![]() |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 176الى صــ 190 الحلقة (13) شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل» (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل» (٤) وعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: «سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة» (٥). قال النَّوويُّ في «المجموع» (٢/ ١٣٣): «وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام». انتهى. وهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان. -------------------- (١) قال النووي: «وقال العلماء: معناه: غيَّبْتَ ذكَرك في فرجها ...». والختانان: هما موضع القطع من ذكَر الغلام وفرج الجارية. «النهاية». وجاء في «شرح متنقى الأخبار» (١/ ٢٧٨): «الختان: المراد به هنا موضع الختن، والخَتْن في المرأة: قطع جلدة في أعلى الفرج، مجاورة لمخرج البول، كعُرف الدِّيك، ويسمّى الخفاض». (٢) أخرجه مسلم: ٣٤٩، وفي بعض الروايات: «وألزق الخِتان بالخِتان»، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٠٠). (٣) أي: رأس الذكَر. (٤) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٥)، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١). (٥) وإسناده صحيح كما قال شيخنا في «الصحيحة» تحت الحديث (١٢٦١). وجاء في «سبل السلام» (١/ ١٥١): «قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلانًا أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال». ثمَّ قال -رحمه الله- بعد ذلك: «فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج». وكان جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- قال: خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله - ﷺ - على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله - ﷺ -: «أعْجَلْنا (١) الرجل». فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الماء من الماء» (٢). غير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم. فعن أُبيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ ------------------------ (١) أي: حمَلناه على أن يعَجل من فوق امرأته قبل فراغ حاجته من الجماع. (٢) أخرجه مسلم: ٣٤٣، وأصله في البخاري: ١٨٠، ومعنى الماء من الماء:»أي: الاغتسال من الإِنزال، فالماء الأول معروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناسى التامّ«،»سبل السلام" (١/ ١٤٨). الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد» (١). قال النَّووي -رحمه الله- في «شرحه» (٤/ ٣٦): «اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين». ثالثًا: انقطاع الحيض والنِّفاس: لقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢). ولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش -رضي الله عنها-: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ - ﷺ -؛ فقال: «ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي» (٣). وقد سمَّى رسول الله - ﷺ - الحيض نفاسًا؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا -------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٦)، وهو في «صحيح ابن خزيمة» (٢٢٥)، وانظر «المشكاة» (٤٤٨). (٢) البقرة: ٢٢٢ (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٤، وغيرهما. سَرِفَ (١)، فطَمِثْتُ (٢)، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيِكِ؟». فقلتُ: واللهِ؛ لودِدْتُ أنِّي لم أكن خرَجْتُ العام. قال: «ما لكِ؟ لعلَّكِ نَفسْتِ؟». قلتُ: نعم (٣) .. وقالَ ابن حزم: «والنُّفساء والحائض شيء واحد»، وأشار إِلى الحديث السابق وغيره (٤). رابعًا: الموت (٥): لحديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: «بينما رجل واقف بعرفة، إِذ وقعَ عن راحلته، فوَقَصَتْهُ (٦)، أو قال: فأقعَصَتْهُ (٧)، فقال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر ...» (٨). ولحديث أمِّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوُفِّيت ابنتُه، فقال: «اغْسِلْنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِن -------------------- (١) هو ما بين مكة والمدينة. (٢) أي: حِضْتُ. (٣) أخرجه مسلم: ١٢١١ (٤) انظر»المحلَّى«(المسألة ١٨٤). (٥) قال في»الدراري المضيَّة«(١/ ٧٠):»يجب على الأحياء، إِذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن«. (٦) الوقص: كسْر العنُق. (٧) القعص: أن يُضرب الإنسان فيُقتل قتلًا سريعًا مكانه، وانظر»النهاية". (٨) أخرجه البخاري: ١٢٦٦، ومسلم: ١٢٠٦، وغيرهما. رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر ...» (١). قال ابن المنذر: «وأجمعوا أنَّ الميِّت يُغسَّل غُسْل الجنابة» (٢). خامسًا: الكافر إِذا أسلم: لحديث قيس بن عاصم: «أنَّه أسلم، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يغتسلَ بماء وسدر» (٣). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصَّة ثمامة بن أُثال عندما أسلم: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَره أن يغتسل» (٤). سادسًا: غُسل الجُمُعة: عن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «غُسْل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ محتلم» (٥). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٥٧): «وهو بمعنى اللزوم قطعًا». ---------------------- (١) أخرجه البخارى: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم. (٢) «الإِجماع» (ص ٤٢). (٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وهو في «صحيح سنن النسائي» (١٨٢)، وغيرهم. وانظر «الإِرواء» (١٢٨). (٤) أخرجه البيهقيّ. وقال شيخنا في «الإِرواء» (١٢٨): «وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ...». (٥) أخرجه البخاري: ٨٧٩، ومسلم: ٨٤٦، وغيرهما. وفي رواية (١): «قال عمرو (٢): أما الغُسل؛ فأشهد أنَّه واجب، وأمَّا الاستنان والطيب؛ فالله أعلم ...». وفي الحديث: «... إِذا جاء أحدُكم الجمعة؛ فليغتسل» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لله تعالى على كلِّ مسللِ حقٌّ أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا» (٤). وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ عمر ابن الخطاب بينما هو قائمٌ في الخطبة يوم الجمعة؛ إِذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فناداه عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إِنِّي شُغِلْتُ، فلم أنْقَلِبْ إِلى أهلي حتى سمِعْتُ التَّأذين، فلم أزِدْ أن توضّأت. فقال: والوضوء أيضًا! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل» (٥). «وحكى ابن المنذر عن إِسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تدلُّ على وجوب الغسل، لا عدم وجوبه، من جهة تَرْك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مِثله على رؤوس الناس، فلو كان ترْك الغسل مباحًا؛ لما فعل --------------------- (١) البخاري: ٨٨٠ (٢) هو عمرو بن سليم الأنصاري الراوي عن أبي سعيد الخدري. (٣) أخرجه البخاري: ٨٧٧، ومسلم: ٨٤٤ (٤) أخرجه البخاري: ٨٩٨، ومسلم: ٨٤٩، وغيرهما، قال ابن دقيق العيد في»إِحكام الأحكام" (١/ ٣٣١): الحديث صريح في الأمر بالغُسل للجمعة، وظاهر الأمر الوجوب، وقد جاء مُصرَّحًا به بلفظ الوجوب في حديث آخر ... (٥) أخرجه البخاري: ٨٧٨، ومسلم: ٨٤٥ عمر ذلك، وإِنَّما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إِذ لو فعل؛ لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدَّم«(١). قال في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٢):»ولعلَّ النَّووي ومن معه ظنّوا أنَّه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر عن منبره، وأخذ بيد ذلك الصَّحابي، وذهب به إِلى المغتسل، أو لقال له: لا تقِفْ في هذا الجمع، أو: اذهب فاغتسل فإِننا سننظرك ...، أو ما أشبه ذلك، ومِثل هذا لا يجب على من رأى الإِخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإِنكار على من ترك واجبًا هو ما فعَله عمر في هذه الواقعة، على أنَّه يُحتمل أن يكون قد اغتسل في أوَّل النَّهار، كما قال الحافظ في «الفتح»«. ثمَّ ذكر ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٢/ ٢١) حديث مسلم (٢٣١) عن حُمران بن أبان؛ قال:»كنت أضع لعثمان طهوره، فما آتي عليه يومٌ؛ إلاَّ وهو يُفيض، عليه نُطفة (٢)«. ثمَّ قال:»فقد ثبت بأصحِّ إِسناد أنَّ عثمان كان يغتسل كلَّ يوم، فيوم الجمعة يوم من الأيَّام بلا شكٍّ ...«. وجاء في»نيل الأوطار«(١/ ٢٩٠):»... قال النَّووي: فحُكي وجوبه عن طائفة من السلف، حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر. وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطَّابي عن الحسن البصري -------------- (١) «الفتح» (٢/ ٣٦٢)، وغيره. (٢) قال النووي: «النُّطفة؛ بضم النون: وهي الماء القليل ومراده: لم يكن يمرُّ عليه يوم إلاَّ اغتسل»، وفي «النهاية»: سمّي المنيّ نُطفة لقلّته. ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن أبي هريرة وعمَّار وغيرهما. وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، وحُكي عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية لابن سريج قَوْلًا للشافعي ...». وقال: «وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إِلى أنَه مستحبٌّ» (١). وعن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غُسلك هذا من جنابة أو للجمعة؛ قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر؛ إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من اغتسل يوم الجمعة؛ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (٢). واحتجَّ من رأى عدم وجوب الغسل بحديث مسلم (٨٥٧): «من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت؛ غُفِر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّام، ومن مسَّ الحصى؛ فقد لغا». وعدُّوه من أقوى الأدلة على الاستحباب؛ كما في «التَّلخيص الحبير» ----------------- (١) «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٠). وانظر ما قاله في «المحلّى» (٢/ ٢٣ - ٢٥) حول قصة عمر وعثمان -رضي الله عنهما-. وممّا قاله -رحمه الله-: «... فصحَّ ذلك الخبر حُجَّة لنا وإجماعًا من الصحابة -رضي الله عنهم- إِذ لم يكن فيهم آخر يقول لعمر: ليس ذلك عليه واجبًا». (٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وإسناده قريب من الحسن؛ قاله شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٣). وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «الصحيحة» (٢٣٢١). وذكَر الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦١) أنَّ الطحاوي أخرجه. لابن حجر. قال في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في»الصحيحين«بلفظ:»من اغتسل«؛ فيحتمل أن يكون ذِكر الوضوء لمن تقدَّم غُسله على الذّهاب، فاحتاج إِلى إِعادة الوضوء». قلت: وفي المعنى الذي أشار إِليه الحافظ أحاديث: ١ - ما رواه البخاري (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّرَ بما استطاع من طُهرٍ، ثمَّ ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثمَّ راح، فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كُتبَ له، ثمَّ إِذا خرج الإِمام أنصت؛ غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى». ٢ - ما رواه مسلم في «صحيحه» (٨٥٧) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «من اغتسل، ثمَّ أتى الجُمُعة، فصلَّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتى يفرُغ من خُطبته، ثمَّ يصلِّي معه؛ غفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى، وفَضْل ثلاثة أيام». ٣ - ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٧٦٣) من حديث أبي ذرّ - رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، فأحسن الغسل، ثمَّ لَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ مسَّ من دهن بيته ما كتبَ الله له، أو من طيبه، ثمَّ لم يفرِّق بين اثنين؛ كفَّر الله عنه ما بينه وبين الجمعة قبلها». قال سعيدٌ (١): "فذكرتُها لعمارة بن عمرو بن حزم؛ قال: صدق، وزيادة -------------------- (١) هو سعيد المقبري؛ أحد رواة الحديث. ثلاثة أيّام» (١). ٤ - ما رواه أبو داود (٢) وغيره، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إِنْ كان عنده، ثمَّ أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق النَّاس، ثمَّ صلَّى ما كتَب الله له، ثمَّ أنصتَ إِذا خرج إِمامُه حتى يفرغَ من صلاته؛ كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها». قال ويقول أبو هريرة: «وزيادة ثلاثة أيّام»، ويقول: «إِنَّ الحسنة بعشر أمثالها». واحتجُّوا أيضًا باستحبابه بما ثبت عن عكرمة: أنَّ أُناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عبّاس! أترى الغُسل يوم الجمعة واجبًا؛ قال: لا، ولكنّه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغُسل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا، مقاربَ السقف، وِإنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارّ، وعَرَق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله تلك الريح؛ قال: «أيّها الناس! إِذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه». ------------------ (١) قال شيخنا: «إِسناده حسن». ورواه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٠٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٣١) وغيره، وانظر «المشكاة» (١٣٨٧). قال ابن عباس: ثمَّ جاء الله بالخير، ولَبِسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّعَ مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق» (١). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «وعلى تقدير الصحَّة؛ فالمرفوع منه وردَ بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب؛ فهو موقوف؛ لأنَّه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إِذ لا يلزم من زوال السَّبب زوال المسبِّب». وتُشعرنا الحال التي ذكرها ابن عباس -رضي الله عنهما- (٢)؛ أنَّ هذا كان قبل أحاديث الإِيجاب، والله أعلم، فتأمَّل قوله: «ثمَّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصُّوف، وكُفوا العمل، ووُسّع مسجدهم ...». فهذا يدلُّ على التَّقادم الزَّمني كما هو ظاهر. «ويُجاب أيضًا عن ربط الغُسل بالعِلَّة بأنَّه يقتضي سقوط الغُسل أصلًا، فلا يعدُّ فرضًا ولا مندوبًا» (٣). واحتجُّوا أيضًا بما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: كان النَّاس ينتابون (٤) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي (٥)، فيأتون في الغبار، ------------------ (١) حسّنه شيخنا كما في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٠). وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٢): «أخرجه: أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن». (٢) وأيضًا عائشة -رضي الله عنها- في النقطة التالية. (٣) انظر «الفتح» (٢/ ٣٦٣). (٤) أي: يحضرونها نوبًا، والانتياب: افتعال من النوبة. «فتح». (٥) هي القرى التي حول المدينة على أربع أميال فصاعدًا من المدينة. ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إِنسانٌ منهم -وهو عندي- فقال النّبيّ - ﷺ -: «لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكُم هذا» (١). واحتجُّوا بقولها أيضًا: «كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إِذا راحوا إِلى الجمعة، راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٢) قال الحافظ: «وأجيب بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإِعلام بوجوبه ...» (٣). قلت: وهذا الحال الذي ذَكَرَته عائشة -رضي الله عنها- والأمر الذي وصفت يؤكِّد الوجوب؛ كما هو بيِّن؛ فليس هذان النصّان فقط ممّا يُقتصر على الاستدلال بهما على الوجوب؛ ليعلَّل بإِزالة الغبار والعرق. وإِذا كانت كلمة (لو) هي الدالَّة على الاستحباب في نظر البعض في قوله - ﷺ -: «لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا»، فهي كما في قوله - ﷺ -: «لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزَقَكُمْ كما يرزُقُ الطَّير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» (٤). ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧ (٢) أخرجه البخارى: ٩٠٣، ومسلم: ٨٤٧ (٣) «الفتح» (٢/ ٣٦٣). (٤) أخرجه أحمد، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، والحاكم، وقال: «صحيح الإسناد»، وأقره الذهبي. وقال شيخنا: «بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإِنّ رجاله رجال الشيخين، غير ابن هبيرة وأبي تميم؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به». وانظر: «الصحيحة» (٣١٠). واحتجُّوا أيضًا بحديث سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغُسْل أفضل» (١). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في «المحلَّى» (٢/ ٢٥): «... فسقَطَتْ هذه الآثار كلّها، ثمَّ لو صحَّت؛ لم يكن فيها نصٌّ ولا دليل على أنّ غسل الجمعة ليس بواجب، وإِنَّما فيها أنَّ الوضوء نعم العمل، وأنَّ الغُسل أفضلِ، وهذا لا شكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولوْ آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكانَ خَيراَ لَهمْ﴾ (٢)؛ فهل دلَّ هذا اللفظ على أنَّ الإِيمان والتقوى ليس فرضًا؟! حاشا لله من هذا». وقال -رحمه الله تعالى (٣) -: «وكلُّ ما أخبرَ عليه السلام أنَّه واجب على كلِّ مسلم وحقُّ الله تعالى على كلِّ محتلم؛ فلا يحلُّ ترْكه، ولا القول بأنَّه منسوخ، أو أنَّه ندبٌ؛ إلاَّ بنصٍّ جليٍّ بذلك مقطوع؛ على أنَّه وارد بعده مبيِّن أنَّه ندْب، أو أنَّه قد نُسِخ؛ لا بالظُّنون الكاذبة المتروك لها اليقين». وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: «وأقوى ما عارضوا به حديث:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل«، ولا يُقاوم -------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، والنسائي، والدارمي، وانظر»المشكاة«(٥٤٠). (٢) آل عمران: ١١٠ (٣)»المحلّى" (٢/ ٢١). سنده سندَ هذا الحديث (١) ...» (٢). وقوله - ﷺ -: «ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل»: لا ينفي الوجوب، فالأفضليَّة تجامع الوجوب ولا شكَّ، وهي في القول بالوجوب آكد من القول بسنِّيَّتها (٣). وقال الصنعاني -رحمه الله-: «وإِن كان حديث الإِيجاب أصحَّ؛ فإِنَّه أخرجه السبعة (٤)؛ بخلاف حديث سمُرة، فلم يُخْرِجه الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غُسل الجمعة» (٥). وذكر الصنعاني -رحمه الله- أيضًا في «سبل السلام» (١/ ١٥٦) أنَّ وجوب غسل يوم الجمعة أقوى من وجوب عدد من المسائل الفقهيَّة المختلف فيها. وقال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (١٢): «وجملة القول أنَّ الأحاديث المصرِّحة بوجوب غُسل الجمعة فيها حُكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، فلا تعارُض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمَّن الزيادة فيها». ---------------------- (١) أي: حديث: «من جاء منكم الجمعة فليَغتَسِل». رواه البخاري: ٨٩٤ ومسلم: ٨٤٦، وتقدّم في أول (غُسل الجمعة) بلفظ مقارب. (٢) «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢). (٣) قاله شيخنا -حفظه الله- بمعناه. (٤) وهم: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. (٥) «سبل السلام» (١/ ١٥٦). وقال في «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٢): «... وبهذا يتبيَّن لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلَّة على عدم الوجوب، وعدم إِمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب؛ لأنَّه وإِن أمكن بالنِّسبة إِلى الأوامر؛ لم يُمْكن بالنسبة إِلى لفظ (واجب) و(حقّ)؛ إلاَّ بتعسُّف لا يُلجئ طلبُ الجمع إِلى مِثله. ولا يشكُّ من له أدنى إِلمام بهذا الشَّأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ...». قال الحازمي في «الاعتبار» (١): «الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياطٌ للفرض وبراءة الذمَّة بيقين، ولا يكون الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمَّة بيقين أولى». وقال ابن دقيق العيد في «إِحكام الأحكام» (١/ ٣٣٢): «... وأمَّا غير هذا الحديث (٢) من المعارَضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب؛ فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب؛ لقوَّة دلائل الوجوب عليه، وقد نصَّ مالك على الوجوب، فحمله المخالفون -ممَّن لم يمارس مذهبه- على ظاهره، وحُكي عنه أنَّه يروي الوجوب، ولم يرَ ذلك أصحابه على ظاهره». قال الشيخ أحمد محمد شاكر: «الحقُّ الذي نذهب إِليه ونرضاه: أنَّ غُسل يوم الجمعة واجبٌ حتْم، وأنَّه واجب لليوم وللاجتماع، فمن تركه؛ فقد قصَّر فيما وجب عليه، ولكن صلاته صحيحة إِذا كان طاهرًا. -------------------- (١) ص ٣٧ (٢) أي:»من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعْمَت ... ". https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 191الى صــ 205 الحلقة (14) وأيضًا؛ فإنَّ الأصل في الأمر أنَّه للوجوب، ولا يُصرف عنه إِلى النَّدب إلاَّ بدليل، وقد ورد الأمر بالغُسل صريحًا، ثمَّ تأيَّد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأنَّ غُسل يوم الجمعة واجب، ومثل هذا الذي هو قطعيُّ الدّلالة، والذي لا يحتمل التَّأويل؛ لا يجوز أن يؤوَّل لأدلَّة أخرى، بل تؤوَّل الأدلَّة الأخرى إِنْ كان في ظاهرها المعارضة له، وهذا بيِّن لا يحتاج إِلى بيان» (١). ---------------------- (١) انظر التعليق على «الرسالة» للإِمام الشافعي -رحمه الله تعالى- (ص ٣٠٧) بشيء من الحذف. الأغْسالُ المُسْتَحَبَّة أولًا: غُسل العيدين: ولم يرِد في هذا حديث صحيح. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»وأحسن ما يُستدلّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى البيهقيّ من طريق الشافعي عن زاذان؛ قال: سأل رجلٌ عليًّا -رضي الله عنه- عن الغسل؟ قال: «اغتسل كلّ يوم إِن شئت». فقال: لا؛ الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجُمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النَّحر، ويوم الفطر» (٢). وقال -حفظه الله تعالى-: «روى الفريابي (١٢٧/ ١ و٢) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال:»سنّة الفطر ثلاث: المشي إِلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال«، وإِسناده صحيح» (٣). ثانيًا: غُسل يوم عرفة: لأثر عليٍّ السابق. ثالثًا: غُسل الإِحرام: لحديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - تجرَّد ----------------- (١) وهذا خاصٌّ بالحاجِّ دون غيره، كما تدلُّ على ذلك النصوص. (٢) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وأنظر»الإِرواء«(١٤٦). (٣) انظر»الإِرواء" تحت الحديث (٦٣٦). لإِهلاله (١) واغتسل» (٢). ومن شواهده أيضًا قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحْرِم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة» (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهذا وإِن كان موقوفًا؛ فإِنَّ قوله:»من السُّنَّة«؛ إِنَّما يعني سنَّته - ﷺ -؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه» (٤). رابعًا: الاغتسال عند دخول مكَّة: لِما ثبت عن نافع: أنَّه قال: «كان ابنُ عمر -رضي الله عنهما- إِذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التَّلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوى (٥)، ثمَّ يُصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يفعل ذلك» (٦). ----------------------- (١) الإِهلال: رفع الصوت بالتلبية، يُقال: أهل المُحرم بالحجِّ يُهلُّ إِهلالًا: إِذا لبَّى ورفع صوته. «النهاية». (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٦٤)، والدارمي، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وانظر «الإرواء» (١٤٩). (٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي. وقال شيخنا: «وإنما هو صحيح فقط؛ فإِن فيه سهل بن يوسف، ولم يرو له الشيخان». وانظر «الإرواء» (١٤٩). (٤) انظر «الإِرواء» (١٤٩). (٥) وادٍ معروف بقرب مكة. (٦) أخرجه البخاري: ١٥٧٣، ومسلم: ١٢٥٩ ولأثر ابن عمر السابق: «إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة». قال الحافظ: «قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة مستحبٌّ عند جميع العلماء، وليس في ترْكه عندهم فديةٌ، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء» (١). خامسًا: غُسل من غَسَّل ميِّتًا. لقوله - ﷺ -: «من غَسَّل مَيِّتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ» (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣ و٥٤): «وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإِنَّما لم نَقُلْ به لحديثين: الأوَّل: قوله - ﷺ -:»ليس عليكم في غسل مَيِّتكم غُسْل إِذا غَسَّلْتموه؛ فإِنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديَكم«(٣). الثاني: قول ابن عمر -رضي الله عنهما-:»كنَّا نغسل الميِّت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل«(٤). قال في»الدراري«(١/ ٧٧):»وذهب الجمهور إِلى أنَّه مستحبٌّ«...». ---------------------- (١) «الفتح» (٣/ ٤٣٥). (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنّه، وغيرهما، وصححه ابن القطَّان وغيره، وهو في «أحكام الجنائز» (ص ٥٣)، و«الإِرواء» (١٤٤)، وتقدّم. (٣) أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، وهو حسن الإِسناد؛ كما قال الحافظ في «التلخيص». (٤) أخرجه الدارقطنيّ، والخطيب في «تاريخه» بإِسناد صحيح كما قال الحافظ. سادسًا: الاغتسال عند كلِّ جماع: لحديث أبي رافع أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ: يا رسول الله! ألا تجعله واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (١). سابعًا: اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، أو للظُّهر والعصر جميعًا غُسلًا، وللمغرب والعشاء جميعًا غُسلًا، وللفجر غُسلًا: لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إنَّ أمَّ حبيبة استُحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمَرها بالغسل لكلِّ صلاة ...» الحديث (٢). وفي رواية عنها: «استُحيضت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ -، فأُمِرَت أن تعجِّل العصر وتؤخِّر الظُّهر، وتغتسل لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غُسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غُسلًا» (٣). ثامنًا: الاغتسال من دفن المشرك: عن علي -رضي الله عنه-: أنه أتى النّبيّ - ﷺ -، فقال: إنَّ أبا طالب مات. فقال: «اذهب فوارِه». قال: إِنَّه مات مشركًا. قال: «اذهب فوارِه». فلمّا --------------------- (١) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧). (٢) أخرجه أبو داود وغيره بإِسناد حسن، وقوَّاه الحافظ ابن حجر. استفدته والذي بعده من «تمام المنة» (١٢٢ - ١٢٣). (٣) قال شيخنا في «تمام المنَّة» (١٢٢): «وإِسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين، والأولى صحيح فقط؛ كما بينتُه في»صحيح السنن«(٣٠٠ و٣٠٥)». واريته؛ رجعْت إِليه، فقال لي:»اغتسل«(١). تاسعًا: الاغتسال من الإِغماء: عن عبد الله بن عُتبة؛ قال:»دخلتُ على عائشة، فقلتُ: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى؛ ثَقُل النّبيّ - ﷺ -، فقال: «أصلَّى الناس؟». قلنا: لا هم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب (٢)». قالت: فَفَعلْنا، فاغتسل، فذهب لينوءَ (٣)، فأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ، فقال - ﷺ -: «أصلَّى الناس؟». قُلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب». قالت: فقعد، فاغتسل (٤) ... «(٥). قال الشوكاني بعد هذا الحديث:»وقد ساقه المصنِّف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمى عليه، وقد فعله النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ثلاث مرَّات وهو مُثقلٌ بالمرض، فدلَّ ذلك على تأكُّد استحبابه«(٦). ---------------------- (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤)، وغيرهم. وانظر»أحكام الجنائز«(ص ١٣٤). (٢) شبه المركن، وهي إِناء تُغسل فيه الثِّياب. (٣) أي: لينهض بجهد. (٤) وذُكر الاغتسال في الحديث أربع مرات. (٥) أخرجه البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨ (٦)»نيل الأوطار" (١/ ٣٠٦). أركان الغُسل وواجباته ١ - النيَّة وهي ركن أو شرط: ومحلُّها القلب، والتلفُّظ بها بدعة كما تقدَّم في الوضوء. ٢ - التَّسمية: وحُكمها حكم التسمية في الوضوء، وتقدَّم. ٣ - غَسل جميع الأعضاء وهو رُكن: قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾ (١)؛ أي: اغتسلوا (٢). وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَذينَ آمنوا لا تقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تَغْتَسِلوا﴾ (٣). قال الحافظ: «... فيها تصريحٌ بالاغتسال، وبيانٌ للتَّطهير المذكور (٤)» (٥) اهـ. وقال تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هوَ أذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تقْرَبوهنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكم الله﴾ (٦). ------------ (١) المائدة: بعض الآية ٦ (٢) وانظر تفسير البغوي لسورة المائدة، وكلام الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٣) النساء: ٤٣ (٤) أي: في الآية التي قبلها. (٥) «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٦) البقرة: ٢٢٢ قال الحافظ ابن حجر: «أي: اغتَسَلْن اتفاقًا» (١). وقال البغوي في «تفسيره»: «فإِذا تطهَّرْنَ؛ يعني: اغتسلْنَ». وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ١١٣): «أمَّا تعميم البدن؛ فلا يتمُّ مفهوم الغُسل إلاَّ به». سُنَن الغُسْل مُراعاة فِعل الرسول - صلى الله عليه وأله وسلَم- في البدء والترتيب والانتهاء وغير ذلك، وسيأتي تفصيله بإِذن الله في تضاعيف الكتاب. ما يَحْرُم على الجُنُب ١ - الصلاة: سواء كانت فريضة أو نافلة. لقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور» (٢). ٢ - الطَّواف: وتقدّمت الأدلَّة في بحث الوضوء. مسائل في غُسل المرأة لا فرقَ بين غُسل المرأة وغُسل الرجل؛ غير أنَّه: ------------------ (١) «الفتح» (١/ ٣٥٩). (٢) تقدم. ١ - ليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها (١) لغُسل الجنابة: لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: قُلتُ: يا رسول الله! إِنِّي امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ (٢) رأسي، أفأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: «لا؛ إِنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات (٣)، ثمَّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» (٤). وفي رواية: «واغمِزي قُرونَك عند كلِّ حَفْنة» (٥). وعن عُبيد بن عُمير؛ قال: بَلَغَ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النِّساء إذا اغتسلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسهنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمرُ النِّساء إِذا اغتسلْنَ أن ينقضْنَ رؤوسَهُنَّ؟! أفلا يأمُرُهنَّ أن يحلقنَ رؤوسهنَّ؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغَ على رأسي ثلاث إِفراغات«(٦). ٢ - يجب عليها نقض ضفيرتها في غُسْل الحيض: ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- وفيه تقول:»... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوتُ إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: «دَعي ------------------- (١) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض. (٢) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض. (٣) أي: ثلاث غُرف بيديه، واحدها حَثية.»النهاية«. (٤) أخرجه مسلم: ٣٣٠، وغيره. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٢٧). ومعنى اغمزي قرونك؛ أي: اكبسي ضفائر شعرك عند الغُسل، والغمز: العصر والكبس باليد. (٦) أخرجه مسلم: ٣٣١، وغيره. عُمْرَتَك، وانقضي رأسكِ، وامتشطي، واهلِّي بحجٍّ ...» (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤١٨): «وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد، ورجَّح جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما ...». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنَّة» (١٢٥): «وقد ذهب إِلى التفصيل المذكور: الإِمام أحمد، وصححه ابن القيِّم في»تهذيب السنن«فراجِعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠)». ومن الأدلَّة على ذلك حديث أسماء بنت شَكَل في النقطة الآتية. ٣ - استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرصة من مسك في موضع الدَّم (٢): عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ أسماء (٣) سألت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها (٤)، فتطهَّر، فتحسن الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكًا شديدًا (٥) حتى تبلُغ شؤون -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣١٧ (٢) هذا العنوان من»صحيح مسلم«(كتاب الحيض). (٣) هي بنت شَكَل؛ كما في رواية أخرى لمسلم: ٣٣٢ (٤) السِّدرة: شجرة النَّبِق، والمقصود هنا الورق؛ ليستعمل في الغسل، ويقوم مقامه الصابون ونحوه. (٥) وهذا كما تقدّم دليل على التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة؛ فقد أكَّد - ﷺ - على الحائض أن تبالغ في التّدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكّد في غُسلها من الجنابة. وانظر»تمام المنَّة" (١٢٥). رأسها (١)، ثمَّ تصبُّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة (٢) ممسَّكة فتطهَّرُ بها». فقالت أسماء: وكيف تطهَّرُ بها؟ فقال: «سبحانْ الله! تطهَّرينَ بها». فقالت عائشة -كأنها تُخفي ذلك-: تتّبعين أثر الدَّم. وسألته عن غُسل الجنابة؟ فقال: «تأخذُ ماءً، فتطهَّرُ، فتحْسن الطُّهور، أو تُبْلغُ الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثمَّ تفيض عليها الماء». فقالت عائشة: نِعْم النِّساء نساء الأنصار، لم يكنْ يمنعُهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّين (٣). ٤ - «لا يجب على المرأة إِذا اغتسلتْ من جنابة أو حيض غَسْل داخل الفَرْج في أصحِّ القولين، والله أعلم» (٤). صِفةُ غُسل الجنابة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا اغتسل من -------------------- (١) أي: أصول شعر رأسها. (٢) الفِرْصة: قطعة من صوف أو قطن أو خِرقة. والممسَّكة: المطيَّبة بالمسك، يُتتبّع بها أثر الدم، فيحصل منه الطيب والتنشيف.»النهاية«. (٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وغيره، وأصله في البخاري: ٣١٤ و٣١٥ و٧٣٥٧ (٤) قاله شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٢١/ ٢٩٧)، وقال في موطن آخر (٢١/ ٢٩٧):»وِإنْ فعلت جاز«. قال لي شيخنا -حفظه الله-:»جاز تنظُّفًا، لا تعبُّدًا". الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثمَّ يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسلُ فرجه، ثمَّ يتوضّأ وُضوءه للصَّلاة، ثمَّ يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إِذا رأى أن قد استبرأ (١)؛ حفَنَ على رأسه ثلاث حفَنات، ثمَّ أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسَل رجليه» (٢). مسح اليد بالتُّراب أو غسلها بالصابون ونحوه: ومن الأدلَّة على ذلك حديث ميمونة: «... ثمَّ قال بيده الأرض (٣)، فمسَحها بالتُّراب، ثمَّ غسَلها» (٤). وفي رواية مسلم (٥): «ثمَّ ضرب بشماله الأرض، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا ...». غسْل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإِناء ...» (٦). ----------------- (١) أي: أوصل البلل إِلى جميعه. «النووي». (٢) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وهذا لفظه وغيرهما. (٣) قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٧٢): كذا في روايتنا، وللأكثر «بيده على الأرض وهو من إطلاق القول على الفعل ...». (٤) أخرجه البخاري: ٢٥٩ (٥) برقم: ٣١٧ (٦) أخرجه مسلم: ٣١٦ الوضوء قبل الغُسل: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا اغتسل من الجنابة؛ بدأ فغسل يديه، ثمَّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصَّلاة (١)، ثمَّ يُدخِل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره (٢)، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثمَّ يُفيضُ على جلده كلِّه» (٣). المضمضة والاستنشاق: قال ابن عبَّاس؛ قال: حدَّثتنا ميمونة؛ قالت: «صَبَبْتُ للنّبيّ - ﷺ - غُسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمَّ غَسل فرجه، ثمَّ قال بيده الأرض، فمسحها بالتُّراب، ثمَّ غسلها، ثمَّ تمضمضَ واستنشق ...» (٤). إِفاضة الماء على الرأس ثلاثًا وتخليل الشعر: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... ثمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه» (٥). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: «... ثمَّ يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ ---------------------- (١) قال الحافظ في»الفتح«:»فيه احتراز عن الوضوء اللغوي«. (٢) قال الحافظ:»وفائدة التخليل: إِيصال الماء إِلى الشّعر والبشرة، ومباشرة الشّعر باليد، ليحصل تعميمه بالماء ...". (٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨ وهذا لفظه، ومسلم: ٣١٦ (٤) أخرجه البخارى: ٢٥٩، ومسلم: ٣١٧ نحوه. (٥) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وتقدّم. أنَّه قد أروى (١) بشَرتهُ (٢)؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثمَّ غسل سائر جسده» (٣). وفي الحديث: «أمَّا أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثًا» (٤). وأشار بيديه كلتيهما (٥). البدء بشقِّ أيمن الرَّأس ثمَّ أيسره: لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «... فأخَذ بكَفِّهِ، فبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، ثمَّ الأيسر، فقال بهما على رأسه» (٦). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّا إِذا أصابت إِحدانا جنابة؛ أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثمَّ تأخذ بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقِّها الأيسر» (٧). --------------------- (١) من الإِرواء؛ يقال: أرواه: إِذا جعَله ريّانًا. (٢) المراد هنا: ما تحت الشعر. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٢ (٤) قال الحافظ: «ويُحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويحتمل أن يكون لكلّ جهة من الرأس غرفة ...». انظر شرح الحديث: ٢٥٦. (٥) أخرجه البخاري: ٢٥٤، ومسلم: ٣٢٧، نحوه، وغيرهما. (٦) أخرجه البخاري: ٢٥٨ (٧) أخرجه البخارى: ٢٧٧. قال الحافظ: وللحديث حُكم الرَّفع؛ لأن الظَّاهر اطِّلاع النّبيّ - ﷺ - على ذلك، وهو مصيّر من البخارى إلى القول بأن لقول الصّحابي: «كنّا نفعل كذا» حُكم الرفع، سواء صرّح بإِضافته إِلى زمنه - ﷺ - أم لا، وبه جزم الحاكم". تأخير غَسل الرجلين: عن ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ -؛ قالت: «توضّأ رسول الله - ﷺ - للصَّلاة غير رجليه، وغسَل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمَّ أفاض عليه الماء، ثمَّ نحَّى رجليه فغسلهما» (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٦٢): «واختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إِلى استحباب تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْل، وعن مالك: إنْ كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ تأخيرهما، وإِلاَّ؛ فالتقديم». وقال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٧٠) عقب حديث ميمونة -رضي الله عنها-: «وهذا نصٌّ على جواز تأخير غَسْل الرجلين في الغسل، بخلاف حديث عاثشة، ولعلَّه - ﷺ - كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه، وتارة يؤخِّر غسلهما إِلى آخر الغُسل، والله أعلم» اهـ. وراجعتُ شيخنا -حفظه الله- في ذلك، ففهمتُ منه أنَّ الأمر يتبع الحال والوضع الذي فيه المغتسل؛ فيتصرّف حسبما يقتضيه حاله. عدم الوضوء بعد الغُسل (٢): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويصلِّي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغُسل» (٣). ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٤٩، وغيره. (٢) لأنَّ السّنة الوضوء قبل الغُسل، كما تدلُّ على ذلك النصوص. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٥)، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصحَّحه الحاكم والذهبي وغيرهما. ورواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: = https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 206الى صــ 220 الحلقة (15) عدم استعمال المنديل: ودليل ذلك حديث ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- وفيه: «فناولْتُه خِرْقَةً، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدْها» (١). وفي رواية لها: «ثمَّ أتيتُه بالمنديل، فردَّه» (٢). التيمُّن في الغُسل: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ التيمُّن (٣) في شأنه كلِّه: في نعليه، وترجُّله، وطَهوره» (٤). إِفاضة الماء على الجلد كلِّه: كما في حديث عائشة: «... ثمَّ غَسل سائر جسده» (٥). --------------------- = «كان رسول الله - ﷺ - لا يتوضّأ بعد الغسل؛ من الجنابة». وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٧٠)، و«المشكاة» (٤٤٥). (١) أخرجه البخاري: ٢٦٦، قال الحافظ ابن حجر: «ولم يُرِدْها؛ بضم أوّله وِإسكان الدال: من الإِرادة، والأصل: يريدها، لكن جزم بـ (لم)، ومن قالها بفتح أوّله وتشديد الدَّال؛ فقد صحّف وأفسد المعنى». قلت: أمَا إِذا دعت الحاجة لاستعمال المنديل وما شابهه من برْد ونحوه، فلا حرج من ذلك«. (٢) أخرجه مسلم: ٣١٧ (٣) هو الابتداء في الأفعال باليمين من اليد والرجل والجانب. (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٥٤، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. (٥) أخرجه البخاري: ٢٧٢، وفي لفظ»لمسلم«(٣١٦):»ثمَّ أفاض على سائر جسده". وفي رواية لها: «... ثمَّ يفيض على جلده كلِّه» (١). الغُسل بالصَّاع ونحوه: عن أبي جعفر (٢): «أنَّه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى (٣) منك شعرًا وخيرٌ منك، ثمَّ أمَّنا في ثوبٍ» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل في القَدَح، وهو الفَرَق، وكنتُ أغتسل أنا وهو في الإِناء الواحد». قال قتيبة: قال سفيان: «والفَرَق: ثلاثة آصُع» (٥). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٦) (أو كان ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٤٨ (٢) قال الحافظ:»هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بـ (الباقر)«. (٣) أي: أطول وأكثر. وفي رواية»مسلم«(٣٢٩):»كان شعْر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك وأطيب«. قال الحافظ:»وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النّبيّ - ﷺ - والانقياد إلى ذلك، وفيه جواز الردّ بعنف على من يماري بغير عِلم؛ إِذا قصد الرادُّ إِيضاح الحق، وتحذير السامعين من مِثل ذلك، وفيه كراهية التنطُّع والإسراف فى الماء". (٤) أخرجه البخاري: ٢٥٢ (٥) أخرجه مسلم: ٣١٩، وهو في البخاري: ٢٥٠ بلفظ مقارب. (٦) أي: جسده. يغتسل (١) بالصَّاع (٢) إِلى خمسة أمداد (٣)، ويتوضّأ بالمدِّ» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّها كانت تغتسل هي والنّبيّ - ﷺ - في إِناء واحد؛ يتَّسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» (٥). هل الدَّلك واجب؟ قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٥٩): «وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. واختُلف في وجوب الدَّلك: فلم يوجبه الأكثر، ونُقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتجَّ ابن بطَّال بالإِجماع على وجوب إِمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسْلها؛ قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا؛ لعدم الفرق بينهما. وتُعُقِّبَ -------------------- (١) قال الحافظ:»الشكُّ من البخاري، أو من أبي نُعيم لما حدّثه به«. (٢) الصّاع: إِناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفية: ثمانية.»الفتح«. وهو أربعة أمداد.»النهاية«و»الفتح«. وقال أبو داود في»سننه«:»وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -«، وتقدّم. (٣) جاء في»النهاية«:»المدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وإنَّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدَّقون به في العادة«. وفيه أيضًا:»وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق«. وفيه:»وقيل: ان أصل المدِّ مقدَّر بأن يمدَّ الرجل يديه، فيملأ كفَّيه طعامًا"، وتقدّم. (٤) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥، وغيرهما، وتقدّم. (٥) أخرجه مسلم: ٣٢١ بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة». قال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: «وقولها:»ثمَّ أفاض الماء«: الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ...» (٢). قال في «المغني» (٣): «ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (٤). ويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم. وهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: «... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقًا؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله --------------------- (١) عقب حديث عائشة -رضي الله عنها- في صفة الغُسل. (٢)»سُبُل السلام" (ص ١٦١). (٣) (باب الوضوء مع الغسل والدّلك، ١/ ٢١٨). (٤) وذكَر الأقوال المخالفة لذلك. أعلم» (١). مُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه» (٣). ----------------- (١) «الفتح» (١/ ٣٦٠). (٢) هي أصول المغابن؛ كالآباط والحوالب وغيرهما من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. «النهاية». والمغابن: مفردها غَبَن، وهي: الإِبط. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٣). قال في «بذْل المجهود» (٢/ ٢٤٣): «فإِذا أنقاهما: أي: الفَرج والمرافغ أو اليدين» (أهوى بهما): أي: أمالها إِلى حائط ليغسلهما بالتراب فيكون أنظف". مسائل في الاغتسال النَّهي عن البول في المستحمّ: عن عبد الله بن مغفَّل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه» (١). «قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به» (٥). وقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء«(٦). جواز الاغتسال عُريانًا بحيث لا يُرى: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي - ﷺ -؛ قال:»بينا (٧) أيوب -------------------- (١) أخرجه أبو داود: ٢٧، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٢)، وغيره. وانظر «المشكاة» (٣٥٣). (٢) الجِص: ما يُبنى به. «معرَّب». (٣) الصاروج: خليط يستعمل في طلاء الجدران والأحواض. «معرَّب» أيضًا. (٤) القير والقار: شيء أسود يُطلى به السفن والإبل، أو هما الزِّفت. «المحيط». (٥) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٦). (٦) انظر «صحيح سنن الترمذي» (٢٠). (٧) أصلها بين، وأشبِعت الفتحة. يغتسل عُريانًا؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ» (٢). وعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ...» (٣). التَّستُّر في الغُسل: عن أمّ هانئ -رضي الله عنها- قالت: «ذهبتُ إِلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ» (٤). وعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت: «ستَرْتُ النّبيّ - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ...» (٥). وعن أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: «كنتُ أخدُم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به» (٦). ----------------- (١) أي: جماعة جراد. (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٩١، وغيره. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨، ومسلم: ٣٣٩ (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٠، ومسلم: ٣٣٦، وغيرهما. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨١ (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢١٨). وعن يعلى بن أمية -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال - ﷺ -: «إِنَّ الله -عز وجل- حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر» (٢). هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين؟ قال شيخنا: «الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلًا على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلًا، وللجنابة غُسلًا آخر، أو للجنابة غسلًا، وللجمعة غُسلًا آخر. لأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان» (٣). وقال -حفظه الله تعالى (٤) -: «وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ ----------------------- (١) بالفتح الفضاء الواسع، وبالكسر: ثُفل الغذاء، وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٣٨٧) وغيره، وانظر»المشكاة«(٤٤٧). (٣)»تمام المنَّة«(١٢٦). (٤)»تمام المنَّة" (١٢٧ و١٢٨). غُسلان: غُسل ينوي به الجنابة، وغُسل آخر ينوي به الجمعة ... إِلخ. قال (٢/ ٤٣): برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إِلاَّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ (١)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى» وتقدّم، فصحّ يقينًا أنَّه مأمور بكل غُسل من هذه الأغسال، فإِذْ قد صحّ ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عملٌ عن عملين أو أكثر، وصحّ يقينًا أنَّه إِنْ نوى أحدٌ ما عليه من ذلك؛ فإِنَّما له بشهادة رسول الله - ﷺ - الصادقة الذي نواه فقط؛ وليس له ما لم ينوه، فإِنْ نوى بعمله ذلك غُسلين فصاعدًا؛ فقد خالف ما أمر به؛ لأنَّه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكَرنا، فلم يفعل ذلك، والغُسل لا ينقسم، فبطل عمله كلّه؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٢). ثمَّ ذكَر أنَّه ذهب إِلى ما اختاره من عدم الإِجزاء جماعة من السّلف، منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإِبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو ابن شعيب والزهري وميمون بن مهران، قال: «وهو قول داود وأصحابنا». وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجِعْها، ويحسُن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- فقد رَوى الحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يحيى ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمُعة، فقال: غُسلك من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر، فإِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ---------------------- (١) البيّنة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى» (١). الطوف على جميع نسائه بغُسل واحد: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة من الليل والنَّهار وهنَّ إِحدى عشْرة ...» (٢). وفي «صحيح مسلم»: (٣٠٩)، عنه بلفظ: «كان يطوف (٣) على نسائه بغُسل واحد». الاغتسال عند كلّ واحدة غُسلًا: عن أبي رافع: أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٤). جواز نوم الجُنُب واستحباب الوضوء له: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنب؛ غَسَل فرجه وتوضّأ للصّلاة» (٥). -------------------- (١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبَّان وغيرهما. وانظره في «الصحيحة» (٢٣٢١)، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٨ (٣) وهو كناية عن الجماع كما قال الحافظ وغيره. (٤) أخرجه أبو داود، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨٠)، وغيرهما. وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧)، وتقدّم. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥ وعن عبد الله بن أبي قيس؛ قال: سألْتُ عائشة عن وتْرِ رسول الله - ﷺ -؟ (فذكَر الحديث، وفيه): قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، ربَّما اغتسل فنام، وربَّما توضّأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَة (١). اغتسال الرجل مع امرأته من إِناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك: لحديث أمّ سلمة: «... وكنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحدٍ من الجنابة» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحد، تختلف أيدينا فيه» (٣). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جُنُبان» (٤). ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٠٧، وغيره. (٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢، ومسلم: ٢٩٦، وغيرهما. (٣) أخرجه البخاري: ٢٦١، ومسلم: ٣٢١، وزاد في آخره: «من الجنابة». (٤) أخرجه مسلم: ٣٢١ وفي الباب عدّة أحاديث، أكتفي بما ذكَرت. الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك: عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة» (١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة، فجاء النّبيُّ - ﷺ - ليغتسل أو يتوضّأ، فقالت: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال: «الماء لا يُجنب» (٢). وعن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري؛ قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النّبيّ - ﷺ - كما صحِبه أبو هريرة -رضي الله عنه- أربع سنين؛ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل، وليغترفا جميعًا» (٣). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٢٣، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٨) بلفظ: «من الجنابة». (٢) أخرجه الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٩٦)، وغيرهم، وانظر «الإِرواء» (٢٧). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٣٢)، وغيره، وبعضه في سنن أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٠٠): «رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلّه على حجّة قوية، ودعوى البيهقيّ أنَه في معنى المرسل مردودة؛ لأنَّ إِبهام الصحابي لا يضرّ، وقد صرّح التابعيّ بأنَّه لقيه ...». وحمَل بعض أهل العلم هذا الحديث وما في معناه على التَّنزيه جمعًا بين الأدلَّة، وإِلى هذا أشار الحافظ في «الفتح» (١). ----------------- (١) (١/ ٣٠٠)، تحت الحديث (١٩٣). خُلاصة ميسَّرة لأعمال الغُسل * غَسل اليدين. * غَسل القُبُل والدُّبر. * مَسْح اليدين بالتُّراب، أو غسلهما بالصابون ونحوه، وضرورة غَسل اليدين قبل إِدخالهما الإِناء. - التوضُّؤ كوضوء الصلاة سوى الرِّجلين، أو غسلهما إِنْ شاء (١). * تخليل الشعر، وصبّ ثلاث غرف بيديه، والبدء بشقِّ أيمن الرَّأس، ثمَّ الأيسر. * البدء بالشقِّ الأيمن دائمًا من الجسد، ثمَّ الشقّ الأيسر. * غَسل الرِّجلين إِن لم يفعل ذلك من قبل. * تُراعى الأمور الآتية خلال الغسل: ١ - إِفاضة الماء على سائر الجسد والجلد كلِّه. ٢ - الإِقلال في استعمال الماء. ٣ - مراعاة غسل المرافغ (٢) ومطاوى الأعضاء. ٤ - ضرورة الدَّلك للشَّعراني. ٥ - عدم الوضوء بعد الغسل. --------------------- (١) انظر -إِن شئت- (باب صفة غُسل الجنابة) «تأخير غَسل الرجلين». (٢) تقدّم معنى المرافغ أنّها أصول المغابن كالآباط والحوالب وغيرها من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. التَّيمُّم تعريفه: التيمّم لغة: القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيْثَ منهُ تُنْفِقُون﴾ (١)، وتقول العرب: تيمّمك الله بحفظه أي: قَصَدَكَ ... أمّا التيمّم شرْعًا: فهو القصد إِلى الصعيد (٢)؛ بمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصَّلاة ونحوها (٣). ثبوت مشروعيته بالكتاب والسنَّة والإِجماع أمّا في كتاب الله العظيم ففي قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤). -------------------- (١) البقرة: ٢٦٧ (٢) قال ابن سفيان وأبو إِسحاق: «الصعيد: ما علا وجه الأرض، وقيل: الأرض، وقيل: الأرض الطيِّبة، وقيل: التراب الطيِّب، والعرب تقول لظاهر الأرض صعيد». وعن الخليل قال: «الصعيد: الأرض؛ قلَّ أو كثُر». انظر «لسان العرب»، و«حِلية الفقهاء» (ص ٥٩). (٣) قاله في «الفتح» (١/ ٤٣٢) ونقَلَه عن عدد من العلماء. (٤) النساء: ٤٣ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 221الى صــ 235 الحلقة (16) وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة» (٣). أمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة -رحمه الله- في «المُغني» (١/ ٢٣٣) فقال: «وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة». قال البخاري: «باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء» (٤). اختصاص أمَّة محمّد - ﷺ - به لحديث جابر السابق: «أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي» منها: ---------------- (١) وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا؛ أي: موضع السجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّه لمّا جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك. «فتح». جاء في «الفتح»: «ويستفاد من قوله - ﷺ -:»وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا«؛ أنّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صحة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك». (٢) وفي بعض الروايات الغنائم، ومعناهما واحد. (٣) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢، وهذا لفظه، ومسلم: ٥٢١، وغيرهما. (٤) «الفتح» (١/ ٤٤١)، وقال الحافظ: «وقد وصله عبد الرزاق من وجه صحيح، وابن أبي شيبة من وجه آخر ...». «وجُعلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٤٧): «وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي»الصحيحين«؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال:»أُعطيتُ خمسًا ... «وذكر الحديث. سبب مشروعيَّته عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيرًا؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا» (١). كيفيَّة التيمُّم ١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل. ٢ - التسمية. ٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه-: "... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٤ و٣٣٦ ومواضع أُخرى، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما. ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك» (٢). وموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق. قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ٢٥٨): «ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا». ٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله - ﷺ -: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» (٤). -------------------- (١) وفي بعض الروايات عند البخاري (٣٤٧) وغيره: «ثمَّ نفضهما». وسألْت شيخنا -حفظه الله- إِن كان المراد من النفخ أو النفض الإقلال من التراب فيعمل بأيِّهما، فقال: «هو كذلك»، ثمَّ قال: «وقد لا يلزم أيٌّ منهما لعدم وجود التراب». (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨، وغيرهما. (٣) المائدة: ٣٨ (٤) أخرجه أحمد، وابن خزيمة في «صحيحه»، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وغيرهم، ومعناه في «الصحيحين»؛ كما في حديث عمّار السابق. وانظر «الإِرواء» (١٦١)، و«الصحيحة» (٦٩٤). نواقض التيمُّم ١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١). قال الحسن: «يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث» (٢). قال ابن حزم في «المحلّى» (مسألة ٣٣٣): «كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام». ٢ - وجود الماء لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير» (٣). (وفي رواية: طهور المسلم). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٢٣٤): «وينقض التيمّم أيضًا وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن ------------------- (١) انظر (باب: هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟) (٢) ذكره البخاري معلَّقًا، وذكر الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٤٦) وَصْل عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وحمّاد بن سلمة له، وصحّح شيخنا إِسناده في»مختصر البخارى«(١/ ٩٦). (٣) أخرجه أحمد في»مسنده«، والترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، و»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، وغيرهم، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وشيخنا في»الإرواء«(١٥٣). (٤) قال شيخنا -حفظه الله-:»فإِذا وجد الماء فليُمسَّه بشرته، تشمل من كان في الصلاة أيضًا". يصلي ...». قال في «المغني» (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُبًا واستقبل الصلاة. قال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضًا: «ولنا قوله عليه السلام:»الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك«. أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ...». ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١). قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في -------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) البقرة: ٦٧ (٣) النساء: ٩٢ الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣). قال يحيى بن سعيد: «لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها» (٥). وفي حديث عائشة الطويل: «... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان» (٦). قال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في «صحيحه» (١/ ١٣٤): «ففي قول النّبيّ - ﷺ - أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ - --------------- (١) البقرة: ١٩٦ (٢) المائدة: ٨٩ (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٤٨). (٤) بتسكين الباء، وفي بعض النسخ بفتحها. هي الأرض المالحة لا تكاد تُنبت. (٥) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم ولم يخرجه الحافظ. (٦) أخرجه البخاري: ٢٢٩٧، والحرّة: الأرض ذات الحجارة السُّود. سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ - ﷺ - أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله عز وجل قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ - ﷺ - قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز». أمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد -رضي الله عنه- قال: «أقبَلنْا مع النّبيّ - ﷺ - من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة». وروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة». وأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في «صحيح مسلم» (١٣٨٤) أيضًا عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٦٤): «وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة، ---------------- (١) في»المحيط«: حَجَر معروف، منه أبيض وأحمر وأصفر. (٢) في»الوسيط«: حجر الكلس. (٣) الجَصّ: ما يُبنى به وهو معرّب.»مختار الصحاح". ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبرًا؛ لقوله: (منه) (١). وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ... وقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى. واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت تربتها طَهورًا». قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة. واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيدًا﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيدًا زلقًا﴾ (٤). واحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «جُعلت لي ------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله-:»... وهذه الآية ينبغي أن تُفهم من خلال السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا إِليك الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للنَّاسِ ما نزَلَ إِليهم﴾ النحل: ٤٤، فالدّم حرام في كتاب الله وكذلك الميتة، وبيّن النّبيّ - ﷺ - ما لم يحرم من ذلك، فلا بدَّ من ضمّ السُّنّة للقرآن؛ لتكون النتيجة صحيحة وكاملة«. (٢) أي: الطين المتماسك.»النهاية". (٣) الكهف: ٨ (٤) الكهف: ٤٠ الأرض مسجدًا وطَهورًا؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ»، وفي رواية: «فعنده مسجده وطَهوره». فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره. ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ - ﷺ -: «إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب» (١). وآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس«. اهـ. قال ابن القيم -رحمه الله- في»زاد المعاد«(١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم:»وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ ترابًا كانت أو سبخة أو رملًا، وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدْركَتْ رجلًا من أمتي الصلاة فعنده ------------------- (١) أخرجه ابن سعد في»الطبقات«، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وغيرهم كما في»الصحيحة" (١٦٣٠) والنص الذي ذكره شيخ الاِسلام -رحمه الله- نحوه. مسجدُه وطَهوره«(١). وهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور». قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٨): «ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه - ﷺ - من الحائط ...». وقال أيضًا: «قال ابن دقيق العيد:»ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم (٢) ... «(٣). وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال: »إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب. والصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها ---------------------- (١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وله شواهد عديدة ذكرها شيخنا في «الإرواء» (٢٨٥). (٢) أي: عموم حديث: «فأينما أدركَت رجلًا من أمّتي الصلاة ...» (٣) «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩). حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ (١) أم لا؟ وكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق. ثمَّ ذكر سفر النّبيّ - ﷺ - من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه ترابًا عند سفره. ومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب. وهذا يتناسب مع قاعدة: «يسِّروا ولا تعسِّروا»؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ - ﷺ - في قوله: «أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ...» (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان ترابًا أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم. من يستباح له التيمُّم: يُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو -------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) تقدّم. (٣) كذا قاله شيخنا -حفظه الله تعالى- بمعناه. حضر، للأسباب الآتية: ١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾ (١). ولحديث عمران بن حصين «أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك» (٢). ولحديث أبي ذر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير» (٤). ويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ«أو --------------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) أخرجه البخاري: ٣٤٨، ومسلم: ٦٨٢ نحوه. (٣) في بعض كتب الحديث بشرته، والمعنى واحد، قال في»مختار الصحاح«: البشرة، والبشر: ظاهر جلد الإنسان. (٤) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١١)، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، و»الإِرواء«(١٥٣)، وتقدّم. (٥) قال ابن حزم في»المحلى" (مسألة ٢٤٢): ومن كان معه ماءٌ يسير يكفيه = إِزالة نجاسة. قال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (١). جاء في «المغني» (١/ ٢٣٨): «ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ...». وفيه أيضًا (١/ ٢٣٩): «ومن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ...». قال في «الدراري» (١/ ٨٥): «فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم. ٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾ (٢). وعن جابر قال:»خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلًا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟ ------------------ = لشربه فقط؛ ففرْضه التيمُّم، لقوله الله تعالى: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفسكُم﴾ [النساء: ٢٩] (١) أورده البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» من وجه صحيح كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤١). (٢) النساء: ٢٩ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال» (١). وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: «يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾. فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (٢). وفي رواية: «فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ...» (٣). ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٥)، وابن ماجه، والدارقطنيّ، وصححه ابن السكن كما في «الدراري المضية» (١/ ٨٢١)، و«المشكاة» (٥٣١). وقال شيخنا في «تمام المنة» (١٣١): «هذا الحديث ضعَّفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما، لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إِلى درجة الحسن ...». (٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٣)، والدارقطنيّ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضًا وغيرهم، وعلّقه البخاري (١/ ٩٥)، وقواه الحافظ ابن حجر كما في «الفتح» (١/ ٤٥٤)، وصححه شيخنا وذكر أنه على شرط مسلم، وانظر «الإِرواء» (١٥٤). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١٥٤). وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقًا بصيغة التمريض. هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة؟ أجاز ذلك ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره. وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: «إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذرًا وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي». التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ - حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: «أقبَل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢). قال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في «صحيحه» -عقب الحديث السابق-: ------------------- (١) موضع معروف في المدينة. (٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 236الى صــ 250 الحلقة (17) (باب استحباب التيمُّم في الحضر لرد السلام وإِن كان الماء موجودًا). تيمّم المريض: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). ويتيمّم المريض إِذا وجدَ مشقَّة أو حرجًا في الوضوء بالماء أو الغسل به، أو خشي زيادة علة أو مرض. وتقدّم قول الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (٢). قال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٥٨) (مسألة ٢٢٤): «لا يتيمّم من المرضى إِلا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقَّة وحرج في الوضوء بالماء، أو في الغسل به، أو المسافر الذي لا يجد الماء الذي يقدر على الوضوء به أو الغسل به». ثمَّ ذكر الآية السابقة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩): «والذي عليه الجمهور: أنَّه لا يُشترط فيه خوف الهلاك؛ بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو ----------------- (١) المائدة: ٦ (٢) أورده البخاري معلقًا، ووصله إِسماعيل القاضي في»الأحكام«من وجه صحيح، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا:»لا يتيمّم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، ومفهومه يوافق ما قبله«.»الفتح" (١/ ٤٤١)، وتقدّم. يؤخر برْأه يتيمّم، وكذلك في الصيام والإِحرام، ومن يتضرَّر بالماء لبرد؛ فهو كالمريض عند الجمهور». تيمُّم المسافر: قال الله تعالى: ﴿وإِن كنتم مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جَاء أحَدٌ منْكُم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمِ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٨): «أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم؛ على أن المسافر إِذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار ما يتطهَّر به من الماء؛ أنَّه يُبقي ماءَه للشرب ويتيمّم. رويَ هذا القول عن علي وابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وقتادة والضحاك». قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٠): «اتفق المسلمون على أنّه إِذا لم يجد الماء في السفر تيمّم وصلَّى إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجد الماء فعليه استعماله. وكذلك يتيمّم الجنب، ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف؛ إِلى أنَّه يتيمّم إِذا عدم الماء في السفر إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجده كان عليه استعماله». وقال -رحمه الله-: «والمسافر إنّما يتيمّم إِذا لم يجد الماء» (٢). -------------- (١) النساء: ٤٣ (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٨). وقال -رحمه الله- أيضًا: «كما أن المسافر قد لا يكون معه إِلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابِّه، فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمّم» (١). تيمّم الجُنُب: قال اللهعز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢). وعن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: «جاء رجل إِلى عمر بن الخطَّاب فقال: إِني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكرُ أنَّا كنّا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ (٣) فصلّيتُ، فذكرتُ للنّبيّ - ﷺ - فقال النبيّ - ﷺ -:»كان يكفيك هذا«فضرب النّبيّ - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ (٤)، فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه» (٥). ----------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٣٩٩). (٢) النساء: ٤٣ (٣) أي: تمرَّغْت، وجاءت هذه في إِحدى روايات البخاري: ٣٤٧، ومسلم: ٣٦٨، وكأنَّ عمَّار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنَّه لما رأى أن التيمُّم إِذا وقع بدل الوضوء على هيئة الوضوء؛ رأى أنَّ التيمُّم عن الغُسل يقع على هيئة الغُسل. «الفتح». ويُستفاد من هذا الحديث: وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النّبي - ﷺ -، وأن المجتهد لا لوم عليه إِذا بذل وُسعه وِإن لم يصب الحق، وأنَه إِذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإِعادة. «الفتح» أيضًا. (٤) استدلَّ بالنفخ على استحباب تخفيف التراب. «فتح». (٥) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨ قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-:»وقد ثبت تيمُّم الجنب في أحاديث صحاح وحِسَان كحديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه- وهو في «الصحيحين»، وحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- وهو في البخاري، وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجَّة -رضي الله عنهم- وهو في «السنن» ... «(١). وقال ابن حزم -رحمه الله-:»ويتيمّم الجُنُب والحائض، وكلّ من عليه غُسل واجب؛ كما يتيمّم المُحدِث ولا فرق«(٢). وقال ابن قدامة -رحمه الله- عن تيمّم الجُنُب:»... وهو قول جمهور العلماء: منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمّار، وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ... «(٣). هل التيمُّم إِلى المناكب والآباط صحيح؟ قال إِسحاق بن إِبراهيم بن مخلد الحنظليّ:»حديث عمّار في التيمُّم للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ - ﷺ - إِلى المناكب والآباط؛ ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين، لأنَّ عمّارًا لم يذكر أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَرهم بذلك، وِإنّما قال: فعلْنا كذا وكذا. فلما سأل النّبيّ - ﷺ - أمَره بالوجه والكفين، فانتهى إِلى ما علّمه رسول الله - ﷺ -: «الوجه والكفين». ------------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٤٠٠). (٢) «المحلى» (المسألة ٢٤٩). (٣) «المغني» (١/ ٢٦١). والدليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ - ﷺ - في التيمُّم أنَّه قال: «الوجه والكفين» ففي هذا دلالة على أنَّه انتهى إِلى ما علمه النّبيّ - ﷺ - فعلَّمه إِلى «الوجه والكفين» (١). التيمُّم ضربة أم ضربتان؟ قد تقدّم حديث عمّار -رضي الله عنه-: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» وما في معناه، وفيه إِفادة الاقتصار على الضربة الواحدة للوجه والكفين. قال في «الدراري المضَيَّة» (١/ ٨٥): «وقد ذهب إِلى كون التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور ...». قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ١٨٥): «واعلم أنّه قد روي هذا الحديث (٢) عن عمّار بلفظ ضربتين؛ كما وقع في بعض طُرقه، وكل ذلك معلول لا يصحّ. قال الحافظ في»التلخيص«(ص٥٦): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمَّار فأبلغ». ثمَّ قال شيخنا: «وفي الضربتين أحاديث أخرى، وهي معلولة أيضًا كما بيّنه الحافظ في»التلخيص«وحقَّقْتُ القول على بعضها في»ضعيف سنن أبي داود«(٥٨ و٥٩)» (٣). ------------------ (١) «سنن الترمذي» (باب التيمُّم). (٢) أي حديث عمّار: «التيمّم ضربة للوجه والكفين». (٣) «الإِرواء» (١/ ١٨٦). هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟ قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢): «وتنازعوا هل يقوم (١) مقام الماء، فيتيمّم قبل الوقت، كما يتوضّأ قبل الوقت، ويصلّي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلّي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟ على قولين مشهورين، وهو نزاع عمليّ ...». وقال -رحمه الله تعالى-: «وهذا القول هو الصحيح (٢)، وعليه يدّل الكتابُ والسنّة والاعتبار؛ فإِن الله جعَل التيمُّم مُطهِّرًا؛ كما جعَل الماء مطهِّرًا، فقال تعالى: ﴿... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يُطهِّرنا بالتراب؛ كما يطهِّرنا بالماء» (٤). وقال -رحمه الله-: «ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسنّة أنَّ التراب طهور، كما أنَّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ - ﷺ -:»الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمِسّه بشرتك، فإِن ذلك خير«(٥). فجعله مطهِّرًا عند عدم الماء مطلقًا، فدلَّ على أنَّه مطهّر للمتيمّم، ------------------- (١) أي: التيمُّم. (٢) أي: أنَّ التيمّم يقوم مقام الماء. (٣) المائدة: ٦ (٤)»الفتاوى" (٢١/ ٤٣٦). (٥) تقدّم. وإِذا كان قد جعل المتيمّم مطهرًا؛ كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقُل إِنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإِنَّ التيمُّم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، كصيام الشهرين؛ فإِنّه بدل عن الإِعتاق، وصيام الثلاث والسبع؛ فإِنّه بدل عن الهَدي في التمتُّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين؛ فإِنّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المُبدل ...» (١). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والشارع حكيم إِنّما يُثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تُناسبها، فكما لا يُبطل الطهارة بالأمكنة؛ لا يبطل بالأزمنة وغيرها؛ من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع» (٢). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم كالوضوء فلا يبطل تيمّمه إلاَّ ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء، وهذا بناءً على قولنا، وقول من وافَقنا على التوقيت في مسح الخفّين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإِنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد» (٣). وقال -رحمه الله- كذلك: «وِإذا كان تطهّر قبل الوقت (٤)، كان قد ------------------- (١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٥٣، ٣٥٤). (٢)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦١). (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٦٢). (٤) أي: بالتيمّم. أحسن، وأتى بأفضل ممّا وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزّكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كلّه حسَن إِذا لم يكن محظورًا؛ كزيادة ركعة خامسة في الصلاة. والتيمّم مع عدم الماء حسَن ليس بمحرّم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمسّ المصحف وقراءة القرآن» (١). وذكر -رحمه الله- «أنَّ هذا هو مذهب أبي حنيفة، وهو قول سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، وغيرهم، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل» (٢). قال ابن حزم -رحمه الله-: «والمتيمّم يصلي بتيمّمه ما شاء من الصلوات: الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدَث أو بوجود الماء؛ وأمّا المريض؛ فلا ينتقض طهارته بالتيمّم إلاَّ ما ينقض الطهارة من الأحداث فقط؛ وبهذا يقول أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وداود. وروينا أيضًا: عن حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمّم واحد مِثل الوضوء ما لم يُحدث. وعن معمر قال: سمعتُ الزهري يقول: التيمُّم بمنزلة الماء، يقول: يصلّي به ما لم يُحدِث. وعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: صلّ بتيمّم واحد الصلوات كلها ما ------------------ (١)»الفتاوى«(٢١/ ٣٦٣). (٢)»الفتاوى" (٢١/ ٣٥٢). لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم» (١). وقال -رحمه الله- أيضًا: «والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضًا كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنبًا، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثًا؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدًّا فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين» (٢). وقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): «وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم». وذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- «أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله». اهـ. والنّبيّ - ﷺ - أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة. والخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها، --------------------- (١) «المحلّى» (٢/ ١٧٥). (٢) «المحلى» (٢/ ١٨٠) (المسألة ٢٣٧). ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت. اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم: لا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾. والنجس ليس بطيّب. وفي الحديث: «جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجدًا وطهورًا» (١). قال في «المغني» (١/ ٢٦٠) (٢): «وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه. لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ...». جواز تيمّم جماعة من موضع واحد: يجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣). -------------------- (١) أخرجه أحمد في «مسنده» والضياء، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢)، وابن الجارود بإِسناد صحيح عن أنس كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٣٨) (كتاب: التيمُّم)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في «الإرواء» (١٥٢) التحقيق الثاني. (٢) بحذف يسير. (٣) تقدّم. قال في «المغني» (١/ ٢٦٠): «ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ...». إِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ١٣٢). صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم: لحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥). وأيضًا لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقًا كما تقدّم. وجاء في البخاري: «وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم» (٢). قال مالك في «الموطأ»: «من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله عز وجل، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا؛ فكلُّ عمل بما أمره الله عز وجل به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة». عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رجلان في سفر، ------------------- (١) ذكره البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤٦): «وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح». (٢) انظر الحاشية السابقة. فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله - ﷺ -، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: «أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك»، وقال للذي توضّأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١). وهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله - ﷺ - لمن لم يُعِد، «أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك»، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم. وبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: «لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين» (٢). قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٥) -تعليقًا على حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه-: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ...«. وعن عمران قال:»كنّا في سفَر مع النّبيّ - ﷺ - وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٧)، وابن السكن وغيرهما، وانظر «المشكاة» (٥٣٣). (٢) أخرجه أحمد، وغيره وإسناده حسن كما قال شيخنا في «المشكاة» (١١٥٧)، وصححه النووي وابن السكن، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٠). انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك. ثمَّ سار النّبيّ - ﷺ - فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليًّا فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفًا (٢)، قالا لها: انطلقي إِذًا، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله - ﷺ -. قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ - ﷺ - وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ - ﷺ - بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك» (٤). ---------------- (١) المزادة: بفتح الميم: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمّى أيضًا السطيحة، وجاء في «النهاية»: السطيحة من المزاد: ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر، فسُطح عليه وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه. (٢) «... أي أنَّ رجالها تخلفوا لطلب الماء ... قال ابن فارس: الخالف: المستقي، ويقال أيضًا لمن أناب، ولعلّه المراد هنا، أي أنَّ رجالهما غابوا عن الحيّ». «فتح». (٣) جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل. «النهاية». (٤) أخرجه البخاري مطولًا: ٣٤٤، وابن خزيمة مختصرًا: ٢٧١ قال ابن خزيمة -بعد أن ذكَر هذا الحديث-: «ففي هذا الخبر أيضًا دلالة على أنَّ المتيمّم إِذا صلّى بالتيمّم، ثمَّ وجد الماء فاغتسَل إِنْ كان جُنبًا أو توضّأ إِن كان مُحدِثًا -لم يجب عليه إِعادة ما صلّى بالتيمّم. إِذ النّبيّ - ﷺ - لم يأمر المصلي بالتيمّم؛ لمّا أمره بالاغتسال بإِعادة ما صلّى بالتيمّم» (١). جاء في «المحلّى» (٢/ ١٦٥): «وعن مالك عن نافع أنَّه أقبل مع ابن عمر من الجرف، فلما أتى المربد لم يجد ماء، فنزل فتيمّم بالصعيد، وصلّى ثمَّ لم يُعِد تلك الصلاة (٢)، وهو قول داود وأصحابنا». قال ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٣): «إِنْ تيمّم في أول الوقت وصلّى أجزأه؛ وإِنْ أصاب الماء في الوقت». وأورد حديث: «لك الأجر مرتين» (٣). شراء الماء للوضوء وعدم التيمُّم: اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من رأى جواز شراء الماء للوضوء، ومنهم من لم ير للنصوص المانعة من بيع الماء (٤). والراجح الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥). «وهذا واجبٌ فإِنَّ القدرة على ثمن العين؛ كالقدرة على العين» (٦). ------------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» (١/ ١٣٧). (٢) انظر «الموطأ» (٤٨) رواية محمد بن الحسن الشيباني. (٣) تقدّم. (٤) منهم ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٨٢) (مسألة ٢٤١). (٥) النساء: ٤٣ (٦) قاله ابن قدامة في «المغني» (١/ ٢٤٠). قال في «المغني» (١/ ٢٤٠): «وإِنْ وجَده يباع بثمن مِثْله في موضعه أو زيادة يسيرة يقدر على ذلك؛ مع استغنائه عنه لقوَّته ومؤنة سفره لزِمَه شراؤه، وإِنْ كانت الزّيادة كثيرة تجحف بماله؛ لم يلزم شراؤه لأنَّ عليه ضررًا ...». وقال لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-: «من شأن الشخص أن يبذُل المال في الأمور الدنيوية؛ فهذا أولى». هل هناك مسافة معيَّنة في البحث عن الماء؟ لم يرِدْ في هذا نصٌّ معين، وسأَلتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فأجاب: «إِنَّ ضابط الأمر هو الاستطاعة والقدرة وعدم خروج الوقت في البحث». مَن وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمّم للباقي: قال الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أمرْتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- عقب هذا الحديث في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩): "هذا الحديت أصْلٌ من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النّافعة، وقد شهد له صريح القرآن، قال الله تعالى: ------------------- (١) التغابن: ١٦ (٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما. https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 251الى صــ 265 الحلقة (18) ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كلّ ما خرج عن الطاقة، وعلى وجوب الإِتيان لما دَخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وأنَّه ليس مجرَّد خروج بعضه عن الاستطاعة موجب للعفو عن جميعه. وقد استدلّ به المصنف على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك». وفي بعض ألفاظ روايات حديث عمرو بن العاص المعروف: «فَغَسل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمُّم» (١). قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسّان بن عطية، قال فيه: «فتيمّم». قال في «المغني» (١/ ٢٦١): «إِذا كان به قرْح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إِن أصاب الماء غسَلَ الصحيح من جسده، وتيمّم لما لم يُصبه الماء». الصلاة بدون وضوء أو تيمّم: من كان محبوسًا أو مصلوبًا وحِيل بينه وبين التراب والماء؛ فليصلِّ كما هو. عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، ------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما وانظر»الإِرواء" (١٥٤)، وتقدم. فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آية التيمُّم ...» (١). قال البخاري -رحمه الله- (باب إِذا لم يجد ماءً ولا تُرابًا) (٢)، وأورد حديث عائشة -رضي الله عنها-. قال ابن رشيد تعليقًا على تبويب البخاري السابق: «كأنّ المصنف نزَّل فقْد شرعيَّة التيمُّم منزلة فقد التراب بعد شرعيَّة التيمُّم، فكانَّه يقول: حُكْمهم في عدم المطهّر -الذي هو الماء خاصّة- كحكمنا في عدم المطهّرَيْن: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنّهم فقدوا التراب، وإِنّما فيه أنّهم فقدوا الماء فقط؛ ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورَين، ووجهُهُ أنّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النّبيّ - ﷺ -، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك ...» (٣). قال ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ١٨٨): «ومن كان محبوسًا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابًا ولا ماء، أو كان مصلوبًا وجاءت الصلاة -فليصلِّ كما هو، وصلاته تامّة ولا يعيدها- سواءٌ وُجد الماء في الوقت أو لم يجده إلاَّ -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٦، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما، وتقدّم. (٢) انظر»صحيح البخارى«(١/ ٩٢). (٣) انظر»الفتح" (١/ ٤٤٠). بعد الوقت». برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وسْعَها﴾ (٢)، وقول رسول الله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم» (٣)، وقوله تعالى: ﴿وقد فَصَّل لكم ما حرَّم عليكُم إِلاَّ ما اضطررتم إِليه﴾ (٤). فصحّ بهذه النصوص أنَّه لا يلزمنا من الشرائع إِلا ما استطعنا، وأنَّ ما لم نستطعه فساقطٌ عنّا. وصحّ أنَّ الله تعالى حرّم علينا ترك الوضوء أو التيمُّم للصلاة؛ إلاَّ أن نضطرَّ إِليه، والممنوع من الماء والتراب مضطرٌّ إِلى ما حُرّم عليه من ترْك التطهُّر بالماء أو التراب، فسقط عنّا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإِيمان، فبقي عليه ما قَدِر عليه، فإِذا صلّى كما ذكَرنا، فقد صلّى كما أمَره الله تعالى، ومن صلّى كما أمره الله تعالى؛ فلا شيء عليه ...«. وجاء في»المنتقى" (١/ ٢٣٧): (باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة) وأورد الحديث نفسه. ------------------ (١) التغابن: ١٦ (٢) البقرة: ٢٨٦ (٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما، وتقدّم. (٤) الأنعام: ١١٩ هل يتيمّم إِذا كان قادرًا على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله؟ قال شيخنا في الردِّ على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-:»والذي يتبيَّن لي خلافه (١)، وذلك لأنَّه من الثابت في الشريعة أنَّ التيمُّم إِنّما يشرع عند عدم وجود الماء بنصِّ القرآن الكريم، وتوسَّعت في ذلك السنّة المطهرة فأجازَتْه لمرض أو برد شديد كما ذكَره المؤلّف، فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟ فإِن قيل: هو خشية خروج الوقت، قلتُ: هذا وحده لا يصلُح دليلًا، لأنَّ هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إِمّا أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسُله، أو بسببٍ لا يملكه مِثل النَّوم والنسيان، ففي هذه الحالة الثانية؛ فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكُّر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أُمِر، بدليل قوله - ﷺ - «من نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصلِّيها إِذا ذكرها». أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم، فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتًا خاصًّا به، فهو إِذا صلّى كما أمر، يستعمل الماء لغسله أو وضوئه، فليس يخشى عليه خروج الوقت، فثبَت أنّه لا يجوز له أن يتيمّم، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات» (ص١٢)، وذكَر في «المسائل الماردينية» (ص ٦٥) أنَّه مذهب الجمهور. وأمّا في الحالة الأولى؛ فمن المسلَّم أنَّه في الأصل مأمور باستعمال الماء ----------------- (١) أي: أنَه لا يجوز التيمّم؛ لأن الشيخ السيد سابق -حفظه الله- يرى جواز ذلك، كما في «فقه السنّة» (١/ ٧٩). وأنه لا يتيمّم، فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء، فإِنْ أدرك الصلاة فبها، وإِنْ فاتته فلا يلومنّ إلاَّ نفسه، لأنَّه هو الذي سعى إِلى هذه النتيجة. هذا هو الذي اطمأنّت إِليه نفسي، وانشرح له صدري، وإِنْ كان شيخ الإِسلام وغيره قالوا: إِنّه يتيمّم ويصلِّي (١)، والله أعلم. ثمَّ رأيت الشوكاني كأنّه مال إِلى هذا الذي ذكَرته فراجع»السيل الجرّار«(١/ ١٢٦ - ١٢٧)» (٢) انتهى. قلت: قال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضيّة» (١/ ٨٦): «وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإِدراكها بالتيمّم سبب من أسباب التيمُّم؛ فليس على ذلك دليل؛ بل الواجب استعمال الماء، وهو إِن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إِلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما؛ فلم يوجب الله تعالى عليه إِلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه، وإِن كان التراخي لا لعذر إِلى وقت لو استعمل الوضوء فيه؛ لخرج الوقت فعليه الوضوء، وقد باء بإِثم المعصية». هل يُكره لعادم الماء جماع زوجته؟ لا يُكره ذلك لقول أبي ذرّ للنّبيّ - ﷺ -: «كنت أعزُب (٣) عن الماء، ومعي ----------------- (١) قد سبق قوله -رحمه الله- في»الاختيارات«، ولكنّه في عدة مواطن من»الفتاوى«رجَّح الرأي الآخر. (٢) انظر»تمام المنَّة«(١٣٢، ١٣٣). (٣) أي: أُبعِد.»النهاية". أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور، فأتيت رسول الله - ﷺ - بنصف النهار وهو في رهطٍ من أصحابه، وهو في ظلِّ المسجد، فقال: أبو ذرّ؟ فقلت: نعم، هلكْتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إِنّي كنتُ أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني جنابة، فأصلّي بغير طهور. فأمر لي رسول الله - ﷺ - بماء، فجاءت به جارية سوداء بعُس (١) يتخضخض ما هو بملآن، فتستَّرْتُ إِلى بعيري فاغتسلْت، ثمَّ جئتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر إِنَّ الصعيد الطيّب طَهور، وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين، فإذا وجدْتَ الماء فأمسَّه جِلدك» (٢). وروي عن ابن عبّاس في الرجل يكون مع أهله في السفر وليس معهم ماء؛ فلم ير بأسًا أن يغشى أهله ويتيمّم (٣). قال ابن المنذر -رحمه الله-: «وبهذا القول نقول؛ لأنَّ الله تعالى أباح وطي الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإِباحة، لا يجوز حظْر ذلك ولا المنع منه إلاَّ بسنّةٍ أو إِجماع، والممنوع منه: حال الحيض والإِحرام والصيام، ---------------- (١) العُسّ: القدح الكبير وجمعه عِساس وأعساس.»النهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٢) وأحمد والترمذي، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، والشطر الأخير منه تقدم تخريجه. قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٢٦):»وذِكْر العشر سنين لا يدّل على عدم جواز الاكتفاء بالماء بعدها؛ لأنَّ ذِكرها لم يُرَد به التقييد، بل المبالغة؛ لأن الغالب عدم فُقدان الماء وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إِليه، فعدَمُ وجدانه إنِّما يكون يومًا أو لبعض يوم. (٣) «الأوسط» (٢/ ١٧). وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع بتحريم الوطي منه بحجَّة، فأمّا كل مختلف فيه في ذلك، فمردود إِلى أصل إِباحة الكتاب الوطي، قال الله تعالى: ﴿فإِذا تَطَهَّرنَ فَأْتُوهنَّ من حَيْثُ أَمَرَكم الله﴾ (١). وقد جعل التيمُّم طهارة لمن لم يجد الماء، ولا فرق بين من صلّى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلّى بتيمّم حيث لا يجد الماء؛ إِذ كلٌّ مؤدِ ممَّا فُرضَ عليه» (٢). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٩٢) (مسألة ٢٤٧): «ومن كان في سفر ولا ماء معه، وكان مريضًا يشقّ عليه استعمال الماء؛ فله أن يُقبِّل زوجته ويطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإِسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث». وذكَر أقوالًا وتفصيلات أخرى لبعض السلف. وبوَّب لذلك أبو البركات -رحمه الله- في «منتقى الأخبار» (١/ ٣٢٥): (باب الرُّخصة في الجماع لعادم الماء) وذكر حديث أبي ذر -رضي الله عنه-. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- بعد إِيراد حديث أبي ذر -رضي الله عنه- فقوله - ﷺ -: «وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين»؛ يُفهِم أنَّه لا يمكن ------------------ (١) البقرة: ٢٢٢. (٢) «الأوسط» (٢/ ١٧). أن يترك جِماعها في هذه المدّة؛ فلمن لم يجد الماء في غير سفر أن يجامع أهله فيتيمّم». الحيض والنِّفاس الحيض تعريفه: الحيض: «دم يرخيه الرّحم، إِذا بَلَغت المرأة، ثمَّ يعتادها في أوقاتٍ معلومة» (١). جاء في «حلية الفقهاء» (ص٦٣): «الحيض: نزول دم المرأة لوقتها المعتاد، ومن العرب من تُسمِّي الحائض النّفساءَ، وإِنَّما سُمِّيت بذلك لسيلان (٢) النَّفْس، والدَّم يُسمَّى نَفْسًا». قال الشاعر: تسيلُ على حدِّ الظبات (٣) نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تَسيلُ. وقته: «ليس في السنَّة تحديد لسنِّ البنت التي تحيض، وينبغي أن يُنظر إِلى ---------------- (١)»المغني«(١/ ٣١٣)، وانظر ما جاء في»الفتح«، و»المحلى«(٢/ ٢٢٠) و»المجموع«(٣/ ٣٤٢). (٢) والحيض أصْله السَّيلان، قال في»القاموس«:»حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا؛ فهي حائض، وحائضة: سال دمها، والمحيض: اسم ومصدر، ومنه الحوض؛ لأنَّ الماء يسيل إليه«. (٣) مفرد الظُّبّة: وهو حدُّ السيف والسنان والخنجر وما أشبههما. وانظر»الوسيط". صفة دم الحيض الطارئ، لا سيَّما أنَّ ربط حُكم شرعيّ بسنَة مُعيَّنة؛ قد لا يكون ربطًا بمعروف محدود. وهناك عائلات كثيرة لا تُسجِّل في الذِّهن أو الورق سَنَة الولادة أو الوفاة، فقد لا تعلم البنت أو الأمّ كم مضى من عمُرها، فليس من المعقول أن يأتي الشرع بشيء لا يُمكن، وقد قال عليه الصلاة السلام: «إذا كان دم الحيض فإِنَّه أسود يُعرَِف (١)» (٢). وإِلى هذا ذهب الدارمي وغيره، فقد قال بعد ذكر الاختلافات: «كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إِلى الوجود (٣)، فأيّ قَدْر وُجد في أيّ حال وسنّ، كان وجب جعله حيضًا، والله أعلم» (٤). لونه: أ- السواد: لحديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- أنَّها كانت تُستحاض، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرَف؛ فأمسِكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضّئي إِنما هو عرْق» (٥). ---------------- (١) سيأتي تخريجه بعد سطور -إِن شاء الله-. (٢) قاله لي شيخنا -حفظه الله تعالى-. (٣) أي: وجود الدم. (٤) «المجموع شرح المهذّب» (٢/ ٢٧٤). ونقله عنه الشيخ ابن عثيمين -حفظه الله- في كتابه «الدماء الطبيعية للنساء» (ص ٦). (٥) أخرجه أبو داود: ٢٨٦، «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٥٠) والطحاوي في «مشكل الآثار» والدارقطني والحاكم = قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٢): «والحديث فيه دلالة على أنَّه يعتبر التمييز بصفة الدَّم، فإِذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض، وإلاَّ فهو استحاضة». وبه يقول الشافعي -رحمه الله- وغيره في حقِّ المبتدئة. ب- الحُمرة. بر- الصُّفرة: «وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار» (١). د- الكُدرة: «وهو ما كان لونه ينحو نحو السَّواد» (٢)، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه (٣) مولاة عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: كان النِّساء يبعَثن إِلى عائشة أمّ المؤمنين بالدِّرَجَة (٤) فيها الكُرسف (٥)، فيه الصُّفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهنَّ: لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصَّة (٦) البيضاء -تريد بذلك الطُّهر من الحيضة-«(٧). -------------------- = والبيهقي، وحسّنه شيخنا في»الإِرواء«(٢٠٤). (١) قاله الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٢٦). (٢)»المعجم الوسيط«. (٣) انظر ما ذكَره شيخنا في»الإرواء«(١/ ٢١٩): حول أمّ علقمة. (٤) الدِّرَجَة؛ بكسر الدال وفتح الراء، جمع دُرْج: وهو السَّفط الصغير تضع فيه المرأة خِفَّ متاعها وطيبها، وقيل: إِنّما هو الدُّرَجَة تأنيث دُرْج ...»النهاية«. (٥) القطن. (٦) هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحشي بها الحائض، كأنَّها قصَّة بيضاء لا يخالطها صُفرة. وقيل: القصة شيء كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدّم كله.»النهاية«. (٧) أخرجه مالك وعلّقه البخاري، وصححه شيخنا -حفظه الله- في»الإرواء" (١٩٨). ومن طريق أخرى عن مولاة عائشة -رضي الله عنها- أيضًا بلفظ: «قالت: إِذا رأتِ الدَّم فلتُمسكْ عن الصَّلاة حتى تَرى الطُّهر أبيض كالفضَّة، ثمَّ تَسُلّ وتُصلّي» (١). والكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إلاَّ في أيام الحيض، وفي غير ذلك لا تُعدّ حيضًا؛ لحديث أمّ عطيّة «كنَّا لا نعُد الصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر شيئًا» (٢). فإِنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعدُدْن ذلك قبل الطهر حيضًا. قال شيخنا في «تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة» (ص ١٣٦): «والحديث (٣) وإِن كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع (٤) لوجوه، أقواها أنَّه يشهد له مفهوم حديث أمّ عطيَّة المذكور في الكتاب (٥) عقب هذا بلفظ:»كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا«، فإنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضًا، وهو مذهب الجمهور؛ كما قال الشوكاني. -------------------- (١) أخرجه الدارمي: (١/ ٢١٤) وإسناده حسن، وانظر»الإِرواء«(١/ ٢١٩). (٢) أخرجه أبو داود: (٣٠٧)،»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٠) والدارمي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٢٩)، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وشيخنا في»الإرواء«(١٩٩)، ورواه غيرهم أيضًا، وأخرجه البخاري: ٣٢٦، ولم يذكر»بعد الطهر«. (٣) أي: حديث:»كانت النساء يبعَثن إِلى عائشة بالدِّرجة فيها الكُرسف ...«. (٤) قال في»سبُل السلام«(١/ ١٨٦):»(كُنَّا) له حُكم الرفع إِلى النّبيّ - ﷺ -؛ لأن المراد: كنا في زمانه - ﷺ - مع عِلمه؛ فيكون تقريرًا منه، وهذا رأْي البخاري وغيره من علماء الحديث؛ فيكون حُجَّة«. (٥) أي:»فقه السنة". وكنتُ قديمًا أرى أنَّ الحيض هو الدَّم الأسود فقط، لظاهر حديث فاطمة بنت حبيش -رضي الله عنها- المذكور في الكتاب، ثمَّ بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات؛ أنَّ الحقَّ ما ذكَره السيد سابق: أنَّه الحُمرة والصُّفرة والكُدرة أيضًا قبل الطهر؛ لهذا الحديث وشاهده، وبدا لي أيضًا أنَّه لا يعارضهما حديث فاطمة؛ لأنه وارد في دم الاستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، فهي تُميِّز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسَّواد، فإِذا رأته تركَت الصَّلاة، وإِذا رأت غيره صلَّت، ولا يَحتَمل الحديث غير هذا، والله أعلم». وجاء في «المحلّى»، (٢/ ٢٢٩): «وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإِسحاق وعبد الرحمن بن مهدي: الصّفرة والكُدرة في أيّام الحيض حيض، وليست في غير أيّام الحيض حيضًا. وقال اللَّيث بن سعد: الدَّم والصُّفرة والكُدرة في غير أيام الحيض ليس شيء من ذلك حيضًا، وكلّ ذلك في أيام الحيض حيض». جاء في «المغني» (١/ ٣٤٩): «والصُّفرة والكُدرة في أيَّام الحيض من الحيض؛ يعني إِذا رأت في أيام عادتها صُفرة أو كُدرة فهو حيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها لم يُعتدَّ به؛ نصَّ عليه أحمد وبه قال يحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري والأوزاعي وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق». مدَّته: اختلف العلماء في أقلِّه وأكثره، فمِن قائل: أقلّ الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وقد رُوي هذا عن عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن أحمد أنَّ أقلَّه يوم، وأنَّ أكثره سبعة عشر (١). قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥): «اختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، ونقل الداودي أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطُّهر وأقلّ الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدَّة عنده ستون يومًا، وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقل الطّهر خمسة عشر يومًا، وأنَّ المراد بالقُرء الحيض، وهو قول الثوري، وقال الشافعي: القُرء: الطُّهر، وأقله خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم وليلة ...». «ويُذكر عن عليّ وشُريح (٢) إِن امرأة جاءت ببيّنة من بطانة أهلها، ممّن يُرضى دينُه أنَّها حاضت ثلاثًا في شهر صُدِّقت. وقال عطاء (٣): الحيض يومٌ إِلى خمسَ عشرة». ------------------ (١) انظر «الشرح الكبير» (١/ ٣٢٠). (٢) قال شيخنا في «المختصر» (١/ ٩١): «وصله الدارمي (١/ ٢١٢ - ٢١٣) بسندٍ صحيح عنهما به نحوه، وفيه قصَّة». وسياق هذه القصّة ما رواه الشعبي أنَّه «جاءت امرأة إِلى عليّ تُخاصِم زوجها طلقها، فقالت: حِضت في شهر ثلاث حِيَض، تطهر عند كلِّ قرء، وتصلّي جاز لها، وإلاَّ فلا، قال علي: قالون». قال الحافظ (١/ ٤٢٥): قال «وقالون بلسان الروم: أحسنت، فهذا ظاهر في أنَّ المراد أن يشهد له بأنَّ ذلك وقع منها». (٣) قال الحافظ (١/ ٤٢٥): وصله الدارمي بإِسناد صحيح، قال: أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم«. وقال شيخنا في»المختصر" (١/ ٩١): وصله الدارمي (١/ ٢١٠ - ٢١١) مفرّقًا = والحقّ أنَّه لم يأتِ في تحديد مدّة الحيض ما ينهض للاحتجاج، وتحديد ذلك يعود للمرأة، ويكون على حالات، كما سيأتي قريبًا -إِن شاء الله تعالى-. قال في «المغني» (١/ ٣٢١): «ولنا أنَّه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشريعة؛ فيجب الرّجوع فيه إِلى العُرف والعادة ...». ثمَّ ذكر حالات نادرة عن علماء السلف في الحيض والطهر. ثمَّ قال: «... وقولهنَّ يجب الرجوع إِليه لقوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ الله في أرحامهنَّ﴾ (١) فلولا أنَّ قولهنَّ مقبول ما حرَّم عليهنَّ الكِتمَان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿ولا تكتموا الشَّهادة﴾ (٢) ...». قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) بعد إِيراد قوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ﴾: «وقد روى الطبري بإِسناد صحيح عن الزُّهري قال: بلغنا أنَّ المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض؛ فلا يحلّ لهنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدَّة، ولا يملك الزوج الرجعة إِذا كانت له. وروى أيضًا بإِسناد حسن عن ابن عمر قال:»لا يحلّ لها إِنْ كانت حائضًا أن تكتم حَيْضتها، ولا إِن كانت حاملًا أن تكتم حَمْلَها«. -------------- = نحوه، وسند»اليوم" حسن، وسند الباقي صحيح. (١) البقرة: ٢٢٨ (٢) البقرة: ٢٨٣ https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif |
| الساعة الآن 01:30 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي