ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   قسم تفسير القرآن الكريم (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=78)
-   -   تفسير سورة البقرة -د.محمد راتب النابلسي - (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=28482)

امانى يسرى محمد 11-02-2025 05:43 AM

خصائص الشيطان

يجب أن تتعلم الكثير عن خصائص الشيطان لتتجنبها.
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾

حدثنا أخ كان والده من علماء دمشق، قال له: يا بني أدِّب نفسك. فقال له: كيف؟ قال: إذا أردت أن تنفق مئة، ثم جاءك وسواسٌ من الشيطان فقال: دعك من هذا الإنفاق، أعدْ هذا المال إلى جيبك. فعليك أن تعاقب نفسك، كيف تعاقبها؟ أنفق مئتين، كلما جاء الوسواس ليمنعك من أن تنفق أنفق الضعف بهذا تؤدب النفس وتعلمها ألا تتردد في الإنفاق في سبيل الله.

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ﴾

الشيطان كذلك يدعوك إلى الزنا، إلى اقتراف الحرام، إلى أن تملأ عينيك من حسناوات الطريق، إلى اقتراف المعاصي والآثام، يدعوك إلى الفحشاء، وإذا أنفقت مالك في سبيل الله أخافك من الإنفاق.
الإنسان يُطعِم اللُّقْمة فيراها مثل جبل أُحد، قال تعالى:

هو يوقِع العداوة والبغضاء، ففي الحي تجد فرَق كثيرة، بل في الأسرة الواحدة تفرُّق عداء ونميمة وحِقد ومحاكِم ودعاوَى ؛ هذا كُلُّه من عمل الشَّيطان لأنَّهم ما اسْتعاذوا منه، وجوُّهم شيطاني وليس رحماني، والدليل آثار هذه الخصومات، والخلافات الزَّوجيَّة، فهو يدْعوك للحرام، وللاختِلاط ويُكرِّه لك زوْجتك، ويُزيِّن لك زوْجة أخيك ! ويدعوك للسَّفر المحرَّم، فالشيطان يَعِدُك بالفقْر، ويوقِعُ العداوَة والبغضاء، ويُخَوِّفنا، ويُثبِّطُ عزائِمَنا، ويدْعونا إلى الكفر، قال تعالى﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾ [ سورة الأعراف ] وعلاجُهُ أن تسْتعيذ بالله منه، لذلك أكْثِر نم ذِكْر الله، وبرئ نم النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله، وبرئ من الكِبر مَن حمَلَ حاجَتَهُ بِيَدِهِ، وبرئ من البخل مَن أدَّى زكاة ماله.

امانى يسرى محمد 11-02-2025 05:44 AM

من أنفق نفقة في سبيل الله اطمأن إلى أن الله يعلم وهذا يبعده عن النفاق :


أمعن الفكر والنظر: لو زرت مريضاً ومعك هدية، أنت ماذا تفعل؟ تضع بطاقة على الهدية، ليعلم هذا الذي زرته أن هذه الهدية منك، إذاً المُنفق حريص أن يعلم الذي أنفقت من أجله أن هذا الإنفاق منك، هذه القضية الأساسية في الإنفاق مغطاة بهذه الآية، معك إيصال، أو ليس معك إيصال، هناك شهود، أو ليس من شهود، نوَّهت، ما نوهت، سكتَّ، تكلمت، صرَّحت، فإن الله يعلمه، لذلك فالمؤمن إذا أنفق نفقة في سبيل الله مطمئنٌ أشد الطمأنينة إلى أن الله يعلم، وهذا الذي يبعدك عن النفاق، وهذا الذي يبعدك عن استجداء المديح، وهذا الذي يُزَهِّدك في أن يُكتب اسمك مع المحسنين، وأن يكون لك وجاهة عند الناس، كل هذا أنت مستغنٍ عنه لأن الله يعلم، وإذا كان الله يعلم فغيره إن علم أو لم يعلم سيَّان، علم أو لم يعلم فلا فرق أبداً.

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾270 سورة البقرة
شخص نذر إن شفى الله ابنه ليوزِّعن لحماً على الفقراء، هذا نوع من الإنفاق، لكنه إنفاق مشروط، الإنفاق الأول إنفاق من دون شرط، والإنفاق الثاني إنفاق مشروط، لكني أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: الله عز وجل لا يُشارَط، ولا يُجَرب، والأولى أن تنفق من دون شرط؛ لأن الله يعلم، يعلم أن الابن مريض وأن هذا الأب حريص على شفاء ابنه، يا رب قد أنفقتُ هذه النفقة لعلك تنظر له بالشفاء، أما إن شفيته أدفع، هذا مقبول، ولكن الأكمل أن تنفق بلا شرط، مقبول أن تنذر نذراً، ولكن الأكمل والأقوى والأبلغ والأرقى أن تنفق النفقة من دون شرط..

لذلك قالوا: " الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير "، "بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها "، الله جل جلاله على علو مكانه، وعلى علو قدره يُسترضَى، ويُسترضَى بالصدقة، فإذا وجدت أنك بعيدٌ عن الحق قليلاً، أو أن شبح مصيبة لاح أمامك، أو أن شيئاً تخافه يقترب منك، أو أن عدواً متربِّصاً يريد أن يوقع بك، وليس لك أحدٌ يعينك إلا الله، فاسترضِ الله بالصدقة فإن البلاء لا يتخطَّاها، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وكم من بلاءٍ صرفه الله بالصدقة، وكم من مرضٍ شُفي الإنسان منه بالصدقة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif
الصدقة سُمِّيَت صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله :
سُمِّيَت الصدقة صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله، فالمال رخيص عنده أمام رضوان الله، المال محبب، فإذا أنفقت المحبب من أجل مَن تحبه فهذه أكثر، الصدقة برهان على أنك مؤمن، فهناك أعمال تفعلها لنفسك، هذه لا ترقى بها، أما هناك أفعال تفعلها تعارض فيها رغبتك.
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
ما قيمة الإنفاق لو أنك لا تحب المال؟! فلأنك تحب المال فللإنفاق قيمة..
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إلاّ الُمُصَلّيِنَ﴾
[ سورة المعارج: 19-22 ]


يحب المال، يحب أن يكثر منه، يحب أن يكنزه، يحب أن يكون مطمئناً لرصيدٍ مرتفع له، فإذا أنفقت الشيء المحبب ترقى عند الله عز وجل، فلولا أنك لا تحب المال لما ارتقيت بإنفاقه، ولولا أن الله رَكَّبَ فينا حب المال لما ارتقى الإنسان بإنفاقه.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif
الإنفاق له ملابسات كثيرة :



الإنفاق له ملابسات كثيرة؛ الإخلاص يرفع قيمة الإنفاق، أن يكون المال قليلاً يرفع قيمة الإنفاق، أن تنفق المال وأنت صحيح شحيح يرفع قيمة الإنفاق، هناك عوامل كثيرة ترفع قيمة الإنفاق، وهناك عوامل كثيرة أيضاً تقلل من قيمة الإنفاق، مَن أنفق رياءً لا قيمة لإنفاقه، ومَن أنفق وقد زهد بالمال، وقد صار المال لا يعني عنده شيئاً، فليس هناك كبير قيمة لإنفاقه..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك :
الآن، ما معنى الظالمين هنا؟ ما علاقة الظالمين بالإنفاق؟ أي أنك إذا أنفقت رياءً فأنت ظالمٌ لنفسك، إذا أنفقت وأتبعت ما أنفقت المَنَّ والأذى فأنت ظالم لنفسك، إذا أنفقت نفقةً قليلةً إلى جنب ما تملك فأنت ظالم لنفسك..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾
بالرياء والمن والأذى، أو لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك، لو أنفقت نفقة من أجل شهوتك وميولك فأنت ظالم لنفسك، هذا الذي يظلم نفسه سوف يعاقب، لم يجد أحداً يمنع عنه عقاب الله عز وجل، لو أن الله أراد أن يهلك مال إنسانٍ أنفق ماله رئاء الناس لم يجد مصيراً يحول بينه وبين عقاب الله عز وجل..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

امانى يسرى محمد 11-08-2025 08:42 PM

(إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
(271)
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾

الإنفاق عما تجود به النفس له عدة محاسن :
الإنفاق عما تجود به النفس له محاسن منها
أولاً: تشجعون الآخرين، أنت شَجَّعت
وثانياً: ليست هذه النفقة متعلقة بالإنسان، متعلقة ببناء مسجد، متعلقة بدار أيتام، متعلقة بمعهد شرعي، متعلقة مثلاً بصندوق العافية، متعلقة بصندوق الزواج، لا تجرحُ أحداً بهذا الإنفاق، أما إذا كان هذا الإنفاق متعلقاً بإنسان، فلان الفلاني يحتاج إلى مساعدة فلا تقل: أنا دفعت له عشرة آلاف، إذا كان الإنفاق متعلقاً بإنسان ينبغي ألا تعلن هذا الإنفاق، أن يكون بينك وبين الله، هناك مواطن الإعلان فيها أولى إذا لم يتعلق بإنسان، مع نية المنفق التشجيع، وفي مواطن أخرى الكتمان أولى، إذا تعلَّق بإنسان وليس هناك منافسة في الدفع.


﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

الذي عنده احتمال أن يرائي ـ والإنسان بصورة عامة ضعيف المقاومة أمام الرياء ـ ينبغي أن ينفق من دون رياء، أن ينفق سراً، أن ينفق مع الكتمان، حينما تشعر أن نفسك تحدثك أنك محسن كبير، وأنك بهذا أصبحت فوق الناس، إن شعرت بهذا ينبغي أن تكتم إنفاقك، وإن كان إيمانك قوياً جداً، ولا تعبأ بهذه الوساوس، ولا تعلِّق كبير أهمية على ما يقول الناس عن إحسانك، ولم يتعلق الإنفاق بإنسان، وأردت التشجيع، أعلن هذا الإنفاق لتكون قدوةً للآخرين.

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

فالله خبير إذا لم ترد بهذا الإعلان المُراءاة أو أنك أردت التشجيع، مَن يعرف ذلك؟
لا يعلم هذا إلا الله، أنا أعلنت عن الإنفاق، فيا ترى هل أريد سمعة، ثناءً، مديحاً، مكانة، تألقاً، وجاهةً، أو أريد أن أشجع المنفقين؟
هذا لا يعلمه إلا الله، وهو وحده يعلم ويكافئ.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif

لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272 )سورة البقرة

في الإنفاق معنيان أساسيان :


بالإنفاق هناك معنيان أساسيان؛ أن تعلم أن الله يعلم، وأنه قادر أن يعوض عليك الذي أنفقته. فأول آية:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾البقرة 270
الآية الثانية:
﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾البقرة 272
لكن طبعاً وبالتأكيد ليس معنى هذه الآية أنك إذا أنفقت ألف ليرة الساعة السادسة صباحاً يأتيك الساعة السابعة عشرة آلاف، لا، لو أن الأمر كذلك لالتغى الاختيار، قل للناس: ادفع مئة، وخذ ألفاً، سوف تجد مليون إنسان واقفين بالدور للدفع، ولكن تدفع ابتغاء وجه الله، تدفع ولا تنتظر التعويض، تدفع ولا تنتظر المقابل، تدفع ولا تنتظر أن يوفَّى إليك، تدفع ابتغاء وجه الله، ولكن الله جل جلاله لا بد من أن يضاعف لك الذي أنفقته أضعافاً كثيرة، وقد يصل هذا إلى سبعمئة ضعف، فمستحيل وألف ألف مستحيل أن تنفق شيئاً دون أن يعوَّض عليك أضعافاً مضاعفة.

لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير:
قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾[ سورة البقرة: 245 ]
قال الله -تعالى-:
(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39]
هذا وعد من الله، وعد ممن لا يخلف الميعاد أن من تصدق لله -تعالى- فإن الله يعوضه في الدنيا والآخرة
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم اعط ممسكا تلفا".
سئل النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن أفضلِ الصدقةِ فقال أن تصَّدقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقرَ وتأملُ الغني لا أن تمهلَ حتى إذا بلغت الحلقومَ قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا ألا وقد كان لفلانٍ
وعن أبي هُريرة : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ  رواه مسلم.


والله لو أن الإنسان عرف كرم الله عز وجل، وعرف ما عند الله في الدنيا والآخرة، والله لأنفق إنفاقاً بغير حساب، فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم أصبح عندهم رغبة في الإنفاق لدرجة أنهم كلما أنفقوا ازدادوا قوةً وثراءً.
سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: " ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيعطيني الله ألفاً في المساء "، ماذا أفعل في نفسي، كل واحد منا حوله ناس أغنياء مع كونهم محسنين، تجده ينفق بغير حساب، والله يعطيه بغير حساب،

التعامل مع الله مُدهش، أحد أخواننا الكرام ـ والله أنا أروي هذه القصة لأنها نادرة جداً ـ يعمل عملاً بسيطاً جداً بألفين وخمسمئة، القصة قديمة من عشرين سنة، يتقاضى ألفين وخمسمئة بالشهر، له عمل تجاري محدود جداً، فجاءه أخ مؤمن، قال له: أنا فقدت عملي ولا دخل لي منذ اليوم، وما من أمل، قال له: تعال أتقاسم معك هذا الدخل. دخلي كان ألفين وخمسمئة وصار منذ الآن ألفاً ومئتين وخمسين لي، و تأخذ أنت ألفاً ومئتين وخمسين. فالله ألهمه شيئاً جديداً ببيع صنف معين، أول شهر بعد هذه المناصفة جاءه خمسة عشر ألف ليرة، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تنفق ابتغاء وجه الله إلاّ و يعوض عليك الأضعاف المضاعفة، لأن الله كريم، ولكن إيَّاك أن تنفق وأنت تنتظر التعويض، أنفق ابتغاء وجه الله، أنفق ولا تنتظر أن يوفَّى إليك شيء، ولكن الله عز وجل لا ينساك من فضله.



﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
هذه الآيات لها معنيان، الأول: أن الله يعلم ما تنفق، والمعنى الثاني: أن الله يوفي إليك ما تنفق أضعافاً مضاعفة،
ما الذي يمنعك أن تنفق؟
ضعف الإيمان، والجهل بما عند الله عز وجل، أكرر: لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك، وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif


الفقراء أولى الناس أن تنفق عليهم :

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾(273) سورة البقرة
مَن أولى الناس أن تنفق عليهم؟
قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾
يجب أن نفرق بين الفقير والمسكين على اختلافٍ في التعريف، على كلٍ أحدهما ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، والثاني لا يجد حاجته. الإنسان له دخل، له دخل خمسة آلاف ليرة، لكن مرض ابنه مرضاً شديداً، دخله يكاد يكفي طعامه وشرابه، مرض ابنه مرضاً شديداً هذا يحتاج إلى مساعدة ولو أن له دخل، فالفقير هو الذي لا يجد حاجته، دخله أقل من حاجته، أما المسكين ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ممكن أن تعطي إنساناً أنيقاً يسكن ببيت يملكه وهو بحاجة إلى عمليه جراحية لابنه، هذا فقير لا يجد حاجته، والفقير يجب أن يؤمن له طعامه، وشرابه، وكسوته، ومركبه وقد يكون دراجة، وأن يؤمن له تطبيب أولاده، وحرفته وأدوات حرفته، هذه أساسيات، فهناك شخص لا يدفع إلا للمتسول، وقد يكون هذا المتسول أغنى من المتصدق بكثير، على كلٍ ما دام هذا الفقير يحتاج أن تساعده فساعده.

تعريف الفقير :
دقق في هذه الآية..
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾

هذا الذي يجب أن تنفق عليه لا يسألك، ويتجَمَّل، ولا يلحُّ إطلاقاً، وتحسبه غنياً، يقتضي هذا الكلام الإلهي أن تبحث أنت عنه، هو لا يسألك، ولا يقتحم عليك مكانك، لا يطلب منك بقوة، لا يلح، هو متعفف، لا يسأل، في وجهه ماء الكرامة، عزيز النفس، متجمِّل، أنيق لا يرتدي ثياباً بالية كي تشفق عليه، يتأنق في ملبسه، يتجمل في حركاته وسكناته، لا يتضعضع لغني، لا يذل نفسه أمامه، يطلب حاجته بعِزَّة النفس، هذا الذي ينبغي أن تعطيه، هذا لا يسألك، فكيف أعرفه؟
هذا ينبغي أن تبحث عنه، ينبغي أن تبحث، وأن تسأل، وأن تدقق، كلما التقيت بإنسان مؤمن عزيز النفس متجمل اسأله عن أحواله: أعليه دين؟ ما شأن أولاده في المواسم الأساسية؛ موسم البرد، موسم المدارس هل بحاجة إلى شيء، فهو لا يسألك:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم ﴾
[ سورة المعارج: 24-25 ]

السائل يسأل، وقد يسأل بوقاحة، وقد يسأل بقوَّة، وقد يعيد عليك السؤال، وقد يقف أمامك لا يغادر، وقد يلح عليك، وقد يقسو عليك بالكلام، أما الذي يستحق أن تعطيه لا يسألك، لذلك ينبغي أن تبحث أنت، الذي يستحق لا تعرفه، يجب أن تتعرَّف عليه، مَن هم الفقراء؟ الفقراء هم..

﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

لا أحب أن أفصِّل في هذا، لكن هناك إنسان يقوم بعمل؛ يعلم أولادنا القرآن الكريم، يعلِّم الطلاَّب بالمدارس، معاشه لا يكفي أياماً معدودة، عنده دوام كامل ثلاثة أيام بالأسبوع، هذا الذي يؤذن، هذا الذي يخدم، هذا الذي يعمل عملاً أساسياً وكل وقته من أجله مبذول ودخله لا يكفيه.

هل يكفي أن نعطي الفقير مالاً أم أنه يحتاج شيئاً آخر ؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول :
(( شر الطعام الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ))
[البخاري عن أبي هريرة]

قد يجد الإنسان السعادة في مجالسة الفقراء وإعانتهم ، وهذا خير له من أن يلبي دعوات الأغنياء فقط ويكف عن هؤلاء المحتاجين .
تلبية دعوة الأغنياء من الدنيا ، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة ، أنت بهذا تتقرب من الله بتلبية دعوته .

و لا ينبغي أن نكتفي بإعطاء المال ، وإنما الفقير يحتاج منا خلقاً حسناً وكلمة طيبة وجبراً للخاطر .


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً ﴾سورة البقرة 273

يجوز أن نعطي المؤذن راتباً، والإمام راتباً، والمدرس راتباً، والذي يعمل على جمع الزكاة راتباً، وكل مَن له عمل يستغرق كل وقته في سبيل الله، والذي يجاهد في سبيل الله يستحق راتباً، هذا جائز وممكن، إنسان يعمل في الخدمة يدافع عن بلاده، يدعو إلى الله عز وجل، يجاهد في سبيل الله، هذا من أين يأكل؟
إذاً هذا هو الذي يستحق أن نعطيه.

هذا المال الذي وهبك الله إياه يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين إذا أُنفق في طاعة الله، ولقد حضرت مرة حفل تخريج طلاَّب من حفظة القرآن الكريم، أُلقيَت كلمة رائعة، قال المتكلم: أنا أشكر هؤلاء الطلاَّب الذين حفظوا كتاب الله، وأشكر الذين علموهم كتاب الله، وأشكر الشيوخ الأفاضل الذين امتحنوهم ـ كلام طيب ـ قال: وأشكر هؤلاء الأغنياء الذين تبرعوا لكل من حفظ كتاب الله بعمرة إلى بيت الله الحرام.
المال شقيق الروح، هذا تعلم، وهذا علَّم، وهذا فحص، وهذا الغني ماذا فعل؟
شجع، كل من حفظ كتاب الله له عندي عمرة، شاب صغير ركب طائرة، ذهب إلى بيت الله الحرام، نزل بفندق، وجد نفسه مكرماً بالمجتمع تكريماً كبيراً، يبدو أن هذا الذي شجَّع الصغار على حفظ كتاب الله ليس أقل أجراً من الذي علَّمهم، المال شقيق الروح، هؤلاء الذين معهم أموال ويجودون بها قد يكونون في مرتبة العلماء والدعاة، لأن المال عنصر أساسي للحياة:

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

هذا الحديث يبين لنا: كيف أن النبي جعل المنفق في مستوى الداعي تماماً، المال شقيق الروح، نحن بحاجة إلى دعاة، وبحاجة إلى أغنياء ينفقون.

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...5598a435d8.gif

على الإنسان أن ينفق ويعطي كي يرحمه الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

ألا تحب أن يطمئنك الله عز وجل؟
وأن يحفظ لك صحتك، وأهلك، وأولادك، ومالَك، وأن يهبك سكينة تملأ قلبك سعادة، أنفق:

(( أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً))

[الطبراني عن ابن مسعود]

(( قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك))

[أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

لهم أجرهم الذي يكافئ عملهم..

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

من المستقبل..

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

على الماضي.
أيها الأخوة... أنا لا أقول لكم: يجب أن تكونوا أغنياء حتى تنفقوا. لا، يمكن أن تنفق خمس ليرات بإخلاص شديد، كنت أقول حينما أدعو للتبرع: خمس ليرات على العين والرأس، قد يدفع طفل مصروفه، أعجبني مرة في مؤتمر الأوقاف وقد حضرته أن هناك وقف في بعض الدول الإسلامية للصغار، مثلاً تأسيس معهد شرعي، خصصوا أسهماً، كل سهم فرضاً مئة ليرة، حتى يَشَّجَّع أطفال المدارس، ادفع مئة ليرة وأنت لك وقف، حجزت من مالك جزءاً لوقف مستمر إلى آلاف السنين، كل مَن تعلَّم في هذا المعهد في صحيفة مَن وقف هذا المال لبنائه، وقف خاص للصغار، نعوِّد أنفسنا أن ننفق ونعطي ونحل مشكلات الناس كي يرحمنا الله عز وجل، لأنه: ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء، هناك من ينفق على ملذاته الملايين المملينة، أفلا ننفق ونعلّم أطفالنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله؟!!


امانى يسرى محمد 11-17-2025 06:21 AM

https://www.a-quran.com/images/smilies/1.gif


خطورة الربا

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾275 سورة البقرة


أي أن تلد الأعمال المال بالبيع والشراء، هذا أقرَّه الله، أما أن يلد المال المَال فهو الربا..


﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]


لا توجد معصية توعد الله بها مرتكبها بالحرب إلا الربا لأن خطر الربا يشمل المجتمع بأكمله.
فالربا محرم و هو من أكبر الكبائر
((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ))[مسلم عَنْ جابر ]


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...0393d1ce24.png

حكم العمل في البنك الربوى؟

العمل في البنوك الربوية حرام لقوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...0393d1ce24.png

أنواع الربا :


أمّا الإمام الفخر الرازي فيقول: الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أي: الزيادة المشروطة الذي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، اقترضت من إنسان قرضاً فاستحق أداء القرض فلما أخّر لك الأداء طالبته بزيادة على أصل المال، هذا ربا النسيئة، هذا الربا هو ربا الجاهلية الذي كان شائعاً عند العرب قبل الإسلام، فالربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به من نسب معينة، والآن أي قرض من المصرف بفائدة هو يشبه ربا القروض.
يسمي العلماء ربا القروض الربا الجلي، وربا البيوع الربا الخفي، فكما أن هناك شركاً جلياً أن تعبد بوذا مثلاً، وشركاً خفياً كأن تخاف من إنسان أو تعلق الآمال عليه، والعلماء يرون أن هناك رباً جلياً ورباً خفياً، الربا الجلي ربا القروض، والربا الخفي ربا البيوع والظاهر بيع وشراء.
الإمام ابن القيم الجوزي يقول: الربا نوعان جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه بالجاهلية، أي التأخير، وسمّى بعض العلماء ربا القروض الربا الحقيقي.
يقول الشيخ الدهلوي: وعُلم أن الربا على وجهين؛ حقيقي ومحمول عليه. أما الحقيقي فهو في الديون وأما المحمول عليه فهو في البيوع.


يقول أحد علماء الأزهر: إن ذلك النوع أي ربا القروض هو أشد أنواع الربا تحريماً، وهو الجاري في التعامل بين الجماعات التي قام نظامها الاقتصادي على أساس ربوي، وقد سمى بعض العلماء القروض بربا القرآن حيث ثبت تحريمه بالقرآن الكريم، أما ربا البيوع على حسب تعريف السرخسي وهو إمام كبير من أئمة المذهب الحنفي فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي ثمن هذا القلم خمسون فإذا أخذت زيادة على الخمسين مقابل الأجل أي التأخير فهذا ربا البيوع، ربا القروض وربا البيوع، ربا القروض ربا القرآن، وربا البيوع ربا السنة التي نهى عنها النبي، ربا القروض الربا الحقيقي المحمول عليه، وربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي.


ربا البيوع :
و عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ مَا أُبَالِي أَنْ لا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي قِلابَةَ ]
أي هذا القلم بخمسين، فلك عندي خمسون، فإن دفعتها لك الآن خذ أربعين مقابل الخمسين، و إذا أخرت لك الدفع صارت ستين، انتهى الموضوع القلم بخمسين، لو دفعت ثمنه نقداً كان بخمسين، الآن تفاوض على طريقة الدفع فإذا أخرت القبضة طالبته بالستين هذا الربا هو ربا البيوع، ولكن هناك من يزعم أن الربا يشبه البيع قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
لماذا يشبه البيع؟ يقول لك: أنت تشتري هذا القلم بأربعين وتبيعه بخمسين فقد زدت في الثمن والقرض كذلك لكن الفرق دقيق جداً، الإنسان الذي اشترى شيئاً وباعه قدم سلعةً، قدم خدمة، قدم جهداً، قدم محصولاً زراعياً فأفاد الناس، قدم صناعة لبّت حاجاتهم، أما الذي لم يقدم شيئاً إنما أقرض وطالب بزيادة على القرض فهذا يعني أنه جمع الأموال كلها بيده.


https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...0393d1ce24.png
أضرار الربا :


1 ـ أول أضرار الربا أنه يرفع الأسعار :

أول أضرار الربا: أنه يرفع الأسعار، كيف؟ الفكرة أن إنساناً معه مئة مليون، أراد أن يضعها في عملٍ تجاريٍ، أو صناعيٍ، أو زراعي، لكنه رأى أنّ هناك مؤسسات ربوية يمكن أن تعطيه أرباحاً جيدةً دون أن يعمل فيكسل، فمتى يغامر ويوظِّفها في مشروعٍ زراعيٍ، أو صناعيٍ، أو تجاري؟ إذا كان عائد الربح أربعين أو خمسين بالمئة فعندئذ يخوض غمار العمل في تلك المشاريع، لكن إذا كان هناك مؤسسات تعطي ربحاً من دون عمل فرأس المال لا يغامر بمنطق الحياة إلا إذا كان الربح كبيراً جداً، إذاً بوجود مؤسسة تعطي ربحاً بلا عمل فالأموال لا توظف في أعمال استراتيجية إلا بربح عالٍ، فتفشي الربا يرفع الأسعار، وهذه أول أضراره.

2 ـ إذا ارتفعت الأسعار ضاقت شريحة المستهلكين :

الأسعار إذا ارتفعت ضاقت شريحة المستهلكين، أما الضرر الثاني فهو إذا ارتفعت الأسعار ضاقت الشريحة، فإذا ضاقت الشريحة قلَّ الربح عند الباعة، فترتفع الأسعار ثانيةً، إنسان يحتاج في اليوم لألف ليرة فرضاً، إذا كان سيربح باليوم مئة ليرة لا تكفيه، فلا بد من رفع أسعاره، فإذا ارتفعت ضاقت الشريحة، فصرنا في حلقةٍ مفرغةٍ، فكل شيءٍ موجود وأسعار هذه الأشياء فوق طاقة المستهلكين، قضية خطيرة جداً، إذاً الربا يسهم في رفع الأسعار عن طريق أن رأس المال لا يغامر إلا بربحٍ كبير جداً، ولأن وجود مَن يدفع لك ربحاً دون أن تعمل، هذا يحد من المغامرة في مشاريع اقتصادية إلا إذا صار مقدار الأرباح عالياً جداً لدى المشاريع الاقتصادية.

3 ـ الربا يسهم في البطالة :

الضرر الثالث الربا يسهم في البطالة، لأن أي إنسان يريد أن يعمل مشروعاً يحتاج إلى طاقة بشرية، الآن المشكلة الأولى في العالم مشكلة البطالة، في بعض البلاد كل أربعة أشخاص واحد يعمل وثلاثة بلا عمل، عندنا بطالة مُقنَّعة وهذه أخطر، له عمل ولكن دخله قليل جداً جِداً لا يكفيه لحياته ومصروفه، إذاً يلجأ إلى أساليب أخرى لا ترضي الله ولا ترضي عبيد الله، إذاً عندنا بطالة صارخة، بطالة مقنَّعة، فحينما يحلُّ كسب المال عن طريق المال نفسه محل كسب المال عن طريق الأعمال، ترتفع الأسعار وتفشو البطالة، والإنسان حينما لا يعمل، طبعاً هذه الأمة تحتاج إلى أن تستورد كل بضاعتها، فأمةٌ تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج، وتستخدم آلةً لا تصنعها هذه أمةٌ عالةٌ على الأمم وانهيارها محقق.

4 ـ الربا يسهم في ضعف الأمة :

بالمناسبة، سيدنا عمر رضي الله عنه، كان يتفقَّد رعيَّته، فدخل بلدةً ـ هكذا تروي الكتب ـ فوجد أنّ كل الفعاليات في هذه البلدة من غير المسلمين، فعنَّفهم تعنيفاً شديداً وقال: ما هذا؟! قالوا: لقد سخَّرهم الله لنا. فقال رضي الله عنه: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟! أي أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف، فنحن إذا قبلنا أن نضع الأموال في مؤسسات ربوية دون أن نعمل، نحتاج إلى أن نستورد كل شيء، والمستورد ضعيف والمنتج قوي.
حالياً هناك ما يسمى بحروب اقتصادية غير معلنة، منها حرب قطع الغيار، عندك مركبة شراء قطع التبديل التابعة لها ـ هذا اسمه عقد إذعان وليس عقد تراضٍ ـ مركبة ثمنها مليونان، احتجت إلى قطعة تبديلية لها وقال لك البائع: بخمسين ألفاً، فلو رفضت تتوقف هذه المركبة، فماذا يفعل معنا اقتصاديو العالم؟ يبيعونك شيئاً أساسياً، وأنت محتاجٌ لهم كل وقت لقطع الغيار، فحينما لا نكتفي بطعامنا، وشرابنا، وثيابنا، وحاجاتنا، وآلاتنا، نكون أفقر الشعوب، فكل إنسان يُثَمِّر ماله في البنوك ولا ينشئ بهذا المال المشاريع الاقتصادية، فهذا يسهم في إضعاف أمَّته ويسهم في تأخُّرها وتخلُّفها بل وانهيارها.
أحياناً تحتاج أمة إلى صناعة معينة، إلى أدوات معينة، قد تدفع ثمنها عشرة أضعاف ثمنها الحقيقي بعقد إذعان، ولو أن الأموال الموجودة في البلاد توجَّهت إلى التوظيف في أعمال أساسية لاستغنينا عن استيراد هذه البضائع، فأولاً يسهم الربا في رفع الأسعار، ورفع الأسعار يسهم في خلق مشكلات اجتماعية كبيرة جداً، والربا يسهم في البطالة، والبطالة لها مضاعفات خطيرة جداً، ثم إن الربا يسهم في ضعف الأمة، لأنه ليس في البلاد إنتاج، بل هناك استهلاك فقط من دون إنتاج.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...0393d1ce24.png

الفرق بين البيع والربا :

قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾

أي قصدهم إنما الربا مثل البيع، هناك بونٌ شاسع، الزيادة في الربا لا يقابلها عوض، أما الزيادة في البيع يقابلها عوض وهو الجهد، إنسان اشترى بـضاعة، وتحمَّل قرار المغامرة بالربح والخسارة، وحملها وصنفها وعرضها، هذا جهد كبير، وقدم لك هذه الخدمة حتى صارت إلى جانب بيتك، فالتفاضل في البيع تفاضل يقابله جهد، أما التفاضل في الربا فلا يقابله جهد، التفاضل في البيع توزَّع فيه الأموال على عددٍ كبيرِ من الناس، أما التفاضل في الربا ليس كذلك. قال:

﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

يقول الله عزَّ وجل: إن هؤلاء الذين آمنوا إذا عملوا شيئاً يجهلونه، ثم عرفوا الحقيقة تابوا:

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام: 54]


أي الإنسان قد لا يعلم، فإذا علم يجب أن ينتهي.

حق من يستغفر لذنبه إن كان صادقاً ونادماً أن يسترد رأسماله فقط :

يقول الله عزَّ وجل هنا:

﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾

له رأسماله..

﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

فيما مضى؛ يغفر له إن كان صادقاً ونادماً، وقد لا يغفر له لحكمةٍ يريدها الله عزَّ وجل، أما حقه أن يسترد رأسماله فقط..

﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ ﴾

إلى أكل الربا..

﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

أي أن هذه المعصية سبب خلودٍ في النار. ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

من عظمة الله أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب ويغنيه بأبسط الأسباب :

هذه الآية دقيقة جداً..

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾


العجيب أن المسألة في الرياضيات بالعكس، إذا أقرضت قرضاً ربوياً مئة ألفٍ مثلاً عاد مئة وعشرين، فالربا اسمه ربا من الزيادة، أما إذا أقرضت قرضاً حسناً عاد مئة، فبالآلات الحاسبة الربا ينمِّي المال، والصدقة لا تنميه بل تنقصه، فالآية تنص على عكس حساب الرياضيات.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

ماذا نستنبط من هذا؟
نستنبط أن هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك منظومةٌ من القوانين الأخرى لا يعلمها إلا قلةٌ قليلة ممن أوتوا العلم، مثلاً: الإنسان قد يرابي وقد يربح ملايين مملينة من الربا ثم تأتيه مصيبةٌ بقانونٍ آخر تمحق كل ماله، وهذا الشيء يقع، هناك من يحترق ماله، هناك من يدمَّر، هناك من يفقد أعز ما يملك، هناك من تصادر أمواله، فهناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك قوانين استثنائية بيد الله عزَّ وجل، فأنت حينما تخاف الله وتقرض قرضاً حسناً، ويقل مالك، تكافأ برزقٍ لا تدري من أين جاءك.. " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب ".

بينما الذي يرابي أيضاً بقانون استثنائي يدمِّره الله عزَّ وجل، ومن عظمة الله عزَّ وجل أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب، ويغنيه أيضاً بأبسط الأسباب..


﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

أنت حينما تقرأ كلام الله، وتقول: صدق الله العظيم، يجب أن تؤمن إيماناً يقينياً أن الربا سيمحقه الله ولو بعد حين، وأن الصدقات سيربيها الله ولو بعد حين، لكن لا بد مـن أن تشعر أن العقاب لا يأتي عقب الذنب أبداً، وأن الجزاء الحسن لا يأتي عقب الصدقة بسبب أن الله لو فعل هذا لألغي الاختيار، فمثلاً مرابٍ تعامل بالربا فأتلفَ ماله بعد ساعة فلا أحد يفعل ذلك لا حباً بالله ولا طاعةً له ولكن خوفاً على المال، والمتصدق يدفع الصدقة فيأتيه عشرة أضعافها، فيبادر أهل الكفر والإلحاد ويدفعون الصدقات، إذاً لو جاء العقاب والثواب عقب العمل لألغي الاختيار، ولكن حكمة الله أنك تفعل ما تشاء، وإلى أمدٍ طويل دون أن تصاب بشيء، وتأخذ أبعادك، فأنت مخيَّر، فالمَحْقُ هنا قد لا يكون سريعاً.
https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...0393d1ce24.png

الفرق بين الربا والصدقة :
قال تعالى:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

من معاني (يمحق الله الربا)
أن هذا المال الذي جمعته بالحرام يتلفه الله؛ بمصادرةٍ، بحريقٍ، بمشكلةٍ، بمرضٍ عُضال تنفقه.
أعلم رجلاً له دخلٌ حرام، علةٌ في قلبه كلَّفته بضع مئات من الألوف، فالله عزَّ وجل يمحق المال الحرام بطرق كثيرة، إما أن يتلف المال نفسه، أو أن ينفق على صحة الإنسان، أو أن يدفَع جزاء خطأ غير مقصود، أو أن يشقى الإنسان به، أو أن يسرق منه، أو أن يكون هذا المال نكداً عليه، تألَّب عليه أولاده وتطاولوا عليه طمعاً بهذا المال، أي يصبح هذا المال الحرام مصدر شقاءٍ لهذا الإنسان
هذا معنى

(يمحق الله الربا)
وليس المحق سريعاً بل قد يأتي متأخراً..

﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

أما الصدقة فيضاعفها الله أيضاً، وثوابها قد يأتي عاجلاً أو آجلاً حسب مشيئة الله.

الآية التالية تحمل إنذاراً قاسياً مرعباً :
قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾

هنا الآية تحمل إنذاراً قاسياً مرعباً..

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

مَن نحن حتى نتعرَّض لحرب الله عزَّ وجل؟

أحياناً خطأ بسيط في الأجهزة تصبح حياة الإنسان جحيماً، فالخلايا في أي مكان بالجسم قد تنمو نمواً غير طبيعي، وانتهى الأمر . واللهِ مرة كنت في جلسة، فيها شخص لا أعرفه لكنه واجم وجوماً يلفت النظر، كأن هموم الدنيا تراكمت عليه، بعد أن انتهت الجلسة، أوصلته إلى البيت، وسألته في الطريق فلم يجب إطلاقاً، ثم علمت أنه يعاني مرضاً عُضالاً، نعم مرض عضال، مرض خبيث، هذا معنى يمحق الله الربا، نحن تحت ألطاف الله عزَّ وجل، فالذي يجرؤ ويأكل المال الحرام قد يمحق الله حياته، يمحق صحته، يمحق سعادته، يمحق أمنه، يمحق طمأنينته..

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ* وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾


أي أن هذا الذي أقرضته المال بفائدة إذا كان ذو عسرة فانتظره حتى يتيسَّر أمره، لا تقل له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فهذا سلوك أهل الجاهلية ولا يليق بالمؤمنين.

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[سورة البقرة: 5 ]


الصدقة تزيد المال، وتملأ نفس المتصدق بالسكينة، والإقبال، والطمأنينة، والقوة، والانشراح، ولها أثر نفسي، وأثر مادي، بعد حين يعوّض الله عزَّ وجل على المتصدق أضعافاً مضاعفة.
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

العجيب أن المسألة في الرياضيات بالعكس، إذا أقرضت قرضاً ربوياً مئة ألفٍ مثلاً عاد مئة وعشرين، فالربا اسمه ربا من الزيادة، أما إذا أقرضت قرضاً حسناً عاد مئة، فبالآلات الحاسبة الربا ينمِّي المال، والصدقة لا تنميه بل تنقصه، فالآية تنص على عكس حساب الرياضيات.


﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

ماذا نستنبط من هذا؟
نستنبط أن هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك منظومةٌ من القوانين الأخرى لا يعلمها إلا قلةٌ قليلة ممن أوتوا العلم، مثلاً: الإنسان قد يرابي وقد يربح ملايين مملينة من الربا ثم تأتيه مصيبةٌ بقانونٍ آخر تمحق كل ماله، وهذا الشيء يقع، هناك من يحترق ماله، هناك من يدمَّر، هناك من يفقد أعز ما يملك، هناك من تصادر أمواله، فهناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك قوانين استثنائية بيد الله عزَّ وجل، فأنت حينما تخاف الله وتقرض قرضاً حسناً، ويقل مالك، تكافأ برزقٍ لا تدري من أين جاءك.. " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب ".

بينما الذي يرابي أيضاً بقانون استثنائي يدمِّره الله عزَّ وجل، ومن عظمة الله عزَّ وجل أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب، ويغنيه أيضاً بأبسط الأسباب..


﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

أنت حينما تقرأ كلام الله، وتقول: صدق الله العظيم، يجب أن تؤمن إيماناً يقينياً أن الربا سيمحقه الله ولو بعد حين، وأن الصدقات سيربيها الله ولو بعد حين، لكن لا بد مـن أن تشعر أن العقاب لا يأتي عقب الذنب أبداً، وأن الجزاء الحسن لا يأتي عقب الصدقة بسبب أن الله لو فعل هذا لألغي الاختيار، فمثلاً مرابٍ تعامل بالربا فأتلفَ ماله بعد ساعة فلا أحد يفعل ذلك لا حباً بالله ولا طاعةً له ولكن خوفاً على المال، والمتصدق يدفع الصدقة فيأتيه عشرة أضعافها، فيبادر أهل الكفر والإلحاد ويدفعون الصدقات، إذاً لو جاء العقاب والثواب عقب العمل لألغي الاختيار، ولكن حكمة الله أنك تفعل ما تشاء، وإلى أمدٍ طويل دون أن تصاب بشيء، وتأخذ أبعادك، فأنت مخيَّر، فالمَحْقُ هنا قد لا يكون سريعاً.


﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
أي كفار بهذا المنهج العظيم أثيمٌ لمخالفته، منهجٌ عظيم كفر به، ومنهجٌ عظيم أَثِم بمخالفته.


راتب النابلسي
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية


https://encrypted-tbn0.gstatic.com/i...s50X8DYZDL8g&s




امانى يسرى محمد 12-02-2025 02:36 PM

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281).

المؤمن الصادق لا يفعل شيئاً إلا وهو يراقب الله تعالى :
قال تعالى:

﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ﴾

بأن تنزلوا عن بعض هذا المال للمَدين المُعْسر..

﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون* وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

أي يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا بد من أن تقف يوم القيامة بين يدي الله لتحاسب على كل حركةٍ، وعلى كل سكنةٍ، وعلى كل نفقةٍ، وعلى كل كسبٍ فعلته في الدنيا، وهذا هو يوم الدين يوم الجزاء، فالإنسان الذي يؤمن أنه سيحاسب يستقيم في الدنيا، سيدنا عمر يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم.


﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

نحن في دار عملٍ ولا جزاء، ونحن قادمون على دار جزاءٍ ولا عمل، نحن في دار هدنةٍ وانقطاع، العام الدراسي عام هُدْنَة، الطالب يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، هو في بحبوحة، أما بالامتحان فيتميز الناس، الامتحان يفرز الطلاَّب، ونحن في زمن هدنةٍ وانقطاع، الموت يقطع هذه الهدنة، وخلال فترة الهدنة مسموح لنا أن نفعل، فالمرء مخير، وكل شيء بحسابه:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

[سورة فصلت: 40]


لكن المؤمن الصادق لا يفعل شيئاً إلا وهو يراقب الله تعالى، إن فعلت هذا هل يرضى الله عني، أم لا يرضى عني؟ ماذا أفعل؛ أقْدِم أم أحْجِم؟ في حوار مع نفسه، وهذه الآية من أدق الآيات في كتاب الله، وقيل إنها آخر آية نزلت في القرآن الكريم..

﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

امانى يسرى محمد 12-30-2025 07:15 AM

كل إنسان يستقرض ولا يرد فهو يمنع الماعون :

قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾

أي تقرضه ويقرضك، تعينه ويعينك، تأخذ بيده ويأخذ بيدك، ذلك أن الله عز وجل قهرنا على أن نأكل ونشرب، قيام أجسادنا يحتاج إلى طعام وشراب، نحن مقهورون بالطعام والشراب، وهذا الطعام والشراب يحتاج إلى مال، نحن مقهورون بالعمل، وهذا العمل يحتاج إلى جماعة، تتقن حاجةً، وأنت محتاج إلى مئة ألف حاجة، لا بد أن تكون مع الناس؛ تشتري رغيفَ خبز، مئة ألف إنسان ساهم في هذا الرغيف، بدءً بزراعته، وتنميته، وسقيه، وتسميده، وحصاده، وتجفيفه، وطحنه، وخبزه، تشتري خبزاً، تشتري قميصاً، تستخدم مَن يعالجك، مَن يُعَلِِّم ابنك، تتقن حاجة، وأنت محتاجٌ إلى مئة ألف حاجة، أنت مقهور بالطعام والشراب، مقهور بالعمل، مقهور أن تكون في جماعة، وأنت في جماعة تمتحن؛ إما أن تصدق وإما أن تكذب، إما أن تُخْلِص وإما أن تخون، إما أن تستقيم وإما أن تنحرف، إما أن ترحم وإما أن تقسو، إما أن تعطي وإما أن تأخذ، هنا الامتحان، وهو جزء أساسي من علاقاتنا قضية الدَّين.

مَن هذا الذي يمنع الماعون؟

الذي يمنع الماعون هو الذي يستدين ولا يوفِّي، الآن الناس كفروا بالدَّين، تجده يطلب الدَّين برِقَّة بالغة، بأدبٍ جَم، فإذا تملَّك المال لا يسأل، ولا يلقي لك سلاماً، ولا يعتذر، كل إنسان يستقرض ولا يرد فهو يمنع الماعون

القرض الحسن هو مُطْلَق العمل الصالح :
لأن الناس أقرضوا وما استوفوا، كفروا بالدَّين، مثل آخر مشابه: هناك طريقة مشروعةٌ جداً لاستثمار المال، وحاجة استثمار المال حاجةٌ أساسيةٌ جداً، طفلٌ يتيم، امرأةٌ أرملة، شيخٌ كبير، موظَّف متقاعد، هناك نماذج كثيرة جداً بحاجةٍ ماسَّة إلى استثمار أموالها، هؤلاء الذين جمعوا أموال الناس ليستثمروها فأكلوها، ماذا فعلوا؟ منعوا الخير، وسَفَّهوا الدين، وقووا مركز البنك، ما الذي قوَّى مركز البنوك الربوية؟ جامعوا الأموال الذين جمعوها وأكلوها، فالإنسان حينما يخطئ في الشيء المشروع يكون مجرماً بحق هذا الدِّين، وحق هذه الأمَّة.
فالله عز وجل جعل الدَّين أساساً في العلاقات الاجتماعية، الإنسان بحاجة للمال، ربما لا يكون فقيراً، ولكن عنده ظرف طارئ، فالذي لا يرد الدين يمنع الماعون، فعَنْ جَابِرٍ قَال:

(تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ))

[من مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه]


متى ابترد؟ لا مع الضمان، ولكن بعد الوفاء. لكن ما قولك بإنسان قدم لله أثمن ما يملك على الإطلاق، قدَّم روحه، استشهد في ساحة المعركة لإعلاء كلمة الله، هل هناك من عملٍ على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة أعظم من أن تقدم أثمن ما تملك، ومع ذلك يغفر للشهيد كل شيءٍ إلا الدَّين، الدَّين لا يغفر، ذلك أن حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
هذا الدَّين الذي يحل مشكلات المجتمع لا القرض الربوي، القرض الحسن، بل إن الله عز وجل جعل كل عملٍ صالحٍ على الإطلاق قرضاً حسناً، قال:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة: 245 ]

إن أطعمت هرَّة فهو قرضٌ حسن لله، إن أعنت مسكيناً، إن أعنت أرملةً، إن رعيت يتيماً، إن أطعمت جائعاً، إن أرشدت ضالاً، إن أعنت امرأةً في حمل أثقالها فهذا قرضٌ لله عز وجل، بل إن القرض الحسن هو مُطْلَق العمل الصالح، لذلك الدَّين يحل مشكلات المجتمع ولكن الناس كفروا بالدين، لأنه يأخذ بأعلى درجة من اللطف، أما إذا طالبته قلب لك ظهر المِجَن، والله مئات بل آلاف القصص دين من خمسة وعشرين سنة، من ثلاثين سنة، من عشرة سنوات، ما في أمل أبداً أن تستردها، قدَّمت هذا القرض بنية عالية صالحة، فصار هذا المقترض مستعلياً، مماطلاً إلى أن تيأس منه.


الساعة الآن 04:25 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009