سورة النساء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء: 48] [النساء: 116] يعني لا يغفر له ذنوبه بل يدخله بها النار، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]، فالمشرك إذا مات على الشرك لا يغفر له، بل له النار أبدًا أبد الآباد، والجنة عليه حرام، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 88]؛ (نور على الدرب). ثالثًا: أقوال السلف في باب الرجاء: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلًا واحدًا لخفت أن أكون هو، ولو نادى منادٍ: أيها الناس، إنكم داخلون النار إلا رجلًا واحدًا لرجوت أن أكون هو"؛ (حلية الأولياء 1/ 53). وقال بعض السلف: "لو علم العبد قدر رحمة الله لما قنط، ولو علم قدر عذابه لما أمن". رابعا: منهج أئمة الحديث في الترغيب والترهيب: قال يحيى بن معين: "ما رأيت أقطع للذنب من الاستغفار"؛ (سير أعلام النبلاء). وقال محمد ناصر الدين الألباني: "هذا الحديث من أرجى أحاديث أهل التوحيد، وفيه تحذير شديد من الشرك"؛ (السلسلة الصحيحة). خامسًا: أثر الحديث في تزكية النفوس: هذا الحديث يربي العبد على: ألَّا ييأس أبدًا. أن يرى التوحيد أعظم نعمة. أن يجمع بين الخوف والرجاء. أن يكثر من الاستغفار. قال العلماء: "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله". خاتمة: يا عبد الله… إن كانت ذنوبك كالسماء علوًّا، فرحمة الله أعلى. وإن كانت كالأرض سعة، فمغفرة الله أوسع. وإن أظلم قلبك بالمعاصي، فنور التوحيد أقوى. فأقبل على الله، وقل من أعماق قلبك: "رب اغفر لي وتب علي". واعلم أن الله يفرح بتوبتك، وأنه إذا لقيته موحدًا غفر لك ما سلف، وأتاك بملء الأرض مغفرة. نسأل الله أن يجعلنا من الموحِّدين التائبين، وأن يختم لنا بالمغفرة والرضوان، إنه هو الغفور الرحيم. |
| الساعة الآن 01:13 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي