ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=34)
-   -   الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=31486)

ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:08 PM

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 86الى صــ 100
الحلقة (7)





خرج من الخلاء، قال: غُفرانك» (١).

١٥ - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض» (٢).
واستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك.

هل يجوز التبوُّل قائمًا؟
لقد وَرَدَ عن عائشة -رضي الله عنها- قولُها: «من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يبولُ قائمًا، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدًا» (٣).
وما بَدَر عن عائشة -رضي الله عنها- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ.
وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -رضي الله عنه- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: «أتى النّبيّ - ﷺ - سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائمًا» (٥).
ومن علم حجَّة على من لم يعلم.

------------------------
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في «الإِرواء» (٥٢)، و«صحيح سنن أبي داود» (٢٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٦٠).
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٠١).
(٤) المزبلة والكناسة: تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. «الفتح».
(٥) أخرجه البخاري: ٢٢٦، ومسلم؛ ٢٧٣، وغيرهما.


قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٠): «وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - ﷺ - في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم».
أمَّا قولُ عمر -رضي الله عنه-: «ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ» (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد -رضي الله عنه-: «رأيتُ عُمر بال قائمًا» (٣).
قال شيخنا- حفظه الله-: «ولعلَّ هذا وقع من عمر -رضي الله عنه- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائمًا» اهـ.
فخُلاصة القول كما قال الحافظ -رضي الله عنه-: «جواز البول قائمًا من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش».

--------------------------
(١) أما حديث: «يا عُمر! لا تَبُل قائمًا»؛ فإِنَّه ضعيف، وقد رواه ابن حبان في «صحيحه».
قال شيخنا في «الضعيفة» (٩٣٤): «وهذا سند ظاهره الصحَّة؛ فإِنَّ رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جرير؛ فإِنَّه كان مدلِّسًا، وقال أبو عيسى في»سننه«(باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا، تحت الحديث رقم ١٢): وِإنَّما رفعَ هذا الحديث عبد الكريم بن المُخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني، وتكلَّم فيه».
(٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة».
(٣) أخرجهما ابن أبي شيبة في «المصنَّف»، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من «الضعيفة».



الوضوء
الوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضًا، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء (١).
قال الحافظ (٢): «وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئًا».

فضل الوُضوء
عن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ (٣) مع أبي هريرة -رضي الله عنه- على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ أمَّتي (٤) يُدعوَن يوم القيامة غُرًّا (٥) مُحَجَّلينَ (٦) من آثار الوُضوء» (٧).

---------------------
(١) عن «القاموس المحيط»، وذكر نحوه الحافظ في «الفتح».
(٢) وذكر نحوه الشوكاني في «نيل الأوطار» (أبواب صفة الوضوء ...).
(٣) بكسر القاف؛ أي: صعدتُ.
(٤) أمَّة الإجابة، وهم المسلمون، لا أمَّة الدَّعوة. انظر «الفتح».
(٥) جمع أغرّ؛ أي: ذو غُرَّة، وأصل الغُرّة: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذِّكْر، والمراد بها هنا: النّور الكائن في وجوه أمَّة محمّد - ﷺ -، وغُرًّا: منصوب على المفعوليَّة ليُدعَوْن، أو على الحال؛ أي: أنهم إِذا دُعوا على رؤوس الأشهاد؛ نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
(٦) من التَّحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم الفرس، وأصْله من الحِجل، وهو الخَلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. «الفتح».
(٧) أخرجه البخاري: ١٣٦، ومسلم: ٢٤٦، وحذفت الشطر الآخر من الحديث =



وعن أبي مالك الأشعريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهورُ (١) شَطر الإِيمان» (٢).
وعن حُمران مولى عثمان عن عثمان -رضي الله عنه- قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة» (٣).
وعنه أيضًا؛ قال: سمِعْتُ عثمان وهو بفناء (٤) المسجد، فجاءه المؤذّن عند العصر، فدعا بوَضوء فتوضّأ، ثمَّ قال: والله لأحدّثنّكم حديثًا (٥)؛ لولا آية

----------------------
= لأنَّه مدْرج، ولفظه: «فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته؛ فليفعل».
قال الحافظ في «الفتح»: «... ثمَّ إِنَّ ظاهره بقيَّة حديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم: لا أدري قوله:»من استطاع ... «إِلخ من قول النّبيّ - ﷺ - أو قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد؛ ممَّن روى الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم».
وقد فصَّل القول في ذلك شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (١٠٣٠)، فارجع إِليها -إِن شئت- وِإلى هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- وغيرهما.
(١) الطُّهور: بضم أوله: إِذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، والطَّهور بالفتح: الماء لذي يُتطَّهر به.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٣
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٩
(٤) بين يدي المسجد أو في جواره.
(٥) قال النووي: فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف.



في كتاب الله ما حدَّثْتُكُم: إِنّي سمِعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يتوضّأ رَجُلٌ مسلم فيُحسنُ الوُضوء، فيصلّي صلاةً، إلاَّ غَفَرَ الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها».
«قال عُروة: الآية: ﴿إِنَّ الذين يكْتُمونَ ما أنْزَلْنا من البيِّنات والهدى﴾ إِلى قوله: ﴿اللاّعِنونَ﴾ (١)» (٢).
وعن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أتمَّ الوُضوءَ كما أمَره الله تعالى؛ فالصّلوات المكتوبات كفّارات لما بينهنَّ» (٣).
وعن حُمران مولى عثمان قال: توضّأ عثمانُ بنُ عفّانَ وُضوءًا حسنًا، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ فأحسن الوُضوء، ثمَّ قال: «من توضّأ هكذا، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا ينهزُه (٤) إلا الصّلاة، غُفر له ما خلا من ذنبه» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر

--------------------
(١) البقرة: ١٥٩
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠، ومسلم: ٢٢٧
(٣) أخرجه مسلم: ٢٣١
(٤) أي: لا يدفعه أو يحرِّكُه.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٣٢



إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها (١) يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيًّا من الذّنوب» (٢).
وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (٣).

الوضوء شرط من شروط الصلاة
قال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن﴾ (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل (٥) صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ».

-----------------
(١) أي: اكتسبتها.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٤٤، وغيره.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٤٥، وغيره.
(٤) المائدة: ٦
(٥) جاء في «الفتح» تحت حديث (رقم ١٣٥): "المراد بالقَبول: هنا ما يُرادف الصحّة، وهو الإِجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذِّمَّة، =



قال رجلٌ من حضرَمَوت: ما الحدث (١) يا أبا هريرة؛ قال: فُساء أو ضُراط.
وعن مصعب بن سعد -رضي الله عنه- قال: «دَخَل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودُه وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:»لا تُقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول (٢) «وكنتَ على البصرة» (٣) (٤).

----------------------
= ولمَّا كان الإِتيان بشروطها مظنَّة الإِجزاء الذي القَبول ثمرتُه، عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله - ﷺ -: لا من أتى عرَّافًا؛ لم تُقبل له صلاة«؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل وَيتخلَّف القَبول لمانع، ولهذا كان بعض السّلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحبُّ إِليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر.
قال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة: ٢٧)» انتهى كلامه -رضي الله عنه- والحديث بلفظ: «من أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة»، أخرجه مسلم: ٢٢٣٠، وغيره.
(١) الحدث: الخارج من أحد السَّبيلين، وتفسير أبي هريرة الأخصّ من ذلك تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ. (الفتح) رواه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله: «قال رجل».
(٢) الغُلول: الخيانة، وأصله السَّرقة من مال الغنيمة قبل القِسمة.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤
(٤) قال النووي في «شرح مسلم»: "فمعناه: أنَّك لست بسالمٍ من الغلول، فقد كنت واليًا على البصرة، وتعلَّقت بك تَبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدُّعاء لمن هذه صفته؛ كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلاَّ من مُتصوَن، والظاهر -والله أعلم- أنَّ ابن عمر قصدَ زجر ابن عامر وحثَّه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات =



وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِفتاحُ الصلاة الطَّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم» (١).

فرائض الوضوء
١ - النِّيَّة
لحديتَ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلّ امرئ ما نوى» (٢).
والنّيّة: القصد والعزم، ومحلّها القلب، والتلفّظ بها بدعة.

٢ - التَّسمية
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه» (٣).
قال الحافظ المنذري -رضي الله عنه- في «الترغيب»: «... وقد ذهب الحسن وإِسحاق بن راهويه وأهل الظَّاهر؛ إِلى وجوب التَّسمية في الوضوء؛

-----------------
= ولم يُرِد القطع حقيقة بأنَّ الدعاء للفسّاق لا ينفع، فلم يزل النبيّ - ﷺ - والسّلف والخلف يدْعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥)، والترمذي، وغيرهما وانظر»الإِرواء«(٣٠١).
(٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما.
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٢٠)، وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٨١).



حتى إِنَّه إِذا تعمَّد ترْكها؛ أعاد الوضوء، وهو رواية الإِمام أحمد ...».
وهو من اختيار صدّيق خان، والشوكاني كما في «السيل الجرّار» (١/ ٧٦ - ٧٧)، و«الدّراري المضيّة» (١/ ٤٥)، وبه يقول شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص٨٩).

٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مّرة واحدة.
عن لقيط بن صَبِرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا توضّأتَ؛ فمضمِض» (١).
و(مضمِض) فِعل أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ إلا لقرينة تصرفه -كما هو معروف-.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضّأ؛ فلْيستنثر (٢)، ومن استجمر؛ فليوتر» (٣).
قال الشوكاني -رحمه الله-: «القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأنَّ الله سبحانه قد أمرَ في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحلّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، وقد ثبت مداومة النّبيّ - ﷺ - على ذلك في كلِّ وضوء، ورواه جميع من روى وضوءَه - ﷺ - وبيَّن صِفته، فأفاد ذلك أنَّ غسل الوجه المأمور به في القرآن

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣١)، وصححه الترمذي والنووي. وانظر كلام الشوكاني في تخريجه بعد سطور.
(٢) من النَّثر: وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ؛ أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرُج بريح أنفه.
(٣) أخرجه البخاري: ١٦١، ومسلم: ٢٣٧



هو المضمضة والاستنشاق.
وأيضًا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة.
وأخرج أبو داود والترمذي من حديث لَقيط بن صَبِرة بلفظ:»إِذا توضأتَ؛ فمَضمِض«، وإسناده صحيح، وقد صحّحه الترمذي والنَّووي وغيرهما، ولم يأتِ من أعلَّه بما يقدح فيه» (١).

٤ - غَسْل الوجه مرّة واحدة.
قال ابن كثير في «تفسيره»: «وحدُّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصّلع ولا بالغَمَم (٢) - إِلى منتهى اللحيَيْن والذّقن طولًا، ومن الأذن إِلى الأذن عَرضًا» (٣).

٥ - تخليل اللحية.
لحديث أنس -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حَنَكه؛ فخلّل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي عز وجل» (٤).

--------------------
(١) «السيل الجرَّار» (٨١ و٨٢).
(٢) الغَمَم: هو سيلان الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا. (المحيط).
(٣) انظره في تفسير الآية (٦) من سورة المائدة.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣٢)، وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده، وانظر «المشكاة» (٤٠٨).



٦ - غَسل اليدين إِلى المرفقين (١) مرة واحدة.
٧ - مسح الرأس مرّة واحدة (٢).
٨ - مسح الأذنين مرّة واحدة.
لقوله - ﷺ -: «الأذنان من الرأس» (٣).
وبه يقول الإِمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-.

٩ - غَسل الرّجلين إِلى الكعبين مرّة واحدة.
ودليل وجوب غسل هذه الأعضاء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤).

١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين.
لقوله - ﷺ -: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّلْ أصابعَ يديْك ورِجليْك» (٥).
وعن لَقيط بن صَبِرة عن النبيّ - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّل

-------------------------
(١) المرفق: موصل الذراع في العضُد.
(٢) سيأتي التّفصيل المتعلِّق بهذا المسح إِن شاء الله.
(٣) ثبت من عدّة طُرق، بعضها صحيح لذاته، وبعضها صحيح لغيره، وانظر تفصيله فى»الصحيحة«(٣٦).
(٤) المائدة: ٦
(٥) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وهو في»الصحيحة" (١٣٠٦).



الأصابع» (١).

١١ - الموالاة في الوضوء.
واختُلف فيها على أقوال، والراجح فيها الوجوب؛ إِلا إِذا تُركت لعُذر، والله أعلم.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «الموالاة في الوضوء، فيها ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب مُطلقًا؛ كما يذكره، أصحاب الإِمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي.
والثاني: عدم الوجوب مطلقًا؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي.
والثالث: الوجوب؛ إلاَّ إِذا تركها لعُذر؛ مثل عدم تمام الماء؛ كما هو المشهور في مذهب مالك».
قلت [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-]: وهذا القول الثالث؛ هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره.
وذلك أنَّ أدلة الوجوب لا تتناول إِلا المفرِّط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عُمدة المسألة الذي رواه أبو داود (٢) وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه رأى رجلًا يصلّي وفي ظهر

--------------------
(١) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهو في»سنن أبي داود«(١٤٢) نحوه، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٢٩)، و»الصحيحة«تحت رقم (١٣٠٦).
(٢) برقم: ١٧٥، وهو في»صحيح سنن أبي داود" (١٦١).



قدمه لمعة قدْر الدِّرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يُعيد الوضوء والصلاة» (١) فهذه قضيّة عين، والمأمور بالإِعادة مفرّط؛ لأنَّه كان قادرًا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإِنَّما بإِهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فناداهم بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النَّار» (٢).
وكذلك الحديث الذي في «صحيح مسلم» (٣) عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصَره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجِع فأحسِن وضوءك«، فرجع ثمَّ صلّى (٤)» (٥).

١٢ - التيامن.
وهو البدء بغسل اليمين من اليدين والرّجلين، وذلك لعموم ما ورد في التّيامن.
ثمَّ لقوله - ﷺ -: «إِذا لَبِستُم وإذا توضّأتم؛ فابدؤوا بأيامِنكم» (٦).

------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء» (٨٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٦٠، ٩٦، ١٦٣، ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما.
(٣) برقم: ٢٤٣
(٤) وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة»؛ كما تقدّم، رواه أحمد، وأبو داود وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥).
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٨٨)، وانظر «المشكاة» (٤٠١)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢٣)؛ بلفظ: «بميامنكم».



١٣ - «الدلك لمن كان ذا شعرٍ كثير (١) كثيف» (٢).
لأنَّ هذا الشعر قد يحول دون بلوغ الماء موضعه، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب.

سُنَن الوضوء
١ - السِّواك:
لقوله - ﷺ -: «لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء» (٣).
ويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة (٤).

٢ - غَسل الكفّين في أوّل الوضوء.
ومن الأدلّة على ذلك:
حديث عبد الله بن زيد، وفيه:«... فأكفأ (٥) على يده من التَّور، فغسل يديه ثلاثًا ...» (٦).

----------------------
(١) ويسمى الشعراني في اللغة، وانظر «المحيط»، و«الوسيط».
(٢) قاله لي بمعناه شيخنا الألباني -حفظه الله-.
(٣) أخرجه أحمد ومالك والنسائي وغيرهم، وذكره البخاري معلقًا، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٧٠).
(٤) انظر «تمام المنّة» (ص ٨٩).
(٥) أي: أمال وصبَّ.
(٦) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.



وكذلك حديث حُمران الآتي في النقطة الرابعة: «فأفْرَغ (١) على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما ...».

٣ - الدَّلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف.
عن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ؛ فجعلَ يدْلُك ذراعه» (٢).

٤ - تثليث الغَسل.
وفيه عدة أحاديث؛ منها:
ما رواه حُمران مولى عثمان: «أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله - ﷺ -:»من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه«(٣).
وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب:»أنَّ عبد الله بن عمر- رضي الله

-------------------
(١) أي: صبَّ.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٩٢)، والحاكم مثله، وصحّحه شيخنا الألباني -حفظه الله-.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٩، ومسلم: ٢٢٦ نحوه، وفيه: «قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبَغ ما يتوضّأ به أحدٌ للصلاة». وتقدّم.



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:11 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 101الى صــ 115
الحلقة (8)





عنهما -توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -«(١).
وقد ثبتَ عن رسول الله - ﷺ -:»أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين:
لحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين (٢) «(٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين«(٤).
وثبت عنه - ﷺ - الوضوء مرّة مرّة:
كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»توضّأ النّبيّ - ﷺ - مرة مرة«(٥).
كما صحّ عنه - ﷺ - غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثًا:
كما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه:»أنَّ رجلًا قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ

----------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٧٩)، وابن ماجه «سنن ابن ماجه» (٣٣٤)، وتقدّم.
(٢) لكلّ عضو.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٨
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٤)، والترمذي وصححه ابن حبان.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٧


غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه» (١).

٤ - الدّعاء بعده.
وفي ذلك أحاديث، منها:
«ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول:»أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء«(٢).

٥ - صلاة ركعتين بعده.
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة». قال: "ما عمِلْتُ عملًا أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وسأذكره بتمامه إِنْ شاء الله في موضعه.
(٣) بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وِإضافة العمل إِلى الرّجاء؛ لأنَه السبب الداعي إِليه. (فتح).
(٤) قال الخليل: دفَّ الطائر: إِذا حرّك جناحيه وهو قائم على رجليه. =



أصلّي» (١).

ما يجب له الوضوء
١ - الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نافلة.
لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
ولقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ» (٣).

٢ - الطّواف بالبيت.
لقوله - ﷺ -: «الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام» (٤).

------------------
= وقال الحميدي: الدّف: الحركة الخفيفة والسّير اللين. ووقع في رواية مسلم: «خَشْف»؛ قال أبو عبيد وغيره: الخَشف: الحركة الخفيفة. ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: «خشخشة»، وهو بمعنى الحركة أيضًا. كذا في «الفتح» بحذف يسير.
(١) أخرجه البخاري: ١١٤٩، ومسلم: ٢٤٥٨، وغيرهما.
(٢) المائدة: ٦
(٣) تقدّم في (باب الوضوء شرط من شروط الصلاة).
(٤) أخرجه الترمذي، والدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١٢١).



الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء
١ - عند ذكر الله عز وجل.
عن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: «إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة)» (١).
وعن أبي الجهيْم -رضي الله عنه- قال: «أقبل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢).
ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ:
ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لمّا فرغ النّبيّ - ﷺ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.

--------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وهو في»الصحيحة" (٨٣٤) وتقدم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.



قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١).
قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - ﷺ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثمَّ مات.
فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - ﷺ - في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: «اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر».
ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: «اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس». فقلت: ولي فاستغفر. فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا».
قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى«(٣).
قال الحافظ:»يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء«.

٢ - عند كلِّ صلاة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقّ

------------------
(١) أي: انصبَّ من موضع السَّهم.
(٢) أي: معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة «فتح».
(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢٣ واللفظ له، ومسلم: ٢٤٩٨. وأبو بردة هو ابن موسى راوي الحديث عنه.



على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك» (١).
وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: «قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة» (٢).

٣ - الوضوء عند كلّ حدث.
لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: «أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا، فدعا بلالًا، فقال:»يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي«.
فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - ﷺ -:»لهذا«(٣).

٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:

--------------------
(١) أخرجه أحمد بإِسناد حسن؛ وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨)، وحسّن شيخنا إِسناده في»المشكاة«(٤٢٦).
(٣) أخرجه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة في»صحيحه«، وِإسناده على شرط مسلم؛ كما ذكر شيخنا في»تمام المنة«(ص١١١)، وتقدّم في (باب سنن الوضوء) بغير هذا اللفظ.
(٤) استفدته من»تمام المنة" هو والذى قبله.



لقوله - ﷺ -: «من غسَّلَ ميتًا؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ» (١).

٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢):
وفيه أحاديث منها:
عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - ﷺ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: «نعم، ويتوضّأ» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب» (٤).

٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة» (٥).

----------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وانظر «تمام المنة» (ص ١١٢)، و«الإِرواء» (١٤٤).
(٢) وكان من هدي النَبي - ﷺ - الاغتسال قبل النوم والنوم قبل الاغتسال؛ كما في حديث عبد الله بن أبي قيس؛ قال: «سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ (فذكر الحديث) وفيه: قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت:»كلّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام«. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَِعة». [بفتح السين وكسرها، وانظر «الوسيط»]. أخرجه مسلم: ٣٠٧
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٦، ومسلم: ٣٠٥
(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦ نحوه، وغيرهما.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٠٥



٧ - المعاودة للجماع.
عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ» (١).

٨ - الوضوء من القيء.
لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: «أنَّ رسول الله - ﷺ - قاء، فأفطر، فتوضّأ»، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥).

٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار.
وقد دلَّ على وجوب الوضوء:
ما روته عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله - ﷺ -: «توضؤوا ممّا مسّت النَّار» (٦).
وأيضًا حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: «أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله

-----------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٠٨، وأبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٤).
(٢) قائله معدان بن أبي طلحة.
(٣) أي: ثوبان.
(٤) أى: أبو الدرداء.
(٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٧٦) وغيره، وسيأتي في (أمور تُظنُّ أنها تنقض الوضوء).
(٦) أخرجه مسلم: ٣٥٣



- ﷺ - يقول: «توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار» (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ» (٤).
وعن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار» (٥).

١٠ - عند النوم.
لحديث البراء بن عازب -رحمه الله- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به» قال: فردَّدْتها على النّبيّ - ﷺ -، فلمَّا بَلَغْتُ: «اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ»، قلتُ: «ورسولك» قال: «لا؛ ونبيِّكَ

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٥٢، وغيره، وهناك من حمله على غسل اليد والفم. انظر»الروضة الندية«(١/ ١٥٥).
(٢) فقد بوّب النووي لهذا بقوله:»باب نسْخ الوضوء مّما مسّت النار«، وأبو داود بقوله:»في ترْك الوضوء مما مسّت النار«.
(٣) أي: يقطع.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٤٠٨، ومسلم: ٣٥٥
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٧٧).



الذي أرسلتَ» (١)، وقال النووي في «شرحه» (١٧/ ٣٢) باستحبابه.

مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف:
اختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٣).
جاء في «نيل الأوطار» (١/ ٢٥٩): «والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة.
ويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤).
وقوله - ﷺ - لأبي هريرة -رحمه الله-:»المؤمن لا ينجُس«(٥).
وعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُبًا فاطهَّروا﴾ (٦).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٤٧، ومسلم: ٢٧١٠، وغيرهما. قال الحافظ:»النُّكتة في ختم البخاريِّ كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة: أنَّه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقَظة، ولقوله في نفس الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تقول»، فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب«.
(٢) وقال الشوكاني في»نيل الأوطار«(١/ ٢٦٠):»وقد وقع الإِجماع على أنّه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسَّ المصحف، وخالف في ذلك داود" انتهى، وسيأتي هذا القول إِن شاء الله تعالى.
(٣) سيأتي الكلام حول هذا الحديث إِن شاء الله.
(٤) التوبة: ٢٨
(٥) تقدّم تخريجه.
(٦) المائدة: ٦



وعلى الثالث: قوله - ﷺ - في المسح على الخفَّين: «دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين».
وعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهرًا، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير.
فمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب.
والذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ...
وقال: «استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعًا إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا؛ لحديث»المؤمن لا ينجس"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم

---------------------
(١) الواقعة: ٧٩
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) التوبة: ٢٨



صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: «المؤمن لا ينجس»، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحًا بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: «المؤمن لا ينجس».
واستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه.
قال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازًا ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائمًا؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة.
فإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله

----------------------
(١) أي: حديث: «لا يمس القرآن إلاَّ طاهر».


أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم.
قلت: اجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث.
إِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك.
وقد عرفت الخلاف في الجُنُب.
وأما المحدث حدثًا أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه» اهـ.
وأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقًا، وقد ذَكر ابن أبي شيبة -رحمه الله- في «مصنّفه» آثارًا كثيرة في ذلك (١).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (١/ ١٠٧): «وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ

--------------------
(١) انظر (١/ ٩٨) (في الرجل الذى يقرأ القرآن وهو غير طاهر) وكذا عبد الرزاق في»مصنفه" (١/ ٣٤٠).


منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان».
ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم.
ثمَّ قال: «فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله - ﷺ - إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله - ﷺ - من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها».
ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمرًا، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -عز وجل- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء.
قلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: «لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر»، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في «الإِرواء» (١٢٢).

-----------------------
(١) هذا في كل طريق على حدة، بيد أنَّ الحديث ثابت بمجموع الطُّرق كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.
(٢) أخرجه البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣، وغيرهما.
(٣) الواقعة: ٧٩



بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: «وأنت طاهر»، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في «الكبير» للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في «المصاحف»، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ -رحمه الله- وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء».
أمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: «ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر»؛ كما في «سنن الدارقطنيّ» (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و(رقم ٤) أيضًا من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي «المصنَّف» بلفظ: «لا يمسّ»، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧).
قلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: «وأنت طاهر ...» وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحًا بيِّنًا للمحدث والجُنُب والحائض.
وجاء في «الإِرواء»: «قال إسحاق المروزي في»مسائل الإِمام أحمد«(ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ - ﷺ -:»لا يمسّ القرآن إلا طاهر«، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعون».
ثمَّ قال -حفظه الله-: "وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب

-----------------
(١) ولم أتمكّن من المتابعة؛ لنقص عدد من المراجع، بها قد يتحقّق المطلوب، وأسأل الله أن ييسّر لي ذلك.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:13 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 116الى صــ 130
الحلقة (9)





ابن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّه قال: كنتُ أمسِك المصحف على سعد بن أبي وقَّاص، فاحتَكَكْتُ، فقال سعدٌ: لعلَّك مسَسْتَ ذكَرَكَ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقال: قم فتوضّأ. فقمتُ فتوضَّأتُ ثمَّ رجعتُ، رواه مالك (١/ ٤٢) (رقم ٥٩)، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح».
ولم يترجَّح لديَّ شيءٌ في هذا، وإِنَّما أنصحُ بالوضوء لمسِّ القرآن ما وجدَ المرء لذلك سبيلًا، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الحقَّ والصَّواب والرَّشاد، وأن يعافينا من الهوى والتعصُّب والضلال.
وأمّا القراءة بلا مسٍّ؛ فجوازه بيِّنٌ قويٌّ، ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه» (١).
قال شيخنا في «الصحيحة» (٤٠٦):«... نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله - ﷺ - حين ردَّ السلام عَقِب التيمُّم:»إِنِّي كرهت أن أذكر الله إِلاَّ على طهارة«، أخرجه أبو داود وغيره، وهو مَخرَّج في»صحيح أبي داود«(٢٣)».

نواقض الوضوء
١ - ما خَرَج من السّبيلين (٢) (القُبُل والدُّبر) من بول أو مذي أو منيّ أو غائط أو ريح.
* أمَّا البول والغائط:

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٧٣، وغيره، وجاء في البخاري معلَّقًا (١/ ٨٣ و١٦٣).
(٢) قال البخاري: «باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين». =


فلقوله تعالى: ﴿... أو جاء أحدٌ مِنكُم من الغائط﴾ (١).
ولحديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «كان يأمرنا إِذا كنّا سَفْرًا (٢) -أو مسافرين-: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهن، إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...» (٣).
* وأمَّا الريح:
فلقوله - ﷺ -: «لا يَقبَل الله صلاة أحدكم إِذا أحدث حتّى يتوضّأ» (٤).
ولحديث عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يُخيَّل (٥) إِليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا

--------------------
= قال الحافظ:»والمعنى: من لم ير الوضوء واجبًا من الخروج من شيء من مخارج البدن إلاَّ من القُبل والدُّبر، وأشار بذلك إِلى خلاف من رأى الوضوء ممَّا يخرج من غيرهما من البدن؛ كالقيء والحجامة وغيرهما، ويمكن أن يقال: إِنَّ نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إِلى المخرجَيْن، فالنوم مظنَّة خروج الريح، ولمس المرأة ومسّ الذكر مظنّة خروج المذي«.»الفتح«(كتاب الوضوء)، تحت باب رقم: (٣٤).
(١) المائدة: ٦، والغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض، يُقصَد لقضاء الحاجة.
(٢) السَّفْر: جمع سافِر، كصاحب وصحْب، والمسافرون: جمع مسافر، والسَّفْر والمسافرون بمعنى.»النهاية«.
(٣) أخرجه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح،»صحيح سنن الترمذي«(٢٨٠١)، وانظر»المشكاة" (٥٢٠).
(٤) أخرجه البخاري: ٦٩٥٤، ومسلم: ٢٢٥
(٥) من الخيال، والمعنى: يظنّ.



ينصرف) حتى يسمعَ صوتًا (١) أو يجدَ ريحًا» (٢).
وفي الحديث: «لا وُضوء إلاَّ من صوت أو ريح» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لا وُضوَء إلاَّ من حدَث» (٤).
* وأمَّا المذي:
فلحديث علي -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذّاءً، فأمرتُ رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكانة ابنتهِ- فسأل، فقال: «توضّأ، واغسل ذَكَرك» (٥).
وفي رواية: «إِذا وَجَد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضّأ وضوءه للصّلاة» (٦).
وقوله - ﷺ -: «من المذي الوضوء، ومن المنيّ الغسل» (٧).
* وأما المنيّ:
فللحديث المتقدِّم:«... ومن المنيّ الغسل».

-------------------
(١) أي: من مخرجه.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم: ٣٦١، وغيرهما.
(٣) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤١٦) وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١/ ١٤٥).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» بإِسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا، وزاد: «أو ريح». ذكَره الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٨١).
(٥) تقدّم في (باب النّجاسات).
(٦) تقدّم في (باب النّجاسات).
(٧) تقدّم في (باب النّجاسات).



٢ - زوال العقل:
لجنون أو إِغماء أو نحوه؛ لأنَّه أبلغ من النّوم.

٣ - مسُّ الفرج بشهوة:
لحديث بُسرة بنت صفوان -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا
مسَّ أحدُكم ذكَره؛ فليتوضّأ» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أفضى أحدُكم بيده إِلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب؛ فليتوضّأ» (٢).
وعن طلق بن عليّ؛ قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن مسِّ الرجل ذكره بعدما
يتوضّأ؟ قال: «وهل هو إلاَّ بَضْعة (٣) منه» (٤).
وجمَع شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- بين حديث بُسرة وحديث وطلق -رضي الله عنهما- بحمل الأول على المسّ بشهوة والآخر على المسّ بلا شهوة، وقوله - ﷺ -: «هل هو إلاَّ بَضعة منك؟» يُشعر بهذا؛ فحين يكون مسّ

-----------------------
(١) أخرجه مالك، وأحمد، «صحيح سنن أبي داود» (١٦٦)، وغيرهم. وقال الترمذي: حسن صحيح، ووافقه شيخنا في «المشكاة» (٣١٩)، وانظر «الإرواء» (١١٦).
(٢) أخرجه ابن حبَّان، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وِإسناد ابن حبّان جيد؛ وانظر «الصحيحة» (١٢٣٥).
(٣) أي: قطعة منه.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٧)، وغيره. وقال الترمذي: «هو أحسن شيء في هذا الباب». وقال شيخنا في «المشكاة» (٣٢٠): وسنده صحيح.



الفرج كأيّ جزء آخر من البدن؛ فإِنَّه لا ينقض الوضوء.

٤ - أكْل لحم الإِبل.
عن جابر بن سمُرة:»أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت فتوضّأ، وأن شئت فلا توضّأ». قال: أتوضّأ من لحوم الإِبِل؟ قال: «نعم؟ فتوضّأ من لحوم الإِبِل».
قال: أصلّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١).
وعن جابر بن سمُرة -رضي الله عنه- قال: «كنا نتوضّأ من لحوم الإِبل ولا نتوضّأ من لحوم الغنم» (٢).
قال الشوكانى -رحمه الله- فى «الدّراري المضيّة» (ص ٦١): «وقد ذهبَ إِلى انتقاض الوضوء بأكْل لحْوم الإِبل: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث، وحُكي عن جماعة من الصّحابة؛ كما قال النّوويّ.
قال البيهقيّ عن بعض أصحابنا عن الشّافعي؛ أنَّه قال: إنَّ صحّ الحديث في لحوم الإِبل؛ قُلْت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان ...».

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠، وتقدّم،
(٢) أخرجه أبن أبي شيبة في «المصنف» بسند صحيح؛ كما في «تمام المنَّة» (ص ١٠٦).



٥ - النوم.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
* والذين رأَوا عدم نقْضِه استدلّوا بأدّلة؛ منها:
قول أنس -رضي الله عنه-:»كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثمَّ يُصلّون ولا يتوضّؤون«(١).
وأيضًا ما ثبت عنه: أنَّه قال:»أُقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم)، ثمَّ صَلَّوا«(٢).
جاء في»تمام المنّة«(١٠٠ - ١٠١) بعد حديث أنس:»قد ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥١) (٣) نحو كلام ابن المبارك هذا، ثمَّ ردّه بقوله: لكن في «مسند البزّار» بإِسناد صحيح في هذا الحديث: «فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثمَّ يقومون إِلى الصَّلاة».
قلت (٤): وأخرجه أيضًا أبو داود في «مسائل الإِمام أحمد» (ص ٣١٨) بلفظ: «كان أصحاب النبيّ - ﷺ - يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ»، وإِسناده صحيح على شرط الشيخين.

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وغيره.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٧٦
(٣) انظر «كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم ومن لم يرَ من النَّعسة ...».
(٤) الكلام لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: «تخفق رؤوسهم» (١)؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك.
فإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به.
وإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالسًا، وبعضهم مضطجعًا، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقًا، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في «الفتح».
وهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّنًا مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: «... لكن من غائط وبول ونوم» (٢)؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقًا؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ

--------------------
(١) أي: ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود، وقيل هو من الخُفوق: الاضطراب. «النهاية». والحديث في «صحيح مسلم» (٣٧٦).
(٢) ولفظه كما يأتي: عن زرّ بن حُبيش؛ قال: أتيتُ صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخُفَّين؟ فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاء العلم. فقال: «إِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب»، قلت: إِنَّه حكَّ في صدري المسح على الخُفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأ من أصحاب النْبيّ - ﷺ -، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم؛ كان يأمرنا إذا كنّا سَفْرًا -أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...«. رواه الترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«.»صحيح سنن الترمذي" (٢٨٠١)، وغيره، وتقدّم مختصرًا.



- ﷺ -، وليس كذلك حديث أنس، إِذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إِيجاب الوضوء من النّوم.
فالحقُّ أنَّ النَّوم ناقضٌ مُطلقًا، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعًا:«... وكاء السَّهِ (١) العينان؛ فمن نام فليتوضّأ»، وإسناده حسن؛ كما قال المنذري والنّووي وابن الصّلاح، وقد بيّنْتُه في «صحيح أبي داود» (١٩٨)؛ فقد أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ.
ولا يعكّر على عمومه -كما ظنَّ البعض- أنَّ الحديث أشار إِلى أنَّ النّوم ليس ناقضًا في نفسه، بل هو مَظِنّة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة؛ فإِنَّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك؛ أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان متمكّنًا؛ لأنَّه -عليه السلام- أخبر أن العينين وكاء السَّهِ، فإِذا نامت العينان؛ انطلق الوكاء؛ كما في حديث آخر، والمتمكِّن نائم؛ فقد ينطلق وكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يمينًا أو يسارًا، فاقتضت الحكمة أن يؤمر بوضوء كل نائم، والله أعلم.
وما اخترناه هو مذهب ابن حزم (٢).
وهو الذي مال إِليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصَّة طريفة حكاها عنه ابن

----------------------
(١) الوكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيس وغيرهما، جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة؛ كما أنَّ الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الإِست أن تُحْدِث إلاَّ باختيار. و«السَّهِ»: حَلْقة الدُّبر، وكنّى بالعين عن اليقظة؛ لأنَّ النَّائم لا عين له تُبصر. «النهاية».
(٢) وسيأتي قوله في آخر المسألة إِن شاء الله تعالى.



عبد البرّ فى»شرح الموطّأ«(١/ ٥٧/‏٢)؛ قال: كنتُ أُفتي أنَّ من نام جالسًا لا وضوء عليه، حتى قَعَد إِلى جنبي رجل يوم الجمعة، فنام، فخرجَت منه ريح، فقُلت: قم فتوضّأ. فقال: لم أنَم. فقُلت: بلى، وقد خَرَجَت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعلَ يحلف بالله ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خَرَجت! فزايَلْت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وداعيْتُ غلبة النّوم ومخالطته القلب».
ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: «(فائدة هامة): قال الخطابي في»غريب الحديث«(ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة، والناعس هو الذي رهقه ثِقَل، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة.
وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النّوم والنّعاس؛ تزول إِشكالات كثيرة، ويتأكّد القول بأنَّ النّوم ناقض مطلقًا» اهـ.
قُلْت: وذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٣١٤) نقْل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتّابعين المصير إِلى أنَّ النوم حَدَث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وِإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: «وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ...».
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ١٥٨): «والنّوم في ذاته حَدَث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا كذلك، أو ساجدًا كذلك، أو متكئًا، أو مضطجعًا؛ أيقنَ من حواليه أنَّه لم يُحدث أو لم يوقنوا».


وقال -رحمه الله- عقب حديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه-: «... فعمّ عليه السلام كلّ نوم، ولم يخصّ قليله من كثيره، ولا حالًا من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول.
وهذا قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، والزهري، والمزني، وغيرهم كثير».

باب أمورٌ تُظنّ أنَّها تنقضُ الوضوء وليست كذلك
١ - مسُّ الفرج بلا شهوة كما تقدَّم (١).
٢ - لمْس المرأةِ إِن لم ينزل منه شيء.
وفيه أحاديث؛ منها:
ما روته عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قَبَّلها ولم يتوضّأ» (٢).
وعنها: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قبّل امرأة من نسائه، ثمَّ خرج إِلى الصَّلاة ولم يتوضّأ» (٣).
قال عروة (٤): فقلتُ لها: من هي إلاَّ أنت؟ فضحِكَت.

---------------------
(١) انظر (باب نواقض الوضوء، (رقم ٧).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٤)، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٥)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٠٦)، وانظر «المشكاة» (٣٢٣).
(٤) هو عروة بن الزبير ابن أخت عائشة -رضي الله عنها-.



٣ - خروج الدّم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك.
ومن الأدلّة على ما تقدَّم معنا ذِكره (١). في قصّة ذلك الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدّماء تسيل منه.
وتقدَّم أيضًا قول الحسن -رحمه الله-: «ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم».
قال الحافظ: «وقد صحّ أنَّ عمر صلّى وجرحُه ينبع دمًا» (٢).
وقال طاوُس ومحمد بن عليّ وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدّم وضوء (٣).

---------------------
(١) في (كتاب الطهارة، باب ما يظنُّ أنَه نجس وليس كذلك).
(٢) انظر «الفتح» (١/ ٢٨٧).
(٣) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في «الفتح» (كتاب الوضوء، باب ٣٤): «وأثره هذا وصَله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، ولفظه: إنَّه كان لا يرى في الدم وضوءًا، يغسل عنه الدم، ثمَّ حسبه».
وقال الحافظ: «وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه». وذكره شيخنا -حفظه الله- في «مختصره» (١/ ٥٧)، فقال:«... وصَله عبد الرزاق بسند صحيح عنه». وأهل الحجاز: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد ابن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيّب. وأخرجه إِسماعيل القاضي من طريق أبي الزِّناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي. «الفتح». ولم أذكر أثر محمد بن علي، وهو أبو جعفر الباقر، فوصله سمويه في «الفوائد».



وعَصَر ابن عمر بَثْرَة (١)، فخرج منها الدَّم، ولم يتوضّأ (٢).
وبَزقَ ابنُ أبي أوفى (٣) دمًا، فمضى في صلاته (٤).
وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلاَّ غَسْل محاجمه (٥)،

٤ - القيء قلّ أو كَثُر.
وذلك لعدم ورود الدّليل الموجب له.
وروى مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - قاء فتوضّأ، فلقيت (٦) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْت ذلك له فقال (٧):

---------------------
(١) البَثْرة: خُراج صغير.
(٢) أورده البخارى معلقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وزاد قبل قوله:»ولم يتوضّأ«:»ثمَّ صلى«؛ كما في»الفتح«.
(٣) هو عبد الله الصَّحابي ابن الصَّحابي. كذا في»الفتح«.
(٤) وصَله سفيان الثوري في»جامعه«عن عطاء ابن السائب: أنَّه رآه فعَل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإِسناد صحيح. عن»الفتح«(أول كتاب الوضوء).
(٥) وصله ابن أبي شيبة عنهما، ووصله الشافعي والبيهقيّ (١/ ١٤٠) عن ابن عمر وحده، وسنده صحيح؛ كما في»مختصر البخاري" (١/ ٥٧).
والمحاجم: موضع الحجامة.
(٦) قائله معدان بن أبي طلحة.
(٧) أي: ثوبان.



صدق (١)، أنا صبَبْت له وَضوءه (٢)» (٣).
فالحديث لا يدلّ على النقض إِطلاقًا؛ لأنَّه مجرّد فعل منه - ﷺ -، والأصل أنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب.
وغايته أن يدلّ على مشروعيّة التأسّي في ذلك، وأمّا الوجوب؛ فلا بُدّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مما لا وجود له هنا (٤).

٥ - الشكّ في الحدث.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا وجَدَ أحدُكم في بطنه شيئًا، فأشكلَ عليه؛ أخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا» (٥).
وعن عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجلّ الذي يُخيّل إِليه أنَّه يجد الشيء (٦) في الصّلاة، فقال: «لا ينفتل (أو لا ينصرف)

-----------------
(١) أي: أبو الدرداء.
(٢) أي: ماء وُضوئه.
(٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٦) وغيره، وانظر»الإِرواء«(١١١)، و»حقيقة الصيام«(ص ١٥)، و»تمام المنَّة«(١١١)، وتقدّم.
(٤) كذا في»الإرواء«من قول شيخنا -حفظه الله تعالى-.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٦٢، وأبو عوانة، والترمذي، وغيرهم.
(٦) أي: الحدث خارجًا منه، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاصٍّ اسمه؛ إلاَّ للضرورة.»الفتح".



حتّى يسمع صوتًا (١) أو يجد ريحًا» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله-: «هذا الحديث أصل في حُكم بقاء الأشياء على أُصولها حتى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضّر الشكّ الطارئ عليها، وأخَذَ بهذا الحديث جمهور العلماء» (٣).

٦ - الإِحساس بالنّقطة.
وما قيل في الأمر السابق يُقال هنا.
وقد سُئل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيما إذا أحسَّ بالنّقطة في صلاته؛ فهل تبطل صلاته؟ فأجاب: «مجرّد الإِحساس لا ينقض الوضوء، ولا يجوز له الخروج من الصّلاة الواجبة بمجرّد الشكّ؛ فإِنَّه قد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه سُئل عن الرّجل يجد الشيء في الصَّلاة، فقال:»لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا«.
وأما إِذا تيقَّن خروج البول إِلى ظاهر الذّكر؛ فقد انتقض وضوؤه، وعليه الاستنجاء؛ إلاَّ أن يكون به سلس البول؛ فلا تبطل الصّلاة بمجرّد ذلك إِذا فعَل ما أُمِر به، والله أعلم» (٤).

-----------------------
(١) أي: من مخرجه.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم ٣٦١، وغيرهما، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء).
(٣) «الفتح» تحت حديث (١٣٧).
(٤) «الفتاوى» (٢١/ ٢٢٠).



٧ - الأخْذ من الشّعر أو الأظفار، وخلْع الخفّين.
ولا دليل على الوضوء من ذلك.
قال الحسن: «إِنْ أخذ من شعره أو أظفاره وخَلَع خُفّيه، فلا وضوء عليه» (١). ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (٢).

مسائل في الوضوء
١ - المضمضة باليمين.
لحديث حُمران مولى عثمان، وفيه:«... فأدخل يمينه في الإِناء، فمضمض واستنشق» (٣).

٢ - الاستنثار باليُسرى.
عن عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّه دعا بوَضوء؛ فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليُسرى، ففعل هذا ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طهور نبيّ الله - ﷺ -» (٤).

٣ - المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة.
عن عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّه أفرَغَ من الإِناء على يديه،

-----------------
(١) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح. كما قال الحافظ في»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب: ٣٤).
(٢)»الفتح«(كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤).
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٦، ومسلم: ٢٢٦، وغيرهما.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٨٩) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٩١).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif




ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:17 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 131الى صــ 145
الحلقة (10)



فغسَلهما، ثمَّ غَسَل أو مضمض واستنشق من كفّةٍ (١) واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، فغسل يديه إِلى المرفقين مرَّتين مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إِلى الكعبين، ثمَّ قال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ -«(٢).
وعن عبد خير؛ قال: رأيتُ عليًّا -رضي الله عنه- أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثمَّ أُتي بكوز من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدة» (٣).

٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إِلا من صيام.
عن لقيط بن صبرة: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال له:«... وبالغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا» (٤).

٥ - تخليل اللحية.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته، وقال: «هكذا أمَرني ربي عز وجل» (٥).

------------------
(١) قال الحافظ في «الفتح»: «... وفي نسخة من غرفة واحدة» وللأكثر من «كفّ» بغير هاء«اهـ قال الأصيلي:»صوابه منَ كفٍّ واحد«.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩١، ومسلم: ٢٣٥؛ نحوه.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٤).
(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وغيره، وانظر»حقيقة الصيام«(ص ١٢).
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٣٢)، والبيهقيّ عنه وتقدّم، =


قال شَيخنا -حفظه الله تعالى- بعد أن ذكر قول الشوكاني في «السيل الجرّار» (١/ ٨١) حول وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار: «ثمَّ ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية (تحت رقم ٦)، وهو الصواب، وينبغي أن يُقال ذلك في تخليل الأصابع أيضًا؛ لثبوت الأمر به عنه - ﷺ -».

٦ - وجوب مسح جميع الرأس.
قال الله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برؤوسِكُم﴾ (١).
وعن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثمَّ مضمض واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرتين مرتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه«(٢).
وسُئل مالك -رحمه الله-: أيجزئ أن يمسحَ بعض الرأس؟ فاحتجّ بحديث عبد الله بن زيد هذا (٣).

----------------------
= وللحديث طريق أخرى صحَّحها الحاكم، ووافقه ابن القَّطان والذّهبي، والحديث صحيح بشواهده. وانظر»الإِرواء«(٩٢).
(١) المائدة: ٦، والباء هنا زائدة لا تبعيضيَّة، فيراد مسح الكلّ. انظر»الفتح«(شرح حديث ٢٨٥). وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أنها للإِلصاق»الفتاوى«(٢١/ ١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، نحوه وتقدّم.
(٣) وصله ابن خزيمة في»صحيحه«(١٥٧)؛ كما ذكر الحافظ -رحمه الله- في»الفتح".



وإلى وجوب مسْح جميع الرأس هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى- وذكر أنَّه المشهور من مذهب مالك وأحمد (١).
وقال ابن المسيّب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (٢).

٧ - كيف يُمسح الرأس؟
يُمسح باليدين إِقبالًا وإِدبارًا، بادئًا بمقدّم رأسه، حتى يبلغ قفاه:
لحديث عبد الله بن زيد:» ... ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدّم رأسه، حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردّها إِلى المكان الذي بدأ منه ... «(٣).
وعن يزيد بن أبي مالك: أنَّ معاوية توضأ للنَّاس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضّأ، فلمَّا بلغَ رأسه؛ غَرف غرفةً من ماء فتلقاها بشماله؛ حتى وضعها على وسط رأسه، حتى يقطر الماء أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدّمه إِلى مؤخّره، ومن مؤخره إِلى مقدّمه» (٤).

٨ - مسح الرأس مرة واحدة.
لحديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وهو يتوضّأ وضوء النّبيّ - ﷺ -، وفيه:

------------------
(١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ١٢٢ - وما بعدها).
(٢) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن أبي شيبة بلفظ: «الرجل والمرأة في المسح سواء». «الفتح».
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وغيرهما، وتقدّم.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٥).



«... فمسح رأسه، فأقبَل بهما وأدبَر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين».

٩ - مسح الرأس مرتين.
لحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوّذ عن النّبيّ - ﷺ -، وفيه:«... ومسَح برأسه مرتين ...» (١).

١٠ - مسح الرأس ثلاثًا.
فقد صحّ من حديث عثمان -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه ثلاثًا» (٢).
وقد قال الحافظ في «الفتح» (٣): «وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة».
وذكر في «التلخيص»: أنَّ ابن الجوزي مال في «كشف المشكل» إِلى تصحيح التكرير.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وهو الحقّ؛ لأنَّ رواية المرة الواحدة - وإِن كَثرت- لا تُعارض رواية التثليث؛ إِذ الكلام في أنَّه سنَّة، ومن شأنها أن

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٧).
(٢) قال شيخنا في»تمام المنَّة«(ص٩١): أخرجه أبو داود بسندين حسَنين، وله إِسناد ثالث حسن أيضًا، وقد تكلّمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في»صحيح سنن أبي داود" (٩٥ و٩٨).
(٣) تعليقًا على حديث (١٥٩).



تُفعل أحيانًا وتُترك أحيانًا، وهو اختيار الصنعاني في»سبل السلام«؛ فراجعه إِن شِئت» (١).

١١ - المسح على العمامة.
عن بلال -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - مَسَح على الخفّين والخِمار (٢)» (٣).
وفي حديث المغيرة بن شُعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فمسح بناصيته على العمامة (٤) وعلى الخفيّن» (٥).
وعنه -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح على الخفّين ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» (٦).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «بعثَ رسول الله - ﷺ - سريّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدِموا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (٧) والتساخين» (٨).

-------------------(١) «تمام المنَّة» (ص٩١).
(٢) أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه؛ كما أنَّ المرأة تغطّيه بخمارها. «النهاية».
(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٥
(٤) العمامة: ما يُلفُّ على الرأس ويغطَّى به.
(٥) أخرجه مسلم ٢٧٤، وغيره.
(٦) أخرجه مسلم: ٢٧٤
(٧) كلّ ما عصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة. «النهاية».
(٨) جاء في النهاية: الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: "واحدها تَسخان =



قال ابن حزم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض الأحاديث في المسْح على العمامة: «فهؤلاء ستة من الصحابة -رضي الله عنهم-: المغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وعمرو بن أميّة، وكعب بن عجرة، وأبو ذرّ، كلّهم يروي ذلك عن رسول الله - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين ...» (١).
وقال الصنعاني:«... كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى النّاصية والعمامة تارة».
ويرى شيخنا -حفظه الله- أنْ يفعل المرء ما يتيسّر له من هذه الحالات.
ولا يُشترط في المسح على العمامة لبْسها على طهارة، ولك أن تمسح بلا توقيت ولا تحديد؛ لعدم ورود النصِّ في ذلك.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (تحت المسألة: ٢٠٢): «وإنما نصَّ رسول الله - ﷺ - في اللباس على الطهارة- على الخفيّن، ولم ينصّ ذلك في العمامة والخمار.
قال الله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إِليْهم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربُّكَ

-------------------
= وتَسْخين وتَسْخن. انظر باب (التاء مع السين) و(السين مع الخاء)، وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما». أخرجه أحمد، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (١٣٣).
(١) أنظر «المحلّى» (المسألة: ٢٠١).
(٢) النحل: ٤٤



نَسِيًّا﴾ (١).
فلو وجب هذا في العمامة والخمار؛ لبيَّنه -عليه السلام- كما بيّن ذلك في الخفّين، ومدّعي المساواة في ذلك بيْن العمامة والخمار وبيْن الخفّين مُدَّعٍ بلا دليل، ويُكلَّف البرهان على صحة دعواه في ذلك.
فيُقال له: من أين وجب -إِذ نصَّ عليه السلام في المسح على الخفين أنَّه لَبِسهما على طهارة-: أنَّه يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إِليه أصلًا بأكثر من قضيّة من رأيه؛ وهذا لا معنى له! قال الله تعالى: ﴿قُل هَاتوا بُرْهانَكُم إِنْ كنْتُمْ صَادقينَ﴾ (٢).
وقال في الردّ على من يقول بتوقيت المسح على العمامة والخمار (٣): «يقال له: ما دليلك على صحّة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين (٤) في المسح على الخفّين؟ وهذا لا سبيل إِلى وجوده بأكثر من الدّعوى، وقد مسح رسول الله - ﷺ - على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتًا، ووقّت في المسح على الخفيّن؛ فيلزمنا أن نقول ما قاله عليه السلام، وأن لا نقول في الدين ما لم يَقُلْه عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٥)».

---------------
(١) مريم: ٦٤
(٢) البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤
(٣) انظر المسألة: ٢٠٣
(٤) أي: السّفر والحضر.
(٥) البقرة: ٢٢٩



١٢ - مسْح باطن وظاهر الأذنين.
عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلًا أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف الطّهور؟ فدعا بماء في إِناء، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مسَح برأسه، فأدخَل إِصْبعيه السبّاحتين (١) في أذنيه، ومسَح بإِبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَ قال: «هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم»، أو: «ظلم وأساء» (٢).
وعن أبي مليكة؛ قال: «رأيت عثمان بن عفّان سُئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأُتي بميضأة ... (وذكر الحديث إِلى أن بلغَhttp://www.a-quran.com/data:image/gi...NZheYuAgwIADs= ثمَّ أدخل يده، فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه، ثمَّ قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ» (٣).
وفي حديث المقدام بن معديكرب؟ قال: «... ومسَح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، -زاد هشام-: وأدخل أصابعه في صِماخ (٤) أذنيه» (٥).

-------------------
(١) السبَّاحة والمُسبِّحة: الإِصبع التي تلي الإِبهام، سُمِّيت بذلك لأنها يُشار بها عند التَّسبيح. «النهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤١٧).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩).
(٤) ثقب الأذن، ويقال بالسين. «النهاية».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٤).



وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» (١).

١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة.
قال المُناوي في شرح حديث: «الأذُنان من الرأس» (٢): «الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بيانًا للخلقة فقط، والمصطفى - ﷺ - لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ...»، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك.
واحتجّ النَّووي في «المجموع» (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه»، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح.
بيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: «الضعيفة» (٩٩٥)، و«صحيح سنن أبي داود» (١١١).

--------------
(١) أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقيّ، وهو صحيح بالمتابعة؛ فقد أخرجه أبو داود والحاكم، وانظر «الإرواء» (٩٠).
(٢) حديث صحيح له طُرق كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أمامة، وأبو هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمرة بن جندب، وعبد الله ابن زيد. وانظر تفصيله في «الصحيحة» (٣٦).



وقال النّووي -رحمه الله- في موطن آخر (١):»وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبًا؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديدًا كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضًا على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ...«.
قال شيخنا -حفظه الله-:»ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا.
ويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه - ﷺ -: «أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده».
رواه أبو داود في «سننه» بسند حسن كما بيّنته في «صحيح سننه» (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في «المُستدرك» (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضًا، ورواه غيره؛ فانظر: «التلخيص الحبير» (ص ٣٣).
وهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في «صحيح سنن أبي داود» (١١١)، وبيّنته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (تحت ٩٩٥).
وجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل -رضي الله عنهم- أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره«(٢) أهـ.

----------------------
(١)»المجموع«(١/ ٤١٤).
(٢) انظر»الصحيحة" التعليق على حديث (٣٦).



وخلاصة القول التي بدت لي: «جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم».

١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «لم يصح عن النّبي - ﷺ - أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ - ﷺ - لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أو حديث يضعُف نقْلُه:»أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) «(٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث» (٣).
وأما حديث: «مسح الرقبة أمان من الغِلّ»؛ فموضوع (٤).

--------------------
(١) جِماع مؤخَّر الرأس.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وفيه ثلاث علل: الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مصرف. وضعّفه النووي، وابن تيمية، والعسقلاني، وغيرهم. وانظر: «الضعيفة» (تحت رقم ٦٩)، و«ضعيف سنن أبي داود» (١٥).
(٣) «الفتاوى» (٢١/ ١٢٧ و١٢٨).
(٤) قاله النَّووي في «المجموع شرح المهذَّب» (١/ ٤٦٥)، ونقله السيوطي في «ذيل الأحاديث الموضوعة» عن النووي، وأقرّه، وللحافظ كلام فيه في «التلخيص الحبير»، وانظر تفصيل تخريجه في «السلسلة الضعيفة» (٦٩).



١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين.
عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: «شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ - ﷺ -: فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ - ﷺ -: فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين» (١).

١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد.
لحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: «... فتوضّأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد» (٢).

١٧ - تخليل أصابع الرجلين.
عن المستورد بن شدَّاد -رضي الله عنه- قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك» (٤).

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٦).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١٣٤) وغيره، وانظر «المشكاة» (٤٠٧).
(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي وغيره. وانظر «الصحيحة» (١٣٠٦)، و«حقيقة الصيام» (١٢).



وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا» (١).

١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين.
عن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار» (٤).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «أخبرَني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى» (٥).

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٩)، والترمذي -وقال: «حديث حسن صحيح»- والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، وهو في «المشكاة» (٤٠٥)، وتقدّم.
(٢) الويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة ولا يُترّحم عليه؛ بخلاف ويح؛ كذا في «التنقيح». «فيض القدير». وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. «النهاية».
(٣) أي: التي لا ينالها ماء الطُّهر. «فيض». والعَقِب: مؤخَّر القدم.
وفي «النهاية»: أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وِإنّما قال ذلك لأنَّهم كانوا لا يستقصون غَسْل أرجلهم في الوضوء.
(٤) أخرجه البخاري: ٦٠ من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ورواه البخارى: ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما؛ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا السياق.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وغيره وتقدم. وفي رواية: «فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة». رواه أحمد، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٦١)، و«الإرواء» (٨٦).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّه رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوُضوء؛ فإِني سمعْت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «ويل للعراقيب (١) من النار» (٢).

١٩ - النّضح بعد الوضوء.
عن الحكم بن سفيان الثقفي -رضي الله عنه-: «أنَّه رأى رسول الله - ﷺ - توضّأ، ثمَّ أخذ كفًّا من ماء فنضحَ به فرجه» (٣).

٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة، ولا يصحّ الوضوء بترك مثل موضع الظُّفُر أو قدر الدّرهم.
عن جابر؛ قال: «أخبرني عمر بن الخطاب: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال:»ارجع فأحسن وُضوءك فرجع ثمَّ صلّى«(٤).

--------------------
(١) هو من الإنسان فويق العَقب.»النهاية«، وقال النووي: وهو العصبة التي فوق العَقب.
(٢) أخرجه مسلم: تحت حديث رقم (٢٤٢)، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٥٤) والنسائي، وهو صحيح لغيره فإِنّ له شاهدًا من رواية زيد بن حارثة -رضي الله عنه- رواه أحمد وغيره، وانظر»المشكاة" (٣٦٦).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وتقدم.



٢١ - ما يوجب إِعادة الوضوء.
للحديث السابق.

٢٢ - التيمّن في الوضوء.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يُعجبه التّيمّن (١)؛ في تنعُّله (٢)، وترجُّله (٣)، وطُهُوره؛ في شأنه كلّه» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا لبستم وإِذا توضّأتم؛ فابدأوا بأيامنكم» (٥).
وعن أم عطيّة -رضي الله عنها- قالت: قال النّبيّ - ﷺ - لهنّ في غسل ابنته: «ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٦).

----------------------
(١) أي: الابتداء باليمين، وكان - ﷺ - يعجبه الفأل الحسن؛ كما في رواية ابن حبَّان عن أبي هريرة، وأحمد عن عائشة، وغيرهما، وهو في «الكلم» (٢٤٨).
وعند الشيخين: «قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل».
قال في «الفتح»: «قيل: إِنه كان يحبُّ الفأل الحسن، إِذ أصحاب اليمين أهل الجنة».
(٢) أي: لُبس نعله.
(٣) أي: ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه.
(٤) أخرجه البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. قيل: «هو عام مخصوص؛ لأنَّ دخول الخلاء والخروج من المسجد يبدأ فيهما باليسار».
(٥) تقدّم.
(٦) أخرجه البخاري: ١٦٧، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم.




https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif



ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:19 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 146الى صــ 160
الحلقة (11)





٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢)» (٣).
وتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: «أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا».

٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده.
الأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب -رضي الله عنه- قال: «أُتي رسول الله - ﷺ - بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا» (٤).

--------------------
(١) جمع مَكْرَه، وهو ما يكرهه الإِنسان ويشقُّ عليه، والكُره: المشقَّة، والمعنى: أن يتوضّأ مع البرد الشديد والعِلل التي يتأذَّى معها بمسِّ الماء. «النهاية».
(٢) الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب؛ أي: أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. «النهاية» بحذف.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٥١، وغيره.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال الشوكاني: «إِسناده صالح»، وحسّن إِسناده النووي والحافظ ابن حجر. وانظر «تمام المنّة» (ص٨٨).


٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم» (١).
وفي الحديث: «إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء» (٣).

٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه.
عن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: «المُصلَّى أمامك» (٤).
وعن المغيرة بن شعبة: «أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين» (٥).

----------------------
(١) أخرجه النسائى «صحيح سنن النسائي» (١٣٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩)، وانظر «المشكاة» (٤١٧).
(٢) الطهور: بالضم ويُفتح. «مرقاة» (٢/ ١٢٥).
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧)، وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٤١٨).
(٤) أخرجه البخاري: ١٨١
(٥) أخرجه البخارى: ١٨٢، ومسلم: ٢٧٤، وغيرهما.



٢٧ - التخفيف في الوضوء.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ - ﷺ - من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ - ﷺ -، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءًا خفيفًا -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ...» (٣).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ» (٨).

--------------------
(١) الشَّنُّ: القربة العتيقة.
(٢) أي: يصِفه بالتخفيف والتقليل. وقال ابن المنيِّر: يخفِّفه؛ أى: لا يُكثر الدَّلك، ويقلِّله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة. وقيل: الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدَّلك، والله أعلم. عن «الفتح» بشيء من الاختصار.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٨
(٤) أي: جسده.
(٥) قال الحافظ: «الشَّكُّ فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لما حدَّثه به».
(٦) الصَّاع: إناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيَّة: ثمانية.
«الفتح». وهو أربعة أمداد. «النهاية». و«الفتح». وقال أبو داود في «سننه»: «وسمعْتُ أحمد بن حنبل يقول: الصَّاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -».
(٧) جاء في «النهاية»: «المُدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وِإنّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة». وفيه أيضًا: «وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق».
(٨) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: تحت ٣٢٥، وغيرهما.



وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك» (٢).
وعن عُمارة: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ» (٣).
وعن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه» (٤).

٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس.
عن أبي جُحيفَة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه

--------------------
(١) جاء في»النهاية«:»أراد بالمكُّوك: المُدّ، وقيل: الصَّاع، والأول أشبه؛ لأنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمُدِّ، والمكوك: اسم للمكيال«.
وقوله:»والأول أشبه«؛ هو الصواب إِن شاء الله؛ فقد ورَدت فيه النصوص كما تقدّم، أمّا الصَّاع إِلى خمسة أمداد فهو مقدار ما كان يغتسل به عليه السلام.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٢٥، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨٥).
(٤) عن»صحيح سنن ابن خزيمة" (١١٨)، وعند الحاكم مِثله، وصحَّحه شيخنا -حفظه الله-.
(٥) نصف النهار، عند اشتداد الحرّ؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم، كأنّهم قد تهاجروا.



عَنَزَة (١) «» (٢).

فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها (٣).
* الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه.
* الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له.
* لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل.
* وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلًا-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها.
* المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر.
* يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء.
* يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفًا وشتاءً.

------------------------
(١) العَنَزة: رُميْح بين العصا والرُّمح، فيه زُجٌّ. «المحيط». والزُّج: الحديدة في أسفل الرمح. «الوسيط».
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧
(٣) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله تعالى- بحذف يسير.
(٤) [أو ما يُعْرَف بـ (المنيكير)].



خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء (١).
- النيّة: لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ...» (٢).
ومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة.
- التسوّك (٣).
- غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين.
- المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام.
والأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى.
- غَسل الوجه.
- تخليل اللحية.
- غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين.

----------------------
(١) ذَكرتُ هذه الأمور والمسائل من غير دليل؛ لتقدُّم ذلك في مواطن متفرقة؛ إلاَّ ما لزم.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما، وهو في البخاري أيضًا في مواطن متفرّقة، وتقدّم.
(٣) ولم يرِد نصٌّ في تحديد موضعه. وجاء في «تمام المنّة» (٨٩): «ويستحبُّ السِّواك للصّائم أوّل النهار وآخره؛ للبراءة الأصلية».



- مسح الرأس كلّه إِقبالًا وإِدبارًا.
- مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما.
- غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين.

الذكر المستحب عقب الوضوء
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله - ﷺ - قائمًا يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة».
قال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفًا. قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء» (٣).
وفي رواية أُخرى لعقبة -رضي الله عنه-: "من توضّأ فقال: أشهد أن لا

------------------
(١) أي: ردَدْتُها إِلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثمَّ جئت إِلى مجلس رسول الله - ﷺ -.
(٢) فيبلِغ أو فيُسبغُ؛ بمعنى واحد، والإسباغ: الإِتمام والإِكمال.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وتقدم مختصرًا (ص ١٢).



إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله» (١).
زاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٢).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة» (٤).

----------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وفي الحديث زيادة: «وحده لا شريك له»؛ كما هو بيِّن، وقد خالف فيها زيد بن الحُباب عبد الرحمن بن مهدي.
بَيْد أنَّ ابن وهب تابع ابن الحُباب؛ كما في «سنن أبي داود» (١٦٩). فصحَّت هذه الزيادة، والحمد لله، وقد استفدت هذا من مراجعة شيخنا -حفظه الله-.
(٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: «وتُكُلِّم فيه».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٩٦): «وأعلّه الترمذي بالاضطراب، وليس بشيء؛ فإِنّه اضطراب مرجوح؛ كما بينَّته في»صحيح سنن أبي داود«(١٦٢).
ولهذه الزيادة شاهد من حديث ثوبان، رواه الطبراني في»الكبير«(١/ ٧٢/‏١)، وابن السنِّي في»اليوم والليلة«(رقم ٣٠)، وفيه أبو سعد البقَّال الأعور، وهو ضعيف».
(٣) بفتح الراء وكسْرها وهو جلد رقيق يكتب فيه، وانظر «المحيط».
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، ورواته رواة «الصحيح»، واللفظ له.
ورواه النسائي، وقال في آخره: «خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم تُكسر إِلى يوم القيامة»، وصوّب وقفه على أبي سعيد.
وقال شيخنا: «ولكنه في حُكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بمجرَّد الرأي كما لا يخفى». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢١٨).



المسح على الخفين
أولًا: المسح على الخفين.
وفيه أدلَّة عديدة؛ منها:
ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: «دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين»، فمسح عليهما (١).
وعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه مسح على الخفَّين» (٢).
وعن همَّام بن الحارث؛ قال: «رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال:»رأيتُ النّبيّ - ﷺ - صنَع مثل هذا«.
قال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريرًا كان مِن آخر من أسلم (٣).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال:»بعثَ رسول الله - ﷺ - سريَّة، فأصابهم

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٢
(٣) أخرجه البخاري: ٣٨٧، ومسلم: ٢٧٢، وغيرهما.
وفي «صحيح مسلم»: «قال الأعمش: قال إِبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفيها آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين».
وفي «صحيح سنن النسائي» (١١٤): «وكان إِسلام جرير قبل موت النّبي - ﷺ - بيسير».



البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢)» (٣).
وقال الحافظ في «الفتح» (٢٠٢) تعليقًا على حديث عبد الله بن عمر السابق: «نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه.
وقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته.
... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه» اهـ.

ثانيًا: المسح على الجوربين.
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: «توضّأ النّبي - ﷺ - ومسح

--------------------
(١) كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة.»النهاية«، وتقدّم.
(٢) جاء في»النهاية«:»الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها: تسَخْان وتَسخين وتَسخن«. وانظر: (باب التاء مع السين) و(السين مع الخاء). وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما. وتقدم.
(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٣)، وانظر»المسح على الجوربين" (ص ٢٣)، وتقدّم.



على الجوربين والنَّعلين» (١).
قال أبو داود: «ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس» (٢).
وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عددًا من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣).
وعن يحيى البكَّاء؛ قال: «سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين» (٤).

---------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٢١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٥٣)، وانظر «الإِرواء» (١٠١).
(٢) انظر «المحلَّى» (٢/ ١١٥) (مسألة ٢١٢).
(٣) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على رسالة القاسمي -رحمه الله تعالى- حول هذا الموضوع (ص٥٤): «قلت: هذه الآثار أخرجها: عبد الرزاق في»المصنف«(٧٤٥ و٧٧٣ و٧٧٩ و٧٨١ و٧٨٢)، وابن أبي شيبة أيضًا في»المصنف«، والبيهقيّ: (١/ ٢٨٥)، وكثير من أسانيدها صحيح عنهم، وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين، وسنده صحيح، رواه عبد الرزاق (٧٧٩)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨) مختصرًا».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه، وكذلك قال إِبراهيم النَّخعي، أخرجه بسند صحيح عنه. كذا في تحقيق «المسح على الجوربين» لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-:»فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة -رضي الله عنهم- أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟!
قال أبو عيسى: «سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئًا لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين».
وعن عطاء؛ قال: «المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين» (٢).

ثالثًا: المسح على النَّعلين.
عن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: «أن رسول الله - ﷺ - توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه» (٣).

------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠) بإِسناد صحيح عنه؛ كما في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٥٤).
(٢) صحَّح شيخنا إِسناده في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٦٣).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٥)، وانظر «المسح على الجوربين» (ص ٤٣).



وعن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١» ويتوضّأ فيها ويمسح عليها» (٢).
وثبت عن أبي ظبيان: «أنَّه رأى عليًّا -رضي الله عنه- بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى» (٤).

رابعًا: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب

------------------
(١) قال في»النهاية«: السِّبت بالكسر: جُلود البقر المدبوغة بالقَرَظ يُتخذ منها النّعال، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها أي: خُلق وأُزيل، وقيل: لأنها انسَبَتت بالدِّباع: أي لانت.
(٢) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«من طريق ابن خزيمة، وسنده صحيح؛ وانظر كتاب»المسح على الجوربين«(ص ٤٥). وزاد على ذلك فقال:»له طريق أخرى عن ابن عمر نحو رواية البزَّار، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٩٧)، ورجاله ثقات معروفون، غير أحمد بن الحسين اللهبي، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس: «أنَّ رسول الله - ﷺ - توضّأ مرّة مرّة، ومسح على نعليه»، أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٨٦)؛ من طريقين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وهذا إِسناد صحيح غاية، وهو على شرط الشيخين«.
(٣) يُستفاد من هذا أنَّ خلع النعال والجوارب ونحو ذلك بعد المسح لا ينقض الوضوء.
(٤) أخرجه الطحاوي في»شرح المعاني«بسند صحيح. وانظر تحقيق»المسح على الجوربين«(ص ٤٧) لشيخنا -حفضها الله تعالى-. وجاء في»تمام المنِّة«(١١٥):»زاد البيهقيّ: «فأمّ الناس»، وِإسناده صحيح على شرط الشيخين".



المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و«المحلَّى»، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره.
وحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدًّا؛ فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل»، متفق عليه (١).
وأيضًا؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣).
وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولًا أو عرضًا، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون.
ثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله:
لكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة،

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٥، ومسلم: ١٥٠٤


﴿وما كان ربّكَ نَسِيًّا﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقًا فاحشًا أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ -عليه السلام- بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اختياراته» (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكنًا، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.
قلت: ونسبه الرَّافعي في «شرح الوجيز» (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب -رحمه الله-«(٢) اهـ.
وأخيرًا أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال - ﷺ -:»إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه

--------------
(١) مريم: ٦٤
(٢) «إِتمام النصح في أحكام المسح» (٨٤ - ٨٦).



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif



ابو الوليد المسلم 01-17-2026 06:23 PM


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...3956178387.gif
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 161الى صــ 175
الحلقة (12)





كما يكره أن تُؤتى معصيتُه» (١)!
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك.
ولما سُئِل النّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال:»أوَ لكلِّكم ثوبان«(٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف» (٣).
وقال -رحمه الله-: «وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحًا أو مخروقًا؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل» (٤).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «وأيضًا؛ فأصحاب النّبيّ - ﷺ - الذين بلَّغوا سنَّته
وعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقًا.
وأيضًا؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين

-----------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الإِرواء«(٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وغيرهما.
(٣)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٤).
(٤)»الفتاوى" (٢١/ ١٧٤).


يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون» (١).
وقال (ص١٨٣) (٢): «وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلًا، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقًا، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد».
وقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): «... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة» اهـ.
ولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق.

خامسًا: المسح على اللفائف.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك.
قيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على

---------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٥).
(٢)»الفتاوى«المجلد (٢١).
(٣)»الفتاوى" المجلد (٢١).



اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى«(١).

سادسًا: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين.
١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء؛
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال:
الأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه.
الثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط.
الثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء.
وبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢١٠/‏٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين:

------------------------
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥).


الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: «أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى».
والآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء.
وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في «اختياراته» (ص ١٥): «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور».
وهو مذهب ابن حزم أيضًا، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. «المحلّى» (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) «اهـ.
قال البخاري في»صحيحه«(٢):»وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه«.

----------------------
(١)»إِتمام النصح في أحكام المسح«(٨٦ - ٨٨).
(٢) (كتاب الوضوء) (١/ ٥٥).
قال الحافظ في»الفتح«(١/ ٢٨١):»التعليق عنه -أي؛ الحسن- للمسألة الأولى: وصَله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح"، وتقدّم في (باب ما يظن أنَّه ينقض الوضوء).



ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١).

٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء؟
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي:
الأوَّل: يجب استئناف الوضوء.
الثاني: يكفيه غَسل القدمين.
والثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي -رحمه الله-.
قلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافًا لمذهبه، فقال -رحمه الله- (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود.
قلت: وحكاه الشعراني في «الميزان» (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعًا لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى.
ثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء

----------------
(١) انظر «الفتح» (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤)، وتقدّم أيضًا في نفس الباب السابق.


من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى -عليه السلام- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا. وبالله تعالى التوفيق» (١).

٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة؛
نعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْرًا أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم» (٢).

٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح.
لحديث المغيرة -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ،

---------------------
(١)»تمام النصح في أحكام المسح" (ص٩٢ و٩٣).
(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٦، وغيره، وتقدم.



فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال:»دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين«، فمسح عليهما» (١).

٥ - محلُّ المسح.
يمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢).
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يمسح على الخُفَّين»، وقال: «على ظهر الخُفَّين» (٣).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ - ﷺ - يمسح على ظاهر خُفَّيْه» (٤).

٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ؟
مدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
عن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟
فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -.
فسألناه؛ فقال: «جَعَلَ رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤ نحوه، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) العبارة الأخيرة استفدتها من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٦) وغيره وانظر»الإرواء«(١٠١).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٧)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وصحّح الحافظ إِسناده في»التلخيص«. وانظر»الإِرواء" (١٠٣).



وليلةً للمقيم» (١).
وعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة» (٢).
وعن صفوان بن عسَّال؛ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (٣).
قال أبو عيسى التِّرمذي: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ».
ويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في»صحيح مسلم«والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ - ﷺ -: أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٧٦
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٤٨)، وانظر»المسح على الجوربين«(ص ٨٨).
(٣) أخرجه أحمد، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(٨٤)، و»صحيح سنن النسائي«(١٢٢)، و»الإِرواء" (١٠٤)، وتقدم.



الواضح جدًّا أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضًا على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يومًا وليلة؟!
أمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافرًا؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبسًا على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة!
ولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلًا- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس«(١).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-:».. روى عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢٠٩/‏٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: «حضرتُ سعدًا وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى

------------------------
(١)»تمام النصح" (٨٩ و٩٠).


مِثل ساعته من يومه وليلته.
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا» (١).

هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها؟
قال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): «ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله - ﷺ -:»إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ «(٣).
فسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك».

----------------------
(١) «تمام النصح» (٩١ و٩٢).
(٢) البقرة: ٢٨٦
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧



ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجابًا بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلًا عن أن يكون فرضًا (١).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: «نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك».
قلت: «من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم».

--------------------
(١) انظر «تمام المنة» (ص١٣٤)، و«الإرواء» (١/ ١٤٢).


الغُسل
الغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء.
وقال الحافظ في «الفتح»: «وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة».
قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُبًا (١) فاطَهَّروا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣).

------------------
(١) قال في «النهاية»: «الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المنيّ ...».
(٢) المائدة: بعض الآية: ٦

(٣) النساء: ٤٣، قال الحافظ في «الفتح»: «قال الكرماني: غرضُه [أي: البخارى -رحمه الله-] بيان أن وجوب الغسل على الجُنُب مستفاد من القرآن.
قلت: وقدَّم الآية [أي: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾] التي من سورة المائدة على الآية [أي: [يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ...﴾ الآية] التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أنَّ لفظ التي في المائدة: ﴿فاطَّهَّروا﴾؛ ففيها إِجمال، ولفظ التي فى النساء: ﴿حتى تغتسلوا﴾؛ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتّطهير المذكور، ودلَّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾: فاغتسلوا، قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهنّ حتى يَطْهُرْن فإِذا تَطَهَّرْن﴾؛ أي: اغتسلن اتفاقًا».



موجبات الغُسْل
أولًا: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى:
لِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأت الماء» (٢).
ولحديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل» (٤).
قال ابن قُدامة -رحمه الله-: «فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥).
ومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ

--------------------
(١) قال في»الفتح«:»قدَّمت هذا القول، تمهيدًا لعُذرها في ذِكر ما يستحيى منه«.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣، وغيرهما.
(٣) فضْخ الماء: دفْقه وخروجه على وجه الشدّة.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٠)، وغيره، وانظر»الإِرواء«(١٢٥).
(٥)»المغني" (١/ ١٩٧/ باب ما يوجب الغُسل).



ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ...» (١).
ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيًّا؛ من ذكر أو أنثى.
فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله - ﷺ -: «هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟». فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأتِ الماء».
فقيَّد - ﷺ - الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها.
وفي حديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ». فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن.
كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن.
وقد جاء هذا صريحًا في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: «يغتسل».
وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غُسل عليه».
فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: «نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال» (٢).

------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣١٢
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٨)، وانظر «المشكاة» (٤٤١).



خُلاصة لما سبق:
١ - إِذا احتلم ولم يجد منيًّا؛ فلا غُسل عليه.
٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللًا، ولم يذكر احتلامًا؛ فعليه، الغُسل.
٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل.
٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء.

ثانيًا: التقاء الختانين:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جَلَسَ بين

-----------------
(١) قاله في»النهاية«:»هي اليدان والرّجلان، وقيل: الرجلان والشُّفران، فكنى بذلك عن الإِيلاج«. والشُّفران: طرف الناحيتين.
وجاء في»الفتح«:»والشُّعَب: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشُفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع".
والاسكتان: ناحيتا الفرج.
(٢) أي: بلغ المشقَّة، قيل: معناها كدّها بحركته، أو بلَغ جهده في العمل بها.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٨



https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...9561783813.gif





الساعة الآن 11:03 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009