ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=34)
-   -   الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=31486)

ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:43 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 266الى صــ 280
الحلقة (19)



ومطابقة الترجمة للآية؛ من جهة أنَّ الآية دالَّة على أنَّها يجب عليها الإِظهار، فلو لم تُصدَّقْ فيه لم يكن فيه فائدة.
قال معتمر عن أبيه: سألتُ ابنَ سيرين عن المرأة ترى الدَّم بعد قُرئها بخمسة أيّام؟ قال: النِّساء أعلم بذلك» (١).

------------------
(١) ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) وَصْل الدارمي له وصحح شيخنا إِسناده في «المختصر» (١/ ٩١).

النِّفاس
تعريفه:
هو سيلان الدَّم من رَحِم المرأة بسبب الولادة (١).

مدَّته:
أكثره أربعون يومًا لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: «كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النِّفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النِّفاس» (٢).
وعنها بلفظ: «كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة ...» (٣).
قال أبو عيسى الترمذي: «أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم، على أنَّ النُّفساء تَدَعُ الصَّلاة أربعين يومًا؛ إِلا أن ترى

-----------------------
(١) مضى في (باب الحيض)،» ... سُمِّيت بذلك لسيلان النّفس، والدم يُسمى نفْسًا«.
جاء فى»كفاية الأخيار«(١/ ٧٥): وفي اصطلاح الفقهاء ... ويسمّى هذا الدّم نفاسًا؛ لأنَّه يخرج عَقِب نفَس.
(٢) أخرجه أبو داود والحاكم، وصحح النووي إِسناده في»المجموع«، ووافقه الذهبي، وحسَّن شيخنا إِسناده في»الإرواء«(٢٠١).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٤)، والترمذي والدارمي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وهو في»الإرواء" (٢٠١).



الطُّهر قبل ذلك؛ فإِنَّها تغتسل وتصلّي، فإِذا رأت الدَّم بعد الأربعين؛ فإِنَّ أكثر أهل العلم قالوا لا تدَع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإِسحاق».
وقال أبو عبيد: «وعلى هذا جماعة النَّاس، وروي هذا عن عمرو بن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأنس وأمّ سلمة -رضي الله عنهم- وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (١).
وليس لأقلّه حدٌّ؛ أي وقت رأت الطُّهر اغتسلت وهي طاهر. وبهذا قال الثوري والشافعي.
وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: «إِذا لم ترَ دمًا تغتسل وتصلّي».
قال في «المغني» (١/ ٣٥٩): «ولنا أنَّه لم يَرِد في الشرع تحديده؛ فيرجع فيه إِلى الوجود، وقد وُجد قليلًا وكثيرًا ...».
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: «تمكُث المرأة أربعين يومًا نفساء، وإذا استمرَّ الدَّم بعد ذلك تُعدّ مستحاضة، وإذا طهُرت قبل الأربعين؛ فقد طهُرت إِذا رأت القصَّة البيضاء؛ كما هو معروف بالحيض».

حُكم النفاس حُكم الحيض في كلّ شيء
قال في «المحلّى» (مسألة ٢٦١): «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض؛ هذا لا خلاف فيه عن أحد ...
وحكمه حُكم الحيض في كلّ شيء، لقولِ رسول الله - ﷺ - لعائشة:

------------------------
(١)»المغني" (١/ ٣٥٨).


»أنَفِسْتِ؟ قالت: نعم«، فسمَّى الحيض نفاسًا؛ وكذلك الغُسل منه واجب بإِجماع».

ما يحرُم على الحائض والنّفساء
١ - الصّلاة (١): وتقدَّم حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- في ذلك، وفي حديث فاطمة بنت حبيش: «... فإِذا أقبلَت الحيضة فاتركي الصَّلاة».
٢ - الطَّواف: لقوله - ﷺ - لعائشة -رضي الله عنها- حين حاضت: «هذا
شيء كَتَبَه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢).
قال في «سبل السلام» (١/ ١٩٠): «وفيه دليل على أنَّ الحائض يصحّ منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مُجمَع عليه».
٣ - الصَّوم (٣): لحديث أبي سعيد الخُدريّ -رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى -أو في فطرٍ - إِلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النَّساء تصدَّقن، فإِني أُريتكنَّ أكثر أهل النَّار،

------------------------
(١) انظر»المنتقى«(باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة)،»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٣) وأيضًا (باب سقوط الصلاة عن النفساء) (١/ ٣٥٩).
وقال في»سبل السلام«(١/ ١٨٩) بعد حديث أبي سعيد:»وهو إِخبار يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجِبان عليها، وهو إِجماع في أنهما لا يجِبان حال الحيض، ويجب قضاء الصوم لأدلة أُخر«.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١
(٣) انظر الحاشية المتقدمة في التعليق على الأمر الأول»الصلاة".



فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللّعنَ وتكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقْل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ، قُلن: وما نقصان ديننا وعقْلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مِثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إِذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها» (١).
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٤): «نقلَ ابن المنذر والنووي وغيرهما إِجماع المسلمين؛ على أنَّه لا يجب على الحائض قضاء الصَّلاة، ويجب عليها قضاء الصيام ...».
وقال النووي -رحمه الله تعالى- في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإِجماع؛ أنَّها لا تقضي الصَّلاة وتقضي الصوم ...».
وقال -رحمه الله- أيضًا في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «قال أبو جعفر في كتابه»اختلاف الفقهاء«: أجمعوا على أنَّ عليها اجتناب كلّ الصلوات فرْضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله، واجتناب الطواف فرضه ونفله، وإنها إِن صلَّت أو صامت أو طافت؛ لم يجزها ذلك عن فرضٍ كان عليها».
٤ - الوطء: قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٧٩


فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطُهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركُم الله إِنَّ الله يُحبّ التَّوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (١).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفَر بما أُنزل على محمَّد» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهنّ (٣) في البيوت، فسأل أصحاب النّبيّ - ﷺ -؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساء في المحيض ...﴾ إِلى آخر الآية».
فقال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح».
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالفَنا فيه«(٤).
قال في»المحلّى«(٢/ ٢٢٠):»أمَّا امتناع الصَّلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإِجماع متيقّن مقطوع به، لا خلاف بين

---------------------
(١) البقرة: ٢٢٢
(٢) انظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٣٠٤)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٢)، و«صحيح سنن الترمذي» (١١٦) وانظر «آداب الزفاف» (١٠٥).
(٣) أي: لم يخالطوهنّ ولم يساكنوهنّ في بيت واحد. «النووي».
(٤) أخرجه مسلم: ٣٠٢، وغيره.



أحدٍ من أهل الإِسلام فيه».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): «وطء الحائض لا يجوز باتّفاق الأئمّة ...».

ما يحلُّ للرجل من الحائض
«يجوز التمتع بما دون الفرج من الحائض، وفيه أحاديث:
الأول: قوله - ﷺ -:»... واصنعوا كلّ شيء إلاَّ النكاح (١) «(٢). الثاني: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يأمر إِحدانا إِذا كانت حائضًا أن تتَّزر، ثمَّ يُضاجعها زوجها، وقالت مرَّة: يباشرها (٣) «(٤).
الثالث: عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: إِنَّ النّبيّ - ﷺ -:»كان إِذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا [ثمَّ صنعَ ما أراد] «(٥).

------------------------
(١) أي: الجماع.
(٢) تقدمّ تخريجه.
(٣) المراد هنا وطء المرأة خارج الفرج.
(٤) البخاري: ٣٠٢، ومسلم: ٢٩٣، وأبو عوانة في»صحيحه«، وأبو داود وهذا لفظه.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٢) والسياق له، وسنده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن عبد الهادي، وقوّاه ابن حجر، والبيهقي (١/ ٣١٤) والزيادة له. كذا قال شيخنا -حفظه الله- في»آداب الزفاف" (ص ١٢٥).



وقالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: «ما للرجل من امرأته إِن كانت حائضًا؟ قالت: كلّ شيء إلاَّ الجماع (١)» (٢).
وعن عمِّ حرام بن حكيم أنَّه سأل رسول الله - ﷺ -: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإِزار» (٣).
وجاء في «المغني» (١/ ٣٥٠): «ويستمتع من الحائض بما دون الفرج».
قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٨): «... فأمَّا لو جامع وهي حائض؛ فإِنَّه يأثم إِجماعًا ...».
وذكر ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ٢٤٩): حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد،

-----------------------
(١) قال شيخنا في»آداب الزفاف«(ص ٢٢٤): رواه ابن سعد (٨/ ٤٨٥) وقد صحّ عنها مِثله في الصائم، وبيانه في»الأحاديث الصحيحة«(٢٢٠ و٢٢١).
(٢) انظر»آداب الزفاف«(ص١٢٣ - ١٢٥) طبعة»المكتبة الإِسلامية«، والتخريجات كذلك، من نفس الكتاب.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٧).
(٤) جاء في»شرح النووي«(٣/ ٢١٠):»أمّا الخُمْرة -فبضم الخاء وإسكان الميم- قال الهروي وغيره: هي هذه السجَّادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده؛ من حصير أو نسيجة من خُوص [ورق النّخل وما شابهه] ... وقال الخطابي: هي سجادة يسجد عليها المصلي ... وسُميت خمرة لأنَها تخمر الوجه: أي: تغطيه وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، والخَمر لأنها تغطي العقل".



فقلت: إِنّي حائض. فقال: «تناوَليها؛ فإِنَّ الحيضة ليست في يدك» (١).
وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضًا، قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: «يا عائشة! ناوليني الثوب»، فقالت: إِني حائض.
فقال: «حيضتك ليست في يدك، فناولتْه» (٢).
ثمَّ قال -رحمه الله-: فهما دليل أن لا يجتنب إلاَّ الموضع الذي فيه الحيضة وحده.
ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤) اتفاق الأئمّة على تحريم وطء الحائض، كما تقدّم.

كفّارة من جامع الحائض
على من جامع الحائض أن يتصدَّق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصف دينار» (٣).

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٩٨، وغيره.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٩١، وغيره.
(٣) أخرجه أصحاب السنن «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٧)، و«صحيح سنن النسائي» (٢٧٨)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٣). والطبراني في «المعجم الكبير» وابن الأعرابي في «معجمه» والدارمي والحاكم والبيهقي بإِسناد صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، وابن القيّم، وابن حجر العسقلاني، كذا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٢) ا. هـ.
قلت: والظاهر أن دينار الذهب ٤.٢٥ غم -والله تعالى أعلم-.



قال شيخنا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٣): «قال أبو داود في»المسائل«(٢٦):»سمعت أحمد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؛ قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! (قلت: يعني: هذا).
قلت: وتذهب إِليه؟ قال: نعم؛ إِنَّما هو كفَّارة.
قلت: فدينار أو نصف دينار؟ قال: كيف يشاء«.
وذهب إِلى العمل بالحديث جماعةٌ آخرون من السلف؛ ذكر أسماءهم الشوكاني في»النيل«(١/ ٢٤٤) وقوَّاه.
قلت: -أي شيخنا حفظه الله- ولعلَّ التمييز بين الدينار ونصف الدينار، يعود إِلى حال المتصدّق من اليسار أو الضّيق؛ كما صرَّحت بذلك بعض روايات الحديث؛ وإِنْ كان سنده ضعيفًا، والله أعلم».

متى يجوز إِتيان الحائض إِذا طهُرت؟
قال في «روح المعاني» (٢/ ١٢٢): "﴿حتى يطهُرن﴾ والغاية انقطاع الدَّم عند الإِمام أبي حنيفة -رضي الله عنه- فإنْ كان الانقطاع لأكثر مدَّة الحيض حلَّ القربان بمجرَّد الانقطاع، أو إِنْ كان لأقلّ منها لم يحلّ إلاَّ بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مضيّ وقت الصَّلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع، قالوا: ويدلُّ عليه صريحًا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس (يطَّهرن) -بالتشديد- أى: (يتطهَّرن) والمراد به: يغتسلن، لا لأنَّ الاغتسال معنى حقيقي للتطهير؛ كما يوهمه بعض عباراتهم -لأنَّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد


والأحاديت؛ على ما لا يخفى على المتتبّع -بل لأنَّ صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال- فلمَّا دلّت قراءة التشديد على أنَّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، -والأصل في القراءات التوافق- حُملت قراءة التخفيف عليها، بل قد يُدّعى أنَّ الطهر يدلّ على الاغتسال أيضًا، بحسب اللغة.
ففي»القاموس«طهُرت المرأة: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض كتطهَّرت. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ﴾ يدلّ التزامًا على أنَّ الغاية هي الاغتسال، لأنَّه يقتضي تأخّر جواز الإِتيان عن الغسل، فهو يُقوّي كون المراد بقراءة التخفيف الغُسل لا الانقطاع، وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر، بحمله على الاغتسال إِن لم يسلّم ما تقدّم، وعلى فرض عدم التسليم هذا وذاك، والرجوع إِلى القول بأنَّ قراءة التخفيف من الطهر، وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال».
وقال البغوي -رحمه الله- (١/ ١٩٧): تطهَّرن: يعني: اغتسلن.
قال في «المغني» (١/ ٣٥٣): «فإِن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل».
وجملته أنَّ وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإِن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: هذا كالإِجماع منهم، وقال أحمد بن محمد المروزي: «لا أعلم في هذا خلافًا ...».


ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركم الله﴾ يعني: إِذا اغتسلن هكذا فسَّره ابن عباس، ولأنَّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ويحبُّ المتطهِّرين﴾ فأثنى عليهم، فيدلّ على أنَّه فِعْل منهم؛ أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو الاغتسال؛ دون انقطاع الدم، فشَرط لإِباحة الوطء شرطين:
انقطاع الدم والاغتسال، فلا يباح إلاَّ بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذا بَلَغُوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رُشْدًا فادفعُوا إِليهم أموالَهم﴾ (١)، لمّا اشترط لدفع المال عليهم بلوغ النكاح والرّشد، لم يُبَح إلاَّ بهما، كذا هاهُنا، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث الحيض، فلم يُبَح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض، وما ذكروه من المعنى منقوض؛ بما إِذا انقطع لأقل الحيض، ولأنَّ حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصحّ قياسه عليه.
جاء في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): "أمَّا المرأة الحائض إِذا انقطع دمها؛ فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إِذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيمَّمت كما هو مذهب جمهور العلماء، كمالك وأحمد والشافعي.
وهذا معنى ما يُروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة -منهم الخلفاء- أنَّهم قالوا: في المعتدَّة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
والقرآن يدلُّ على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا

-----------------------
(١) النساء: ٦


تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ (١).
قال مجاهد: ﴿حتى يطهُرن﴾ يعني: ينقطع الدَّم، ﴿فإِذا تطهَّرن﴾: اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد.
وإِنَّما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور، لأنَّ قوله: ﴿حتى يطهُرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا تحريم يزول بانقطاع الدَّم، ثمَّ يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى محرَّمًا على الإِطلاق، فلهذا قال: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركُم الله﴾.
وهذا كقوله: ﴿فإِن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتى تَنكحَ زوجًا غيره﴾ (٢).
فنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإِذا نَكَحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقّه، لا لأجل الطَّلاق الثلاث، فإِذا طلَّقها جاز للأوَّل أن يتزوَّجها.
وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ أي: غسلْن فرجهنّ، وليس بشيء، لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾ (٣)؛ فالتطهّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إنَّ الله يحبّ التَّوابين ويُحبُّ

------------------------
(١) البقرة: ٢٢٢
(٢) البقرة: ٢٣٠
(٣) المائدة: ٦



المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال.
وأبو حنيفة -رحمه الله- يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم».
وجاء في الكتاب السابق أيضًا (ص٦٢٤): «وسئل رحمه الله عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟
فأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار».
وقد رأيت قول شيخ الإِسلام -رحمه الله- المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال -رحمه الله-: "وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾.
فالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين

-----------------------
(١) البقرة: ٢٢٢


ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال».
قلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في «اللسان»: «طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره».
وطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله عز وجل: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾.
وروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله عز وجل: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: «يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفًا، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعًا الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾».
وقال ابن الأعرابي: «طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت».
وخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١).

--------------------------
(١) انتهيت إِلى هذا وأنا أعلم من شيخنا، أنه يرى جواز إتيان المرأة قبل الاغتسال بعد الطهر من الحيض أو النفاس؛ كما في الطبعة الأولى من الطبعة الجديدة من «آداب الزفاف» سنة ١٤٠٩هـ. ثم سألته «هل رأيتم غير ذلك؟»، فقال: «نعم، يَطْهُرن غير يَطَّهْرن، فلا بد من الاغتسال».


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:45 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 281الى صــ 295
الحلقة (20)



مسائل تتعلق في غسل الحائض والنّفساء
١ - نقْض المرأة شعرها عند غسل المحيض:
كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-:»... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: «دعي عمرتك وانقضي رأسكِ، وامتَشِطي وأهلّي بحجٍّ، ففعلْت» (١).
٢ - استحباب استعمال المُغتَسِلة من الحيض فِرصة من مسِك في موضع الدَّم:
عن منصور بن صفية عن أمّه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «سأَلَت امرأةٌ (٢) النّبيّ - ﷺ -: كيف تغتسل من حيضتها؟ قال:»فذَكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فِرصة من مِسك (٣)، فتَطهَّر بها.
قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: «تطهَّري بها سبحان الله!» (٤) واستَتر (وأشار

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣١٧، ومسلم: ١٢١١، وتقدّم.
(٢) هي أسماء بنت شَكَل، كما في بعض روايات مسلم.
(٣) جاء في «النهاية»: «الفِرصة -بكسر الفاء-: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يُقال: فَرَصْت الشيء إِذا قطعته، والممسّكة: المُطيّبة بالمِسك؛ يتتبَّع بها أثر الدم؛ فيحصل منه الطيب والتنشيف».
قال النووي: «واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أنَّ المقصود باستعمال المِسك؛ تطييب المحلّ، ودفع الرائحة الكريهة».
(٤) قال النووي -رحمه الله- قد قدّمنا أنَّ -سبحان الله- في هذا الموضع =


لنا سفيانُ بن عيينة بيده على وجهه)، قال: قالت عائشة: واجتذبْتُها إِليَّ، وعرفتُ ما أراد النّبيّ - ﷺ -، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدَّم» (١).

كيف تغتسل الحائض أو النفساء؟
عن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ أسماء سألَت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال:»تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها فتطهَّر؛ فتُحسن الطُّهور، ثمَّ تصب على رأسها؛ فتدلُكُه دلكًا شديدًا؛ حتى تبلغ شؤون (٢) رأسها، ثمَّ تصبّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة ممسّكة؛ فتطَهَّر بها«.
فقالت أسماء: وكيف تطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطَّهّرين بها».
فقالت عائشة (كأنَّها تخفي ذلك): تَتَبَّعين أثر الدَّم (٣).

-------------------------
= وأمثاله؛ يراد به التّعجُّب، وكذا لا إِله إلاَّ الله، ومعنى التعجّب هنا؛ كيف يخفى مِثل هذا الظاهر؛ الذي لا يحتاج الإِنسان في فهمه إِلى فكر.
(١) أخرجه البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، ومسلم: ٣٣٢، وغيرهما، وتقدّم.
قال الحافظ: «وفي هذا الحديث من الفوائد: التسبيح عند التعجُّب، واستحباب الكنايات فيما يتعلّق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يُحتشم منها، وفيها الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرار الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه، إِذا عرف أن ذلك يُعجبه، وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل، وفيه صحّة العرْض على المحدّث؛ إِذا أقرّه ولم يُقل عقبه نعم، وفيه الرّفق بالمتعلّم، وإقامة العُذر لمن لا يَفهم، وفيه حُسن خُلُقه - ﷺ - وعظيم حلمه وحيائه». «الفتح». بحذف يسير.
(٢) قال في «النهاية»: عظامه وطرائقه وتواصيل قبائله، وهي أربعة بعضها فوق بعض.
(٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وأصله في البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، وانظر الحديث السابق.



كيف تُطهِّر الحائض ثوبها؟
تطهِّر الحائض ثوبها بحكة بضِلَع (١)، وتغسله بماء وسِدْر أو صابون أو نحوه من المنظّفات، ثمَّ تنضح الماء في سائر الثوب، لقوله - ﷺ -: «حُكّيه بضِلَع واغسليه بماء وسِدْر» (٢).
وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «سمعتُ امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها إِذا طهُرت من محيضها، كيف تصنع به؟
قال: إِنْ رأيت فيه دمًا فحُكّيه، تمَّ اقرصيه بماء، ثمَّ انضحي في سائره؛ فصلّي فيه».
قال شيخنا في «الصحيحة» تحت (رقم ٢٩٩): «في هذه الرواية زيادة:»ثمَّ انضحي في سائره«، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام:»ثمَّ لتنضحه«ليس المراد نضْح مكان الدَّم بل الثوب كلّه.
ويشهد له حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كانت إحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طُهْرها فتغسله، وتنضح سائره، ثمَّ تصلّي فيه«(٣).

----------------------
(١) أي بعود، والأصل فيه ضلع الحيوان، فسمّي به العود الذي يُشبهه، وقد تسكّن اللام تخفيفًا.»النهاية«.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٤٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٨١)، والدارمي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥١١) وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة" (٣٠٠) وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨



الاستحاضة
تعريفها:
«هي أن يستمرّ بالمرأة خروج الدّم؛ بعد أيام حيضها المعتادة» (١).

أحوال المستحاضة (٢):
١ - أن تكون مدّة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تُعدّ هذه المدَّة المعروفة هي مدَّة الحيض والباقي استحاضة؛ لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها-: أنَّها استّفتت النّبيّ - ﷺ - في امرأة تُهراق الدّم؟
فقال: «لتنظر قدْر الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ وقدْرهنَّ من الشَّهر، فتدَع الصَّلاة، ثمَّ لتغتسل ولتستثْفر (٣) ثمَّ تصلّي» (٤).
قال الخطابي: هذا حُكم المرأة يكون لها من الشَّهر أيام معلومة؛ تحيضها في أيام الصِّحَّة قبل حدوث العلَّة، تمَّ تُستحاض فتهريق الدَّم، ويستمرّ بها السيلان، أمرها النّبيّ - ﷺ - أن تدَع الصَّلاة من الشهر، قدر الأيام

----------------------
(١) «النهاية».
(٢) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله- بحذف وتصرُّف.
(٣) هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة؛ بعد أن تُحتشى قُطنًا، وثوثّق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدّم، وهو مأخوذ من ثَفَر الدّابة الذي يجعل تحت ذنبها. «النهاية».
(٤) رواه مالك والخمسة إلاَّ الترمذي، وقال النووي: إسناده على شرطهما، وانظر «المشكاة» (٥٥٩)، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٤٤) و«صحيح سنن النسائي» (٢٠٢) و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٠٦).



التي كانت تحيض؛ قبل أن يصيبها ما أصابها، فإِذا استوفت عدد تلك الأيام؛ اغتسلت مرّة واحدة، وحُكمها حُكم الطَّواهر (١).
جاء في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٨): «وبهذا الحديث أخَذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة؛ أنَّها ترجع إِلى عادتها؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد».
٢ - أن يستمر بها الدَّم ولم يكن لها أيَّام معروفة؛ إِمَّا لأنَّها نسيت عادتها، أو بلَغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض، وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النِّساء (٢)؛ لحديث حمنة بنت قالت: كنتُ أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أستفتيه وأخبره، فوجدتُه في بيت أُختي زينب بنت ، فقلت: يا رسول الله إِنّي امرأة أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعَتني الصَّلاة والصَّوم؟
فقال: «أنعتُ لَكِ الكُرسُف (٣) فإِنَّه يذهبُ الدَّم»، قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: «فاتَّخذي ثوبًا»، فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّما أثجُّ ثجًَّا (٤).
قال رسول الله - ﷺ -: «سآمرك بأمرين أيَّهما فعلْتِ أجزأ عنك من الآخر، وإِنْ

--------------------------
(١) فهذه هي المعتاده التي لها عادة من أيام معروفة تعود إليها.
(٢) انظر»المغني" (١/ ٣٤٦).
(٣) أي: القطن.
(٤) الثَّجّ: شدَّة السيلان.



قويتِ عليهما فأنتِ أعلم»، فقال لها: «إِنَّما هي ركضة (١) من رَكَضات الشيطان، فتحيَّضي ستَّة أيَّام أو (٢) سبعة أيَّام، في عِلم الله، ثمَّ اغتسلي حتى إِذا رأيتِ أنَّك قد طهُرت واستنقأتِ؛ فصلّي ثلاثًا وعشرين ليلة، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيَّامها وصومي، فإِنَّ ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر؛ كما تحيض النِّساء وكما يطهُرن، ميقات حيضهنّ وطُهرهنّ، وإِن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجلّي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثمَّ تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إِنْ قدرْتِ على ذلك».
قال رسول الله - ﷺ -: «وهذا أعجب الأمرين إِليّ» (٣).

------------------------
(١) قال في النهاية: «أصل الرّكض: الضَّرب بالرجل والإِصابة بها؛ كما تُركض الدابة وتُصاب بالرِّجل؛ أراد الإِضرار بها والأذى، المعنى أنَّ الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إِلى التلبيس عليها؛ في أمر دينها وطُهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير؛ كأنّه ركضة بآلة من ركضاته». وذكَره الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٤).
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٨٣): «معناه أنَّ الشيطان قد وجد سبيلًا إِلى التلبيس عليها في أمر دينها وطُهرها وصلاتها حتى أنساها عادتها وصارت في التقدير؛ كأنها ركضة منه، ولا ينافي ما تقدّم إِنَّه عِرق يُقال له العاذل؛ لأنَّه يُحمل على أنَّ الشيطان ركضه حتى انفجر».
(٢) قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٤): «ليست فيه كلمة (أو) شكًا من الراوي ولا للتخيير، للإِعلام بأنَّ للنساء أحد العددين، فمنهنَّ من تحيض ستًّا، ومنهنَّ من تحيض سبعًا، فترجع إِلى من هي في سنّها وأقرب إِلى مزاجها».
(٣) أخرجه أبو داود: ٢٨٧ «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٧)، والترمذي "صحيح سنن =



قال الخطابي -تعليقًا على هذا الحديث-: إِنَّما هي امرأة مبتدئة لم يتقدَّم لها أيام، ولا هي مميّزة لدمها، وقد استمرَّ بها الدَّم حتى غلبَها، فردَّ رسول الله - ﷺ - أمرها إِلى العُرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النِّساء، كما حَمَل أمرها في تحيُّضها كل شهر مرّة واحدة؛ على الغالب من عادتهن، ويدلّ على هذا قوله: «كما تحيض النِّساء ويطهُرن بميقات حيضهنَّ وطُهرنَّ».
قال: وهذا أصلٌ في قياس أمر النِّساء؛ بعضهنَّ على بعض؛ في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهنّ.
٣ - أن لا تكون لها عادة، ولكنَّها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره، وفي هذه الحالة تعمل بالتَّمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُستحاض، فقال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضَّئي إِنَّما هو عرْق (١)» (٢).

-------------------------
= الترمذي«(١١٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥١٠) والطحاوي في»مشكل الآثار«والدارقطني والحاكم، وانظر»الإِرواء«(١٨٨).
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٢١/ ٦٣٠):»وفي المستحاضة عن النّبيّ - ﷺ - ثلاث سنن: سنة في العادة لمن تقدّم، وسنَّة في المميزة، وهو قوله: «دم الحيض أسود يُعرَف»، وسنّة في غالب الحيض، وهو قوله: "تحيَّضي ستًا أو سبعًا ثمَّ اغتسلي، وصلّي ثلاثًا وعشرين، أو أربعًا وعشرين، كما تحيض النساء، =



أحكام المُستحاضة (١)
١ - جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة؛ عند جماهير العلماء؛ لأنَّها كالطَّاهرة في الصَّلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأنَّه لا يحرم إلاَّ عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها.
قال ابن عبّاس: «المستحاضة يأتيها زوجها إِذا صلَّت، الصَّلاة أعظم» (٢).
[وعن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها» (٣).
وعن حَمْنة بنت : «أنَّها كانت مُستحاضة؛ وكان زوجها

------------------------
= ويطهرن لميقات حيضهنّ وطهرهنّ».
وقال -رحمه الله- أيضًا في نفس الموضع: «على أنَّ المستحاضة المميزة؛ تجلس ستًا أو سبعًا وهو غالب الحيض».
وجاء في «الفتاوى» أيضًا (٢١/ ٦٣٠): «... إِمّا العادة فإِنَّ العادة أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل مقام الحيض دون غيره. وإمّا التمييز؛ لأنَّ الدم الأسود والثخين المُنتن؛ أولى أن يكون حيضًا من الأحمر. وإِمَّا اعتبار غالب عادة النساء؛ لأنَّ الأصل إِلحاق الفرد بالأعمّ الأغلب».
(١) النقاط من (١ - ٣) من «سبل السلام»، إلاَّ ما كان بين معقوفين مستطيلين فليس منه، ومن (٤ - ٦) من كتاب «فقه السنّة» بتصرف يسير.
(٢) ذكره البخاري معلقًا، وانظر «الفتح» (١/ ٤٢٨) وقال شيخنا في «المختصر» (١/ ٩٢): «وصله الدارمي (١/ ٢٠٣) بإِسناد صحيح عنه دون الإتيان، ولكنّه أخرج هذا القدر منه (١/ ٢٠٧) بسند ضعيف عنه، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا».
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٢).



يجامعها» (١)].
٢ - أنَّها تُؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث النجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التَّيمُّم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة دفعًا للنجاسة، وتقليلًا لها، فإِنْ لم يندفع الدَّم بذلك؛ شدَّت مع ذلك على فرجها وتلجَّمت واستثفرت (٢). كما هو معروف في الكتب المطوَّلة.
٣ - ومنها أنَّه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصَّلاة عند الجمهور؛ إِذ طهارتها ضروريّة؛ فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة.
٤ - أنه لا يجب عليها الغسل لشيء من الصَّلاة، ولا في وقت من الأوقات إلاَّ مرّة واحدة؛ حينما ينقطع حيضها، وبهذا قال الجمهور من السَّلف والخلف.
٥ - أنَّه يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش -وهي تحدِّثه عن استحاضتها-: «توضَّئي لكلّ صلاة» (٣).
وقوله لها: «إِنَّه دم عِرق فتوضئي لكلّ صلاة» (٤).

------------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٣) وغيره، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٧).
(٢) قال في «النهاية»: «... استثفري وتلجّمي، أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام في فم الدّابة».
(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (١٠٩)، وتقدّم.
(٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقال شيخنا في «الإِرواء» (١١٠): «وسنده على شرط الشيخين وقد أخرجه البخاري من طريق أبي معاوية به نحوه، وراجِع تعليق الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على الترمذي».



٦ - أنَّ لها حُكم الطاهرات: تُصلّي وتصوم وتعتكف، وتفعل كلّ العبادات.

الحائض والنفساء تقضيان الصوم ولا تقضيان الصَّلاة
تقضي الحائض والنّفساء الصوم ولا تقضي الصَّلاة؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «... أليس إِذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصُم؟ ...» (١).
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٣): «فيه إِشعار بأنَّ منْع الحائض من الصوم والصَّلاة كان ثابتًا بحُكم الشَّرع قبل ذلك المجلس ...».
وعن معاذة أنَّ امرأة قالت لعائشة: «أتجزي إِحدانا صلاتها إِذا طهُرت؟ فقالت: أحروريّة (٢) أنت؟ كنَّا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به، أو قالت:

-----------------------
(١) جزء من حديث رواه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٢١٩، وقد ذكرْته بتمامه في (باب ما يحرُم على الحائض والنفساء).
(٢) الحروري منسوب إِلى حروراء، بلدة على ميلين من الكوفة، ويُقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري؛ لأنَّ أول فرقة منهم خرجوا على عليّ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إِليها، وهم فِرَق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم؛ الأخذ بما دلَّ عليه القرآن، وردّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا؛ ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إِنكار. وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة فقلت:»لا ولكنّي أسأل«، أي: سؤالًا مجرّدًا لطلب العلم لا للتعنّت.»الفتح«(١/ ٤٢٢) بحذف يسير.
قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٢١):»وإنكار عائشة عليها إِمّا لعلمها أنهم كانوا يوجبون القضاء على الحائض، فقد حكى ابن عبد البرّ القول بذلك عن طائفة من الخوارج، وإمّا لعلمها بأنَّ أصولهم تقتضي ذلك".



فلا نفعله» (١). وفي لفظ لمسلم (٣٣٥): «فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة».
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النفاس (٢).

إِذا طهُرت الحائض بعد العصر أو بعد العشاء
إِذا طهرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإِذا طهرت بعد العشاء؛ صلّت المغرب والعشاء.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إِذا طهُرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت بعد العشاء صلّت المغرب والعشاء».
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: «إِذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء».
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٥): «رواهما سعيد بن منصور في»سننه«والأثرم، وقال: قال أحمد: عامَّة التابعين يقولون بهذا القول إلاَّ الحسن وحده».
وسألت شيخنا -حفظه الله- بعض التفصيل في ذلك فقال: «إِذا طهُرت

---------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥، نحوه وغيرهما.
(٢) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وحسَّنه شيخنا في»الإِرواء" (٢٠١).



الحائض بعد العصر أو قبل غروب الشمس، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي الظُّهر والعصر، وإِذا طهُرت بعد العشاء، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي المغرب والعشاء؛ لأنَّ وقت الظهر والعصر يتداخلان، ففي السّفر يُمكن الجمع بين كلِّ من الصلاتين؛ تقديمًا أو تأخيرًا، وفي حالة الإِقامة أيضًا لرفع الحرج».

الجمع الصوري للمستحاضة
وفيه حديث حَمنة بنت -رضي الله عنها- المتقدِّم وفيه: «... وإِنْ قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثمَّ تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي».
قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٣): «فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، أي: جمعًا صوريًا ...».

الحامل إِذا رأت الدَّم وبيان أنَّها لا تحيض
إِذا رأت الحامل دمًا فهو دم فساد (١)؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس: «لا توطَأ حامل حتى تضع، ولا حائل (٢) حتى تستبرئ بحيضة» (٣).

-----------------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله-: «دم فساد؛ كقوله - ﷺ -:»إِنّما هو عرق«؛ فهذا في المستحاضة».
(٢) الحائل: كلّ أنثى لا تحبل. «الوسيط».
(٣) أخرجه أبو داود والدارمي والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وقال الحاكم: =



جاء في «المغني» (١/ ٣٧١) (حُكم الحامل إِذا رأت الدَّم، وبيان أنَّها لا تحيض): «مذهب أبي عبد الله -رحمه الله- أنَّ الحامل لا تحيض، وما تراه من الدَّم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر والشعبي ومكحول وحماد والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور ...».
وقال في «منار السبيل» (١/ ٦٢): «فإِنْ رأت الحامل دمًا فهو فساد؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس:»لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة«(١).
يعني: تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة؛ فدلَّ على أنَّها لا تجتمع معه».
قال شيخنا في «الإِرواء» (١٨٧): «ويشهد له ما روى الدَّارمي (١/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت:»إِنَّ الحُبلى لا تحيض، فإِذا رأت الدَّم؛ فلتغتسل ولتصلِّ«، وإِسناده صحيح».
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن أمر الاغتسال؟ فقال: «هو من باب النَّظافة».

---------------------
= «صحيح على شرط مسلم»، وقال الحافظ في «التلخيص الحبير»: «إِسناده حسن»، وانظر تفصيل تخريجه في «الإِرواء» (١٨٧).
(١) تقدّم تخريجه.



مسائل متنوّعة تتعلق بالحائض والنّفساء والمستحاضة
* حُكم النّفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها: قال في «المغني» (١/ ٣٦٢): «وحُكم النفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها وحلّ مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها ...».
* اغتسال الحائض والنفساء للإِحرام:
عن جابر -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ رسول الله - ﷺ - مكثَ تسع سنين لم يحجّ، ثمَّ أذَّن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير؛ كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله - ﷺ -، ويعمل مثل عمله.
فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة؛ فولَدَت أسماءُ بنت عميس محمَّدَ بن أبي بكر، فأرسلت إِلى رسول الله - ﷺ - كيف أصنع؟».
فقال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» (١).
* لا بأس أن تشرب المرأة الحائض دواءً يقطع عنها الحيض، إِذا لم يكن يضرّ بها، ويحسن بها استشارة طبيبة مسلمة مختصّة في هذا الأمر:
قال في «المغني» (١/ ٣٧٥): «رُوي عن أحمد -رحمه الله- أنَّه قال: لا بأس أن تشرب المرأة دواءً؛ يقطع عنها الحيض؛ إِذا كان دواءً معروفًا».
* شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين واعتزالها المصلّى:

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وغيره، قال في «النهاية»: «... استثفري: أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة»، وتقدم.


عن أمِّ عطية -رضي الله عنها- قالت: «سمعْتُه (١) يقول: يخرُج العواتِق (٢) وذواتُ الخدور (٣) -أو العواتق ذواتُ الخُدور- والحُيَّض، ويشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلّى» (٤).
* قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (٥):
عن منصور بن صفيَّة أنَّ أمَّه حدَّثته أنَّ عائشة -رضي الله عنها- حدَّثتها: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يتَّكئ في حجري، وأنا حائض ثمَّ يقرأ القرآن (٦)» (٧).
* غَسل الحائض رأس زوجها وترجيله (٨):
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أرجّل رأس رسول الله - ﷺ -

-----------------------
(١) أي: رسول الله - ﷺ -، وكانت لا تذكره إِلا قالت:»بأبي«.
(٢) العاتق: الشّابة أو ما تُدرك، وقيل: هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تُزوَّج، وقد أدركت وشبَّت، وتُجمع على العُتَّق والعواتق». «النهاية».
(٣) جمع خِدْر وهو ستر يكون في ناحية البيت؛ تفعد البكر وراءه.
(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ومسلم: ٨٩٠
(٥) هذا العنوان من «الفتح».
(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٧، ومسلم: ٣٠١
(٧) جاء في «الفتح» (١/ ٤٠٢): «فيه جواز ملامسة الحائض، وأنَّ ذاتها وثيابها على الطهارة؛ ما لم يلحق شيئًا منها نجاسة، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة؛ قاله النووي. وفيه جواز استناد المريض في صلاته إِلى الحائض إِذا كانت أثوابها طاهرة؛ قاله القرطبي».
(٨) هذا العنوان من «الفتح».



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif



ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:48 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 296الى صــ 310
الحلقة (21)





وأنا حائض» (١).
* لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ» (٣).
وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض؟ فقال:»واكِلْها«(٤).
قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٥):»والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض.
قال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأسًا.
قال ابن سيد النَّاس في «شرحه»: «وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري».
وأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا

---------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢١٧
(٢) العَرْق: العظم إِذا أُخِذ عنه معظم اللحم، يُقال: عَرَقْتُ العظم واعترقته وتعرَّقُته: إِذا أخذْت عنه اللحم بأسنانك. «النهاية».
(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠، وغيره، وتقدم.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٣١).
(٥) البقرة: ٢٢٢


وطأهنَّ».
* الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاسًا، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١).
* إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثرًا للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها.
* إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دمًا قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم.
* إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف.
* كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض.
* إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملًا، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي

--------------------------
(١) استفدتُ هذا إلى آخر الباب من شيخنا -حفظه الله تعالى- من مجالستي له، ومن خلال بعض الاستفسارات، وذكرْتُه هكذا مُلخصًا، والأدلة والتفصيلات مبثوثة داخل الكتاب في العديد من الأبواب، فلم أُعِدها.


تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة.
* إِذا رأت المرأة دمًا في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دمًا.
* الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة.
* لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا.
* إِذا كانت المرأة حاملًا ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء.
* إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحبًا ذلك نزيفًا حادًّا؛ فهي نُفَساء.


الصَّلاة
الصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ - ﷺ -:»إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطرًا؛ فليطعَم وإِن كان صائمًا؛ فليصلِّ«(٢).
وقال الشاعر:
تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣).
ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام» (٤).
جاء في «المغني» (١/ ٣٧٦) (٥): «وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين

----------------------------
(١) التوبة: ١٠٣
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٣١، وغيره.
(٣) عن كتاب»المغني«(١/ ٣٧٦).
(٤)»الفقه على المذاهب الأربعة" (١/ ١٦٠).
(٥) بحذف وتصرُّفٍ يسيرين.



له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١).
وأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان» (٢).
وأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة«.

فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام (٣)
للصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦).
وتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر:

---------------------------
(١) البيّنة: ٥
(٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦، وغيرهما.
(٣) انظر كتابي»الصلاة وأثرها في زيادة الإِيمان وتهذيب النفس".
(٤) العنكبوت: ٤٥
(٥) الأعلى: ١٤، ١٥
(٦) طه: ١٤
(٧) البقرة: ١١٠



﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطورًا بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣).
وأحيانًا يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة «المعارج» وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤).
وقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالًا أو رُكبَانًا فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّنًا كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا

----------------------
(١) البقرة: ٤٥
(٢) الكوثر: ٢
(٣) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣
(٤) المؤمنون: ١ - ١١
(٥) البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩



فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).
وقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣).
ولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ عليه السلام ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيمًا لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) «(٥).
وقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها:

-----------------------------
(١) النساء: ١٠١ - ١٠٣
(٢) مريم: ٥٩
(٣) الماعون: ٤، ٥
(٤) إِبراهيم: ٤٠
(٥) انظر كتاب»فقه السنّة" (١/ ٩٠ - ٩٢) للسيد سابق -حفظه الله تعالى-.



حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفَر، فأصبحْتُ يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم» (٥).
-----------------------
(١) أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات؛ والجُنّة: الوقاية. «النهاية».
(٢) السجدة: ١٦ - ١٧
(٣) الذِّروة: أعلى سَنام البعير، وذِروة كلِّ شيء أعلاه. «النهاية». السَّنام: كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة، والسَّنام من كل شيء أعلاه. «الوسيط».
(٤) قال في «النهاية» -بحذف-: أي: فقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الولد، والموت يعم كلَّ أحد، فإِذن الدعاء عليه كلا دُعاء ... ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب، ولا يُراد بها الدعاء كقوله تربت يداك ....
(٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بطُرُقه، خرَّجه شيخنا في «الإرواء» (٤١٣).



وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله» (١).
وعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئًا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (٣).
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا» (٥).

--------------------------
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وصححه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (١٣٥٨).
(٢) أي: وسخه.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٨، ومسلم: ٦٦٧
(٤) الإِحراق: الإِهلاك، وهو من إِحراق النار. «النهاية». والمراد هنا: استحقاق الهلاك لاقتراف الذنوب والآثام.
(٥) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» وإسناده حسن. ورواه في «الكبير» موقوفًا عليه، وهو أشبه، ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١).



وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -:»ألم يكن الآخر مسلمًا؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله - ﷺ-: «وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - أو ذُكر لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -:»أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ «(٢).

------------------------
(١) قال المنذري في»الترغيب والترهيب«(١/ ٢٤٣): رواه مالك واللفظ له، وأحمد بإِسناد حسن، والنسائي وابن خزيمة في»صحيحه«إِلا أنَّه قال: عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعتُ سعدًا وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون:»كان رجلان أخوان في عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفِّي الذي هو أفضلهما، ثمَّ عُمِّر الآخرُ بعده أربعين ليلة، ثمَّ توفّي، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «ألم يكن يصلي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، وكان لا بأس به، فقال رسول الله - ﷺ -: «وماذا يُدريكم ما بلغَت به صلاته ...» الحديث.
قال شيخنا: «وهذا اللفظ هو عند أحمد (١٥٣٤) أيضًا»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٤).
(٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٤٤): رواه أحمد بإِسناد حسن =



حُكم ترْك الصَّلاة
عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة» (١).
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر» (٢).
وعن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يَرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة» (٣).
إِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟
ومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص

-------------------------
= ورواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه، أطول منه. وزاد ابن ماجه وابن حبان في آخره: «فلما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض».
وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٦).
(١) أخرجه مسلم: ٨٢
(٢) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي ووافقهم شيخنا في «المشكاة» (٥٧٤).
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١١٤)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٦٢).
(٤) وانظر كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- الآتي قريبًا بإِذن الله -سبحانه-.



والإِجماع (١).
جاء في «النهاية»: «... ومنه الحديث:»من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما«لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم.
والكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان.
وقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلًا ولا يعترف به.
وكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣).
وكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسدًا وبغيًا، ككُفَر أبي جهل وأضرابه.
وكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
قال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفرًا.
ومنه حديث ابن عباس قيل له:»﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك

-------------------------
(١) وسيأتي كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في ذلك غير بعيد بإِذن الله -سبحانه-.
(٢) انظر تقسيم ابن القيم -رحمه الله- للكفر في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧).
(٣) بل كفره كفر إِباء واستكبار، وهو قول ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧).



هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر».
ومنه حديثه الآخر: «إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة» (٣). انتهى.
قال النووي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة»: "وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِرًا لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل -رحمه الله- وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي

------------------------
(١) المائدة: ٤٤
(٢) آل عمران: ١٠١
(٣) إِنْ صحّ هذا الخبر، وهناك كلام طيب لابن كثير في هذا الموضع فارجِع إِليه -إِن شئت-.



-رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ...» (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»، «من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة»، «ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة» (٣)، «حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ...» (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم» (٦).
وتأوّلوا قوله - ﷺ -: «بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة» (٧)، على معنى أنَّه

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٨٧٨، ومسلم: ١٦٧٦
(٢) النساء: ٤٨
(٣) أخرجه مسلم: ٢٦، ٢٧
(٤) أخرجه مسلم: ٢٩
(٥) التوبة: ٥
(٦) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢
(٧) تقدّم تخريجه.



يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم».
وفي «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: «وسُئل -رحمه الله- عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟
فأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم.
وقال (ص ٤٨):»وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرًّا بالصَّلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:59 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 311الى صــ 325
الحلقة (22)



كقوله - ﷺ -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة». رواه مسلم (١).
وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر». وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة».
فمن كان مُصرًّا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلمًا مقرًَّا بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادرًا ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا.
فأمَّا من كان مُصرًّا على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له» (٢).

------------------------
(١) وتقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤١٠)، وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٥٧٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٣) و«السنّة» لابن أبي عاصم (٩٦٧).


فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث».
وجاء (ص ٥٣) -منه-: «وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟
فأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم».
ويظهر من كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام:
١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: «ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرًا لوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين».
٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: «فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرًّا بوجوبها». بمعنى أنه يرى -رحمه الله- كُفره.
٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: «لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ...» وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- المشار إِليه آنفًا.
٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام -رحمه الله- أن الامتناع من الصلاة حتى القتل،


أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال -رحمه الله- في الممتنع: «... لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها»، وقال -رحمه الله- في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): «... فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها».
وبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق.
وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: «وسُئل -رحمه الله- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟
فأجاب: أمّا من كان مظهِرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِرًا للإِسلام».
وقال (ص ٢٨٦): «وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك».
وجاء (ص ٢٨٧) منه: "وسُئل عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟


فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي - ﷺ - عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام».
وقال ابن القيّم -رحمه الله- في كتاب «الصلاة وحُكم تاركها» (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: «... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع».
فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر.
ومِثله ما جاء في «الاختيارات» (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام -رحمه الله- على متأخري الفقهاء: «... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ» وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلًا أكثر.
وجاء في «المرقاة» (٢/ ٢٧٦): «فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر».
وجاء في «الصحيحة» (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدًّا، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئًا ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم.


وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصًّا على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ...
ثمَّ وقفْتُ على «الفتاوى الحديثة» (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: «ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافرًا مرتدًّا بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل.
وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضًا بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلًا حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضًا عنه - ﷺ - أنَّه قال:»خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيهhttp://www.a-quran.com/data:image/gi...NZheYuAgwIADs= إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له«، وقال أيضًا:»من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة«إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافرًا؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث».
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في «حاشيته على المقنع»

-------------------------
(١) سيأتي كلام شيخنا في إِبطال هذا؛ عما قريب -بإِذن الله تعالى-.


(١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله:»ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحدًا من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر» (١)، وقوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين«.
أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من»الحاشية«المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأيًا لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم.
بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول:
إِنَّ التارك للصلاة كسَلًا؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٢٥٦١).



المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان». انتهى.
وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: «إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقًا؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين».
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره» (١).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: «فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا، لأنّه لو كان كافرًا لكان دعاؤه باطلًا لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾.
ونقله عنه ابن عبد البر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها:»من ترك الصلاة جاحدًا لها معاندًا مستكبرًا غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها

---------------------
(١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» وغيره، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٧٧٤).


على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و... و.. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك».
وفي «المغني» (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-.
ثمَّ رأيتُ ردًّا للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عددًا من الحجج والبراهين من ذلك:
١ - في كتاب «الجامع» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: «إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي دينًا غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضربًا شديدًا أو سُجن».
٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب «الإِجماع» (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: «لم أجِدْ فيها إِجماعًا» (١) أي: على كُفره.
٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: «فقيل

-----------------------
(١) ومِثله ما ذَكَره في مقدّمة كتاب»حكم تارك الصلاة«لشيخنا عن الإِمام محمد ابن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فقد قال كما في»الدُّرر السنيّة«(١/ ٧٠) - جوابًا على من قال عمّا يُكَّفَّر الرجل به؟ وعمّا يقاتَل عليه؟:»أركان الإِسلام الخمسة؛ أولها الشهادتان، ثمَّ الأركان الأربعة؛ إِذا أقرَّ بها وتركها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فِعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود، ولا نكَفّر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان".


لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ» ...
٤ - قال الإِمام ابن القيّم في «كتاب الصلاة» (ص ٥٥): «وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحودًا وعنادًا من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان.
وأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويُسمّي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله:»لا ترْجِعوا بعدي كُفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض«(١) فهذا كُفر عمل (٢)».

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٨٦٨، ومسلم: ٦٦
(٢) قلت: ولا يخفى ما يقوله ابن القيّم -فيما يظهر من كلامه- تبعًا لشيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- أنه يُعلّق الكفر على تحقُّق الترك، والإِصرار عليه؛ باعتبارهما قرينة على عدم الإِقرار بالوجوب.



٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في»أضواء البيان«(٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-:»هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن.
وإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.
وقال النووي في «شرح المهذب» -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: «ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث».
من أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: «... مضاهيًا لقول من يكفّر بالذنوب».
ولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه «البرهان» (ص ٣٥): "إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحدًا- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان


عندهم قول بلا عمل«!
٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٦) مُلزِمًا مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-:»ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه.
فقد صح عنه - ﷺ - أنّه قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢).
وقال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ...» (٣).
وقال - ﷺ -: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٤).
وقال أيضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥).
إِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك«.

-------------------------
(١) منها حديث بُريدة بن الخصيب -مرفوعًا-:»العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفر"، وتقدّم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٨١٠، ومسلم: ٥٧
(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٦٨، ومسلم: ٦٢
(٥) تقدّم.



٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه»الصلاة والتهجّد«(ص ٩٦):»... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمدًا، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمنًا بها، مُقرًّا بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ - ﷺ -، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما.
٨ - ويقول الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٩): «وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضًا-». انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-.
قلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران:
١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء.
٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين:
أ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ.

---------------------
(١) تقدّم تخريجه.


وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه.
ب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه.
ولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق.

على مَن تجب؟
تجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢)» (٣).

صلاة الصبيّ
تقدَّم حديث عائشة -رضي الله عنها-: «رفع القلم ...» ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم.
بيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشرًا، كما في الحديث: «مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا

-------------------------
(١) وفي رواية:»وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق«، انظر»الإِرواء«(٢٩٧).
(٢) وفي رواية:»حتى يحتلم«. المصدر السابق.
(٣) أخرجه أبو داود وغيره وقال الحاكم: صحيح عى شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا شيخنا في»الإرواء" (٢٩٧).



بينهم في المضاجع» (١).

عدد الفرائض
وفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: «أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق» (٢).

مواقيت الصَّلاة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا (٣)﴾ (٤).
قال في «المغني» (١/ ٣٧٨): «أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ».

------------------------
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في «المصنف» وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٧)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٩).
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١، وغيرهما.
(٣) النساء: ١٠٣
(٤) جاء في «تفسير ابن كثير»: قال ابن مسعود: «إِنَّ الصلاة وقتًا كوقت الحجّ، وقال زيد بن أسلم: (كتابًا موقوتًا): مُنجَّمًا: كلّما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت».



وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ» (١).
وكذلك حديث جابر: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - جاءه جبريلُ عليه السلام فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جدًا، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين

----------------------
(١) أخرجه مسلم:٦١٢
(٢) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، والمراد هنا: الغروب.
(٣) أسفر الصبح: إِذا انكشف وأضاء والمراد: تأخيرها إِلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقّقه، وقيل إِن الأمر بالإِسفار خاصٌّ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الصبح لا يتبيّن فيها فأُمروا بالإِسفار احتياطًا.»النهاية" بتصرف.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif



ابو الوليد المسلم 01-17-2026 07:02 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 326الى صــ 340
الحلقة (23)



وقتٌ» (١)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس» (٢).

وقت الظُّهر (٣)

عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقت الظهر إِذا زالت

---------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٨٨) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٧) والدارقطني والحاكم وعنه البيهقي وأحمد، وقال الحاكم:»حديث صحيح مشهور«ووافقه الذهبي، وشيخنا الألباني، وانظر»الإِرواء«(٢٥٠).
(٢) أخرجه الترمذي والطحاوي في»شرح المعاني«والدارقطني في»السنن«وغيرهم، وخرّجه شيخنا في»الصحيحة«(١٦٩٦).
(٣) قال في»المغني«(١/ ٣٧٨):»بدأ الخرقي بذِكر صلاة الظهر؛ لأنَّ جبريل بدأ بها حين أمّ النّبيّ - ﷺ - في حديث ابن عباس وجابر، وبَدأ بها - ﷺ - حين علَّم الصحابة مواقيتَ الصلاة في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين سُئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما«. انتهى.
قلتُ: لكن بدأت بعض الألفاظ بصلاة الفجر، كما في»صحيح مسلم«(٦١٢).
فعن عبد الله بن عمرو أنَّ نبي الله - ﷺ - قال:»إِذا صلّيتم الفجر فإِنَّه وقت إِلى أنْ يطلع =


الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر» (١).
يبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال.
وأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣).
قال في «المغني» (١/ ٣٨٠): «ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد

-----------------------
= قرن الشمس الأول، ثمَّ إِذا صليتم الظهر فإِنه وقتٌ إِلى أن يحضر العصر، فإِذا صلّيتم العصر فإِنَّه وقتٌ إِلى أن تصفر الشمس، فإِذا صليتم المغرب فإِنَّه وقتٌ إلى أن يسقط الشفق، فإِذا صليتم العشاء فإِنَه وقتٌ إِلى نصف الليل».
وورد في «صحيح مسلم» (٦١٢): عن عبد الله بن عمرو أيضًا مرفوعًا بلفظ: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ...» ولكن أحاديث الابتداء بوقت صلاة الظهر أكثر.
واستحسن شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في «الاختيارات» (ص ٣٣): أن يُبدَأ بالفجر؛ لأنَّ الصلاة الوسطى هي العصر، وإنَّما تكون الوسطى إِذا كان الفجر هو الأوّل.
(١) أخرجه مسلم: ٦١٢
(٢) قال في «النهاية»: «... وأصْل الفيء الرجوع، يُقال: فاء يفي فئةً وفُيوءًا؛ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إِليهم، ومنه قيل للظلِّ الذى يكون يعد الزوال: فيء، لأنَّه يرجع من جانب الغرب إِلى جانب الشرق».
قال النووي: «والفيء لا يكون إلاَّ بعد الزوال، وأمّا الظلّ فيُطلق على ما قبل الزوال وبعده، وهذا قول أهل اللغة». وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٢٦): «والفيء يكون من عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها».
(٣) انظر «الأوسط» (٢/ ٣٢٦)، و«المغني» (١/ ٣٧٨).



السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلًا ثمَّ يقدّره ثانيًا، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص».
جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠): «قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في»غنية الطالبين«: فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عمودًا أو تقوم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطًا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحًا دخول وقت الظهر (١): «لو وضَعْنا شاخصًا وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلًا، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلًا ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر».

------------------------
(١) قاله لي هكذا بمعناه حين طلبْتُ منه توضيحًا عمليًّا لذلك.


وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال).

الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ
عن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم» (٣).
وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «قال النّبيّ - ﷺ -: أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم» (٤).
قال في «المغني» (١/ ٤٠٠): «وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في

----------------------
(١) جمع تلّ: وهو ما ارتفع من الأرض عمّا حوله، وهو دون الجبل، وتُجمع أيضًا على تِلال وأتلال، وانظر»الوسيط«.
(٢) الفيح: سطوع الحر وفورانه، وفاحت القدر غلت.»النهاية«.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٥٨، ومسلم: ٦١٦، قال النووي (٣/ ١١٩):»ومعنى قوله رأَينا فيء التّلول: أنَّه أخّر تأخيرًا كثيرًا؛ حتى صار للتلول فيءٌ، والتلولُ مُنبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيءٌ في العادة؛ إلاَّ بعد زوال الشمس بكثير".
(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٥٩، ومسلم: ٦١٥



الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير».
واختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٢٠) (١): «وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعًا بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت».

وقت صلاة العصر
ويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس.
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: «قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلًا وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟
عندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال». انتهى.
وفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: «... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه».
وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:

------------------------
(١) ونقله السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنة» (١/ ٩٩).


«... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢).
وفي رواية: «إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته» (٤).

الترهيب من ترك صلاة العصْر
عن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله» (٥).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله» (٧).

-------------------------
(١) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).
(٢) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨
(٣) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).
(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٦ من حديث أبي هريرة، ومسلم: ٦٠٩ من حديث عائشة -رضي الله عنهما-.
(٥) أخرجه البخاري: ٥٥٣، ٥٩٤، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية، «الإِرواء» (٢٥٥).
(٦) قال في «الفتح»: «وُتِر أهله: هو بالنصب عند الجمهور على أنَه مفعول ثانٍ لوُتِر، وأُضمر في (وُتِر) مفعول لم يسمّ فاعله، وهو عائد على الذي فاتَتْه، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إِلى مفعولين ...».
(٧) أخرجه البخاري: ٥٥٢، ومسلم: ٦٢٦، وغيرهما.



تعجيلها عند الغيم
لقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: «بكّروا بصلاة العصر ...».

صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى
قال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١).
وعن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال يوم الخندق: «ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٢).
وفي رواية: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا ...» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «حَبَسَ المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله - ﷺ -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا» (٤).
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٨): "ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى

------------------------
(١) البقرة: ٢٣٨
(٢) أخرجه البخاري: ٤١١١، ومسلم: ٦٢٧
(٣) أخرجه مسلم: ٦٢٧
(٤) أخرجه مسلم: ٦٢٨



لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار».

وقت صلاة المغرب
ويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): «فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق».
ويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها:
١ - ما رواه سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (٢).
٢ - عن أبي أيوب -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس» (٣).
٣ - ما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ - ﷺ - فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه» (٤).
جاء في «المغني» (١/ ٣٩٠): «وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب

------------------
(١) قال في»النهاية«: الشفق من الأضداد؛ يقع على الحُمرة التي تُرى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذَ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذَ أبو حنيفة.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦١، ومسلم: ٦٣٦
(٣) أخرجه الطبراني وغيره وخرجه شيخنا في»الصحيحة" (١٩١٥).
(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٩، ومسلم: ٦٣٧



الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافًا فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل عليه السلام صلاّها بالنّبيّ - ﷺ - في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة».

التعجيل بصلاة المغرب:
لما تقدّم من النصوص:
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): «وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول».

وقت العشاء
يبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر -رضي الله عنه-: «... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ...»، إِلى قوله: «ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت».
وفي الحديث: «إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة» (١).

استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها
وفيه أحاديثُ عديدة، منها:

---------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه، وانظر «الصحيحة» (١٥٢٠).


حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- يصف صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -
المكتوبة- قال: «وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ» (١).
وعن حميد قال: «سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ - ﷺ - خاتَمًا؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» (٣).
وعن عائشة؛ قالت: «أَعْتَم (٤) النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال:»إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي«(٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه«(٦).
وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر

---------------------------
(١) ووردَ معلقًا في البخاري: (١/ ١٥٠)، وموصولًا (٥٤٧)، وانظر مسلم: ٦٤٧
(٢) أي: بريق.
(٣) رواه البخاري: ٥٨٦٩، ومسلم: ٦٤٠
(٤) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدّت عتمة الليل وظُلمته.
(٥) أخرجه مسلم: ٦٣٨، وغيره.
(٦) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهو في»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٦٥)، وصحّح شيخنا إِسناده في»المشكاة" (٦١١).



ابن عبد الله فقال: «كان النّبيّ - ﷺ - يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ - ﷺ - يصليها بغَلَس» (٢).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): «... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في»شرح مسلم«، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في»الإِملاء«وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في»الإِملاء«وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم».
قلت: «ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصًا على صلاة الجماعة.

--------------------------
(١) قال في»النهاية«:»والهجير والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار«. وأشار الحافظ في»الفتح" (٢/ ٤٢) أنَّه عقبَ الزوال؛ حين اشتداد الحرّ، وذلك في معرض مناقشة بعض الأقوال.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٠، ومسلم: ٦٤٦



فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقًا لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم».
ولابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-.

آخر وقت للعشاء
تعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل.
ومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني.
واستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث «مسلم» (٦٨١): «... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ...».
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص١٤٠): "... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه - ﷺ - مع


أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة -رضي الله عنهم- وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ - لهم: «أما لكم فيَّ أُسوة؟» ثمَّ ذكَر الحديث.
كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا، ولذلك قال ابن حزم في «المحلّى» (٣/ ٢٣٣) مجيبًا على استدلالهم المذكور:
«هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطًا أيضًا من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١)».
وإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر،

-----------------------------
(١) البقرة: ٢٢٩


فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله - ﷺ -: «ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...». رواه «مسلم» (٦١٢) وغيره.
وقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: «... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح.
فهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في «الدرر البهية»، فقال: «... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل»، وكذا في «السيل الجرّار» (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في «شرحه» (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر «المجموع» (٣/ ٤٠).
فخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث «مسلم» (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: «... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...» وبالله التوفيق.

فائدة:
ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط

-------------------------
(١) البقرة: ١٨٧


الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر.

وقت صلاة الصبح
يبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس.
جاء في «المغني» (١/ ٣٩٥): «وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة.
وجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعًا، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضًا وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُدًا (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب».

------------------------
(١) الفجر المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. ومنه حديث بني قريظة:
وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريقٌ بالبويرة مستطير
أي: منتشر متفرّق، كأنه طار في نواحيها. «النهاية».
(٢) أي: طولًا.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 07:06 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 341الى صــ 355
الحلقة (24)



التغليس (١) بصلاة الفجر

يستحبُّ التغليس بصلاة الفجر؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها:
حديث أبي مسعود البدري: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» (٣).

---------------------
(١) الغَلس: ظُلمة آخر الليل كما تقدّم، والمراد بالتغليس هنا: المبادرة بصلاة الفجر في أوّل وقتها.
(٢) أخرجه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في «صحيحه» (٣٧٨) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم، كما بيّنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨)، وقال: «والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين ...»، وانظر «الضعيفة» (٢/ ٣٧٢).
ومعنى إِلى أن يُسفر: «أي: ينكشف ويُضيء فلا يُشَكُّ فيه، وسيأتي شرحه قريبًا -إِن شاء الله- في حديث:»أسفروا بالفجر ... «، وقال ابن المنذر في»الأوسط«(٢/ ٣٨١):»وقال بعضهم: معروف في كلام العرب قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، وأسفري عن وجهك، أي: اكشفي«.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٧٨، ومسلم: ٦٤٥، وغيرهما.
قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٥):»(كنَّ): قال الكرماني: هو مِثل (أكلوني =


وفي رواية: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض» (١).
ولا يُعارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: «أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم

-----------------------
= البراغيث) لأنَّ قياسه الإِفراد وقد جُمِع. قوله (نساء المؤمنات): تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها، ذلك حتى لا يكون من إِضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إِنَّ (نساء) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. وقوله (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي: معناه: لا يُعرفن أنساء أم رجال، أى: لا يظهر للرائي إلاَّ الأشباح خاصّة، وقيل: لا يُعرف أعيانهن فلا يُفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النووي بأنّ المتلفّعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقّب بأن المعرفة إِنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبَّر بنفي العِلم، وما ذكر من أن المتلفّعة بالنهار لا تُعرف عينُها فيه نظر، لأنَّ لكلّ أمرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطّى.
وقال الباجي: هذا يدلّ على أنهنّ كنّ سافرات، إِذ لو كنَّ متنقّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس.
قلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبني على الاشتباه الذي أشار إِليه النووي، وأمّا إِذا قلنا إِنَّ لكل واحدة منهن هيئة غالبًا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم.
والمروط: جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمى مِرْطًا؛ إلاَّ إِذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقوله مِرْط من شعر أسود، وقوله: ينقلبن أي: يرجعن».
(١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» بسند صحيح عنها. عن «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٦٦).
(٢) أسفر الصبح إِذا انكشف وأضاء. قالوا: يُحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أوّل وقتها؛ كانوا يصلّونها عند الفجر الأوّل حرصًا ورغبةً، فقال: أسفِروا بها =



للأجر» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٥٥): «وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -:»أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر«، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِرًا، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإِرواء» (١/ ٢٨٦): «قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة».
قلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: «بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو

----------------
= أي: أخّروها إِلى أن يطلع الفجر الثاني وتتحققوه. وقيل: إِن الأمر بالإسفار خاصٌ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أوّل الصبح لا يتبّين فيها، فأُمروا بالأِسفار احتياطًا.»النهاية«بحذف يسير.
(١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في»الإرواء" (٢٥٨)، وذكر له طُرقًا وشواهد عديدة.



مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: «... فإِنَّه أعظم للأجر»، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: «... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر».
وخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في «شرح المعاني»، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-.
وقد فاتهَ -رحمه الله- أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله عليه الصلاة والسلام وهو حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر».
أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): «هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر» وهو كما قال -رحمه الله تعالى-". انتهى ولشيخ الإِسلام


كلام مهم في «الفتاوى» (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-.

من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر» (١).
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها» (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨
(٢) أخرجه البخاري: ٥٥٦
(٣) أخرجه مسلم: ٦٠٩، وغيره.
(٤) قوله: «والسجدة إِنما هي الركعة» مُدرجة في الحديث ليست من قوله - ﷺ -.
قال شيخنا في «الإِرواء» (تحت الحديث ٢٥٢): «وهي مُدرجةٌ في الحديث ليست من كلامه - ﷺ -، قال الحافظ في»التلخيص«(ص٦٥): قال المحبّ الطبري في»الأحكام«: ويُحتمل إِدراج هذه اللفظة الأخيرة.
قلت: -أي: شيخنا حفظه الله -:»وهو الذي أُلقيَ في نفسي وتبيّن لي بعد أن تتبعتُ مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم. والله أعلم".



وجاء في «صحيح البخاري» (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) «باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب»، وأورد فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ...».
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨): «قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة:»إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: «فيه سجدة»، أي: ركعة.
وقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: «من أدرَك منكم ركعة» فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و[في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: «من أدرَك ركعة» ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: «المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة»«.
قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٧٥):»... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: «إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ...» بزيادة «أوّل» في الموضعين.
... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله"،


أي: حديث: «من أدرَك ركعةً من الصبح ...».

الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها
لقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي:
١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس.
٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح.
٣ - وحين استوائها.
٤ - وحين تميل إِلى الغروب.
٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله.
ودليل ذلك:
حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس» (١).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٨٦، ومسلم: ٨٢٧
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٦٣ - ٦٥) بحذف يسير: "فقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، مُعلِّلًا ذلك النهي: بأنّها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنَّه حينئذ يسجُد لها الكفار. ومعلوم أنَّ المؤمن لا يقصد السجود إلاَّ لله تعالى، وأكثر النّاس قد لا يعلمون أنَّ طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أنَّ الكفار يسجدون لها، ثمَّ إِنَّه - ﷺ - نَهى عن الصلاة في هذا الوقت حَسمًا لمادّة المشابهة بكلّ طريق. =



وحديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- في قصة إِسلامه، وفيه: «فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟».
قال: «صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ

-------------------
= ... وكان فيه تنبيهٌ على أنَّ كلّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ممّا يكون كفرًا أو معصية بالنية؛ يُنهى المؤمنون عن ظاهره، وإنْ لم يقصدوا به قصْد المشركين سدًّا للذريعة، وحسمًا للمادة»، ولهذا نهَى عن الصلاة إِلى ما عُبد من دون الله في الجملة، وإِن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا يُنهى عن السجود لله بين يدي الرّجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك، لِمَا فيه من مُشابهة السجود لغير الله.
فانظر كيف قَطَعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يُصلّي إِلى القبلة التي يُصلون إِليها؛ كذلك لا يصلّي إِلى ما يُصلّون له؛ بل هذا أشدّ فسادًا، فإِنَّ القبلة شريعة من الشرائع، قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أمَّا السجود لغير الله وعبادته؛ فهو مًحرّم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واسألْ من أرسَلْنا من قبلِك من رُسُلنا أجعَلْنا من دون الرحمن آلهةً يُعبدون﴾. [الزخرف: ٤٥].
(١) أي: تشهدها الملائكة وتحضرها.
(٢) قال النووي -رحمه الله-: أى: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلًا إِلى المغرب ولا إِلى المشرق، وهذه حالة الاستواء، وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة.
وقال في «النهاية»: أي: حتى يبلغ ظلّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القلَّة والنقص؛ لأنَّ ظلَّ كل شيء في أوّل النّهار يكون طويلًا، ثمَّ لا يزال ينقص حتى يبلغ أقصره =



عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤).
وعن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل

----------------------
= وذلك عند انتصاف النهار، فإِذا زالت الشمس عاد الظِّل يزيد، وحينئذ يدخل وقت الظهر، وتجوز الصلاة ويذهب وقت الكراهة. وهذا الظّل المتناهي في القِصَر هو الذي يسمّى ظلَّ الزوال، أي: الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة. فقوله:»يستقل الرّمح بالظل«هو من القلة لا من الإِقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء، واستقله، وتقالَّه: إِذا رآه قليلا.
(١) أي: توقد إِيقادًا بليغًا.»شرح النووي«.
(٢) أقبل الفيء: ظهر إِلى جهة الشرق، والفيء مختصّ بما بعد الزّوال، وأمّا الظلّ فيقع على ما قبل الزوال وبعده.»شرح النووي«.
(٣) أي: أمسِكْ وكفّ.
(٤) أخرجه مسلم: ٨٣٢، وغيره.
(٥) قال شيخنا -حفظه الله- في»تمام المنة«(ص ١٤٣): [الواجب] تأخير دفْن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة، إلاَّ إِذا خيف تغيّر الميت، وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف [أي: السيد سابق -حفظه الله-] في كتاب»الجنائز«.
(٦) البزوغ: ابتداء طلوع الشمس، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما: إِذا طلعَت.»النهاية".
(٧) أي: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابّته: أي: وقَفَت =



الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب» (٢).
أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة» (٣).
وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: «سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله - ﷺ - قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس» (٤).

------------------
= والمعنى: أنَّ الشمس إذا بَلَغَت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إِلى أن تزول، فيحسب النّاظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة؛ لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع؛ كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: قامَ قائم الظهيرة. «النهاية».
ويستثنى من ذلك التطوّع يوم الجمعة، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى، وقال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٤٣): «وفيه أحاديث كثيرة؛ تراجع في»زاد المعاد«و»إِعلام أهل العصر بحُكم ركعتي الفجر«للعظيم آبادي وغيرهما».
قال النووي: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرب.
(١) أي: تميل، يُقال: ضاف عنه يضيف. وانظر «النهاية».
(٢) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وأبو يعلى في «مسنده» وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٠٠).
(٤) قال شيخنا -شفاه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٤٥): «وسنده صحيح على شرط مسلم».



قال شيخنا في»الصحيحة«(١/ ٣٤٢) بعد حديث»لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس«:»فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ -رضي الله عنه- وإلى هذا أشار ابن حزم -رحمه الله- بقوله المتقدِّم: «وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها».
ثمَّ قال البيهقي: «وقد رُوي عن علي -رضي الله عنه- ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه».
ثمَّ ساق هو والضياء في «المختارة» (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر».
قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقًا، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ - ﷺ - صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ - ﷺ - ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة -رضي الله عنهما- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه - ﷺ - داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ عليًا -رضي الله عنه- عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث،


فقد ثبَت عنه صلاته - ﷺ - بعد العصر، وذلك قول البيهقي: «وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ...» ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: «كُنّا مع عليّ -رضي الله عنه- في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين».
ففي هذا أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز.
وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله - ﷺ - قال: «لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس».
قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ -رضي الله عنه- وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه.
وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلًا بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعًا لابن عمر -رضي الله عنهما- كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة.
ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقًا أخرى عن عليّ -رضي الله عنه- بلفظ: «لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة». أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن

------------------------
(١) الفُسطاط: -بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس. «النهاية».


عاصم عن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: فذكره.
قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في»التقريب«.
قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضًا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضًا. فالحمد لله على توفيقه» اهـ.
ثمَّ وجدت لابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلامًا مفيدًا في ذلك.
قال -رحمه الله- (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ - الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة -رضي الله عنهم-، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده.
ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد


صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ - بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر» (١).
وقال بعد ذلك: «قد ثبت أن نبي الله - ﷺ - صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله - ﷺ - بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالًا، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين».
وذكر تحته عددًا من الأحاديث منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «والله ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين عندي بعد العصر قط» (٢).
وحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: «نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر» (٣).

-----------------------
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (١٠/ ١٧٩) برقم (٢٦٥٧٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٦٣، ٥٦٤) ونحوه في «صحيح البخاري» (١٢٣٣)، و«صحيح مسلم» (٨٣٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٥٩١، ومسلم: ٨٣٥
(٣) أخرجه البخاري: ٥٩٣، ومسلم: ٨٣٥



التطوّع حين الإِقامة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة» (١).
وعن ابن بُحينة -رضي الله عنه- قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: «أتُصلِّي الصبح أربعًا» (٢).
وعن عبد الله بن سَرجِس قال: «دخل رجلٌ المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا سلَّمَ رسول الله - ﷺ - قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟» (٣).
ولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-.

-------------------------
(١) أخرجه أحمد ومسلم: ٧١٠، وأصحاب السنن.
(٢) أخرجه البخاري: ٦٦٣، ومسلم: ٧١١، وهذا لفظه.
(٣) أخرجه مسلم: ٧١٢

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif







الساعة الآن 06:10 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009