ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم تفسير القرآن الكريم (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=78)
-   -   وقفات ودروس من سورة البقرة (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=37218)

ابو الوليد المسلم 04-28-2026 11:39 AM





6- ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: 57].

7- ثم خصص الله لهم أرضًا مباركةً يدخلوها ليحكموا فيها ويصبحوا سادتها؛ لكن هذا التخصيص كان مشفوعًا بأمر إلهي بسيط جدًّا؛ وهو أن يدخلوها "سُجَّدًا"، ويقولوا "حِطَّة "؛ أي: ربنا حط عنا خطايانا، ما طلب منهم الله عز وجل إلا السجود والاستغفار، فما كان إلا أن قوبلت هذه النعمة بعصيان الأمر والتكبُّر على السجود لخالقهم، وإعراضهم عن الاستغفار بتبديل اللفظ استهتارًا واستهزاءً، نفسية فاسدة، شيطانية! قال البخاري: حدثني محمد، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل لبني إسرائيل: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ [البقرة: 58]، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة: حبة في شعرة، فكان العقاب: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة: 59] والرجز هو العذاب، وقيل الطاعون.

8- نعمة العيون الاثني عشر:ثم إن موسى استسقى لقومه، طلب من الله أن يفجر لهم ماء في طريقهم، فكان له ذلك بمعجزة ضرب العصا أيضًا، فجَّر لهم الله اثنتي عشرة عينًا على عدد أسباطهم إمعانًا في الإنعام عليهم، فينتظمون في مشاربهم ولا يختلفون ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]، ما أكرمك من إله سبحانك! لقد كفاهم الله جل وعلا مؤونة المأكل باللحم والحلواء "المن والسلوى"، والمشرب بتفجير العيون، فكيف قابل هؤلاء القوم نِعَم ربِّهم عليهم؟! قوبلت هذه النِّعَم بالبطر والازدراء؛ بل وبطلب استبدالها بما هو دونها من الطعام، فطلبوا الفوم والعدس والبصل، وانظر إلى الوقاحة في الخطاب: ﴿ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا [البقرة: 61]، وكأنهم حتى تلك اللحظة لم يعترفوا بالله ربًّا لهم؛ بل هو ربُّ موسى فحسب!


فكان العقاب: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة: 61]، فكانت الذلة والصغار ملازمة لهم إلى يوم يبعثون، مشفوعة بغضب الله وسخطه، وهنا يذكر سببًا آخر لوجوب الذلة والمسكنة اصطبغت به مسيرتهم القادمة بعد التيه ووفاة موسى عليه السلام؛ ألا وهي قتل الأنبياء بغير الحق!


رفع الطور وأخذ الميثاق: هنا يذكِّر الله بني إسرائيل بالميثاق الذي أخذه عليهم بعد أن أنجاهم من مصنع العذاب الذي كانوا يعيشون فيه، وكان الميثاق أن يؤمنوا به وحده لا شريك له ويتَّبعوا رُسُلَه، أمرهم أن يمتثلوا لهذا الميثاق ويأخذوه بقوة وحزم وهمة؛ لكنهم امتنعوا عن الطاعة، فرفع عليهم الجبل، فلما نظروا إليه وقد غشيهم، سقطوا سُجَّدًا وأخذوا العهد؛ لكنهم تولَّوا بعد ذلك ونقضوا العهد؛ هم قوم أدمنوا نقض العهود.

ثانيًا: التذكير بأبرز قصتين في تاريخ القوم، تضيآن أهم ملامح الشخصية اليهودية: قصة أصحاب السبت، وقصة البقرة.
ويبدأ السياق بقصة أصحاب السبت.


أصحاب السبت: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 65، 66].


يأتي السياق في سورة البقرة على قصة أصحاب السبت، في إشارة سريعة، نجدها مبسوطة في سورة الأعراف إن شاء الله؛ لكن هذه الإشارة- على إيجازها- تُلخِّص ما كان من أمر القوم من خداع وعصيان، وما حَلَّ بهم من عقوبة، وكيف جعلها الله عبرةً للناس في زمانهم ولمن خلفهم.


اعتدوا في السبت؛ أي: عصوا أمر الله، واتبعوا أسلوب الحيلة والخداع مع ربِّهم، مع من؟ مع ربهم!


فكانت معصيتهم مخادعة خالقهم الله جل في علاه، فاستحقوا أشد عقوبة نزلت عليهم في تاريخهم: مسخوا قردة! ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: 65].


فكانوا عبرةً للناس من حولهم ومن بعدهم إلى يوم الدين، ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 66]، هذه القصة كما كل قصص بني إسرائيل يرويها لنا القرآن لا للاستمتاع بها؛ بل للاتعاظ، فنحن المقصودون بالعبرة بقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا.


وكم منا اليوم أصحاب السبت ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

ثم قصة البقرة، هذه القصة وردت في القرآن الكريم مرة واحدة فقط وفي هذا السياق ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 67- 71].

وتفصيل قصة البقرة له دلالة في التركيز على صفات العناد والمماحكة والتشديد والتعنُّت التي يتصف بها هؤلاء القوم، ناهيك عن الاستكبار على تطبيق الأمر الإلهي دون جدل، قوم لا يمكن أن يصل لهم أمر من الله ويطبقونه فقط؛ لأنه أمر الله أبدًا.

كان الأمر بكل بساطة: "اذبحوا بقرة"، فجاء الجواب: ما هي؟ كم عمرها؟ ما لونها؟ ما صفاتها؟ ما شأنها؟

فكانت معصيتهم الجدال، والمماحكة في أمر الله.

ومع "بعضٍ" من هذه البقرة كانت معجزة إحياء القتيل الذي قُتِل فيهم ولم يُعرَف قاتله، ليتكلم فيقول: من قتله ثم يعود فيموت، ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 72، 73].

يقول ابن كثير في تفسيره: عن ابن عباس، قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها، فضربوه- يعني القتيل- بعِضْو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فسألوه، فقالوا له: مَنْ قتلك؟ قال: قتلني فلان.

ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل: جعل تبارك وتعالى ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه في إحياء الموتى، في خمسة مواضع: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة: 56]،وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت، وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة"؛ انتهى ابن كثير.


وبعد كل هذا، وعِوَضًا عن أن تستكين نفوسُهم وتخشع قلوبُهم لخالقهم وربِّهم ومجري المعجزات أمامهم المعجزة تِلْوَ الأخرى، ظلوا على نهجهم في ممارسة الندِّيَّة لأوامر الله عز وجل، يقول الله ونقول نحن، فكان أن أورثوا قسوة القلب وأي قسوة!


﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 74].

انظروا إلى تشبيه القسوة هذه، قسوة صمَّاء تمامًا، تمامًا لا يوجد فيها ثغرة خير واحدة، فإن كان في الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، فهم ليسوا كتلك الحجارة هم أشد قسوة، وإن كان منها ما يشقق فيخرج منه الماء - وهو في هذا أقل من سابقه - فهم أشدُّ قسوة، حتى الحجارة التي تسقط من خشية الله لا يشبهونها، هم أشدُّ قسوة من الأحجار بكل أشكالها، قلوب صمَّاء.

يا الله، ما هذه الجِبِلَّة؟!

وكما هي كل قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم، تنطوي هذه الآيات على درس وعبرة لأمة الإسلام، ألَّا يسيروا على خُطى القوم فيورثوا قسوة القلب، فيكون فيه هلاكهم، هذه القسوة التي حذَّرنا الله منها في سورة الحديد، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16].

ومع الأسف نجد اليوم أن شياطين الإنس من بني يهود،قد نجحوا في جعل فريق كبير من أمتنا يمتهن هذه المعصية: الجدال والمماحكة في أوامر الله حتى وصل الأمر بالبعضإلى الإنكار التام! ولله الأمر من قبل ومن بعد.


ثالثًا: تعامل اليهود مع كتاب الله الذي أنزل عليهم والرسالة التي اختصَّهم اللهُ بها.

التحريف بعد العلم والفقه:
بعد أن بيَّن اللهُ عز وجل صفات القسوة التي أضحى عليها القوم بالرغم من كل ما رأوه من آيات ومعجزات تخترق كل النواميس والسنن الكونية، فلا يقدر على إجرائها إلا الواحد القَهَّار، شرع السياق في التوضيح للمؤمنين حقيقة هؤلاء القوم ويبين لهم من أخبارهم في التعامل مع رسالة الله وكتابه الذي أنزله عليهم، التوراة، ما خفي عنهم حتى إنهم ظنوا أنهم سيستمعون لهم ويؤمنون بما آمنوا به من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم جلَّ في عُلاه: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75].


هم قوم يسمعون كلام الله، ويعقلونه ويفهمونه من كل جوانبه وبكل جزئياته حتى يتمثله عقلهم ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ باحترافية شيطانية".


وقد خرج في الأمة في يومنا هذا من سار على نهج بني إسرائيل في التحريف بعد العقل والفهم؛ نعم.. لقد كانت العقود الأخيرة زمن "نجوميتهم" بامتياز!


المخادعة: الظاهر والباطن.. السر والعلن ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 76].


فالكتاب عندهم ليس لإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ بل للتلاعب بمن حولهم، ومنَّا من يفعل ذلك جهارًا نهارًا!

كتمان العلم المنزل من عند الله ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 76].

سوء تقديرهم لقدرة الله في معرفة ما يسرُّون وما يعلنون: ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة: 77].


اشتغال الأميُّون منهم بالكتاب بالظن والأماني ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة: 78]، من بني إسرائيل أميُّون لا يجدون القراءة والكتابة، ومع ذلك يتكلمون في التوراة ويجادلون فيها بغير علم وإنما ظنًّا وكذبًا، وما تتمنَّاه أنفسهم.


"عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها".


وإن كان هؤلاء أميين، فبين ظهرانينا "عالمون" ويتكلمون في الكتاب ظنًّا وكذبًا وأماني!


يكتبون الكتاب بأيديهم: ومنهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، فيدخلون عليه ويخرجون منه، وقد شابههم اليوم فريق من الأمة، امتهنوا هذه المعصية، لكن باحتراف وإتقان، دخلوا على كتاب الله من باب الحداثة والعصرنة، وأن لكل عصر سمته وحاجاته، وأن عصرنا لم يعد يحتاج إلى كثير مما ورد في القرآن الكريم، فكان أن أبطلوا أحكامًا واستبدلوا أخرى، وأحلوا حرامًا وحرموا حلالًا، والسبب؟ متاع الحياة الدنيا، الهوى، المال، الجاه، باعوا الدين ليشتروا الدنيا، وعقاب هؤلاء عظيم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ[البقرة: 79].


هناك وجه آخر درج في الآونة الأخيرة يندرج تحت كتابة الكتاب بأيديهم، وهو تفسير الآيات على غير ما هي عليه، ظنًّا منهم أنهم يخدمون الإسلام برفض حقيقة الآيات التي يخجلون بها أمام من يتهمون الإسلام، وما دروا أن الإسلام عزيز بنهج الله وقرآنه.


وكم منا من يحرم ويحلل ويزيد وينقص من الكتاب عن طريق التأويل والتحريف والإنكار والإثبات بما يمليه عليه الهوى!


وقفة مع المواثيق التي أخذها الله عز وجل على بني إسرائيل:
الميثاق الأول: العبادات والمعاملات السلوكية:
التوحيد ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 83].
الإحسان للوالدين.

الإحسان لذِي القربى واليتامى والمساكين.

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].


إقامة الصلاة.


إيتاء الزكاة.



فكانت الاستجابة لهذا الميثاق بأن تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، إلا قليلًا منهم ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: 83].


الميثاق الثاني، ويتضمن شطرين: الأول في الوحدة وعدم الاقتتال، والثاني عدم المظاهرة، وتحريم إخراج بعضهم بعضًا من بيوتهم.
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [البقرة: 84].

وهذا الميثاق مأخوذ عليهم في التوراة؛ لكنهم كانوا يخالفونه حتى مدة قريبة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم كانوا قد أقرُّوه وقبلوه وعاهدوا الله عليه، ومدار هذا التذكير الإلهي لهم، كما ورد في سبب نزول الآية في تفسير ابن كثير:
أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكان يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل يهودًا مثله من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، مع أن هذا فعلٌ مُحرَّم في دينهم، ثم إذا وضعت الحرب أوزارَها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ [البقرة: 85].

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85].

فكانت منهم المعصية معصيتان: نقض المواثيق، و"الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه"!


وكان العقاب: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85].

ومدار هذا الميثاق أن أهل المِلَّة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

وأقرب ما يكون إلى هذا الميثاق عندنا ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسَدُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا، المسلِمُ أخُو المسلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ".

ونحن اليوم يظلم بعضُنا بعضًا، ويخذل بعضُنا بعضًا، ويسلم بعضنا بعضًا، ويخون بعضُنا بعضًا، ويحقر بعضُنا بعضًا، وكثير منا لا يعترف بحرمة دم ولا مال ولا عرض أخيه المسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

إن حب الدنيا واللهاث وراءها وكأنها دار خلود، هو أصل كل المعاصي والخروج عن صراط الحق إلى سبل الشيطان وطرق الباطل، شراء الدنيا بالآخرة، رأس المعصية أن يبيع الإنسان دينه وعقيدته في سبيل متاع الدنيا الفاني الزائل المنقضي.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ﴾ [البقرة: 86] وعقابهم:﴿ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ[البقرة: 86] غفرانك اللهم.
يتبع.

[1] https://al-maktaba.org/book/31871/4223#p14





ابو الوليد المسلم 04-28-2026 11:41 AM

وقفات مع سورة البقرة (7)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي
2 - وقفات مع قلب السورة

تابع المعلم الأول بني إسرائيل


بعد الوقفة التي وقفناها مع المواثيق التي أخذها الله عز وجل على بني إسرائيل، يستأنف السياق القرآني مع الصفات الْمُخِلَّة التي أورثت بني إسرائيل الضلالَ، ومن ثَمَّ الذلة والمسكنة إلى يوم الدين.

الأولى: سلوكيات الكبر، المرض الذي استحكم في القوم بعد موسى إلا من رحم ربي، والكِبْرُ هو المرض الذي أخرج إبليس من الجنة، وكان سببًا في استحقاقه لعنةَ الله إلى يوم الدين، والكِبر في تعريفه النبوي: ((الكبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس، أي: رفض الحق والبعد عنه ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس؛ أي: احتقارهم وازدراؤهم، وقد كان من شأن القوم:
الاستكبار على الرسالة والرسل:
1- من خلال تحكيمهم الهوى في قبولهم كرُسُلٍ، ومن لا يوافق هواهم، إما أن يكذبوه أو يقتلوه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87].


2- من خلال إغلاق قلوبهم دون ما جاؤوا به من رسالة، مدَّعِين امتلاءَ قلوبهم بالعلم الكامل، فلا حاجة لهم بعلم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 88]؛ قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ [البقرة: 88]، قال: "قالوا: قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره، فكان العقاب: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 88].


كتمان كلام الله الحق مع علمهم الدقيق بأنه الحق، وأنهم على باطل، لكن انتصارًا للرأي والهوى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]، ثم نستوضح عقاب هذا الكتمان في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]، فقد كتم اليهود الكثيرَ من الحق، وأبرزُ ما كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتُّحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا لعنهم الله إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق، وتصديق الرسول، والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النَّزْرِ اليسير، فخابوا وخسِروا في الدنيا والآخرة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علِموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم؛ أي: لا يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.

إنكارهم لتحول القبلة بالرغم من علمهم بأنه أمر حق، والاستكبار عن اتباع الحق، واتباع الهوى على علمٍ، صفة مستمرة في القوم منذ نبيهم موسى، وحتى خروج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وإلى يومنا هذا؛ ففي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]؛ يقول القرطبي: "﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 144] يريد: اليهود والنصارى، ﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144]؛ يعني تحويل القبلة من بيت المقدس، فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيٌّ، علِموا أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا به، الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ، وإن جحده بعضهم، فصاروا عالِمِين بجواز القبلة"؛ [انتهى من القرطبي].


ويقول الشوكاني في هذا: "وعِلْمُ أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبي يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجِبًا عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم"؛ [انتهى، الشوكاني].


الثانية: قتلهم الأنبياء: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 91]، وكان نهج بني إسرائيل في تكذيب وقتل أنبيائهم نهجًا ليس له سابقة ولا لاحقة في أقوام البشرية، فـ﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70]، وكلما: أداة ظرفية تفيد التكرار، فما أكثر ما قتلوا! وما أكثر ما كذبوا!

فائدة:
يفيدنا الدكتور فاضل السامرائي في مسألة قتل بني إسرائيل لأنبيائهم، موضحًا الفرق بين قتلهم الأنبياء، وقتلهم النبيين، والفرق بين بغير حق، وبغير الحق في سورتي البقرة وآل عمران:

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61].

وقوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112].

وردت في البقرة: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]، وفي آل عمران: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 112]، يعني: هناك "نبيين" و"أنبياء"، وتنكير الحق وتعريفه، وفي آية أخرى في آل عمران: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 21].

يقول الدكتور فاضل السامرائي في تفصيل المسألة:
الحق المعرَّف: المعرفة تدل على أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق الذي يدعو إلى القتل، ما يدعو إلى القتل معلوم، إذًا هم يقتلونهم بغير الحق الذي يستوجب القتل، إذًا إذا كان أي واحد يقتل واحدًا بغير الحق الذي يستوجب القتل، كان ظالمًا، هذا: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]؛ يعني بغير الأسباب الداعية إلى القتل.

بغير حق: أصلًا ليس هنالك ما يدعو إلى هذه الفعلة، لا سبب يدعو إلى القتل، ولا غيره من الأسباب، أحيانًا واحد يقسو على واحد بالكلام يقول له: أنت سفيه، فيقتله هذا بغير حق الذي يدعو للقتل، قد يكون أثاره، حتى أحيانًا تحصل عندنا مشادات، إذًا هذا بغير الحق الذي يستوجب القتل، هذه: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]، أما بغير حق؛ يعني: أنه ليس هنالك سبب يدعو إلى القتل؛ اعتداء هكذا، فأي الأسوأ؟ بغير حق أسوأ، هذا أمر، والأمر الآخر:

النبيين جمع مذكر سالم جمع قلة، والأنبياء جمع كثرة، إذًا هم يقتلون كثرة من الأنبياء بغير حق؛ أي الأسوأ؟ "يقتلون الأنبياء بغير حق" أسوأ من ناحيتين؛ من ناحية الكثرة "الأنبياء"، ومن ناحية "بغير حق"، يقتلون كثيرًا من الأنبياء بدون داعي.


وهناك أمر آخر هو عندما يفصِّل في عقاب بني إسرائيل يذكر الأنبياء؛ نقرأ سياق الآيتين: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61].

في آل عمران: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]، هذه عامة، كرَّر فيها وفصَلَ وأكَّد: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ... وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ [آل عمران: 112]، بينما في البقرة جمع الذلة والمسكنة في كلام واحد: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ [البقرة: 61]، فأما التكرار والتعميم والتأكيد في آية آل عمران، فلأنهم فعلوا الأسوأ، فاستحقوا هذا الكلام، التأكيد في ضرب الذلة والمسكنة، هل يجوز في البيان أن نضع واحدة مكان أخرى؟ لا يمكن.


في آل عمران قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21].

هذه الآية عامة، هذه ليست في بني إسرائيل، أما قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]، فهذه في بني إسرائيل تحديدًا، وهي تحكي عن عقوبتهم في الدنيا فقط، بينما الآية 21، فيها حكم عام يشمل كل من ارتكب هذه المعصية من الناس، ويفصل عقابه في الدنيا والآخرة، فيقول في الآية التي تليها: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 22]، هذا فيمن قتل النبيين، فما بالك بمن قتل الأنبياء؟! فالذي قتل القلة هذا أمره، فما بالك بمن قتل أكثر، هو قتل قلة بدون داعي، فما بالك بمن قتل أكثر؟! كل واحدة مناسبة في مكانها، الألف واللام في اللغة ربما تحول الدلالة: بغير حق وبغير الحق، وجمع الكثرة وجمع القلة، جمع المذكر السالم وجمع التكسير، جمع التكسير فيه جمع قلة، وجمع كثرة، جمع التكسير: أفعُل أفْعَال أفْعِلَةَ فِعْلَة، جموع قلة، وما عداها جمع كثرة، 23 وزنًا جموع كثرة؛ [انتهى، فاضل السامرائي].

الثالثة: عبادة العجل من دون الله وموسى بين ظهرانيهم، بل في لقاء مع ربه: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 92، 93].

يقول الشوكاني في (فتح القدير): "﴿ وَأُشْرِبُوا ﴾ تشبيه بليغ؛ أي: جُعِلت قلوبهم لتمكُّن حب العجل منها كأنها تشربه، ثم قال: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاورها ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْسببية؛ أي: كان ذلك بسبب كفرهم عقوبةً لهم وخذلانًا"؛ [انتهى].



وقد بدا أن الميل الشركيَّ متجذر في قلوب القوم، فقد كان ذلك منهم بعد أن جاوز سيدنا موسى بهم البحر؛ كما جاء: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138].


ما أسرع نسيانهم للنعمة ونكرانهم فضل الْمُنْعِم!



الرابعة: تحدي الله ربهم، والفجور في العصيان بقولهم: سمعنا وعصينا: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 93].

الخامسة: الغرور: ادعاؤهم بأنهم أصحاب الجنة في الآخرة: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 94 - 96].


يقول الشوكاني في تفسير هذه الآيات: "﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ [البقرة: 94] هو رد عليهم لما ادَّعَوا أنهم يدخلون الجنة، ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان، ﴿ خَالِصَةً ﴾ [البقرة: 94]، ومعنى الخلوص: أنه لا يشاركهم فيها غيرهم، إذا كانت اللام في قوله: ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 94] للجنس، أو لا يشاركهم فيها المسلمون، إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [البقرة: 111]، وإنما أمرهم بتمنِّي الموت؛ لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة، كان الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ [البقرة: 95] و(ما) في قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [البقرة: 95] موصولة، والعائد محذوف؛ أي: بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب، بل غير طامع في دخول الجنة، فضلًا عن كونه قاطعًا بها، فضلًا عن كونها خالصةً له مختصةً به"؛ [انتهى، الشوكاني].

السادسة: افتراء الكذب على الله بادعائهم معرفة الحساب، وكم سيكون لُبثهم في النار:﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]، العجيب في هذه الآية أنهم يعترفون أنهم يستحقون النار، وفي قرارة أنفسهم يدركون أن عاقبة أفعالهم الخلود في النار، وإلا لما خرج عنهم هذا القول: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80]، لكنه الخوف لبعث الطمأنينة في داخلهم افتراء وتزييفًا، ومنا للأسف مَن يستهزئ بالحساب، ويستسهل المعاصي من هذا المنطلق، يقولون لك عند النصح: بضعة أيام في النار ثم نخرج: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]، ثم يجيبهم الله عز وجل بقرار جازم وبحكم مطلق كيف يكون الحساب: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81، 82]، وإحاطة الخطيئة بابن آدم يعني استملاكها قلبه وجوارحه وعقله، وفي التفاسير أنها الشرك، أو الكبيرة الْمُوجِبة لا يتوب منها، وفي مقابل أصحاب النار هؤلاء، يقف المؤمنون أصحاب الجنة، وكلاهما كُتب عليهم الخلود.


اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.



السابعة: تفريقهم بين الملائكة، وادعاؤهم عداوةَ جبريل عليه السلام، ومحبة ميكائيل: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 97، 98]؛ عن ابن عباس، قال: ((أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنَّ، عرَفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [يوسف: 66]، قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي، قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف تؤنِّث المرأة وكيف تُذكِر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذْكَرَت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنَثَتْ، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال: كان يشتكي عِرْقَ النَّساء، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا، قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل، فحرَّم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: مَلَكٌ من ملائكة الله عز وجل مُوكَّل بالسحاب بيديه أو في يده مِخْرَاق من نار يزجُر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال: صوته، قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من نبي إلا وله مَلَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبِرْنا: من صاحبك؟ قال: جبريل عليه السلام، قالوا: جبريل، ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقَطْر لكان؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 97، 98]))؛ يقول ابن كثير: "﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ [البقرة: 98]، وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصا بالذِّكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليُّهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على الأنبياء بعض الأحيان، كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكَّل بالقَطر والنبات، ذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكَّل بالصُّور للنفخ للبعث يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: ((اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))"؛ [انتهى، ابن كثير].



الثامنة: نقض العهد في كل مرة: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 100]، و"كلما" تفيد تكرار وقوع الجواب بتكرار وقوع الشرط؛ أي: كلما وقع الشرط، تكرر وقوع الجواب.

التاسعة: النُّكوص عن اتباع الحق المذكور في كتابهم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 101]، وكذلك إنكارهم للكتاب الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يعلمون به وينتظرونه، لكنهم أنكروه بغيًا وحسدًا، فقط لأنه ليس منهم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [البقرة: 89، 90]، فكان العقاب: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [البقرة: 90].


العاشرة: افتراؤهم على سيدنا سليمان واشتغالهم بالسحر: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102].



يقول ابن كثير في تفسيره: "عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصِفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيِّه، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال: فأكْفَره جُهَّال الناس وسبُّوه، ووقف علماؤهم، فلم يَزَلْ جُهَّالهم يسبُّونه، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102].


الحادية عشرة: التورية بالألفاظ؛ بقصد إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والسخرية منه ومن المؤمنين.


في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104].

يتبع

ابو الوليد المسلم 04-28-2026 11:43 AM



وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًّا، قيل: إنه في لغتهم بمعنى: اسمع لا سمِعتَ، وقيل: غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا طلبًا منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك، مظهرين أنهم يريدون المعنى العربيَّ، مُبطنين أنهم يقصدون السبَّ الذي معنى هذا اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدًّا للذريعة، ودفعًا للوسيلة، وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض، فقال: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ [البقرة: 104]؛ أي: أقْبِلْ علينا، وانظر إلينا؛ [انتهى، الشوكاني].



وفي قوله تعالى أيضًا: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 46]، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلَّموا إنما يقولون: السَّامُ عليكم، والسام هو: الموت؛ ولهذا أُمِرْنا أن نرد عليهم بـ(وعليكم)، وإنما يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا، والمستفاد من قوله تعالى هنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104] أنَّ الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا.



الثانية عشرة: الأثَرة، والأنانية، تورِثان الحسد، وتصدَّان عن اتباع الحق، وهذا كان سبب إحجام الذين كفروا من أهل الكتاب، يهودًا ونصارى، والمشركين، عن اتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يخبرنا به الله عز وجل بكل وضوح؛ بقوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: 105]، وقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109].



والمستفاد تحذير المؤمنين منهم، من اليهود والنصارى، فهم - بكلام الله خالقهم وعالم الغيب والمطلع على السرائر - لا يمكن أن يتمنَّوا الخير للمسلمين أبدًا، لا يمكن، بل إن كثيرًا منهم هِمَّتهم في جَعْلِ المسلمين يرتدون كفارًا، والدافع: الحقد والحسد، خاصة بعد أن علموا أن المسلمين على حقٍّ، وأن دينهم هو الدين الذي تحيا به البشرية، وسيكون هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة.



الثالثة عشرة: تألِّيهم على الله، وتنصيب أنفسهم حُكَّامًا على من يدخل الجنة، ومن يدخل النار، فخصُّوا أنفسهم بالجنة، وباقي البشر كلهم في النار، ثم إن من تمام استكبار أهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى أنهم ضامنون للجنة، فاليهود أبناء الله وأحباؤه، والنصارى شفيعهم عيسى ابن مريم، يحمل عنهم كل أوزارهم ويدخلهم الجنة، وكل ما عداهم مصيره النار، وقالوا: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ [البقرة: 111]، فيرد الله عز وجل عليهم: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]، والمستفاد تحذير أمة محمد من امتهان التألي على الله، وتوزيع مقامات الجنة والنار، كل حزب بما لديهم فرحون.


الرابعة عشرة: تكذيب بعضهم بعضًا، وتفرُّقهم شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون، رغم تلاوتهم في كتبهم ما يدحض تكذيبهم هذا: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 113]، عن ابن عباس، قال: ((لما قدِم أهل نَجْران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتَتْهُم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجَحَدَ نبوة موسى وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله في ذلك الآية: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 113]))، يقول ابن كثير: "كلٌّ يتلو في كتابه تصديق من كفر به؛ أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه، وقال قتادة: "﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ [البقرة: 113]، قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ [البقرة: 113]، قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا".


والمستفاد ألَّا تسلُكَ أمة محمد صلى الله عليه وسلم مَسْلَكَ أهل الكتاب في الفرقة والتحزب؛ انتصارًا للرأي؛ كما جاء في سورة الروم: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31، 32].

الخامسة عشرة: عداوتهم دائمة للإسلام والمسلمين: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]، كما قال: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82]، وقال: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 118، 119].

والمستفاد إرساء القاعدة الأزلية الثابتة في العلاقة الحقيقية بين المسلمين وأهل الكتاب: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، في تنبيه المؤمنين إلى أنه لا يمكن لليهود والنصارى أن يكونوا صادقين في أي ادعاء لمحبة أو صداقة أو أخوة لمسلمٍ.

السادسة عشرة: إغراء المؤمنين باتباع دينهم: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ [البقرة: 135]، فردَّ الله عليهم: ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [البقرة: 135]، وهذا دَيدنُهم في كل عصر وزمان.

السابعة عشرة: كتمان الشهادة، بادعائهم أن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، وقد شهدوا في كتبهم عكس ذلك: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140].

قال الحسن البصري: "كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهِد الله بذلك، وأقرُّوا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك"؛ [ابن كثير].

وقال القرطبي: " ﴿ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 140] يريد: علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام".


والمستفاد تحذير المسلمين من كتمان أي شيء في كتاب الله من أجل تحقيق مصلحة أو إرضاء هوًى.


الثامنة عشرة: اجتهادهم في استغلال كل ظرف ممكن لتشكيك المسلمين بدينهم، وصحة الرسالة التي يتبعونها، كما حدث في مسألة تحويل القبلة.


﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142]؛ يقول ابن كثير في مسألة تحويل القبلة: "ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكَفَرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشكٌّ، وقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142]؛ أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ [البقرة: 142]؛ أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثَمَّ وجه الله، وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: 177]".

ومما يؤكد نيتهم الفاسدة في أنهم ما جادلوا وسخروا من تحويل القبلة إلا تشكيكًا للمسلمين بدينهم، أنهم كانوا يعلمون أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم سيتخذ من الكعبة قبلة؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]، يتابع ابن كثير في تفسيره: "واليهود الذين أنكروا استقبال المسلمين للكعبة، وانصرافهم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجه نبيَّه صلى الله عليه وسلم إليها، حسب ما ورد في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأُمَّته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا"؛ [ابن كثير].

ومن أساليب تشكيك اليهود للمسلمين في دينهم ما ورد في سورة آل عمران: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72].

عن ابن عباس قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ﴾ [آل عمران: 72]؛ الآية، وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلُّوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، لعلهم ينقلبون عن دينهم، ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ [آل عمران: 73]؛ [تفسير الطبري].

والمستفاد تنبيه المسلمين إلى هذه الخَصلة الماكرة في بني يهود، وهي استغلال كل ظرف ممكن لتشكيك المسلمين بعقيدتهم، وبدينهم، وهذا ديدنهم، وكلما ضعُفت النفوس وركنت إلى الحياة الدنيا، أصبحت مهمة بني يهود سهلةً مُذلَّلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل سُبُل النجاة التزام القرآن والسُّنة، والتمسك بالصلاة إقامة وتقربًا إلى الله، والالتجاء إلى الله في كل حين.

التاسعة عشرة: خوفهم من الموت وفرارهم منه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243].

وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يُقال لها: داوردان، فخرجوا منها هاربين، فنزلوا واديًا، فأماتهم الله تعالى؛ قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون وقالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمرَّ بهم نبيٌّ فدعا الله تعالى فأحياهم، وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام، وقيل سبعة، والله أعلم، قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم، وقيل: إنهم فروا من الجهاد، ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد؛ بقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 244]؛ قاله الضحاك؛ قال ابن عطية: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليرَوا هم وكلُّ من خَلَفَ مِن بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر، وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد؛ [تفسير القرطبي].


والمستفاد: جَعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي فرض القتال على المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 244، 245]؛ هذا قول الطبري، وهو ظاهر وصف الآية.

العشرون: نكوصهم عن القتال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246].

في مرحلة من مراحل ضعف الأمة، عندما استُبيحت الأرض، وسُبِيَ الأبناء، وضاع الْمُلك والحُكم، وَجَدَ عِلْيَةُ القوم أو الحكماء من بني إسرائيل - ما نسميهم اليوم أصحاب القرار أو النخبة - أن لا حل لما يعانوه من ظلم وحرمان لاستعادة حقهم في الحكم والملك، إلا بالخروج على عدوهم الذي استباح بيضتهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا الجهاد، أجمعوا أمرهم وقرروا أن أفضل طريقة للخروج إلى القتال هي رصُّ صفوفهم تحت إمرة قائد، يكون لهم ملكًا – وكان حكامهم ملوكًا - ليعقد لهم راية القتال، فاحتكموا إلى نبيهم ليعرضوا عليه الأمر؛ رغبتهم بالقتال شرط أن يكون تحت إمرة ملك، ويبدو أنهم أرادوا ذلك لينعشوا فكرة الملك من جديد في نفوسهم، بعد أن حطمها أعداؤهم العمالقة، وقد يكون في كلمة: ﴿ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ﴾ [البقرة: 246] دلالة على بعث بعد مَوَاتٍ دَامَ زمنًا، والله أعلم، ولكن نبيهم كان يعلم الزيغ الذي في قلوبهم، يعلم أنهم كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون، يعلم أنهم يمكن أن ينقضوا كلامهم ويتراجعوا فيه، فاحتاط لذلك، وكان أن عمد إلى إظهار تشككه في كلامهم، والتثبُّت من عزيمتهم، ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ﴾ [البقرة: 246]، فما كان منهم إلا أكَّدوا عزمهم وإصرارهم على القتال، فالمصيبة كبيرة، وطنٌ سليب، وأبناء عبيد تحت إمرة العدو، ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ [البقرة: 246]، ولكن تبين أن الخروج من طور الفكر والشعور إلى طور العمل والظهور ليس أمرًا سهلًا، ففي مرحلة كهذه ينكشف عجز الأدعياء المدَّعِين، ويظهر صدق الصادقين، ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246] من الذي أوفى بالعهد؟ ﴿ قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ الفئة القليلة.

ويذكِّرنا موقفهم هذا بموقفهم من أمر موسى عليه السلام لهم بدخول الأرض المقدسة، كما ورد في سورة المائدة: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾ [المائدة: 22] ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة: 24].

والمستفاد تنبيه من رب العباد لنا، حتى لا نقع فيما وقعوا فيه فنكون مثلهم؛ كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 20].

الحادية والعشرون: المال وليس الإيمان شرط الملكية لديهم: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247].


وبالرغم من أن الملك المختار كان اختياره إلهيًّا، فإنهم اعترضوا عليه، فماذا لو كان بشريًّا؟ هذه مقاييس بني إسرائيل، اعترضوا على ملكهم لأنه ليس سليلَ الملوك، ولا مال عنده ولا عزوة، ولكن الله يؤتي ملكه من يشاء، بسطة في العلم والجسم: العلم الرباني الحقيقي، وليس علم الضحك على الأذقان، علم لا أريكم إلا ما أرى، علم المتاجرة باسم الدين، واستباحة عقول الناس باسم الإله، والقوة الإيمانية والجسدية.

والمستفاد التوضيح للمؤمنين أن شرط القيادة للمجتمع المؤمن لا علاقة له لا بالمال ولا بالجاه، وإنما هو الإيمان وما أُوتِيَ القائد من حكمة من ربه.

الثانية والعشرون: لا يؤمنون إلا بالمعجزات المحسوسة: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 248].


الثالثة والعشرون: تغليب حكم الهوى على أمر الله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249].

لما تملك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك، تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل، وكانوا عددًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ [البقرة: 249]، فهو عاصٍ، ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ﴾ [البقرة: 249]؛ أي: لم يشرب منه ﴿ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249] فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشرِبوا من النهر الشربَ المنهيَّ عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم، وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول، وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكُّلًا على الله، وتضرعًا واستكانة وتبرؤًا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم؛ [تفسير السعدي].

والعِبرة هي أن يسلِّم المؤمن لأوامر الله تسليمًا مطلقًا دون أن يناقشها من جهة العقل والحسابات البشرية المحسوسة، فلله حسابات تختلف عن حسابات البشر، هؤلاء القوم قاسُوا أمر الله بالمقياس البشري، فكيف يمرون على نهر وهم عطاشى ومقبلون على معركة عظيمة، ولا يشربون منه؟ لا يمكن، لا بد أنهم سيهلكون.

وبهذه العقلية حكَّم هؤلاء فَهمهم القاصر، وجعلوه ندًّا لأمر الله، وانصاعوا إليه، فكان أن حُرِموا الجهاد، وخرجوا من الصف، ولم يكن من شرِب من النهر قليلًا، بل كانوا سواد الجيش، قال السدي: "كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب ستة وسبعون ألفًا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال"؛ [ابن كثير].

الرابعة والعشرون: نظرتهم المادية للنصر والهزيمة: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 249 - 251]، حتى الفئة المؤمنة التي جاوزت النهر مع طالوت، كان منهم من يؤمن بالقوة المادية أكثر من إيمانه بالنصر، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدو مع كثرتهم؟ فقال أولو العزم منهم: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 249]، قال البراء بن عازب: "كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر؛ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - وفي رواية: وثلاثة عشر رجلًا - وما جاز معه إلا مؤمن".

والعبرة بطلان معادلة الكثرة والقلة في رجحان كفة القتال، وإرساء قاعدة إخلاص الإيمان والتوكل في استجلاب النصر.

وتختم دروس قصص بني إسرائيل في سورة البقرة بدرس من أهم الدروس التي يتعلمها المسلمون من مسيرة أهل الكتاب.

الخامسة والعشرون: الاختلاف من بعد العلم، من بعد أن جاءتهم البينات، ونزلت عليهم الشريعة والقانون الإلهي، دليل الإرشاد والهداية، فمنهم من آمن ومنهم من استكبر وكفر.

يقول تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253].

ويقول جل جلاله في آل عمران: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [آل عمران: 19].

وفي سورة الجاثية: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الجاثية: 17].

وفي البقرة أيضًا: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، وفي سورة الشورى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 14].

وقد حذرنا الله تعالى من هذا السلوك المهلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]، وقال سبحانه: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 30 - 32].

ولكن الله يفعل ما يريد.
سبحانه جل في علاه!



ابو الوليد المسلم 04-29-2026 08:02 PM

وقفات مع سورة البقرة (8)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي
3- وقفات مع قلب السورة





تابع معالم في سياق السورة، وفيها:
حقيقة السِّحْر، حقيقة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، مسألة القبلة، مفهوم الأمة الوسط، والْمَعْلَم السادس، توجيهات نفسية في الشدائد والكروب، مسألة الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعية الله عز وجل للصابرين.

الْمَعْلَم الثاني: حقيقة السِّحْر، وهذا المعلم من المعالم المميزة لسورة البقرة؛ إذ لم يَرِدْ ذِكْرُ السِّحْر بتفصيله في القرآن الكريم إلا في هذه السورة.


ولما كان هذا الموضوع على جانب كبير من الأهمية في حياة الأمة اليوم التي استشرى فيها السِّحْر بصنوفه وأنواعه، والعياذ بالله، وجدنا أن نتوسَّع في عرضه، وبالله التوفيق.

يقول جل في علاه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 101 - 103].

بنو إسرائيل هم أبرز من اشتغل بالسِّحْر علمًا وتعليمًا وعملًا: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [البقرة: 102].

وماذا كانت تتلو الشياطين على ملك سليمان؟ كانت تتلو السِّحْر.

ولكي يبرر بنو إسرائيل اشتغالهم بالسِّحْر المحرَّم، كانوا يتهمون سليمان بأنه ساحر.

جاء في تفسير ابن كثير: "عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصِفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال: فأكْفَرَه جُهَّال الناس وسبُّوه، ووقف علماؤهم فلم يَزَل جُهَّالهم يسبُّونه، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102].

وقال سعيد بن جبير: كان سليمان عليه السلام يتتبَّع ما في أيدي الشياطين من السِّحْر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدبَّت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخِّر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به الإنس واستخرجوه، فعمِلوا بها، فقال أهل الحِجا: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر؛ فأنزل الله تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءةَ سليمان عليه السلام، فقال: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمَدَتِ الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السِّحْر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليقل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السِّحْر جعلوه في كتاب، ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصَّدِيق للملك سليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل، حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا، فأفشَوا السِّحْر في الناس، وتعلَّموه وعلَّموه، وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمانَ بن داود، وعدَّه فيمن عدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألَا تعجبون من محمد؟ يزعُم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا؛ وأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]؛ الآية"؛ [انتهى، ابن كثير].

إذًا ليس سليمانُ هو الذي كَفَرَ واتبع السِّحْر، وإنما الشياطين هم الذين كفروا، وهذا - أي كفرهم - واقع منذ أن امتنع أبيهم عن السجود لآدم، ولأن إبليس قد أقسم لربه على غواية ابن آدم: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 82، 83]، فقد وجد هو وجنوده من الشياطين في السِّحْر مدخلًا عظيمًا لتحقيق هذه الغواية.

وهكذا أخذ الشياطين على عاتقهم مهمة تعليم الناس السِّحْر.

ومعلوم أن السِّحْر لا يكون إلا باستعانة الإنس بالجن، وكما أن الإنسيَّ الذي يعمل بالجن من صنف الإنس الكافرين، كذلك الجني الذي يتصل به لإنفاذ السِّحْر من جنس الجن الكافرين، والشياطين تشمل الاثنين معًا، وهم خدم إبليس والعياذ بالله.

ويقع الخلاف بين المفسرين في تتمة الآية: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ [البقرة: 102]، فمنهم من يرى أن (ما) هنا نافية، تنفي أن يكون السِّحْر قد أُنزِل على الملكين هاروت وماروت، لكن هذا بعيد عن سياق الآيات التي يُفهم منها بصريح التعبير أنه أُنزل عليهم، وأن (ما) هنا معطوفة على السِّحْر، كما يرى الدكتور فاضل السامرائي، بأنها بمعنى (الذي)، فيكون المعنى: يعلمون الناس السِّحْر والذي أُنزل على الْمَلَكَين ببابل هاروت وماروت، المفسرون الذين اختاروا أن تكون (ما) نافية لتعلم الملكين السِّحْرَ، اعتمدوا على أن الملكين لا يمكن أن يتعلمان السِّحْر ويعلمانه للناس، وأن هاروت وماروت رجلان قاما بتعليم الناس السِّحْر بعد تحذيرهم منه، والمفسرون الذين اعتمدوا (ما) معطوفة على السِّحْر بمعنى الذي يقولون بأن هذين الملكين هاروت وماروت علمهما الله السِّحْر، وأنزلهما للناس فتنةً، لكنهما يحذرون الناس قبل تعليمهم السِّحْر من أن هذا فتنة وكفر: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102]، فمن أصرَّ على التعلُّم كَفَرَ.

الدافع الأكبر لتعلُّم السِّحْر والدخول في الكفر التفريق بين المرء وزوجه: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]، وهذه غاية ما يتمناه الشيطان في الإفساد بين بني البشر؛ روى مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان لَيَضعُ عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: ما زِلْتُ بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله، قال: فيقرِّبه ويُدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم، أنت)).

السِّحْر بين الأسباب والمشيئة الربانية:
ولكن هل ما يحدث بعد إنفاذ السِّحْر يكون بفعل السِّحْر/ الساحر نفسه وتأثيره؟ ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 102]، فيكون الجواب: بالطبع لا.

فلا شيء في هذا الكون يقع إلا بمشيئة الله، ولا شيء يُرفع إلا بمشيئته، لكن شياطين الإنس والجن أسباب لهذا الوقوع أو الرفع، وهذا من تمام الابتلاء لبني آدم، في مجتمعنا، للأسف الشديد، الكثير من الخلط بين المشيئة الإلهية، وسبب النفع والضر، سواء عن طريق السِّحْر أو التقرب للأولياء والدعاء عندهم، ومن تمام الفتنة أن يحصل مراد الإنسان بعد لجوئه إلى هذه الأعمال، فيقع في نفسه أنه لو لم يكن ما فعله صوابًا، لَما استُجيب له، كما أن من ضعف الإيمان اللجوءَ إلى السِّحْر من أجل فكِّ السِّحْر، وهذه فتنة أخرى، أعاذنا الله منها، فقد أجمع أهل العلم أنه من الكبائر، وكلما طال الزمن وتعاظمت الفتن، استشرى وتفشَّى هذا النوع من علاج السِّحْر، وأصبحنا اليوم نسمع به بكثرة أضعاف ما كنا نسمع به منذ سنوات، ولله المشتكى.

ويزيِّن العاملون بالسِّحْر هذا النوع من العلاج المحرَّم للضحية بشتى الألفاظ والعبارات الرحيمة، حتى لَيظن صاحبها أنه على الحق المطلق في اتباع هذا، وأن هذا المفكك لا يعمل إلا بالخير، وهم يعتمدون بذلك على جهل الضحية، ورِقَّة قلبها، وسطحية فَهمها للقرآن.

إن تغيير الاسم من ساحر أو مشتغل بالسِّحْر إلى مفكِّك، لا يغيِّر من حقيقته شيئًا، هي في النهاية طلاسم وشعوذات، لا تدري إلام ستُفضي بك، ولا ننسى أن مستعظم النار من مستصغر الشَّرر.

ولا يغرنَّك ما يستفتح به الساحر من آيات من القرآن، وما يبدأ فيه معك بالجلسات الأولى من نصائح لا تتعدى آيات من القرآن بعدد معين وفي وقت معين، اجعل مرجعك الكتاب والسنة في كل ما يعرِض لك، وتساءل: لو كان في هذا صحة ومصلحة، فلِمَ لَمْ ينصحنا به الرسول الكريم؟

التأثر بالسِّحْر وعلاجه:
السِّحْر لا يقع إلا على ذوي الإيمان الضعيف، البعيدين عن القرآن والذكر، من يعتقدون الخلاص على يد العباد دون رب العباد، فإن كان الله قد وضع لنا الوقاية والعلاج من السِّحْر، فلِمَ نتركه ونلجأ إلى غيره؟

يقول ابن القيم: "من أنفع الأدوية، وأقوى ما يوجد من النُّشرة مقاومةُ السِّحْر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية: من الذكر، والدعاء، والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله وِرْدٌ من الذكر، والدعاء، والتوجه، لا يخِلُّ به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السِّحْر له، قال: وسلطان تأثير السِّحْر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر فيه النساء، والصبيان، والجُهَّال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشَط على الأرواح، تلقاها مستعدة لما يناسبها"؛ [انتهى، ابن القيم].

علاج السِّحْر إذًا آية الكرسي والمعوِّذتان وأذكار الصباح والمساء، والتعلق الدائم بذكر الله، وأن يكون لأحدنا نصيب يوميٌّ مستمر من القرآن، وسورة البقرة للمستطيع: ((اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخْذَها بركة، وتركَها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ؛ قال معاوية: بلغني أن البطلة: السَّحَرة))؛ [أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي].

يقول ابن كثير في تفسيره: "فأنفع ما يُستعمَل في إذهاب السِّحْر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث: ((ولم يتعوَّذ المتعوِّذ بمثلهما))، وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشياطين".

هل السِّحْر من العلوم المفيدة حقًّا؟
يقول جل في علاه: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]، وهذه هي العاقبة، وليس أشد على الإنسان من معرفته بنتيجة أفعاله ومصيره الذي ينتظره بما قدمت يداه، يعملون السِّحْرَ وهم يعلمون أن ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، لكنه تزيين الشياطين، واتباع الهوى، وتحدي الخالق.

اللهم نسألك العفو والعافية.

اللهم نسألك المعافاة الدائمة من كل سحر وساحر، وشرك ومشرك.

اللهم تولَّانا برحمتك، وارعَنا برعايتك يا أرحم الراحمين.


الْمَعْلَم الثالث: حقيقة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب: اليهود والنصارى:
فالقاعدة الأزلية في علاقة المسلمين مع اليهود والنصارى قاعدة ثابتة إلى يوم الدين: لا يمكن ليهودي ولا لنصراني أن يرضى عن مسلم إلا في حال واحدة؛ وهي أن يترك دينه ويتبع دينهم، أخبرنا بذلك العلي القدير، عالم السر وأخفى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120].

والمتأمل في الآية يجد أن المولى جل في علاه قال: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ﴾ [البقرة: 120] بعموم ليس فيه استثناء، فهو جل في علاه لم يقل: لن ترضى عنك طائفة من اليهود والنصارى، ولم يقل: لن ترضى عنك فرقة من اليهود والنصارى، بل قال: اليهود ولا النصارى عامة.

ثم إنه جل في علاه قال: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى ﴾ [البقرة: 120]، ولم يقل: لم ترضَ، فرضاهم ليس أمرًا صعبًا فحسب، بل أمرًا مستحيلًا ممتنعًا، لن يحصل بحال من الأحوال، لا عن طريق تقديم تنازلات، ولا الإمساك بالعصا من المنتصف، ولا بالمسايرة والمداراة أبدًا، الثمن الوحيد لرضاهم هو أن تنسلخ عن دينك، أيها المسلم.

وبالرغم من أن النصارى واليهود تفرَّقوا مِلَلًا وفِرَقًا متناحرة في كثير من الأحيان، فإن الله عز وجل أجمع هذه الملل في هذه الآية بملة واحدة؛ فقال: ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، للدلالة على أن ملة الكفر واحدة، وهذا ما شهِد عليه الماضي والحاضر، فمن أجل محاربة الإسلام، تجتمع وتتوحَّد كل أقطاب الكفر والشرك، لتشكِّل قطبًا واحدًا، رايته: دمِّروا الإسلام، وأبيدوا أهله؛ يقول الشوكاني في تفسير الآية: "قوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ ﴾ [البقرة: 120] الآية، أي: ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويُورِدونه من التعنُّتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنُّت، لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم ردَّ عليهم سبحانه؛ فأمره بأن يقول لهم: ﴿ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ [البقرة: 120] الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرَّفة، ثم أتْبَعَ ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنِ اتَّبع أهواءهم، وحاول رضاهم، وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم، ويحتمل أن يكون تعريضًا لأمته وتحذيرًا لهم أن يواقعوا شيئًا من ذلك، أو يدخلوا في أهْوِيَةِ أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل البدع، وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يُوجِب على أهل العلم الحاملين لحُجَجِ الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه تَرْكَ الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، الْمُؤْثِرين لمحضِ الرأي عليهما، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولًا، وأبان من أخلاقه لينًا، لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فَعَلَ العالِم ذلك بعد أن علَّمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة ورأي منهار، وتقليد على شفا جُرفٍ هارٍ، فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك ولا شبهة"؛ [انتهى، الشوكاني، فتح القدير].

يقول السيوطي في أسباب نزول هذه الآية: "قول الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، عن ابن عباس قال: إن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قِبلتِهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة، شقَّ ذلك عليهم، وأيِسوا أن يوافقهم على دينهم؛ فأنزل الله هذه الآية"؛ [انتهى، لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي].

يعني: ليست القضية مع اليهود والنصارى قضية القبلة، بل هي أعمق من ذلك، لو أنك - يا مسلم - وافقتهم في قبلتهم، وشاركتهم في بعض شعائرهم، وتشبَّهت بهم في أخلاقهم؛ فهذا كله لن يرضيهم، لن يرضى عنك هؤلاء إلا إذا تركت ملتك واتبعت ملتهم، وفي هذا درس لكثير من المسلمين الآن الذين يظنون أنهم إن وافقوا أهل الكتاب في بعض الأمور، رضُوا عنهم، وكفُّوا أذاهم عنهم.

لذلك كان حوار الأديان أو تقارب الأديان وَهْمٌ، لا يمكن التوصل به إلى أي تقارب حقيقي، ومن أصدق من الله قيلًا؟ والله المستعان.

والله عز وجل يوفر على المسلمين عناء تجرِبة يُحِبُّون أن يخوضوها كل يوم، ويستغرقون فيها، بل ويقنعون أنفسهم بجدواها، وهي قبول تودد اليهود والنصارى، والنزول عند مقترحاتهم، وتصديق أقاويلهم التي يزيِّنوها ويخادعون بها، بل واتخاذهم أولياء وأصدقاء وحتى بِطانة، فيعطيهم المولى النتيجة بكل دقة ووضوح: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، والمخاطب هنا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده.

الْمَعْلَم الرابع: مسألة القبلة:
وبها يفتتح الجزء الثاني، ومعها ينقلنا السياق من ماضي بني إسرائيل إلى حاضرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم:﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142].


قال القرطبي: "قال كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا: قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود: قد التبس عليه أمره وتحيَّر، وقال المنافقون: ما ولَّاهم عن قبلتهم، واستهزؤوا بالمسلمين، ثم تختص الآيات أهل الكتاب في هذا الأمر؛ لكثرة ما خاضوا فيه مشكِّكين، فتفضح أمرهم في ما يُسِرُّونه من عِلْمٍ بشأن تحويل القبلة في أنه أمر حق من عند الله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]".

يقول ابن كثير: وقوله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144]؛ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبةَ، وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأُمَّتِه، وما خصه الله تعالى به، وشرَّفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا؛ ولهذا يهددهم تعالى بقوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]"؛ [انتهى].

ومع مسألة القبلة يأتي السياق على واحد من أهم الأسس التي تشكِّل شخصية المجتمع المسلم؛ وهي المفاضلة بين اتباع أمر الله وخشية الناس، فيكون الأمر المطلق: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾ [البقرة: 150]؛ يقول عز من قائل: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 150].


المعلم الخامس: مفهوم الأمة الوسط:
قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]؛ يقول ابن كثير: "والوسط ها هنا: الخيار والأجود، كما يُقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه؛ أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولمَّا جعل الله هذه الأمة وسطًا، خصَّها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب"؛ [انتهى].

وقال القرطبي: "ولما كان الوسط مجانبًا للغلوِّ والتقصير، كان محمودًا؛ أي: هذه الأمة لم تَغْلُ غلوَّ النصارى في أنبيائهم، ولا قصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم.


وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]، قال: عدلًا، قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي التنزيل: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ ﴾ [القلم: 28]؛ أي: أعدلهم وخيرهم.


في قوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: لأن تكونوا، ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143] خبر كان، ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: في المحشر للأنبياء على أُمَمِهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُدعَى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأُمَّتِه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا؛ فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

وقالت طائفة: معنى الآية: يشهد بعضكم على بعض بعد الموت؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ((قال حين مرت به جنازة، فأُثْنِيَ عليها خير، فقال: وجبت وجبت وجبت، ثم مُرَّ عليه بأخرى، فأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال: وجبت وجبت وجبت، فقال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها خير، فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها شر، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أثنيتُم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا، وجبت له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض))؛ [أخرجه البخاري بمعناه]، وفي بعض طرقه في غير الصحيحين: ((وتلا: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]))"؛ [انتهى القرطبي].

وفي نفس السياق يذكِّرنا الله عز وجل بنعمة الإسلام التي أنعمها علينا معشر المسلمين: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151]، نعمة وجب لها الشكر للمُنْعِم، وذكره وتوحيده في كل آنٍ وحين: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152].

الْمَعْلَم السادس: توجيهات نفسية في الشدائد والكروب، مسألة الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعية الله عز وجل للصابرين:
وهذه المسألة تبدأ بآيات شكر وتنتهي بآيات صبر؛ يقول تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 151 - 157].


الشدائد والكروب أمر مصاحِبٌ لابن آدم منذ أن سكن الأرض، فهو مخلوق متقلِّب بين سراء وضراء، وخير وشر، إلى أن تنقضي حياته، ولا استثناء في ذلك لأحد من البشر، بل إن الأنبياء والصالحين والمؤمنين أشد ابتلاء من غيرهم؛ كما جاء في صحيح الترمذي عن سعد بن وقاص قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة، ابتُليَ على حسب دينه، فما يبرَح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)).


وهذا أمر وضَّحه العلي القدير في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، لكن الله جل في علاه أكْرَمُ من أن يَكِلَ مَن خَلَقَ إلى الشدائد والكروب لتَفْتِكَ به، فكان أن أخبره بالعلاج الشافي لهمومه وكروبه وابتلاءاته، علاج سهل بسيط على من آمن واتقى: الصبر والصلاة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، فأول العلاج وآخره يقع بين الصبر والصلاة، يصفه الله لعباده للذين آمنوا، لماذا للذين آمنوا تحديدًا؟ لأنه علاج سهل على المؤمنين فقط، صعب على غيرهم، هذا العلاج يستفيد منه مَن آمن قولًا وقلبًا وعملًا بأن علاج الله حق وواقع ومؤثِّر، يطبِّقه خير التطبيق، مِن قلبه لا من أطراف جوارحه.


الصلاة تنفع في إراحة المؤمن حين يقيمها إقامةَ المتذلل لخالقه، المستحضر لقلبه فيها، العارف لمعناها أنها الصلة بينه وبين مالك الملك الخالق، المتصرف بالخير والشر.


والصبر ينفع المتصبِّر، الذي يُوقِن أن الصبر يحتاج إلى إيمان قوي، ويقين راسخ بمعية الله للصابرين، ينفع المؤمن الذي يعلم أن صبره قد يطول ويطول، ومحنته قد تنقضي بحياته، وقد لا تنقضي فيموت صابرًا، لكنه يوقن أن جزاءه سيكون جزاء غير متناهٍ، جزاء بغير حساب: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، فهل من نعمة أعظم من معِيَّةِ الله وحبِّه؟


ولِعِظَمِ منزلة الصبر جعل الله معيته في هذه الآية للصابرين وليس للمصلين: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 154]، سبحانك ربي!


ثم يخبرنا الله عز وجل بالابتلاءات التي سيحتاج المؤمن معها إلى هذا العلاج، فأفرد للموت في سبيل الله آية، وللابتلاءات الدنيوية آية:

﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 154].


﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155].


فالقتل في سبيل الله لا يمكن أن يُرى جزاؤه إلا في الآخرة، ولا يمكن أن يصبر عليه إلا مَن آمن وأيقن بما أعدَّه الله لهذا الشهيد في الآخرة، فكانت بشارة الله عز وجل لأهل هؤلاء الشهداء أعظم علاج لحزنهم وقهرهم على فراق وفقد أحبابهم، فسبحان الكريم، الرحمن الرحيم!

اللافت في السياق القرآني لهذه الآيات أن آيات الصبر هذه تأتي مباشرة بعد آيات الشكر، التي وجَّه الله عباده إليها: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 151، 152]، وكأنه جل وعلا يقدم للابتلاءات التي قد تعتري المؤمنين بأكبر نعمة يستشعرها المؤمن في حياته؛ وهي الإسلام، الذي مَنَّ الله به عليه، فأرسل رسوله له ليعلمه كل ما يضمن النجاة من النار، والخلود في نعيم الجِنان، كي تهون عليه بعدها كل مصيبة دنيوية.

وصفة الصابرين: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 156]، وجزاؤهم: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157]؛ يقول السعدي في تفسيره: "فـ(الصابرين)، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ [البقرة: 156]، وهي كل ما يُؤلِم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره، ﴿ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 156]؛ أي: مملوكون لله، مُدبَّرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرَّف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد عِلْمُه بأن وقوع البَلِيَّة من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره لِما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجازٍ كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا، وجدنا أجرنا موفورًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظُّنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجع إليه، من أقوى أسباب الصبر"؛ [انتهى].


وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خير وأوسع من الصبر))؛ [صحيح البخاري].


اللهم نسألك اللطف في القضاء، والصبر على الشدائد.
يتبع...





ابو الوليد المسلم 04-29-2026 08:06 PM

وقفات مع سورة البقرة (9)


ميسون عبدالرحمن النحلاوي

وقفات مع قلب السورة (4)




تابع معالم في سياق السورة:
المعلم السابع: مسألة كتمان آيات الله، والتلاعب بأوامر الله ونواهيه في سبيل حُطام الدنيا:
وهي في يومنا هذا على أشُدِّها والعياذ بالله؛ وتطالعنا هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160]، وهنا علينا التركيز بأن التوبة وحدها لا تصلح مع هذا الفعل، وإنما يجب البيان معها، بيان ما كانوا يكتمونه، والآية وإن كانت نزلت في طائفة من اليهود، فهي تتضمن توجيهًا مباشرًا للمسلمين.


ومناسبة نزول الآية هي كتمان اليهود صفةَ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت واضحة صريحة في توراتهم؛ يقول ابن كثير في تفسيره: "نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفةَ محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِمَ يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء الذين يكتمون بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سُئِلَ عن عِلْمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يوم القيامة بلِجامٍ من نار))، والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا شيئًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ [البقرة: 159]"؛ [انتهى ابن كثير].


ولِعِظَمِ أمرِ كتمان آيات الله، يعود السياق مرة أخرى في الآيتين 174، 175 ليؤكد على عظم إثمه، ومصير من يلجأ إلى هذا النوع من المتاجرة بالدين في سبيل عَرَضٍ من عروض الدنيا؛ يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174].


ونقرأ في تفسير ابن كثير لهذه الآية السببَ وراء قيام اليهود بهذا الفعل؛ يقول: "﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ [البقرة: 174]؛ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتُّحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتَّبِعَه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نَزْرٌ يسير، فباعوا أنفسهم بذلك.


﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [البقرة: 174]؛ وهو عَرَض الحياة الدنيا، ﴿ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ﴾ [البقرة: 174]؛ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجَّج في بطونهم يوم القيامة.


﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]؛ وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علِموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم؛ أي: يُثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا"؛ [انتهى ابن كثير].


هؤلاء فضَّلوا الفانيَ على الباقي، والضلال على الهدى، فما أصبرهم على النار! ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 175].

الثامن: دلائل تفرُّد الله في ألوهيته:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، فهل بعد كل هذا الانسجام والدقة والترابط الْمُتْقَن في خلق السماوات والأرض، وتسخير ما يضمن بقاءهما على نظام متناهٍ في الكمال والاتزان - شكٌّ في كمال ووحدانية الخالق؟

سماء ممتدة بلا عمد، أرض بجبال راسيات لا تميد ولا تنهار، ولا يختلط بحرها ببرها، ليل ونهار يحتكمان إلى شمس وقمر، يُسيِّرهما خالق واحد بحساب لا يُحيط مخلوق بعلمه، ماء من السماء وضع فيه الخالق سرَّ الحياة على هذه الأرض، فجعل منه كل شيء حيٍّ، فكيف وضع الخالق سر الحياة في قطرة الماء هذه؟ تصريف الرياح، السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، فلا هو في السماء ولا هو على الأرض، من يُمسك هذا السحاب؟ من يوجِّه الريح التي تُسَيِّره؟ من يأمرها أنِ اشْتَدِّي فكوِّني إعصارًا مدمِّرًا يُدمر ديار الظالمين؟ ومن يأمرها أن كوني رحمة وسلامًا على قوم صالحين؟ هو الله الواحد الأحد، جل في علاه.

التاسع: اتخاذ الناس أندادًا لله، ومشهد التبرؤ بين التابع والمتبوع يوم القيامة:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ [البقرة: 165].

هؤلاء المذكورون في الآية لم يكفروا بالله، هم مؤمنون به، لكنهم اتخذوا معه أندادًا - والند هو النظير والمثيل - يحبونهم كما يحبون الله، إذًا هم قوم يؤمنون بالله، ويعبدونه بل ويحبونه، لكنهم يؤمنون ويعبدون ويحبون إلى جانبه من يعتقدون فيه الندية لله، من حيث القدرة والقوة، والتشريع والحكم، والرزق والغوث، بل والقدرة على الخلق كخلق الله، والعياذ بالله.


لكن كيف يكون حال هؤلاء الأنداد يوم القيامة، والمقدِّسين لهم المتَّبِعين لمنهجهم؟ وما هو مصيرهم؟


﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 166، 167].

ويا له من مشهد مرعب، شديد الوقع، عندما يتبرأ السادة والمفكرون، والعلماء والعظماء، الضالون الْمُضِلُّون، ممن اتبعهم على كفرهم وضلالهم، وسار على نهجهم وناصَرَهم في الحياة الدنيا، بعد أن رأوا العذاب وعاينوه، فعلِموا وأقرُّوا بأن القوة لله جميعًا! كيف لا، وقد وجدوا أن كل ما كانوا يتباهَون به من قوة وسلطة وسمعة في الدنيا أصبح حطامًا؟ ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ [البقرة: 165]، ثم يبدأ مشهد التبرؤ المخيف: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 166، 167].


اللهم إنا نعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل.



المعلم العاشر: تشريعات وأحكام وفرائض:
في المطاعم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 168 - 170].

والحديث عن وحدة الألوهية، الذي سبق في مشهد آيات الله في الكون، يستتبعه وحدة الربوبية، فالله هو الرزَّاق، وهو الذي هيَّأ الرزق للعباد في الأرض، وأمرهم أن يأكلوا مما أحله لهم، والله الخالق الرازق هو الذي يحلِّل ويحرِّم، ويبين ذلك في شرعه، وكل ما وراء حلال الله وحرامه من شرع الشيطان.

والذين يتبعون خطوات الشيطان يُصِرُّون عليها استكبارًا، وعصبية وقومية؛ لأن آباءهم كانوا يتبعونها حتى ولو كانوا على ضلال في العقيدة والفكر والعقل.

هؤلاء صفتهم الذين كفروا وتشبيههم: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ ﴾ [البقرة: 171]؛ أي: كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه الذي لا يسمع ﴿ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ [البقرة: 171]، دون فهم أو إدراك أو تمييز، وكأنهم بلا عقول تمامًا كهؤلاء الأنعام.

ثم يأتي تخصيص المؤمنين بالنداء في الإشارة إلى ما حرَّم عليهم من مطاعم، وتفصيل ذلك في سورة المائدة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 172، 173].

آية البِرِّ: ويتخلل التشريعات والفرائض تعريفُ البر، في آية تلخِّص حقيقة الإيمان وماهيته، فالإيمان عمل، وامتثال لأوامر الله وقوانينه وفرائضه، والوقوف عند حلاله وحرامه، وليس شعائرَ فحسب؛ عن مجاهد قال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تُصَلُّوا ولا تعملوا، وبهذا تكون هذه الآية مقدمة لِما سيأتي بعدها من تشريعات إلهية.

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].

هذه الآية من أروع الآيات التي تلخِّص حقيقة الإيمان وماهيته، كيف أن الشعائر تبقى حركات وسلوكيات، لا روح فيها ولا معنى، ما لم تحكمها الأسس الإيمانية:
ليس البر - وهو جماع الخير - أن يقف الإنسان في الصلاة، ويرتاد المساجد، وفي عقيدته زيغ، وفي إيمانه تردد، وفي أفكاره انحراف.

ولـكن البر من:
آمن بالله.
واليوم الآخر.
والملائكة.
والكتاب.
والنبيين.

وهذه أركان الإيمان، ثم:
الإنفاق، زكاة وصدقة.

والوفاء بالعهود، ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ [البقرة: 177].

الصبر، ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ [البقرة: 177].

ومن كانت هذه صفاته وسلوكياته الإيمانية، فهذا هو الصادق المتقي: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية: "قال الثوري: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: 177] الآية، قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق رحمه الله؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عُرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله، وهو أنه لا إله إلا هو، وصدَّق بوجود الملائكة الذين هم سَفَرة بين الله ورسله، والكتاب، وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى خُتِمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: أخرجه وهو مُحِبٌّ له، راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أفضل الصدقة أن تَصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغِنى، وتخشى الفقر)).


﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ [البقرة: 177]؛ كقوله: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20]، وعكس هذه الصفة النفاق؛ كما صحَّ في الحديث: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))، وفي الحديث الآخر: ((إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَرَ))، وقوله: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء، وحين البأس أي: في حال القتال والْتِقَاء الأعداء؛ قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]؛ لأنهم اتَّقَوا المحارم، وفعلوا الطاعات.


وتتوالى التشريعات والفرائض بعد آية البر: القِصاص، والوصية، والصيام، والقتال، والإنفاق، في الجهاد - وسيطالعنا في أواخر السورة الإنفاق مفصلًا بمفهومه العام – ومن ثَمَّ الحج.



القصاص في القتلى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 178، 179]؛ قال ابن كثير: "يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم؛ وهي بقاء الْمُهَجِ وصونها؛ لأنه إذا علِمَ القاتل أنه يُقتل، انكفَّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز، وقال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يُقتَلَ"؛ [تفسير ابن كثير].


الوصية: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180]، ثم إن الوصية تأتي في سياق الآيات بعد القصاص، اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصحِّ القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدَّرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية، ولا تحمل مِنَّةَ الْمُوصي؛ ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث))؛بن كثير].

الصيام: وتبدأ آيات الصيام بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، والصيام كما جاء في الآية الكريمة كان مفروضًا على أهل الكتاب، على قول بعض المفسرين، وقال آخرون: إن قوله تعالى: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183] تشمل كل الناس ممن كانوا من قبلنا في جميع الشرائع.

فائدة: يلفتنا في آيات الصيام أمران:
الأمر الأول: هو أنها يتخللها آية الدعاء: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، فالله معنا أينما كنا، وكيفما دعونا، قريب جل في علاه، فوري الاستجابة: إذا سألك عبادي عني - مباشرة تأتي بعدها - فإني قريب، لم يقل له: فقل لهم، بل تولَّى جل وعلا الإجابة بنفسه، رحمة تقشعر لها الأبدان، سبحانك يا ألله! ما أكرمك! وما أرحمك بعبادك! فإن كان هذا حال الله معنا في جميع أحوالنا، فكيف بنا ونحن صائمون؟

الأمر الثاني هو: أنها تُختَم بآية أكل الأموال بالباطل: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188]، وكأنه يقول لنا: إن الصيام يكون صيامًا عن كل المعاصي، ورأسها أكل أموال الناس بالباطل، ويذكرنا ربط الآيتين بقوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر))، وجاء في تفسير هذا الحديث على أنه محمول على من صام ولم يُخلِص النية، أو لم يتجنب قول الزور والكذب، والبهتان والغِيبة، ونحوها من المناهي؛ فيحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب، أو هو الذي يُفطِر على الحرام، ولا يحفظ جوارحه عن الآثام، (ورُبَّ قائم)، أي: متهجِّد بالصلاة في الليل، ليس له من قيامه إلا السهر؛ وذلك لسوء نيته، أو غصب منزل صلاته، وأكل أموال الناس بالباطل.

الأهِلَّة: ثم تأتي آية الأهلة؛ لتربط سياق آيات الصيام، المرتبط برؤية الهلال، بآيات القتال في الأشهر الحرم - التي ستأتي لاحقًا – ومن ثَمَّ فريضة الحج، وعِدَّة الطلاق والوفاة في كثير من شؤون الحياة الاجتماعية تنظمها الأهلة، هذا التنظيم لا يمكن أن يحل محله لا تأريخ ميلادي ولا صيني، ولا رومي ولا لاتيني.


﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189].


قال العوفي عن ابن عباس: "سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة: 189]، يعلمون بها حِلَّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حَجِّهم، وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لِمَ خُلِقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 189] يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دينهم، وكذا رُوِيَ عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك، وقال عبدالرزاق، عن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا)).


وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة: 189]، قال البخاري: حدثنا عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة: 189]".

فائدة:
أسلوب السؤال في القرآن الكريم:
أول سؤال في سورة البقرة كان: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾ [البقرة: 189]؛ ليتبعه التساؤل عن أمور متعددة، يطرحها المؤمنون على الرسول الكريم، ويجيب عليها المشرع جل في علاه بآيات الأحكام: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 215]، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ [البقرة: 219]، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217]، ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ [البقرة: 222]، وهذا إنما يدل على حِرْصِ المؤمنين على تعلُّم أساسيات دينهم الذي آمنوا به إيمانًا صادقًا، فأرادوا أن تكون حياتهم بتفاصيلها ضمن إطاره.

والحمد لله رب العالمين.
يتبع...





ابو الوليد المسلم 04-29-2026 08:08 PM

وقفات ودروس من سورة البقرة (10)

وقفات مع قلب السورة -4-

تابع معالم في سياق السورة

تتمة المعلم العاشر تشريعات وأحكام وفرائض

ميسون عبدالرحمن النحلاوي




القتال والحج.
فرض القتال، ومسألة القتال في المسجد الحرام:
القتال في سورة البقرة جاء في عدة مواضع، لا كما هو الحال مع فريضتَي الصيام والحج، كل منهما ذكر في موضعه ولم يكرر.

أول موضع نجده في قوله تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 190 - 193].

يقول الشوكاني صاحب فتح القدير: "لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعًا قبل الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ [المائدة: 13]، وقوله: ﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل: 10]، وقوله: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22] وقوله: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [المؤمنون: 96] ونحو ذلك مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال، ونزلت هذه الآية، وقيل: إن أول ما نزل قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ [الحج: 39]، فلما نزلت الآية كان صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى في سورة براءة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5]؛ انتهى الشوكاني.

ويقول ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾: أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبدالعزيز، ومقاتل بن حيان، وغيرهم؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصوامع"؛ رواه الإمام أحمد.

ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبَّه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل؛ ولهذا قال: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾، قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ يقول: "الشرك أشد من القتل"؛ انتهى ابن كثير.

مسألة القتال في الأشهر الحرم:
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 191].

اختلف أهل العلم في ذلك، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق. والكلام للشوكاني.

وقالت طائفة: "إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على الخاص، فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وهو في الصحيح.

وقد احتجَّ القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وسلم لابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحلَّ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم"؛ انتهى فتح القدير.

ويسوق ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 191]، حديثه صلى الله عليه وسلم الذي ورد في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلي خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم". يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة، وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحًا؛ لقوله: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"؛ انتهى ابن كثير.

الغاية من قتال المؤمنين للمشركين:
ويوضح السياق الغاية من قتال المشركين بقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 193] وفيه الأمر بمقاتلة المشركين لهدف واضح: ﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ والفتنة هنا الكفر والشرك، كما يقول القرطبي في تفسيره: ﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾؛ أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فدلَّت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر". والله أعلم.

ويرى الشوكاني: "هي ألَّا تكون فتنة، وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله، قيل: المراد بالفتنة هنا الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين على عمومها كما سلف.

الانفاق في الجهاد:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195] في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، وهو الجهاد.

الموضع الثاني نجده في الآيتين 216 – 217 قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 216، 217].

وهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين، كما يقول ابن كثير، أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يعين، وإذا استُغيث أن يغيث، وإذا استُنفر أن ينفر، وإن لم يُحتَج إليه قعد. قلت: ولهذا ثبت في الصحيح "من مات ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية"، وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا".

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216] وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا، وليس له فيه خير ولا مصلحة. ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم"؛ تفسيرابن كثير.

غاية الكفَّار من قتال المسلمين: "الردَّة":
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].

والآية هنا لها سبب نزول، وفيه روايتان:
فعن ابن مسعود "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبدالله بن الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبدالله اليربوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن كتابًا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار، فتخلَّف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها، وسار ابن إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبدالله بن المغيرة. وانفلت ابن المغيرة، فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبدالله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون، وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يعير أهل مكة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 217]، لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله.

الرواية الثانية عن ابن عباس: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 217]، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: 217]. وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب. وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه. وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ وغير ذلك أكبر منه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ [البقرة: 217] إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه.

فإذن غاية المشركين من قتال المؤمنين هي ردّهم عن دينهم: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217].

ومصير المرتد: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].

ومقابل من يرتد يقف من استجاب لله ورسوله فآمن وهاجر وجاهد ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218].

الموضع الثالث نجده في مقدمة قصة قتال بني إسرائيل، طالوت وجالوت، وبعد قصة الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 243 - 245].

وسنبسطها في موضعها إن شاء الله.

نتابع مع الفرائض والأحكام:
الحج وأحكامه: الفريضة الثالثة في سياق الفرائض في السورة:
ويأتي سياق السورة بعد فرض القتال، وهو الجهاد في سبيل الله، على فرض الحج. والحج نوع من أنواع الجهاد، كما ورد في الحديث الشريف: روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لا، ولَكنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".

تمام الحج والعمرة والإحصار:
يقول تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196].

أول ما يلفتنا في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ...إخلاص النية لله تعالى في الحج والعمرة لله وحده، أن نخرج للحج وليس في سريرتنا إلا الله ورضاه، وأداء فريضته، وتعظيم شعائره، أنقياء من كل رياء ومباهاة، وعجب وصيت وسمعه.. وما أكثر من يقع بهذا في زماننا!

ألا لله الدين الخالص، اللهم أخلص نياتنا، وقنا من كل رياء وسمعة وعجب اللهم آمين.

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ يقول: من أحرم بالحج أو بالعمرة فليس له أن يحل حتى يتمَّهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل. وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف"؛ انتهى.

ويقول السعدي في تفسيره: "يستدل بقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾ على أمور:
أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما.

الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "خذوا عني مناسككم".

الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.

الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلًا.

الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.

السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى.

السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر.

الحصر أو الإحصار:
قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾؛ أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، الحج والعمرة، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾؛ أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما صدَّهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهَدْي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196]، وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره؛ لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن؛ لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، كما تدل عليه الآية.

يتبع


الساعة الآن 09:58 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009